الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
٢ - وَأَنْ يَكُونَ مُفْرَغًا عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ، فَلاَ يَجُوزُ رَهْنٌ مَشْغُولٌ بِحَقِّ الرَّاهِنِ، كَدَارٍ فِيهَا مَتَاعُهُ.
٣ - وَأَنْ يَكُونَ مُمَيَّزًا، فَلاَ يَجُوزُ رَهْنُ الْمُتَّصِل بِغَيْرِهِ اتِّصَال خِلْقَةٍ كَالثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ بِدُونِ الشَّجَرِ، لأَِنَّ الْمَرْهُونَ مُتَّصِلٌ بِغَيْرِ الْمَرْهُونِ خِلْقَةً فَصَارَ كَالشَّائِعِ (١) .
رَهْنُ الْمُسْتَعَارِ:
١٠ - لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ، فَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُسْتَعَارِ بِإِذْنِ الْمُعِيرِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَنَقَل صَاحِبُ الْمُغْنِي عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ الاِسْتِعَارَةِ لِلرَّهْنِ، لأَِنَّهُ تَوَثُّقٌ، وَهُوَ يَحْصُل بِمَا لاَ يَمْلِكُهُ الرَّاهِنُ بِدَلِيل صِحَّةِ الإِْشْهَادِ وَالْكَفَالَةِ، وَلأَِنَّ لِلْمُعِيرِ أَنْ يُلْزِمَ ذِمَّتَهُ دَيْنَ غَيْرِهِ، فَيَمْلِكُ أَنْ يُلْزِمَ عَيْنَ مَالِهِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحَل حَقِّهِ، وَتَصَرُّفِهِ (٢) .
شُرُوطُ صِحَّةِ رَهْنِ الْمُسْتَعَارِ لِلرَّهْنِ:
١١ - يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الْعَارِيَّةِ لِلرَّهْنِ: ذِكْرُ قَدْرِ الدَّيْنِ، وَجِنْسِهِ وَصِفَتِهِ، وَحُلُولِهِ وَتَأْجِيلِهِ، وَالشَّخْصِ الْمَرْهُونِ عِنْدَهُ، وَمُدَّةِ الرَّهْنِ لأَِنَّ الْغَرَرَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ فَاحْتِيجَ إِلَيْهِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ
_________
(١) حاشية الطحطاوي ٤ / ٢٣٥، والهداية ٤ / ١٢٦، وفتح الباري ٩ / ٦٩ - ٧٠
(٢) المغني ٤ / ٣٨٠، روضة الطالبين ٤ / ٥٠، ابن عابدين ٥ / ٣٣٠، شرح الزرقاني ٥ / ٢٤٠
الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَجِبُ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ، فَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِشَيْءٍ صَحَّ الْعَقْدُ، وَلِلرَّاهِنِ أَنْ يَرْهَنَ بِمَا شَاءَ؛ لأَِنَّ الإِْطْلاَقَ وَاجِبُ الاِعْتِبَارِ خُصُوصًا فِي الإِْعَارَةِ؛ لأَِنَّ الْجَهَالَةَ لاَ تُفْضِي فِيهَا إِلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لأَِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَالْمَالِكُ قَدْ رَضِيَ بِتَعَلُّقِ دَيْنِ الْمُسْتَعِيرِ بِمَالِهِ، وَهُوَ يَمْلِكُ ذَلِكَ كَمَا يَمْلِكُ تَعَلُّقَهُ بِذِمَّتِهِ بِالْكَفَالَةِ (٢) .
وَإِنْ شَرَطَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فَخَالَفَ الْمُسْتَعِيرَ لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي هَذَا الرَّهْنِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي أَصْل الرَّهْنِ.
إِلاَّ أَنْ يُخَالِفَ إِلَى خَيْرٍ مِنْهُ، كَأَنْ يُؤْذَنَ لَهُ بِقَدْرٍ، وَيَرْهَنَ بِأَقَل مِنْهُ فَيَصِحُّ؛ لأَِنَّ مَنْ رَضِيَ بِقَدْرٍ فَقَدْ رَضِيَ بِمَا دُونَهُ (٣) .
ضَمَانُ الْمُسْتَعَارِ:
١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَمَانِ الْعَيْنِ الْمُسْتَعَارَةِ لِلرَّهْنِ، وَفِيمَنْ يَضْمَنُهَا.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الأَْصْل فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَعَارَةِ
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٢٤٥، والقليوبي ٢ / ٢٦٥
(٢) المغني ٤ / ٣٨٠، ابن عابدين ٥ / ٣٣٠، بلغة السالك ٢ / ١١١
(٣) المصادر السابقة
لِلرَّهْنِ الضَّمَانُ، ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا هَلَكَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ قَبْل أَنْ يَرْهَنَهَا ضَمِنَ؛ لأَِنَّهُ مُسْتَعِيرٌ، وَالْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ. وَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ بِلاَ تَعَدٍّ وَلاَ تَفْرِيطٍ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِمَا، وَلاَ يَسْقُطُ الْحَقُّ عَنْ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ. لأَِنَّ الْمُرْتَهِنَ أَمِينٌ؛ وَلأَِنَّ الْعَقْدَ عَقْدُ ضَمَانٍ أَيْ ضَمَانِ الدَّيْنِ عَلَى رَقَبَةِ الْمَرْهُونِ، فَتَكُونُ يَدُ الْمُرْتَهِنِ يَدَ أَمَانَةٍ بَعْدَ الرَّهْنِ، فَلاَ ضَمَانَ بِالتَّعَدِّي (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الاِسْتِعَارَةَ لِلرَّهْنِ عَقْدُ ضَمَانٍ، فَيَضْمَنُ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ إِنْ هَلَكَتْ، بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ عَقْدَ عَارِيَّةٍ وَالْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ، فَيَضْمَنُ الْمُسْتَعِيرُ وَهُوَ الرَّاهِنُ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ يَدَ الْمُسْتَعِيرِ لِلرَّهْنِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَلاَ يَضْمَنُ الْعَيْنَ الْمُسْتَعَارَةَ لِلرَّهْنِ إِنْ هَلَكَتْ قَبْل رَهْنِهِ أَوْ بَعْدَ فَكِّهِ، وَإِنِ اسْتَخْدَمَهُ أَوْ رَكِبَهُ مِنْ قَبْل؛ لأَِنَّهُ أَمِينٌ خَالَفَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْوِفَاقِ، أَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَيَدُهُ يَدُ ضَمَانٍ، فَإِذَا هَلَكَتِ الْعَيْنُ الْمُسْتَعَارَةُ لِلرَّهْنِ فِي يَدِهِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ وَوَجَبَ لِلْمُعِيرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الرَّاهِنِ مِثْل الدَّيْنِ (٣) .
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٢٤٥، أسنى المطالب ٢ / ٢٤٩، حاشية الدسوقي ٣ / ٢٣٩، وجواهر الإكليل ٢ / ٧٩.
(٢) المغني ٤ / ٣٨٣
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٣١، حاشية الطحطاوي ٤ / ٢٥٠
لُزُومُ الرَّهْنِ:
١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَلْزَمُ بِهِ الرَّهْنُ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ لاَ يَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ وَالإِْقْبَاضِ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَلِلرَّاهِنِ الرُّجُوعُ عَنْهُ قَبْل الْقَبْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) .
فَلَوْ لَزِمَ عَقْدُ الرَّهْنِ بِدُونِ قَبْضٍ لَمَا كَانَ لِلتَّقْيِيدِ بِهِ فَائِدَةٌ؛ وَلأَِنَّهُ عَقْدُ إِرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُول فَافْتَقَرَ إِلَى الْقَبْضِ (٢) .
وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ: إِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا لاَ يَلْزَمُ رَهْنُهُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ إِحْدَاهُمَا: لاَ يَلْزَمُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ، وَالأُْخْرَى: يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَلْزَمُ عَقْدُ الرَّهْنِ بِالْعَقْدِ، ثُمَّ يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى التَّسْلِيمِ لِلْمُرْتَهِنِ، لأَِنَّهُ عَقْدٌ يَلْزَمُ بِالْقَبْضِ، فَيَلْزَمُ بِالْعَقْدِ قَبْلَهُ كَالْبَيْعِ (٤) .
هَذَا، وَإِذَا شُرِطَ الرَّهْنُ أَوِ الْكَفِيل فِي عَقْدٍ مَا ثُمَّ لَمْ يَفِ الْمُلْتَزِمُ بِالشَّرْطِ فَلِلآْخَرِ الْفَسْخُ.
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٣
(٢) أسنى المطالب ٢ / ١٥٥، نهاية المحتاج ٤ / ٢٥٣، المغني ٤ / ٣٦٤، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٠٨
(٣) المغني ٤ / ٣٦٤
(٤) بداية المجتهد ٢ / ٢٤٥، وحاشية البناني على شرح الزرقاني ٥ / ٢٣٣
رَهْنُ الْعَيْنِ عِنْدَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ:
١٤ - إِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ الْمَرْهُونَةُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ عَارِيَّةً أَوْ وَدِيعَةً، أَوْ مَغْصُوبَةً، فَرَهَنَهَا مِنْهُ صَحَّ الرَّهْنُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ مَالُهُ، لَهُ أَخْذُهُ فَصَحَّ رَهْنُهُ كَمَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ (١) .
وَيَلْزَمُ الرَّهْنُ فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ بِالْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى أَمْرٍ زَائِدٍ؛ لأَِنَّ الْيَدَ ثَابِتَةٌ، وَالْقَبْضَ حَاصِلٌ، فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى إِقْبَاضٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الإِْقْبَاضُ، أَوِ الإِْذْنُ بِهِ إِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ يُشْتَرَطُ مَعَ إِذْنِ الْقَبْضِ مُضِيُّ مُدَّةِ إِمْكَانِ الْقَبْضِ، وَقَالُوا: لأَِنَّ الْيَدَ كَانَتْ عَنْ غَيْرِ جِهَةِ الرَّهْنِ، فَلَمْ يَحْصُل الْقَبْضُ بِهَا (٣) .
ثُمَّ عَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِتَجْدِيدِ الْقَبْضِ يَزُول الضَّمَانُ بِالرَّهْنِ؛ لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِي إِمْسَاكِهِ رَهْنًا، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ مِنْهُ عُدْوَانٌ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَمَا لَوْ أَخَذَهُ الرَّاهِنُ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَضَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهِ؛ وَلأَِنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ: الْغَصْبُ، وَالإِْعَارَةُ، وَلَمْ يُعَدَّ الْمُرْتَهِنُ غَاصِبًا أَوْ
_________
(١) المغني ٤ / ٣٧٠، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٣٦، وحاشية الطحطاوي ٤ / ٢٣٥، وأسنى المطالب ٢ / ١٥٥، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٥٠
(٢) المصادر السابقة
(٣) أسنى المطالب ٢ / ١٥٥، نهاية المحتاج ٤ / ٢٥٥
مُسْتَعِيرًا (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَبْرَأُ الْغَاصِبُ الْمُرْتَهِنُ، وَلاَ الْمُسْتَعِيرُ عَنِ الضَّمَانِ وَإِنْ لَزِمَ الْعَقْدُ، لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَقْدَ أَمَانَةٍ: الْغَرَضُ مِنْهُ التَّوَثُّقُ - وَهُوَ لاَ يُنَافِي الضَّمَانَ - فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ لَوْ تَعَدَّى فِي الْمَرْهُونِ ضَمِنَهُ مَعَ بَقَاءِ الرَّهْنِ، فَإِذَا كَانَ لاَ يَرْفَعُ الضَّمَانَ فَلأَنْ لاَ يَدْفَعَهُ ابْتِدَاءً أَوْلَى، وَلِلْغَاصِبِ إِجْبَارُ الرَّاهِنِ عَلَى إِيقَاعِ يَدِهِ عَلَى الْمَرْهُونِ (أَيْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ) لِيَبْرَأَ مِنَ الضَّمَانِ، ثُمَّ يَسْتَعِيدُهُ مِنْهُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَل رُفِعَ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَأْمُرَهُ بِالْقَبْضِ، فَإِنِ امْتَنَعَ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ أَوْ مَأْذُونُهُ، وَيَرُدُّهُ إِلَى الْمُرْتَهِنِ (٢) .
زَوَائِدُ الْمَرْهُونِ، وَنَمَاؤُهُ:
١٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ زِيَادَةَ الْمَرْهُونِ الْمُتَّصِلَةَ كَالسِّمَنِ وَكِبَرِ الشَّجَرِ تَتْبَعُ الأَْصْل. أَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُنْفَصِلَةَ بِأَنْوَاعِهَا لاَ يَسْرِي عَلَيْهَا الرَّهْنُ؛ لأَِنَّ الرَّهْنَ لاَ يُزِيل الْمِلْكَ فَلَمْ يَسْرِ عَلَيْهَا كَالإِْجَارَةِ (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ نَمَاءَ الْمَرْهُونِ كَالْوَلَدِ، وَالثَّمَرِ، وَاللَّبَنِ، وَالصُّوفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ رَهْنٌ مَعَ الأَْصْل، بِخِلاَفِ مَا هُوَ بَدَلٌ عَنِ الْمَنْفَعَةِ
_________
(١) المغني ٤ / ٣٧١، حاشية الدسوقي ٣ / ٢٣٦، حاشية الطحطاوي ٤ / ٢٣٥
(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٢٥٥، روضة الطالبين ٤ / ٦٨، أسنى المطالب ٢ / ١٥٦
(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٢٨٩، أسنى المطالب ٢ / ١٧٣
كَالأُْجْرَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْهِبَةِ، فَلاَ تَدْخُل فِي الرَّهْنِ، وَهِيَ لِلرَّاهِنِ (١) .
وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ مَا تَنَاسَل مِنَ الرَّهْنِ، أَوْ نَتَجَ مِنْهُ كَالْوَلَدِ يَسْرِي إِلَيْهِ الرَّهْنُ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الزَّوَائِدِ كَالصُّوفِ وَاللَّبَنِ، وَثِمَارِ الأَْشْجَارِ وَسَائِرِ الْغَلاَّتِ فَلاَ يَسْرِي عَلَيْهَا الرَّهْنُ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ زَوَائِدَ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ الْمُنْفَصِلَةِ رَهْنٌ كَالأَْصْل، لاَ فَرْقَ بَيْنَ مَا تَنَاسَل مِنْهَا أَوْ نَتَجَ مِنْهَا كَالْوَلَدِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَالأُْجْرَةِ، وَالثَّمَرِ، وَاللَّبَنِ، وَالصُّوفِ، وَقَالُوا: لأَِنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ فِي الْعَيْنِ بِعَقْدِ الْمَالِكِ، فَيَدْخُل فِيهِ النَّمَاءُ وَالْمَنَافِعُ بِأَنْوَاعِهَا، كَالْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّ النَّمَاءَ حَادِثٌ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ فَيَدْخُل فِيهَا كَالْمُتَّصِل. وَقَالُوا فِي سِرَايَةِ الرَّهْنِ عَلَى الْوَلَدِ: إِنَّهُ حُكْمٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الأُْمِّ ثَبَتَ بِرِضَا الْمَالِكِ فَيَسْرِي إِلَى الْوَلَدِ كَالتَّدْبِيرِ، وَالاِسْتِيلاَدِ (٣) .
الاِنْتِفَاعُ بِالْمَرْهُونِ:
١٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الاِنْتِفَاعِ بِالْمَرْهُونِ، وَفِيمَنْ لَهُ ذَلِكَ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ وَلاَ لِلْمُرْتَهِنِ الاِنْتِفَاعُ بِالْمَرْهُونِ مُطْلَقًا،
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٣٥، وفتح القدير ٩ / ١٢٩.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٤٦، القوانين الفقهية ص٣١٩
(٣) المغني ٤ / ٤٣٠، الإنصاف ٥ / ١٥٨، كشاف القناع ٣ / ٣٣٨
لاَ بِالسُّكْنَى وَلاَ بِالرُّكُوبِ، وَلاَ غَيْرِهِمَا، إِلاَّ بِإِذْنِ الآْخَرِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: لاَ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ لِلْمُرْتَهِنِ وَلَوْ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ؛ لأَِنَّهُ رِبًا، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ شَرَطَهُ فِي الْعَقْدِ كَانَ رِبًا، وَإِلاَّ جَازَ انْتِفَاعُهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: غَلاَّتُ الْمَرْهُونِ لِلرَّاهِنِ، وَيَنُوبُ فِي تَحْصِيلِهَا الْمُرْتَهِنُ، حَتَّى لاَ تَجُول يَدُ الرَّاهِنِ فِي الْمَرْهُونِ، وَيَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الاِنْتِفَاعُ بِالْمَرْهُونِ بِشُرُوطٍ هِيَ:
١ - أَنْ يُشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ.
٢ - وَأَنْ تَكُونُ الْمُدَّةُ مُعَيَّنَةً.
٣ - أَلاَّ يَكُونَ الْمَرْهُونُ بِهِ دَيْنُ قَرْضٍ.
فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ فِي الْعَقْدِ وَأَبَاحَ لَهُ الرَّاهِنُ الاِنْتِفَاعَ بِهِ مَجَّانًا لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّهُ هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ، وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَكَذَا إِنْ شَرَطَ مُطْلَقًا وَلَمْ يُعَيِّنْ مُدَّةً لِلْجَهَالَةِ، أَوْ كَانَ الْمَرْهُونُ بِهِ دَيْنُ قَرْضٍ، لأَِنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا (٢) .
وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ الْمَرْهُونِ الْمَرْكُوبِ أَوِ الْمَحْلُوبِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ غَيْرَ مَرْكُوبٍ أَوْ مَحْلُوبٍ، فَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ وَلاَ لِلرَّاهِنِ الاِنْتِفَاعُ بِهِ إِلاَّ بِإِذْنِ الآْخَرِ.
أَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَلأَِنَّ الْمَرْهُونَ وَنَمَاءَهُ وَمَنَافِعَهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهَا بِدُونِ إِذْنِهِ، وَأَمَّا
_________
(١) حاشية الطحطاوي ٤ / ٢٣٦، ابن عابدين ٥ / ٣١٠
(٢) بلغة السالك على الشرح الصغير ٢ / ١١٢، حاشية الدسوقي ٣ / ٢٤٦، والقوانين الفقهية ص ٣١٩
الرَّاهِنُ فَلأَِنَّهُ لاَ يَنْفَرِدُ بِالْحَقِّ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ الاِنْتِفَاعُ إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ.
فَإِنْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ بِالاِنْتِفَاعِ بِالْمَرْهُونِ جَازَ، وَكَذَا إِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بِشَرْطِ:
١ - أَنْ لاَ يَكُونَ الْمَرْهُونُ بِهِ دَيْنُ قَرْضٍ.
٢ - وَأَنْ لاَ يَأْذَنَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بِالاِنْتِفَاعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَانَ الْمَرْهُونُ بِهِ دَيْنُ قَرْضٍ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ؛ لأَِنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ نَفْعًا، وَهُوَ حَرَامٌ، أَمَّا إِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ أُجْرَةِ دَارٍ، أَوْ دَيْنِ غَيْرِ الْقَرْضِ جَازَ لِلْمُرْتَهِنِ الاِنْتِفَاعُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الاِنْتِفَاعُ بِعِوَضٍ، كَأَنْ يَسْتَأْجِرَ الدَّارَ الْمَرْهُونَةَ مِنَ الرَّاهِنِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا فِي غَيْرِ مُحَابَاةٍ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْقَرْضِ بَل بِالإِْجَارَةِ، وَإِنْ شَرَطَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا الْمُرْتَهِنُ فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
أَمَّا الْمَرْكُوبُ، وَالْمَحْلُوبُ، فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَيَرْكَبَ، وَيَحْلُبَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ مُتَحَرِّيًا الْعَدْل - مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مِنَ الرَّاهِنِ بِالإِْنْفَاقِ، أَوْ الاِنْتِفَاعِ - سَوَاءٌ تَعَذَّرَ إِنْفَاقُ الرَّاهِنِ أَمْ لَمْ يَتَعَذَّرْ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ (١) .
_________
(١) حديث: " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا ". أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ١٤٣ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة
وَقَالُوا: إِنَّ قَوْلَهُ ﷺ: بِنَفَقَتِهِ يُشِيرُ إِلَى الاِنْتِفَاعِ بِعِوَضِ النَّفَقَةِ، وَيَكُونُ هَذَا فِي حَقِّ الْمُرْتَهِن، أَمَّا الرَّاهِنُ فَإِنْفَاقُهُ وَانْتِفَاعُهُ لَيْسَا بِسَبَبِ الرُّكُوبِ وَشُرْبِ الدَّرِّ، بَل بِسَبَبِ الْمِلْكِ. فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الاِنْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ فِي غَيْرِهِمَا لَمْ يَجُزْ الاِنْتِفَاعُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ دَارًا أُغْلِقَتْ، وَإِنْ كَانَتْ حَيَوَانًا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُ حَتَّى يُفَكَّ الرَّهْنُ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الْمَرْهُونِ إِلاَّ حَقُّ الاِسْتِيثَاقِ فَيُمْنَعُ مِنْ كُل تَصَرُّفٍ أَوِ انْتِفَاعٍ بِالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ، أَمَّا الرَّاهِنُ فَلَهُ عَلَيْهَا كُل انْتِفَاعٍ لاَ يُنْقِصُ الْقِيمَةَ كَالرُّكُوبِ وَدَرِّ اللَّبُونِ، وَالسُّكْنَى وَالاِسْتِخْدَامِ، لِحَدِيثِ: الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَحَدِيثِ: الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ (٢) .
وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ الاِنْتِفَاعَاتِ.
أَمَّا مَا يُنْقِصُ الْقِيمَةَ كَالْبِنَاءِ عَلَى الأَْرْضِ الْمَرْهُونَةِ وَالْغَرْسِ فِيهَا فَلاَ يَجُوزُ لَهُ إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ؛ لأَِنَّ الرَّغْبَةَ تَقِل بِذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْعِ (٣) .
_________
(١) المغني ٤ / ٤٢٦ - ٤٣٢
(٢) حديث: " الرهن مركوب محلوب ". أخرجه البيهقي (٦ / ٣٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة، ورجح البيهقي وقفه على أبي هريرة، ولكن يشهد له الحديث المتقدم
(٣) روضة الطالبين ٤ / ٧٩ - ٩٩، أسنى المطالب ٢ / ١٦١