الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 38

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

رَوَاج

التَّعْرِيفُ:

١ - الرَّوَاجُ اسْمٌ مِنْ رَاجَ يَرُوجُ رَوْجًا وَرَوَاجًا بِمَعْنَى أَسْرَعَ. وَيُقَال: رَاجَ الشَّيْءُ أَيْ نَفَقَ وَكَثُرَ طُلاَّبُهُ. وَرَاجَتِ الدَّرَاهِمُ رَوَاجًا: كَثُرَ تَعَامُل النَّاسِ بِهَا (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ

: ٢ - لِلرَّوَاجِ أَثَرٌ فِي تَعْيِينِ النُّقُودِ وَالثَّمَنِ فِي الْعُقُودِ، وَهُوَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إِرَادَةِ الطَّرَفَيْنِ حَال إِطْلاَقِ الثَّمَنِ فِي الْبُيُوعِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا، وَإِلاَّ فَسَدَ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ الْجَهَالَةَ تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ فَلاَ يَحْصُل الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّةِ الْعَقْدِ الْمَبْنِيِّ عَلَى التَّرَاضِي.

_________

(١) المصباح المنير، ومتن اللغة مادة (روج)

(٢) الزيلعي ٤ / ٥، والزرقاني ٥ / ٢٤، ومغني المحتاج ٢ / ١٧، وكشاف القناع ٣ / ١٧٤

وَإِذَا ذَكَرَ مِقْدَارَ الثَّمَنِ وَلَمْ يُبَيِّنْ نَوْعَهُ وَصِفَتَهُ، كَأَنْ قَال: بِعْتُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِأَلْفِ دِينَارٍ مَثَلًا، فَإِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ الْمَعْقُودِ فِيهِ نَقْدٌ وَاحِدٌ يَتَعَامَل النَّاسُ بِهِ صَحَّ الْعَقْدُ، وَانْصَرَفَ إِلَى ذَلِكَ النَّقْدِ الرَّائِجِ فِي الْبَلَدِ؛ لأَِنَّهُ تَعَيَّنَ بِانْفِرَادِهِ وَعَدَمِ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ، فَلاَ جَهَالَةَ.

كَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُتَعَدِّدَةٌ - مُخْتَلِفَةٌ فِي الْمَالِيَّةِ أَوْ مُتَسَاوِيَةٌ فِيهَا - لَكِنَّ أَحَدَهَا غَالِبٌ رَوَاجًا صَحَّ الْبَيْعُ وَانْصَرَفَ الإِْطْلاَقُ إِلَى النَّقْدِ الرَّائِجِ؛ لِدَلاَلَةِ الْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ عَلَى إِرَادَتِهِ، فَكَأَنَّهُ مُعَيَّنٌ، لأَِنَّ الْمَعْلُومَ بِالْعُرْفِ كَالْمَعْلُومِ بِالنَّصِّ (١) .

٣ - كَمَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِذَا أَطْلَقَ الثَّمَنَ وَكَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُسْتَوِيَةٌ فِي الْقِيمَةِ الْمَالِيَّةِ وَالرَّوَاجِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي أَنْ يُؤَدِّيَ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَجُبِرَ الْبَائِعُ عَلَى قَبُول مَا يَدْفَعُ لَهُ مِنْهَا؛ لأَِنَّ الْجَهَالَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ تُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ (٢) .

أَمَّا إِذَا أَطْلَقَ الثَّمَنَ وَلَمْ يُبَيِّنْ نَوْعَهُ وَلاَ صِفَتَهُ، وَكَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْقِيمَةِ وَالْمَالِيَّةِ وَمُتَسَاوِيَةٌ فِي الرَّوَاجِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّ جَهَالَةَ وَصْفِ الثَّمَنِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تُفْضِي إِلَى

_________

(١) الزيلعي ٤ / ٥، وفتح القدير ٥ / ٤٦٩، والزرقاني ٥ / ٢٤، وكشاف القناع ٣ / ١٧٤، ومغني المحتاج ٢ / ١٧

(٢) المراجع السابقة

الْمُنَازَعَةِ، فَالْمُشْتَرِي يُرِيدُ دَفْعَ الأَْدْوَنِ وَالْبَائِعُ يَطْلُبُ الأَْرْفَعَ؛ وَلِعَدَمِ إِمْكَانِ الصَّرْفِ إِلَى أَحَدِهَا دُونَ الآْخَرِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّحَكُّمِ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الرَّوَاجِ. وَإِذَا لَمْ يُمْكِنِ الصَّرْفُ إِلَى أَحَدِهَا وَالْحَالَةُ أَنَّهَا مُتَفَاوِتَةُ الْمَالِيَّةِ جَاءَتِ الْجَهَالَةُ الْمُفْضِيَةُ إِلَى الْمُنَازَعَةِ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَهَذَا عِنْدَ الْجَمِيعِ. ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ ارْتَفَعَتِ الْجَهَالَةُ بِبَيَانِ أَحَدِهَا فِي الْمَجْلِسِ وَبِرِضَا الآْخَرِ صَحَّ، لاِرْتِفَاعِ الْمُفْسِدِ قَبْل تَقَرُّرِهِ (١) .

وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (نُقُود) .

_________

(١) فتح القدير على الهداية ٥ / ٤٦٩، وشرح المجلة للأتاسي ١ / ٧٩، وابن عابدين ٤ / ٢٦، والزرقاني ٤ / ٢٤، والبهجة على التحفة ٢ / ١١، ومغني المحتاج ٢ / ١٧، وكشاف القناع ٣ / ١٧٤، والقليوبي ٢ / ١٦٢

رَوْث

التَّعْرِيفُ:

١ - الرَّوْثُ لُغَةً: رَجِيعُ (فَضْلَةُ) ذِي الْحَافِرِ، وَاحِدُهُ رَوْثَةٌ وَالْجَمْعُ أَرْوَاثٌ (١) .

وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّفْظَ بِأَوْسَعَ مِنْ ذَلِكَ فَيُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى رَجِيعِ ذِي الْحَافِرِ وَغَيْرِهِ كَالإِْبِل وَالْغَنَمِ (٢) .

وَقَرِيبٌ مِنْهُ الْخِثْيُ، وَالْخِثْيُ لِلْبَقَرِ، وَالْبَعْرُ لِلإِْبِل وَالْغَنَمِ، وَالذَّرْقُ لِلطُّيُورِ (٣) . وَالْعَذِرَةُ لِلآْدَمِيِّ (٤)، وَالْخُرْءُ لِلطَّيْرِ وَالْكَلْبِ وَالْجُرَذِ وَالإِْنْسَانِ (٥) .

وَالسِّرْجِينُ أَوِ السِّرْقِينُ هُوَ رَجِيعُ مَا سِوَى الإِْنْسَانِ.

حُكْمُ الرَّوْثِ مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ:

٢ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ أَنَّ

_________

(١) متن اللغة والقاموس المحيط مادة: (روث)

(٢) البناية ١ / ٧٤١، والشرح الصغير ١ / ٧٨

(٣) الكليات لأبي البقاء ٢ / ٣٩٥

(٤) ابن عابدين ٥ / ٢٤٦.

(٥) القاموس المحيط وتاج العروس، وابن عابدين ٥ / ٢٤٦

رَوْثَ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ طَاهِرٌ.

وَبِهَذَا قَال عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ. وَقَال: صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ (١) . وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي مَوْضِعٍ فِيهِ أَبْعَارُ الْغَنَمِ فَقِيل لَهُ: لَوْ تَقَدَّمْتَ إِلَى هَاهُنَا. قَال: هَذَا وَذَاكَ وَاحِدٌ.

وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ مِنَ الأَْوْطِئَةِ وَالْمُصَلَّيَاتِ وَإِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الأَْرْضِ، وَمَرَابِضُ الْغَنَمِ لاَ تَخْلُو مِنْ أَبْعَارِهَا وَأَبْوَالِهَا؛ وَلأَِنَّهُ مُتَحَلِّلٌ مُعْتَادٌ مِنْ حَيَوَانٍ يُؤْكَل لَحْمُهُ فَكَانَ طَاهِرًا (٢) .

أَمَّا رَوْثُ غَيْرِ مَأْكُول اللَّحْمِ فَنَجِسٌ عِنْدَ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِنَجَاسَةِ رَوْثِ مَكْرُوهِ الأَْكْل كَمُحَرَّمِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِل النَّجَاسَةَ (٣) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْمَذْهَبِ - بِنَجَاسَةِ الرَّوْثِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَأْكُول اللَّحْمِ وَغَيْرِهَا (٤) .

_________

(١) حديث: " صلوا في مرابض الغنم ". أخرجه الترمذي (٢ / ١٨١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وقال: " حديث حسن صحيح "

(٢) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي عليه ١ / ٤٧، وجواهر الإكليل ١ / ٩

(٣) المراجع السابقة والشرح الصغير ١ / ٥٣ - ٥٤

(٤) روضة الطالبين ١ / ١٦، وبدائع الصنائع ١ / ٨٠، والفتاوى الخانية بهامش الهندية ١ / ١٩، والفتاوى الهندية ١ / ٤٦

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِفَةِ نَجَاسَةِ الأَْرْوَاثِ: فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ نَجِسَةٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ نَجَاسَةً خَفِيفَةً.

وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْغَلِيظَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَا وَرَدَ نَصٌّ يَدُل عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ مُعَارِضٌ لَهُ يَدُل عَلَى طَهَارَتِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ. وَالْخَفِيفَةُ مَا تَعَارَضَ نَصَّانِ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ.

وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْغَلِيظَةُ مَا وَقَعَ الاِتِّفَاقُ عَلَى نَجَاسَتِهِ. وَالْخَفِيفَةُ مَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ (١) .

٣ - بِنَاءً عَلَى هَذَا الأَْصْل فَالأَْرْوَاثُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لأَِنَّهُ وَرَدَ نَصٌّ يَدُل عَلَى نَجَاسَتِهَا وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَبَ مِنْهُ أَحْجَارَ الاِسْتِنْجَاءِ فَأَتَى بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَمَى بِالرَّوْثَةِ وَقَال: هَذَا رِكْسٌ (٢) أَيْ: نَجِسٌ. وَلَيْسَ لَهُ نَصٌّ مُعَارِضٌ، وَإِنَّمَا قَال بَعْضُ

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ٨٠، والفتاوى الخانية ١ / ١٩، وعمدة القارئ ٢ / ٣٠٤.

(٢) حديث ابن مسعود: " أن النبي ﷺ طلب منه أحجار الاستنجاء " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٢٥٦ - ط السلفية)

الْعُلَمَاءِ بِطَهَارَتِهَا بِالرَّأْيِ وَالاِجْتِهَادِ، وَالاِجْتِهَادُ لاَ يُعَارِضُ النَّصَّ فَكَانَتْ نَجَاسَتُهَا غَلِيظَةً.

وَعَلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ نَجَاسَةُ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ خَفِيفَةٌ لأَِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا.

كَمَا أَنَّ فِي الأَْرْوَاثِ ضَرُورَةً، وَعُمُومُ الْبَلِيَّةِ لِكَثْرَتِهَا فِي الطَّرَقَاتِ فَتَتَعَذَّرُ صِيَانَةُ الْخِفَافِ وَالنِّعَال عَنْهَا، وَمَا عَمَّتْ بَلِيَّتُهُ خَفَّتْ قَضِيَّتُهُ.

وَيَتَفَرَّعُ عَنِ اخْتِلاَفِ الأَْصْلَيْنِ أَنَّهُ إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنَ الرَّوْثِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ دِرْهَمٍ لَمْ تَجُزِ الصَّلاَةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَقَال الصَّاحِبَانِ: يُجْزِئُهُ حَتَّى يَفْحُشَ، وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمَا بَيْنَ الْمَأْكُول وَغَيْرِ الْمَأْكُول.

وَفِي كُل مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْفَاحِشُ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِالرُّبُعِ فِي قَوْل مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ: شِبْرٌ فِي شِبْرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ ذِرَاعٌ فِي ذِرَاعٍ (١) .

وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الرَّوْثِ أَنَّهُ لاَ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلاَةِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَاحِشًا. وَقِيل: إِنَّ هَذَا آخِرُ أَقَاوِيلِهِ حِينَ كَانَ بِالرَّيِّ وَكَانَ الْخَلِيفَةُ بِهَا، فَرَأَى الطُّرُقَ وَالْخَانَاتِ مَمْلُوءَةً مِنَ الأَْرْوَاثِ وَلِلنَّاسِ فِيهَا بَلْوًى عَظِيمَةٌ (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ الْخُفَّ وَالنَّعْل

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ٨٠ - ٨١، والبناية ١ / ٧٤١، والفتاوى الخانية بهامش الهندية ١ / ١٩.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ٨١

مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فِي الطُّرُقِ وَالأَْمَاكِنِ الَّتِي تَطْرُقُهَا الدَّوَابُّ كَثِيرًا؛ لِعُسْرِ الاِحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ، بِخِلاَفِ مَا أَصَابَ غَيْرَ الْخُفِّ وَالنَّعْل كَالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فَلاَ عَفْوَ (١) .

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَنَجَاسَةُ الرَّوْثِ عِنْدَهُمْ لاَ يُعْفَى عَنْهَا إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مِمَّا لاَ يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ فَيُعْفَى عَنْهَا فِي قَوْلٍ (٢) .

وَعِنْدَ الإِْمَامِ أَحْمَدَ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ فَضَلاَتِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ وَالْبَغْل وَالْحِمَارِ.

وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ الْيَسِيرَ مَا لاَ يَفْحُشُ فِي الْقَلْبِ. وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ (٣) .

وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى: السِّرْقِينُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ لاَ يَمْنَعُ الصَّلاَةَ؛ لأَِنَّهُ وُقُودُ أَهْل الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا اسْتَعْمَلُوهُ، كَمَا لَمْ يَسْتَعْمِلُوا الْعَذِرَةَ (٤) .

وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نَجَاسَة) .

الاِسْتِنْجَاءُ بِالرَّوْثِ:

٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الاِسْتِنْجَاءِ بِالرَّوْثِ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ (٥) .

_________

(١) الشرح الصغير ١ / ٧٨ - ٧٩

(٢) المهذب ١ / ٦٧ نشر دار المعرفة

(٣) المغني ٢ / ٧٩، ٩٠.

(٤) البناية ١ / ٧٤٢

(٥) المجموع ٢ / ١١٤ - ١١٥، والمغني ١ / ١٥٧، وعمدة القارئ ٢ / ٣٠١.

وَاسْتَدَل هَذَا الْفَرِيقُ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِمَا يَأْتِي:

١ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَقَال: أَبْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا أَوْ نَحْوَهُ وَلاَ تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلاَ رَوْثٍ (١) .

٢ - حَدِيثُ سَلْمَانَ ﵁ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ (٢) .

وَلأَِنَّ الرَّوْثَ نَجِسٌ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ مَنْ قَال بِنَجَاسَتِهِ وَالنَّجِسُ لاَ يُزِيل النَّجَاسَةَ (٣) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ بِالرَّوْثِ النَّجِسِ وَيَجُوزُ بِالطَّاهِرِ مِنْهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ لأَِنَّ الرَّوْثَ طَعَامُ دَوَابِّ الْجِنِّ يَرْجِعُ عَلَفًا كَمَا كَانَ عَلَيْهِ (٤) .

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ كَرَاهَةَ الاِسْتِنْجَاءِ بِالرَّوْثِ لأَِنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ فِي الاِسْتِنْجَاءِ بِالأَْحْجَارِ مَعْلُولٌ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِالرَّوْثِ كَمَا

_________

(١) حديث أبي هريرة: " أبغني أحجارًا أستنفض بها ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٢٥٥ - ط السلفية)

(٢) حديث سلمان: " نهى رسول الله ﷺ عن الروث والعظام " أخرجه مسلم (١ / ٢٢٤ - ط الحلبي)

(٣) بدائع الصنائع ١ / ١٨، والمجموع ٢ / ١١٣، ١١٦، والحطاب ١ / ٢٨٨، والمغني ١ / ١٥٧، ونيل الأوطار ١ / ١١٨ نشر دار الجيل

(٤) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ١٥٥ نشر دار المعرفة، والدسوقي ١ / ١١٤، نشر دار الفكر والشرح الصغير ١ / ١٠١، والحطاب ١ / ٢٨٨

تَحْصُل بِالأَْحْجَارِ، إِلاَّ أَنَّهُ كَرِهَهُ بِالرَّوْثِ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِعْمَال النَّجِسِ وَإِفْسَادِ عَلَفِ دَوَابِّ الْجِنِّ (١) .

٥ - ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الاِعْتِدَادِ بِالاِسْتِنْجَاءِ بِالرَّوْثِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى أَنَّ مَنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِالرَّوْثِ يَعْتَدُّ بِهِ إِنْ حَصَل بِهِ الإِْنْقَاءُ (٢) .

قَال الْكَاسَانِيُّ: فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ (اسْتَنْجَى بِالرَّوْثِ) يَعْتَدُّ بِهِ عِنْدَنَا، فَيَكُونُ مُقِيمًا سُنَّةً (سُنَّةَ الاِسْتِنْجَاءِ) وَمُرْتَكِبًا كَرَاهَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ جِهَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فَيَكُونُ بِجِهَةٍ كَذَا وَبِجِهَةٍ كَذَا (٣) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِالرَّوْثِ لَمْ يَصِحَّ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي سُؤَال الْجِنِّ الزَّادَ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: لَكُمْ كُل عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُل بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَلاَ تَسْتَنْجُوا بِهِمَا، فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ (٤) .

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ١٨.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٨، والدسوقي ١ / ١١٤، والشرح الصغير ١ / ١٠٢، والفروع ١ / ١٢٣

(٣) بدائع الصنائع ١ / ١٨، وعمدة القارئ ٢ / ٣٠١

(٤) حديث ابن مسعود: " في سؤال الجن الزاد. . . " أخرجه مسلم (١ / ٣٣٢ - ط الحلبي) .