الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
وَهُوَ قَوْل عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (١) .
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ الصَّحِيحِ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيَّامُ مِنًى ثَلاَثَةٌ: فَمَنْ تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ (٢) .
ج - أَثَرُ الرَّمْيِ ثَالِثَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: النَّفْرُ الثَّانِي:
٢١ - إِذَا رَمَى الْحَاجُّ الْجِمَارَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ انْصَرَفَ مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّةَ، وَلاَ يُقِيمُ بِمِنًى بَعْدَ رَمْيِهِ هَذَا الْيَوْمَ، وَيُسَمَّى هَذَا النَّفْرُ النَّفْرَ الثَّانِيَ، وَالْيَوْمُ يَوْمَ النَّفْرِ الثَّانِي، وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَبِهِ يَنْتَهِي وَقْتُ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَيَفُوتُ عَلَى مَنْ لاَ يَتَدَارَكُهُ قَبْل غُرُوبِ شَمْسِ هَذَا الْيَوْمِ، وَبِهِ تَنْتَهِي مَنَاسِكُ مِنًى.
حُكْمُ تَرْكِ الرَّمْيِ:
٢٢ - يَلْزَمُ مَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بِغَيْرِ عُذْرٍ الإِْثْمُ وَوُجُوبُ الدَّمِ، وَإِنْ تَرَكَهُ بِعُذْرٍ لاَ يَأْثَمُ، لَكِنْ لاَ يَسْقُطُ الدَّمُ عَنْهُ، وَلَوْ تَرَكَ حَصَاةً وَاحِدَةً عِنْدَ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٠٣.
(٢) حديث: " أيام منى ثلاثة " أخرجه أحمد (٤ / ٣٠٩ - ط الميمنية) والحاكم (١ / ٤٦٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الذهبي.
الْمَالِكِيَّةِ، وَيُجْزِئُهُ شَاةٌ عَنْ تَرْكِ الرَّمْيِ كُلِّهِ، أَوْ عَنْ تَرْكِ رَمْيِ يَوْمٍ.
وَتَسَامَحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي حَصَاةٍ وَحَصَاتَيْنِ فَجَعَلُوا فِي ذَلِكَ صَدَقَةً، وَأَنْزَل الْحَنَفِيَّةُ الأَْكْثَرَ مَنْزِلَةَ الْكُل مَعَ وُجُوبِ جَزَاءٍ عَنِ النَّاقِصِ.
(انْظُرْ تَفْصِيل أَحْوَال تَرْكِ الرَّمْيِ فِي مُصْطَلَحِ: حَجّ ف / ٢٧٣) .
النِّيَابَةُ فِي الرَّمْيِ:
٢٣ - وَهِيَ رُخْصَةٌ خَاصَّةٌ بِالْمَعْذُورِ، تَفْصِيل حُكْمِهَا فِيمَا يَلِي:
أ - الْمَعْذُورُ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الرَّمْيَ بِنَفْسِهِ، كَالْمَرِيضِ، يَجِبُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَرْمِيَ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ قَدْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ فَلْيَرْمِ عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا الرَّمْيَ كُلَّهُ، ثُمَّ يَرْمِي عَمَّنِ اسْتَنَابَهُ، وَيُجْزِئُ هَذَا الرَّمْيُ عَنِ الأَْصِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: لَوْ رَمَى حَصَاةً عَنْ نَفْسِهِ وَأُخْرَى عَنِ الآْخَرِ جَازَ وَيُكْرَهُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الإِْنَابَةَ خَاصَّةٌ بِمَنْ بِهِ عِلَّةٌ لاَ يُرْجَى زَوَالُهَا قَبْل انْتِهَاءِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَمَرِيضٍ أَوْ مَحْبُوسٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ: أَنَّهُ يَرْمِي حَصَيَاتِ كُل جَمْرَةٍ عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَرْمِيهَا عَنِ الْمَرِيضِ
الَّذِي أَنَابَهُ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ مِنَ الرَّمْيِ، وَهُوَ مَخْلَصٌ حَسَنٌ لِمَنْ خَشِيَ خَطَرَ الزِّحَامِ.
ب - مَنْ عَجَزَ عَنْ الاِسْتِنَابَةِ كَالصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَيَرْمِي عَنِ الصَّبِيِّ وَلِيُّهُ اتِّفَاقًا، وَعَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ رِفَاقُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَرْمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فَائِدَةُ الاِسْتِنَابَةِ أَنْ يَسْقُطَ الإِْثْمُ عَنْهُ إِنِ اسْتَنَابَ وَقْتَ الأَْدَاءِ وَإِلاَّ فَالدَّمُ عَلَيْهِ، اسْتَنَابَ، أَمْ لاَ، إِلاَّ الصَّغِيرَ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ دُونَ الصَّغِيرِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِسَائِرِ الأَْرْكَانِ (١) .
(ثَانِيًا)
الرَّمْيُ فِي الصَّيْدِ الصَّيْدُ بِالرَّمْيِ بِالْمُحَدَّدِ:
٢٤ - يَجُوزُ الصَّيْدُ بِالرَّمْيِ بِالسِّهَامِ الْمُحَدَّدَةِ لِلأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالإِْجْمَاعِ، فَإِنْ رَمَى
_________
(١) انظر مذهب الحنفية في المبسوط ٤ / ٦٩، وبدائع الصنائع ٢ / ١٣٢، وحاشية شلبي على شرح الكنز ٤ / ٣٤، والمسلك المتقسط شرح اللباب ص ١٦٦، والفتاوى الهندية ١ / ٢٢١، ومذهب الشافعية في الأم ٢ / ٢١٤، والمجموع ٨ / ١٨٤ - ١٨٦، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٢ / ١٢٢ - ١٢٣، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣٥، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٨، وانظر المغني في فقه الحنابلة ٣ / ٤٩١، وانظر شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني ٣ / ٢٨٢، والشرح الكبير بحاشيته ٢ / ٤٧ - ٤٨ و٥٢.
الصَّيْدَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّذْكِيَةِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ فَقَتَلَهُ بِحَدِّ مَا رَمَاهُ بِهِ كَالسَّهْمِ الَّذِي لَهُ نَصْلٌ مُحَدَّدٌ، وَالسَّيْفِ، وَالسِّكِّينِ، وَالسِّنَانِ، وَالْحَجَرِ الْمُحَدَّدِ وَالْخَشَبَةِ الْمُحَدَّدَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَدَّدَاتِ حَل أَكْلُهُ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِحِل مَا يُصَادُ بِالرَّمْيِ (١) .
الصَّيْدُ بِالرَّمْيِ بِالْمُثَقَّل:
٢٥ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ يَحِل مَا صِيدَ بِالْمُثَقَّل وَيُعْتَبَرُ وَقِيذًا (٢) . فَلاَ يَحِل مَا أَصَابَهُ الرَّامِي بِمَا لاَ حَدَّ لَهُ فَقَتَلَهُ كَالْحَجَرِ، وَخَشَبَةٍ لاَ حَدَّ لَهَا، أَوْ رَمَاهُ بِمُحَدِّدٍ فَقَتَلَهُ بِعُرْضِهِ لاَ بِحَدِّهِ لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ قَال: إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُل، فَإِذَا أَصَابَ بِعُرْضِهِ فَقَتَل فَلاَ تَأْكُل فَإِنَّهُ وَقِيذٌ (٣) . وَلِمَا وَرَدَ أَنَّهُ ﵊
_________
(١) تبيين الحقائق ٦ / ٥٦، وابن عابدين ٥ / ٣٠١ وما بعدها، والمنتقى ٣ / ١١٨، ١١٩، والمجموع ٩ / ١١٠، ١١١، والمغني ٨ / ٥٥٩، تبيين الحقائق ٦ / ٥٦، وابن عابدين ٥ / ٣٠١ وما بعدها، والمنتقى ٣ / ١١٨، ١١٩، والمجموع ٩ / ١١٠، ١١١، والمغني ٨ / ٥٥٩، ٥٦٩ لقد اشترط الحنفية لحل الصيد بالرمي التسمية والجرح، وعدم القعود عن طلب الصيد عند غيابه. (ابن عابدين ٥ / ٣٠١، ٣٠٢)
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٠٤، والزيلعي ٦ / ٥٨، والمغني ٨ / ٥٥٨، ٥٥٩، ٥٦٩، والمجموع ٩ / ١١٠، ١١١، والمنتقى ٣ / ١١٨، وسبل السلام ٤ / ١٣٠، ١٣١ نشر المكتبة التجارية
(٣) حديث: " إذا حسدت فاستغفر، وإذا ظننت. . . " أورده الهيثمي في المجمع (٨ / ٧٨ - ط القدسي) وقال: رواه الطبراني وفيه إسماعيل بن قيس الأنصاري، وهو ضعيف
نَهَى عَنِ الْخَذْفِ وَقَال: إِنَّهُ لاَ يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلاَ يُنْكَأُ بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ (١) . وَالْخَذْفُ: الرَّمْيُ بِحَصًى صِغَارٍ بِطَرِيقَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَيْنَ الأَْصَابِعِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي بَحْثِ (خَذْف) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا أَصَابَ الصَّيْدَ بِمَا لاَ حَدَّ لَهُ لاَ يَحِل وَإِنْ جَرَحَهُ (٢) .
وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَمَكْحُولٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ عُلَمَاءِ الشَّامِ إِلَى أَنَّهُ يَحِل صَيْدُ الْمِعْرَاضِ مُطْلَقًا فَيُبَاحُ مَا قَتَلَهُ بِحَدِّهِ وَعُرْضِهِ (٣) .
قَال النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ الرَّمْيُ بِالْبَنَادِقِ وَبِالْخَذْفِ (بِالْمُثَقَّل) إِنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيل الصَّيْدِ، وَكَانَ الْغَالِبُ فِيهِ عَدَمَ قَتْلِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا أَدْرَكَهُ الصَّائِدُ وَذَكَّاهُ، كَرَمْيِ الطُّيُورِ الْكِبَارِ بِالْبَنَادِقِ (٤) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: صَيْد) وَالْمُرَادُ بِالْبُنْدُقِ فِي كَلاَمِ النَّوَوِيِّ وَمَنْ عَهِدَهُ: كُرَاتٌ مِنَ الطِّينِ بِحَجْمِ حَبَّةِ الْبُنْدُقَةِ.
_________
(١) حديث: " نهى عن الخذف ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٦٠٧ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٥٤٧، ١٥٤٨ ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مغفل، واللفظ للبخاري
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٠٤، والمجموع ٩ / ١١١، والزيلعي٦ / ٥٨، ٥٩
(٣) سبل السلام ٤ / ١٣١ ط المكتبة التجارية، والمغني ٨ / ٥٥٩
(٤) سبل السلام ٤ / ١٣٣، وصحيح مسلم بشرح النووي ١٣ / ١٠٦
اتِّخَاذُ الْحَيَوَانِ هَدَفًا يُرْمَى إِلَيْهِ:
٢٦ - يَحْرُمُ اتِّخَاذُ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا. فَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا (١) . أَيْ لاَ تَتَّخِذُوا الْحَيَوَانَ الْحَيَّ غَرَضًا تَرْمُونَ إِلَيْهِ كَالْغَرَضِ مِنَ الْجُلُودِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لأَِنَّهُ أَصْلُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَتَرَامَوْنَهَا، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا. فَقَال ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَل هَذَا؟ إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَعَنَ مَنْ فَعَل هَذَا (٢)
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: دَخَلْتُ مَعَ جَدِّي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ دَارَ الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ فَإِذَا قَوْمٌ قَدْ نَصَبُوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا. قَال: فَقَال أَنَسٌ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ (٣) .
قَال الْعُلَمَاءُ: صَبْرُ الْبَهَائِمِ أَنْ تُحْبَسَ وَهِيَ حَيَّةٌ لِتُقْتَل بِالرَّمْيِ وَنَحْوِهِ.
_________
(١) حديث: " لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا ". أخرجه مسلم (٢ / ١٥٤٩ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس
(٢) حديث ابن عمر: " أنه مر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها. فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٥٠ - ط الحلبي)
(٣) حديث: " نهى أن تصبر البهائم ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٤٩ - ط الحلبي)
قَال الصَّنْعَانِيُّ وَغَيْرُهُ فِي وَجْهِ حِكْمَةِ النَّهْيِ: إِنَّ فِيهِ إِيلاَمًا لِلْحَيَوَانِ، وَتَضْيِيعًا لِمَالِيَّتِهِ، وَتَفْوِيتًا لِذَكَاتِهِ إِنْ كَانَ مِمَّا يُذَكَّى، وَلِمَنْفَعَتِهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ مُذَكًّى (١) .
وَيُنْظَرُ بَحْثُ: (تَعْذِيب) .
(ثَالِثًا)
الرَّمْيُ فِي الْجِهَادِ
تَعَلُّمُ الرَّمْيِ:
٢٧ - حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَلَى الرَّمْيِ وَحَضَّهُمْ عَلَى مُوَاصَلَةِ التَّدَرُّبِ عَلَيْهِ، وَحَذَّرَ مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ فَتَرَكَهُ، رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ. مَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيل فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ. قَال: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلُّكُمْ (٢) .
وَفَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْقُوَّةَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى
_________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٣ / ١٠٧، ١٠٨، وسبل السلام ٤ / ١٣٣، ونيل الأوطار ٨ / ٢٤٩ نشر دار الجيل، وعمدة القاري ٢١ / ١٢٤
(٢) حديث: " ارموا بني إسماعيل ". أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٩١ - ط السلفية)
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١) بِالرَّمْيِ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ (٢) .
وَعَنْ خَالِدِ بْنِ زَيْدٍ قَال: كُنْتُ رَامِيًا أُرَامِي عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ، فَمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَال يَا خَالِدُ: اخْرُجْ بِنَا نَرْمِي، فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِ فَقَال: يَا خَالِدُ: تَعَال أُحَدِّثُكَ مَا حَدَّثَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَقُول لَكَ كَمَا قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِل بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلاَثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ الَّذِي احْتَسَبَ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَمُنَبِّلَهُ، وَالرَّامِيَ بِهِ، ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَلَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلاَّ ثَلاَثٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُل فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتُهُ زَوْجَتَهُ، وَرَمْيُهُ بِنَبْلِهِ عَنْ قَوْسِهِ، وَمَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَهِيَ نِعْمَةٌ كَفَرَهَا (٣) .
وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ أُخْرَى تَدُل عَلَى فَضْل الرَّمْيِ وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ (٤) مِنْهَا مَا رَوَى أَبُو نَجِيحٍ
_________
(١) سورة الأنفال / ٦٠
(٢) حديث: " ألا إن القوة الرمي ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٢٢ - ط الحلبي)
(٣) حديث: " إن الله يدخل بالسهم الواحد ". أخرجه الحاكم (٢ / ٩٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي
(٤) المغني ٨ / ٦٥٢، وعمدة القاري ١٤ / ١٨٢
أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيل اللَّهِ فَهُوَ لَهُ عَدْل مُحَرَّرٍ.
وَقَال النَّوَوِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الأَْحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ فِي فَضْل الرَّمْيِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ: فِي هَذِهِ الأَْحَادِيثِ فَضِيلَةُ الرَّمْيِ وَالْمُنَاضَلَةِ، وَالاِعْتِنَاءُ بِذَلِكَ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الْمُشَاجَعَةُ، وَسَائِرُ أَنْوَاعِ اسْتِعْمَال السِّلاَحِ، وَكَذَا الْمُسَابَقَةُ بِالْخَيْل وَغَيْرِهَا، وَالْمُرَادُ بِهَذَا كُلِّهِ التَّمَرُّنُ عَلَى الْقِتَال، وَالتَّدَرُّبُ، وَالتَّحَذُّقُ فِيهِ، وَرِيَاضَةُ الأَْعْضَاءِ بِذَلِكَ (١) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: فَضْل الرَّمْيِ عَظِيمٌ، وَمَنْفَعَتُهُ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَنِكَايَتُهُ شَدِيدَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ، قَال ﷺ: يَا بَنِي إِسْمَاعِيل ارْمُوا فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا (٢) وَتَعَلُّمُ الْفُرُوسِيَّةِ وَاسْتِعْمَال الأَْسْلِحَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَدْ يَتَعَيَّنُ (٣) .
الْمُنَاضَلَةُ:
٢٨ - الْمُنَاضَلَةُ هِيَ الْمُسَابِقَةُ فِي الرَّمْيِ بِالسِّهَامِ، وَالْمُنَاضَلَةُ مَصْدَرُ نَاضَلْتُهُ نِضَالًا وَمُنَاضَلَةً، وَسُمِّيَ الرَّمْيُ نِضَالًا لأَِنَّ السَّهْمَ التَّامَّ يُسَمَّى
_________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٣ / ٦٤
(٢) حديث: " يا بني إسماعيل ارموا. . . " سبق تخريجه ف / ٢٦
(٣) تفسير القرطبي ٨ / ٣٦
نَضْلًا، فَالرَّمْيُ بِهِ عَمَلٌ بِالنَّضْل فَسُمِّيَ نِضَالًا وَمُنَاضَلَةً (١) .
وَتَصِحُّ الْمُنَاضَلَةُ عَلَى الرَّمْيِ بِالسِّهَامِ بِالاِتِّفَاقِ (٢) . وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ الْمُنَاضَلَةَ - بِجَانِبِ مَا تَقَدَّمَ - عَلَى رِمَاحٍ، وَعَلَى رَمْيٍ بِأَحْجَارٍ بِمِقْلاَعٍ، أَوْ بِيَدٍ، وَرَمْيٍ بِمَنْجَنِيقٍ، وَكُل نَافِعٍ فِي الْحَرْبِ بِمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ كَالرَّمْيِ بِالْمِسَلاَّتِ، وَالإِْبَرِ، وَالتَّرَدُّدِ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ.
وَقَدْ تَجِبُ الْمُنَاضَلَةُ إِذَا تَعَيَّنَتْ طَرِيقًا لِقِتَال الْكُفَّارِ، وَقَدْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ - حَسَبَ اخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ - إِذَا كَانَ سَبَبًا فِي قِتَال قَرِيبٍ كَافِرٍ لَمْ يَسُبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَبِذَلِكَ تَعْتَرِي الْمُنَاضَلَةَ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْخَمْسَةُ (٣) .
(رَابِعًا)
الرَّمْيُ فِي الْقَذْفِ
الرَّمْيُ بِالزِّنَا:
٢٩ - الرَّمْيُ بِالزِّنَا لاَ فِي مَعْرِضِ الشَّهَادَةِ يُوجِبُ حَدَّ الْقَذْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ
_________
(١) المغني ٨ / ٦٦١
(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٥٧، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٠٦، والمغني ٨ / ٦٥٢ - ٦٥٣ والإقناع ٢ / ٢٤٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٧١
(٣) الإقناع وحاشية الباجوري عليه ٢ / ٢٤٧، والموسوعة الفقهية ١٦ / ١٥٠