الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
تَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الْمَرْهُونِ:
١٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ التَّصَرُّفُ فِي الْمَرْهُونِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ بِمَا يُزِيل الْمِلْكَ كَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ، أَوْ يَزْحَمُ الْمُرْتَهِنَ فِي مَقْصُودِ الرَّهْنِ، كَالرَّهْنِ عِنْدَ آخَرَ، أَوْ يُقَلِّل الرَّغْبَةَ فِي الْمَرْهُونِ، إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ (١) .
فَإِنْ تَصَرَّفَ بِمَا ذُكِرَ فَتَصَرُّفُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ، لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِل حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْوَثِيقَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ صَحَّ التَّصَرُّفُ، وَبَطَل الرَّهْنُ إِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ لِلْمَرْهُونِ بَدَلٌ كَالْوَقْفِ، وَالْهِبَةِ، وَيَسْقُطُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي حَبْسِ الْمَرْهُونِ. لأَِنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّهِ وَقَدْ زَال بِإِذْنِهِ (٢) .
وَإِنْ كَانَ لِلْمَرْهُونِ بَدَلٌ كَالْبَيْعِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ: فَإِنْ كَانَ الإِْذْنُ مُطْلَقًا، وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلًا صَحَّ الْبَيْعُ وَبَطَل الرَّهْنُ لِخُرُوجِ الْمَرْهُونِ مِنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَلاَ يَحِل ثَمَنُ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ مَحَلَّهَا لِعَدَمِ حُلُول الدَّيْنِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ حَالًّا عِنْدَ الإِْذْنِ قَضَى حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ، وَحُمِل إِذْنُهُ عَلَى الْبَيْعِ مِنْ غَرَضِهِ لِمَجِيءِ وَقْتِهِ؛ وَلأَِنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ
_________
(١) المغني ٤ / ٤٠١، أسنى المطالب ٢ / ١٥٨، وكشاف القناع ٣ / ٣٣٤، القوانين الفقهية ٣١٩، حاشية الطحطاوي ٤ / ٢٤٧
(٢) كشاف القناع ٣ / ٣٣٤ - ٣٣٥، نهاية المحتاج ٤ / ٢٥٩ - ٢٦٨
بَيْعُهُ وَالاِسْتِيفَاءُ مِنْهُ، وَلاَ يَبْطُل الرَّهْنُ، فَيَكُونُ الرَّاهِنُ مَحْجُورًا فِي ثَمَنِ الْمَرْهُونِ إِلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ (١) . وَإِنْ شَرَطَ فِي الإِْذْنِ أَنْ يُقْضَى الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ صَحَّ الْبَيْعُ لِلإِْذْنِ، وَلَغَا الشَّرْطُ؛ لأَِنَّ التَّأْجِيل أَخَذَ قِسْطًا مِنَ الثَّمَنِ وَهُوَ لاَ يَجُوزُ، وَيَكُونُ الثَّمَنُ رَهْنًا مَكَانَ الْمَرْهُونِ؛ لأَِنَّ الْمُرْتَهِنَ لَمْ يَأْذَنْ فِي الْبَيْعِ إِلاَّ طَامِعًا فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ شَرَطَ فِي إِذْنِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ رَهْنًا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَمْ مُؤَجَّلًا لِفَسَادِ الإِْذْنِ بِفَسَادِ الشَّرْطِ (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا بَاعَ الرَّاهِنُ وَأَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْبَيْعَ جَازَ؛ لأَِنَّ تَوْقِيفَ الْبَيْعِ لِحَقِّهِ، وَقَدْ رَضِيَ بِسُقُوطِهِ، وَإِنْ نَفَذَ الْبَيْعُ بِإِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ يَنْتَقِل حَقُّهُ إِلَى بَدَلِهِ لأَِنَّ حَقَّهُ بِالْمَالِيَّةِ، وَلِلْبَدَل حُكْمُ الْبَدَل، وَإِنْ لَمْ يُجِزِ الْمُرْتَهِنُ الْبَيْعَ يَبْقَى مَوْقُوفًا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَفُكَّ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ فَيَفْسَخَ الْبَيْعَ لِفَوَاتِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لِلْمُرْتَهِنِ فَسْخُ الْبَيْعِ لأَِنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ لِلْمُرْتَهِنِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ
_________
(١) كشاف القناع ٣ / ٣٣٧، نهاية المحتاج ٤ / ٢٦٩، المجموع ٣ / ٢٤٠
(٢) كشاف القناع ٣ / ٣٣٨
(٣) أسنى المطالب ٢ / ١٦٣، نهاية المحتاج ٤ / ٢٦٩
فَصَارَ كَالْمَالِكِ، لَهُ أَنْ يَفْسَخَ أَوْ يُجِيزَ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إِنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ فِي الإِْجَازَةِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ رَهْنًا فَهُوَ رَهْنٌ، لأَِنَّهُ إِذَا أَجَازَ بِهَذَا الشَّرْطِ لَمْ يَرْضَ بِبُطْلاَنِ حَقِّهِ عَنِ الْعَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالْبَدَل، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُ عَنِ الْمَرْهُونِ، وَالثَّمَنُ لَيْسَ بِمَرْهُونٍ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ بِالْبَيْعِ بَطَل الرَّهْنُ عَنِ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ، وَحَل مَكَانَهَا الثَّمَنُ رَهْنًا إِنْ لَمْ يَأْتِ الرَّاهِنُ بِرَهْنٍ كَالأَْوَّل (٢) .
الْيَدُ عَلَى الْمَرْهُونِ:
١٨ - الْيَدُ عَلَى الْمَرْهُونِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لأَِنَّ الرَّهْنَ الرُّكْنُ الأَْعْظَمُ لِلتَّوْثِيقِ، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ اسْتِرْدَادُهُ إِلاَّ بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ أَوْ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَجْعَلاَهُ فِي يَدِ ثَالِثٍ جَازَ، وَكَانَ وَكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ فِي قَبْضِهِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ لاَ يَثِقُ بِصَاحِبِهِ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَلاَ يَضْمَنُ إِنْ
_________
(١) تكملة فتح القدير وحاشية سعدي جلبي ٩ / ١١١، وابن عابدين ٥ / ٣٢٧
(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ٢٤٣، وشرح الزرقاني ٥ / ٢٤٣
(٣) القليوبي ٢ / ٢٧٢، الإنصاف ٥ / ١٤٩، أسنى المطالب ٢ / ١٦٢ - ١٦٥، وبلغة السالك ٢ / ١٥١، الهداية ٤ / ١٤١، حاشية الطحطاوي ٤ / ٢٤٥
تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ لِحَدِيثِ: لاَ يَغْلَقُ الرَّهْنُ لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ (١) . لأَِنَّنَا لَوْ ضَمَّنَّاهُ لاَمْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ فِعْلِهِ خَوْفًا مِنَ الضَّمَانِ، وَلَتَعَطَّلَتِ الْمُدَايَنَاتُ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، وَلأَِنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ فَلاَ يُضْمَنُ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الدَّيْنِ، إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهَا يَدُ ضَمَانٍ، فَيَضْمَنُ الْمُرْتَهِنُ إِنْ هَلَكَ بِيَدِهِ بِالأَْقَل مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنَ الدَّيْنِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ الْمَرْهُونِ كَانَتِ الزِّيَادَةُ أَمَانَةً بِيَدِهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْهَا سَقَطَ بِقَدْرِهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ بِالْفَضْل عَلَى الرَّاهِنِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا، فَنَفَقَ فِي يَدِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلْمُرْتَهِنِ: ذَهَبَ حَقُّكَ (٣) .
_________
(١) حديث: " لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه ". أخرجه البيهقي (٦ / ٣٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة، ورجح إرساله من حديث سعيد بن المسيب، وكذا نقل ابن حجر في التلخيص (٣ / ٣٦ - ط شركة الطباعة الفنية) عن أبي داود والبزار والدارقطني وغيرهم أنهم رجحوا إرساله
(٢) القليوبي ٢ / ٢٧٥، كشاف القناع ٣ / ٣٤١، الإنصاف ٥ / ١٥٥، نهاية المحتاج ٤ / ١٨١
(٣) حديث: " ذهب حقك ". أخرجه أبو داود في المراسيل (ص ١٧٢ - ط الرسالة) من حديث عطاء بن أبي رباح مرسلًا، ونقل كذلك الزيلعي في نصب الراية (٤ / ٣٢١ - ط المجلس العلمي) عن ابن القطان أنه ضعف الراوي عن عطاء، وهو مصعب بن ثابت بن عبد الله
وَقَالُوا أَيْضًا: أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ.
وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ مَالًا ظَاهِرًا كَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَالًا بَاطِنًا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ كَالْحُلِيِّ وَالْعُرُوضِ، وَبَيْنَ أَنْ يُقِيمَ شَهَادَةً بِهَلاَكِهَا بِلاَ تَفْرِيطٍ، وَبَيْنَ أَلاَّ يُقِيمَ عَلَى ذَلِكَ شَهَادَةً.
أَمَّا إِنْ هَلَكَ الْمَرْهُونُ بِتَعَدٍّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ ضَمَانَ الْغَصْبِ (١) .
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ كَالْحُلِيِّ وَالْعُرُوضِ، وَبَيْنَ مَا لاَ يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ كَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ، فَيَضْمَنُ الأَْوَّل إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَرْهُونُ عِنْدَ أَمِينٍ، أَوْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً عَلَى هَلاَكِهِ بِلاَ تَفْرِيطٍ مِنْهُ، وَلاَ يَضْمَنُ الثَّانِيَ إِلاَّ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ (٢) .
مُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ:
١٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مُؤْنَةَ الْمَرْهُونِ عَلَى الرَّاهِنِ كَعَلَفِ الْحَيَوَانِ، وَسَقْيِ الأَْشْجَارِ، وَجُذَاذِ الثِّمَارِ وَتَجْفِيفِهَا، وَأُجْرَةِ مَكَانِ الْحِفْظِ، وَالْحَارِسِ، وَرَعِي الْمَاشِيَةِ وَأُجْرَةِ الرَّاعِي وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، عَلَيْهِ غُرْمُهُ، وَلَهُ غُنْمُهُ (٣) .
_________
(١) حاشية الطحطاوي ٤ / ٢٣٥، فتح القدير ٩ / ٧٠
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٤٧، حاشية الدسوقي ٣ / ٢٥٣
(٣) حديث: " لا يغلق الرهن من راهنه الذي رهنه. . . " تقدم تخريجه (ف / ١٨)
وَلأَِنَّهُ مِلْكُهُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ مَا يَحْتَاجُ لِبَقَاءِ الرَّهْنِ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ الرَّهْنِ بِنَفْسِهِ أَوْ تَبَعِيَّتِهِ كَعَلَفِ الدَّابَّةِ، وَأُجْرَةِ الرَّاعِي، وَسَقْيِ الْبُسْتَانِ فَعَلَى الرَّاهِنِ، وَمَا يُحْتَاجُ لِحِفْظِ الْمَرْهُونِ كَمَأْوَى الْمَاشِيَةِ، وَأُجْرَةِ الْحِفْظِ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ، لأَِنَّ حَبْسَ الْمَرْهُونِ لَهُ (٢) .
الاِمْتِنَاعُ مِنْ بَذْل مَا وَجَبَ:
٢٠ - إِذَا امْتَنَعَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَصَرَّ فَعَلَهُ الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَإِنْ قَامَ الْمُرْتَهِنُ بِالْمُؤْنَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ صَارَ مُتَطَوِّعًا فَلاَ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَامَ بِالْمُؤْنَةِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، أَوْ أَشْهَدَ عَلَى الإِْنْفَاقِ عِنْدَ فَقْدِ الْحَاكِمِ وَامْتِنَاعِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُؤْنَةُ أَوْ كَانَ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا أَنْفَقَهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْحَاكِمُ أَوِ الرَّاهِنُ (٤) .
_________
(١) كشاف القناع ٣ / ٣٣٣، نهاية المحتاج ٤ / ٢٧٩، القليوبي ٢ / ٢٧٥، حاشية الدسوقي ٣ / ٢٥١، بلغة السالك ٢ / ١٢٠
(٢) الطحطاوي ٤ / ٢٣٨، وابن عابدين ٥ / ٣١٦
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣١٣، أسنى المطالب ٢ / ١٦٩، المغني ٤ / ٤٣٨
(٤) بلغة السالك ٢ / ١٢٠
مَا يَبْطُل بِهِ عَقْدُ الرَّهْنِ قَبْل اللُّزُومِ:
٢١ - يَبْطُل الرَّهْنُ قَبْل الْقَبْضِ بِرُجُوعِ الرَّاهِنِ عَنِ الرَّهْنِ بِالْقَوْل وَبِتَصَرُّفٍ يُزِيل الْمِلْكَ كَالْبَيْعِ وَالإِْصْدَاقِ، وَجَعْلِهِ أُجْرَةً وَرَهْنِهِ عِنْدَ آخَرَ مَعَ الْقَبْضِ، وَهِبَةٍ، وَوَقْفٍ؛ لأَِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ إِمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، أَمَّا مَوْتُ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْل الْقَبْضِ وَجُنُونُهُ، وَتَخَمُّرُ الْعَصِيرِ، وَشُرُودُ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ قَبْل اللُّزُومِ فَلاَ يُبْطِل، أَمَّا فِي الْمَوْتِ: فَلأَِنَّ مَصِيرَ الرَّهْنِ إِلَى اللُّزُومِ فَلاَ يَتَأَثَّرُ بِمَوْتِهِ كَالْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، فَيَقُومُ وَارِثُ الرَّاهِنِ مَقَامَهُ فِي الإِْقْبَاضِ، وَوَارِثُ الْمُرْتَهِنِ فِي الْقَبْضِ، أَمَّا الْمَجْنُونُ وَنَحْوُهُ فَكَالْمَوْتِ بَل أَوْلَى فَيَعْمَل الْوَلِيُّ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ لَهُ، مِنَ الإِْجَازَةِ أَوِ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الْعَقْدِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَبْطُل الْعَقْدُ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ، وَفَلَسِهِ وَمَرَضِهِ وَجُنُونِهِ الْمُتَّصِلَيْنِ بِالْمَوْتِ قَبْل الْحَوْزِ، وَإِذْنِهِ بِسُكْنَى الدَّارِ أَوْ إِجَارَةِ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ، وَلَوْ لَمْ يَسْكُنْ (٢) .
مَا يَبْطُل بِهِ الرَّهْنُ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ:
٢٢ - يَبْطُل الْعَقْدُ بَعْدَ لُزُومِهِ: بِتَلَفِ الْمَرْهُونِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْل مَنْ لاَ يَضْمَنُ كَحَرْبِيٍّ،
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٠٨، الهداية ٢ / ١٢٦، المغني ٤ / ٣٦٦، روضة الطالبين ٤ / ٦٩، نهاية المحتاج ٤ / ١٥٦
(٢) شرح الزرقاني ٥ / ٢٤٢ - ٢٤٣، بلغة السالك ٢ / ١١٣
لِفَوَاتِهِ بِلاَ بَدَلٍ، وَبِفَسْخِ الْمُرْتَهِنِ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَالْعَقْدَ جَائِزٌ مِنْ جِهَتِهِ، وَبِالْبَرَاءَةِ مِنَ الدَّيْنِ بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ أَوْ حَوَالَةٍ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ، وَبِتَصَرُّفِ الرَّاهِنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ بِمَا يُزِيل الْمِلْكَ، كَالْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالْبَيْعِ، أَوْ إِجَارَةٍ يَحِل الدَّيْنُ قَبْل انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا، وَرَهْنٍ عِنْدَ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ بِإِذْنِهِ أَيْضًا (١) .
الشَّرْطُ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ:
٢٣ - الشَّرْطُ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ كَالشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَتَقَدُّمِ الْمُرْتَهِنِ بِالْمَرْهُونِ عِنْدَ تَزَاحُمِ الْغُرَمَاءِ وَكَوْنِ الْمَرْهُونِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، كَأَنْ لاَ يُبَاعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الْبَيْعِ أَوْ لاَ يُبَاعُ إِلاَّ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْل، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ بِيَدِ الرَّاهِنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ أَوِ الرَّاهِنَ بَطَل الشَّرْطُ لِمُنَافَاتِهِ مَقْصُودَ الرَّهْنِ وَمُقْتَضَاهُ، وَيَبْطُل الْعَقْدُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ (٢) .
اسْتِحْقَاقُ بَيْعِ الْمَرْهُونِ:
٢٤ - إِذَا حَل الدَّيْنُ لَزِمَ الرَّاهِنَ بِطَلَبِ الْمُرْتَهِنِ
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٢٥٤ - ٢٥٩ و٢٦٨ - ٢٦٩، روضة الطالبين ٤ / ٨٢ - ٨٣، المغني ٤ / ٣٦٦، الهداية ٢ / ١٤٧، ١٥٧، بلغة السالك ٢ / ١١٣
(٢) شرح الزرقاني ٥ / ٢٤١، أسنى المطالب ٢ / ١٥٣، المغني ٤ / ٤٢١ - ٤٢٣، نهاية المحتاج ٤ / ٢٣٥
إِيفَاءُ الدَّيْنِ لأَِنَّهُ دَيْنٌ حَالٌّ فَلَزِمَ إِيفَاؤُهُ كَاَلَّذِي لاَ رَهْنَ بِهِ، فَإِنْ وَفَى الدَّيْنَ جَمِيعَهُ فِي مَالِهِ غَيْرِ الْمَرْهُونِ انْفَكَّ الْمَرْهُونُ، فَإِنْ لَمْ يُوفِ كُل الدَّيْنِ أَوْ بَعْضَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ بَيْعُ الْمَرْهُونِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ؛ لأَِنَّ لَهُ حَقًّا فِيهِ، وَيُقَدِّمُ فِي ثَمَنِهِ الْمُرْتَهِنَ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١) . فَإِنِ امْتَنَعَ عَنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَبَيْعِ الْمَرْهُونِ لأَِدَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِوَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ، أَوْ بَيْعِ الْمَرْهُونِ، وَأَدَائِهِ مِنْ ثَمَنِهِ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْ كِلاَ الأَْمْرَيْنِ عَزَّرَهُ الْحَاكِمُ بِالْحَبْسِ أَوِ الضَّرْبِ لِيَبِيعَ الْمَرْهُونَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل بَاعَ الْحَاكِمُ الْمَرْهُونَ، وَقَضَى الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ لأَِنَّهُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لأَِدَاءِ الْوَاجِبِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُضْرَبُ، وَلاَ يُحْبَسُ، وَلاَ يُهَدَّدُ بِهِمَا، بَل يَقْتَصِرُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ الْمَرْهُونِ وَأَدَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلْمُرْتَهِنِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِدَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ بِيَدِهِ، وَأَنْ يُطَالِبَ بِحَبْسِهِ لِدَيْنِهِ لأَِنَّ حَقَّهُ بَاقٍ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَالرَّهْنُ
_________
(١) الهداية ٤ / ١٢٨، كشاف القناع ٣ / ٣٤٢، المغني ٤ / ٤٤٧، نهاية المحتاج ٤ / ٢٧٤، روضة الطالبين ٤ / ٨٨
(٢) حاشية البجيرمي ٢ / ٣٨٠، نهاية المحتاج ٤ / ٢٧٤، القليوبي ٢ / ٢٧٤، كشاف القناع ٣ / ٣٤٢، المغني ٤ / ٤٤٧
(٣) شرح الزرقاني ٥ / ١٥٣
لِزِيَادَةِ التَّوْثِيقِ وَالصِّيَانَةِ فَلاَ تَمْتَنِعُ بِهِ الْمُطَالَبَةُ، وَالْحَبْسُ جَزَاءُ الظُّلْمِ، وَحَبَسَهُ الْقَاضِي إِنْ ظَهَرَ مَطْلُهُ، وَلاَ يَبِيعُ الْقَاضِي الْمَرْهُونَ لأَِنَّهُ نَوْعُ حَجْرٍ، وَفِي الْحَجْرِ إِهْدَارُ أَهْلِيَّتِهِ، فَلاَ يَجُوزُ، وَلَكِنَّهُ يُدِيمُ الْحَبْسَ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِيعَهُ دَفْعًا لِلظُّلْمِ (١) . (ر: حَجْر) .
رَوَاتِبُ
انْظُرْ: رَاتِب.
_________
(١) الهداية ٤ / ١٢٨، ٣ / ٢٨٥، ابن عابدين ٥ / ٩٥ - ٣١٠