الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 34

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١) وَالْمُرَادُ: الرَّمْيُ بِالزِّنَا بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ.

وَأَمَّا الرَّمْيُ فِي مَعْرِضِ الشَّهَادَةِ فَيُنْظَرُ: إِنْ تَمَّ عَدَدُ الشُّهُودِ أَرْبَعَةً وَثَبَتُوا عَلَى شَهَادَتِهِمْ أُقِيمَ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْمَرْمِيِّ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ، بِأَنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ فَعَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّ الشُّهُودَ - عِنْدَ عَدَمِ تَمَامِ الْعَدَدِ - لاَ حَدَّ عَلَيْهِمْ لأَِنَّهُمْ شُهُودٌ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً أَحَدُهُمْ فَاسِقٌ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل (ر: قَذْف) .

رَمْيُ الْجِمَارِ

انْظُرْ: رَمْي

_________

(١) سورة النور / ٤

(٢) البناية ٥ / ٤٤٣، وروضة الطالبين ١٠ / ١٠٧، ١٠٨، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ١٧٩، والشرح الصغير ٤ / ٢٦٥

رِهَان

التَّعْرِيفُ:

يَأْتِي الرِّهَانُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا:

١ - الْمُخَاطَرَةُ: جَاءَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الرِّهَانُ وَالْمُرَاهَنَةُ: الْمُخَاطَرَةُ. يُقَال: رَاهَنَهُ فِي كَذَا، وَهُمْ يَتَرَاهَنُونَ، وَأَرْهَنُوا بَيْنَهُمْ خَطَرًا، وَصُورَةُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ مَعَانِي الرِّهَانِ: أَنْ يَتَرَاهَنَ شَخْصَانِ أَوْ حِزْبَانِ عَلَى شَيْءٍ يُمْكِنُ حُصُولُهُ كَمَا يُمْكِنُ عَدَمُ حُصُولِهِ بِدُونِهِ، كَأَنْ يَقُولاَ مَثَلًا: إِنْ لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ غَدًا فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا مِنَ الْمَال، وَإِلاَّ فَلِي عَلَيْكَ مِثْلُهُ مِنَ الْمَال، وَالرِّهَانُ بِهَذَا الْمَعْنَى حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ الْمُلْتَزِمِينَ بِأَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ، وَهُوَ صُورَةُ الْقِمَارِ الْمُحَرَّمِ (١) .

وَأَمَّا الرِّهَانُ بَيْنَ الْمُلْتَزِمِ وَبَيْنَ الْحَرْبِيِّ فَقَدِ

_________

(١) القليوبي ٤ / ٢٦٦، نهاية المحتاج ٨ / ١٦٨، المغني ٨ / ٦٥٤، فتح القدير ٦ / ١٧٨

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي تَحْرِيمِهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ (ر: مَيْسِر، رِبًا) .

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الرِّهَانُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُلْتَزِمِ وَالْحَرْبِيِّ، لأَِنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ فِي دَارِهِمْ، فَبِأَيِّ طَرِيقَةٍ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ أَخَذَ مَالًا مُبَاحًا إِذَا لَمْ يَكُنْ غَدْرًا، وَاسْتَدَل بِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ قُرَيْشٍ فِي مَكَّةَ قَبْل الْهِجْرَةِ، لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ ﴿أَلَمْ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَْرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَْمْرُ مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ لأَِبِي بَكْرٍ: تَرَوْنَ أَنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ فَارِسًا قَال: نَعَمْ، فَقَالُوا: أَتُخَاطِرُنَا عَلَى ذَلِكَ؟ فَخَاطَرَهُمْ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال ﵊: اذْهَبْ إِلَيْهِمْ فَزِدْ فِي الْخَطَرِ فَفَعَل، وَغَلَبَتِ الرُّومُ فَارِسًا، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ خَطَرَهُ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ (١) . قَال ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا هُوَ الْقِمَارُ بِعَيْنِهِ (٢) .

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (مَيْسِر) .

٢ - وَيَأْتِي الرِّهَانُ بِمَعْنَى الْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْل أَوِ الرَّمْيِ، وَهَذَا جَائِزٌ بِشُرُوطِهِ - (ر: مُسَابَقَة) .

_________

(١) حديث: " نزول آية الروم ورهان أبي بكر مع قريش ". أخرجه الترمذي (٥ / ٣٤٤ - ط الحلبي) بلفظ مقارب، وقال: " حديث حسن صحيح "

(٢) فتح القدير ٦ / ١٧٨

٣ - وَيَأْتِي بِمَعْنَى: رَهْنٍ، وَالرِّهَانُ جَمْعُهُ، وَهُوَ جَعْل مَالٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ يُسْتَوْفَى مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ وَفَائِهِ. (ر: رَهْن) .

٤ - وَيُطْلَقُ الرِّهَانُ عَلَى الْمَال الْمَشْرُوطِ فِي سِبَاقِ الْخَيْل وَنَحْوِهِ، جَاءَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: السَّبَقُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ - الْخَطَرُ الَّذِي يُوضَعُ فِي الرِّهَانِ عَلَى الْخَيْل وَالنِّضَال، وَالرِّهَانُ بِهَذَا الْمَعْنَى مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، بَل هُوَ مُسْتَحَبٌّ إِذَا قُصِدَ بِهِ التَّأَهُّبُ لِلْجِهَادِ.

٥ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الرِّهَانُ مِنَ الْحَيَوَانِ فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَكُونُ فِي الْخَيْل، وَالإِْبِل، وَالْفِيل، وَالْبَغْل، وَالْحِمَارِ فِي الْقَوْل الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ إِلاَّ فِي الْخَيْل وَالإِْبِل، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ فِي الْخَيْل وَالإِْبِل وَعَلَى الأَْرْجُل.

شُرُوطُ جَوَازِ الرِّهَانِ فِي السِّبَاقِ:

٦ - يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الرِّهَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ: عِلْمُ الْمَوْقِفِ الَّذِي يَجْرِيَانِ مِنْهُ، وَالْغَايَةِ الَّتِي يَجْرِيَانِ إِلَيْهَا، وَتَسَاوِيهِمَا فِيهِمَا، وَالْعِلْمُ بِالْمَشْرُوطِ، وَتَعْيِينُ الْفَرَسَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَإِمْكَانُ سَبْقِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَجُوزُ الْمَال مِنْ غَيْرِهِمَا وَمِنْ أَحَدِهِمَا، فَيَقُول: إِنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبَقْتُكَ فَلاَ شَيْءَ لِي عَلَيْكَ، وَإِنْ شَرَطَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا فَلَهُ عَلَى الآْخَرِ كَذَا لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّ

كُلًّا مِنْهُمَا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَغْنَمَ وَأَنْ يَغْرَمَ، وَهُوَ صُورَةُ الْقِمَارِ الْمُحَرَّمِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مُحَلِّلٌ فَرَسُهُ كُفْءٌ لِفَرَسَيْهِمَا، إِنْ سَبَقَ أَخَذَ مَالَهُمَا، وَإِنْ سَبَقَ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا (١) .

وَالتَّفْصِيل وَأَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي (مُسَابَقَة) .

_________

(١) القليوبي ٤ / ٢٦٥ - ٢٦٦، مواهب الجليل ٣ / ٣٩٠، ابن عابدين ٥ / ٤٧٩

رَهْبَانِيَّة

. التَّعْرِيفُ:

١ - الرَّهْبَانِيَّةُ لُغَةً: مِنَ الرَّهْبَةِ، وَهِيَ الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ مَعَ تَحَرُّزٍ وَاضْطِرَابٍ، وَمِنْهَا الرَّاهِبُ: وَهُوَ الْمُتَعَبِّدُ فِي صَوْمَعَةٍ مِنَ النَّصَارَى يَتَخَلَّى عَنْ أَشْغَال الدُّنْيَا وَمَلاَذِّهَا زَاهِدًا فِيهَا مُعْتَزِلًا أَهْلَهَا، وَالْجَمْعُ: رُهْبَانٌ، وَقَدْ يَكُونُ الرُّهْبَانُ وَاحِدًا، وَالْجَمْعُ رَهَابِينُ وَتَرَهَّبَ الرَّجُل إِذَا صَارَ رَاهِبًا.

وَالرَّهْبَانِيَّةُ: - بِفَتْحِ الْيَاءِ - مَنْسُوبَةٌ إِلَى الرُّهْبَانِ وَهُوَ الْخَائِفُ، فَعْلاَنُ مِنْ رَهِبَ، كَخَشْيَانِ مِنْ خَشِيَ. وَتَكُونُ أَيْضًا - بِضَمِّ الرَّاءِ - نِسْبَةً إِلَى الرُّهْبَانِ وَهُوَ جَمْعُ رَاهِبٍ كَرَاكِبٍ وَرُكْبَانٍ (١) .

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، وغريب القرآن للأصفهاني مادة (رهب)، وروح المعاني ٩ / ١٩٠، وأحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٧٣٢، والتفسير الكبير ٢٩ / ٢٤٤، تفسير الزمخشري ٤ / ٦٧

وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعُزْلَةُ:

٢ - الْعُزْلَةُ لُغَةً: التَّجَنُّبُ وَهِيَ اسْمُ مَصْدَرٍ، وَهِيَ ضِدُّ الْمُخَالَطَةِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّهْبَانِيَّةِ: أَنَّ الْعُزْلَةَ مِنْ وَسَائِل الرَّهْبَانِيَّةِ، وَهِيَ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل، وَقَدْ تَقَعُ عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ لِغَيْرِ التَّرَهُّبِ فَلاَ تَحْرُمُ.

ب - السِّيَاحَةُ:

٣ - مِنْ مَعَانِي السِّيَاحَةِ فِي اللُّغَةِ: الذَّهَابُ فِي الأَْرْضِ لِلتَّعَبُّدِ وَالتَّرَهُّبِ، وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ.

وَكَانَتِ السِّيَاحَةُ هَكَذَا مِمَّا يَتَعَبَّدُ بِهِ رُهْبَانُ النَّصَارَى، وَلِذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: سِيَاحَةُ أُمَّتِي الْجِهَادُ (١)، وَتَأْتِي السِّيَاحَةُ بِمَعْنَى إِدَامَةِ الصَّوْمِ.

فَالسِّيَاحَةُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل قَرِيبَةٌ مِنَ الرَّهْبَانِيَّةِ.

وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (سِيَاحَة) .

_________

(١) حديث: " سياحة أمتي الجهاد ". أخرجه أبو داود (٣ / ١٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٢ / ٧٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي أمامة وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - نَهَتِ الشَّرِيعَةُ عَنِ الرَّهْبَانِيَّةِ - بِمَعْنَاهَا الَّذِي كَانَ يُمَارِسُهُ رُهْبَانُ النَّصَارَى - وَهُوَ الْغُلُوُّ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالتَّخَلِّي عَنْ أَشْغَال الدُّنْيَا وَتَرْكُ مَلاَذِّهَا، وَاعْتِزَال النِّسَاءِ، وَالْفِرَارُ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ، وَلُزُومُ الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ أَوِ التَّعَبُّدُ فِي الْغِيرَانِ وَالْكُهُوفِ، وَالسِّيَاحَةُ فِي الأَْرْضِ عَلَى غَيْرِ هُدًى بِلُحُوقِهِمْ بِالْبَرَارِيِّ وَالْجِبَال، وَحَمْل أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْمَشَقَّاتِ فِي الاِمْتِنَاعِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَنْكَحِ، وَتَعْذِيبُ النَّفْسِ بِالأَْعْمَال التَّعَبُّدِيَّةِ الشَّاقَّةِ كَأَنْ يَخْصِيَ نَفْسَهُ أَوْ يَضَعَ سَلْسَلَةً فِي عُنُقِهِ.

وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل يَا أَهْل الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْل وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل﴾ (١) .

وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الإِْسْلاَمِ (٢) . وَقَوْلُهُ ﷺ: وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ (٣) . وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ رَغِبَ

_________

(١) سورة المائدة / ٧٧

(٢) حديث: " عليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام ". أخرجه أحمد (٣ / ٨٢ - ط الميمنية) من حديث أبي سعيد الخدري، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٢١٥ - ط القدسي) وقال: " رواه أحمد وأبو يعلى، ورجال أحمد ثقات "

(٣) حديث: " ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٩٣ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة

عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي (١) .

وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْفْضَل لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْتَلِطَ بِالنَّاسِ، وَيَحْضُرَ جَمَاعَاتِهِمْ وَمَشَاهِدَ الْخَيْرِ وَمَجَالِسَ الْعِلْمِ، وَأَنْ يَعُودَ مَرِيضَهُمْ، وَيَحْضُرَ جَنَائِزَهُمْ، وَيُوَاسِيَ مُحْتَاجَهُمْ، وَيُرْشِدَ جَاهِلَهُمْ، وَيَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَدْعُوَ لِلْخَيْرِ، وَيَنْشُرَ الْحَقَّ وَالْفَضِيلَةَ، وَيُجَاهِدَ فِي سَبِيل اللَّهِ لإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَإِعْزَازِ دِينِهِ مَعَ قَمْعِ نَفْسِهِ عَنْ إِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ.

قَال النَّوَوِيُّ: إِنَّ الاِخْتِلاَطَ بِالنَّاسِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هُوَ الْمُخْتَارُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَسَائِرُ الأَْنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْيَارِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٤) .

_________

(١) حديث: " من رغب عن سنتي فليس مني ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٠٤ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٠٢٠ - ط الحلبي) من حديث أنس

(٢) سورة المائدة / ٢

(٣) سورة آل عمران / ١١٠

(٤) سورة الصف / ٤

وَقَوْلُهُ ﷺ: الْعِبَادَةُ فِي الْهَرَجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي لاَ يُخَالِطُهُمْ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ (٢) .

هَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ فِتْنَةٌ عَامَّةٌ أَوْ فَسَادٌ سَائِدٌ لاَ يَسْتَطِيعُ إِصْلاَحَهُ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُهُ فِي الْحَرَامِ بِسَبَبِ الْمُخَالَطَةِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْعُزْلَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٣) .

وَقَوْلُهُ ﷺ: خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ (٤) .

وَقَوْلُهُ ﷺ: يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَال الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَغَفَ الْجِبَال وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ (٥) .

_________

(١) حديث: " العبادة في الهرج كهجرة إليّ ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٦٨ - ط الحلبي) من حديث معقل بن يسار

(٢) حديث: " المؤمن الذي يخالط الناس. . . " أخرجه أحمد (٢ / ٤٣ - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح.

(٣) سورة الأنفال / ٢٥

(٤) حديث: " خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٣٣١ - ط السلفية) من حديث أبي سعيد الخدري

(٥) تفسير القرطبي ١٧ / ٢٦٣، أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٧٣٢، الاعتصام للشاطبي ص ٢٣٣، دليل الفالحين ٣ / ٣٧، ٤٥. وحديث: " يوشك أن يكون خير مال المسلم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٤٠ - ط السلفية) من حديث أبي سعيد الخدري