الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 32

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

أ - أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَذْفٌ لِلْحَصَاةِ وَلَوْ خَفِيفًا.

فَكَيْفَمَا حَصَل أَجْزَأَهُ، حَتَّى قَال النَّوَوِيُّ: وَلاَ يُشْتَرَطُ وُقُوفُ الرَّامِي خَارِجَ الْمَرْمَى، فَلَوْ وَقَفَ فِي طَرَفِ الْمَرْمَى وَرَمَى إِلَى طَرَفِهِ الآْخَرِ أَجْزَأَهُ ".

وَلَوْ طَرَحَ الْحَصَيَاتِ طَرْحًا أَجْزَأَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الرَّمْيَ قَدْ وُجِدَ بِهَذَا الطَّرْحِ، إِلاَّ أَنَّهُ رَمْيٌ خَفِيفٌ، فَيُجْزِئُ مَعَ الإِْسَاءَةِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ الطَّرْحُ بَتَاتًا.

أَمَّا لَوْ وَضَعَهَا وَضْعًا فَلاَ يَصِحُّ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِرَمْيٍ.

ب - الْعَدَدُ الْمَخْصُوصُ:

وَهُوَ سَبْعُ حَصَيَاتٍ لِكُل جَمْرَةٍ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ رَمْيَ حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ كَمَنْ تَرَكَ السَّبْعَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ تَيْسِيرٌ بِقَبُول صَدَقَةٍ فِي تَرْكِ الْقَلِيل مِنَ الْحَصَيَاتِ، اخْتَلَفَتْ فِيهِ اجْتِهَادَاتُهُمْ (ر: حَجّ ف / ٢٧٣)

وَاجِبُ الرَّمْيِ:

١١ - يَجِبُ تَرْتِيبُ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ بِحَسَبِ تَرْتِيبِ أَعْمَال يَوْمِ النَّحْرِ، وَهِيَ هَكَذَا: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَالذَّبْحُ، فَالْحَلْقُ، فَطَوَافُ الإِْفَاضَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّ تَرْتِيبَهَا سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلاَفٌ فِي كَيْفِيَّةِ هَذَا التَّرْتِيبِ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: حَجّ

ف ١٩٥ - ١٩٦) وَسَبَقَ الْحُكْمُ فِي تَرْتِيبِ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ الثَّلاَثِ (ف ٦)

سُنَنُ الرَّمْيِ:

١٢ - يُسَنُّ فِي الرَّمْيِ مَا يَلِي:

أ - أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّامِي وَبَيْنَ الْجَمْرَةِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ فَأَكْثَرُ، كَمَا نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ؛ لأَِنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ يَكُونُ طَرْحًا، وَلَوْ طَرَحَهَا طَرْحًا أَجْزَأَهُ إِلاَّ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ.

ب - الْمُوَالاَةُ بَيْنَ الرَّمَيَاتِ السَّبْعِ، بِحَيْثُ لاَ يَزِيدُ الْفَصْل بَيْنَهَا عَنِ الذِّكْرِ الْوَارِدِ.

ج - لَقْطُ الْحَصَيَاتِ دُونَ كَسْرِهَا، وَلَهُ أَخْذُهَا مِنْ مَنْزِلِهِ بِمِنًى.

د - طَهَارَةُ الْحَصَيَاتِ، فَيُكْرَهُ الرَّمْيُ بِحَصًى نَجِسٍ، وَيُنْدَبُ إِعَادَتُهُ بِطَاهِرٍ، وَفِي وَجْهٍ اخْتَارَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يُجْزِئُ الرَّمْيُ بِنَجِسٍ، وَيَجِبُ إِعَادَتُهُ بِطَاهِرٍ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِهِمْ الإِْجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ (١) .

هـ - أَلاَّ يَكُونَ الْحَصَى مِمَّا رُمِيَ بِهِ، فَلَوْ خَالَفَ وَرَمَى بِهَا كُرِهَ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا رَمَى بِهِ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.

وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ (٢): لاَ يُجْزِئُ، وَمَذْهَبُ

_________

(١) الفروع وحاشية تصحيح الفروع ٣ / ٥١١.

(٢) وهواللخمي كما نقل عنه الحطاب ٣ / ١٣٩، وجعله الكاساني في البدائع ٢ / ١٥٦ قول مالك: وهو خلاف المنصوص في المصادر أنه يكره، وانظر الشرح الكبير ٢ / ٥٤.

الْحَنَابِلَةِ: إِنْ رَمَى بِحَجَرٍ أَخَذَهُ مِنَ الْمَرْمَى لَمْ يَجْزِهِ (١) .

اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِعُمُومِ لَفْظِ الْحَصَى الْوَارِدِ فِي الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ الرَّمْيَ، وَذَلِكَ يُفِيدُ صِحَّةَ الرَّمْيِ بِمَا رُمِيَ بِهِ وَلَوْ أُخِذَ مِنَ الْمَرْمَى.

وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ الْمَرْمَى، وَقَال: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ وَلأَِنَّهُ لَوْ جَازَ الرَّمْيُ بِمَا رُمِيَ بِهِ، لَمَا احْتَاجَ أَحَدٌ إِلَى أَخْذِ الْحَصَى مِنْ غَيْرِ مَكَانِهِ وَلاَ تَكْسِيرِهِ، وَالإِْجْمَاعُ عَلَى خِلاَفِهِ.

والتَّكْبِيرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّل حَصَاةٍ يَرْمِي بِهَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (٢) .

وَيُنْظَرُ الْخِلاَفُ وَالتَّفْصِيل فِي بَحْثِ: (تَلْبِيَة) .

ز - الْوُقُوفُ لِلدُّعَاءِ: وَذَلِكَ إِثْرَ كُل رَمْيٍ بَعْدَهُ رَمْيٌ آخَرُ، فَيَقِفُ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ مُدَّةً وَيُطِيل الْوُقُوفَ يَدْعُو، وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِمُدَّةِ ثَلاَثَةِ أَرْبَاعِ الْجُزْءِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَدْنَاهُ قَدْرُ عِشْرِينَ آيَةً. فَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ الصُّغْرَى وَبَعْدَ الْوُسْطَى،

_________

(١) انظر المغني ٣ / ٤٢٦، والفروع ٣ / ٥١١.

(٢) الهداية ٢ / ١٧٥، والبدائع ٢ / ١٥٦، والأم ٢ / ٢٠٥، ومغني المحتاج ١ / ٥٠١، والفروع ٣ / ٣٤٧، والمغني ٣ / ٤٣٠.

لأَِنَّهُ فِي وَسَطِ الْعِبَادَةِ، فَيَأْتِي بِالدُّعَاءِ فِيهِ، وَكُل رَمْيٍ لَيْسَ بَعْدَهُ رَمْيٌ لاَ يَقِفُ فِيهِ لِلدُّعَاءِ؛ لأَِنَّ الْعِبَادَةَ قَدِ انْتَهَتْ، فَلاَ يَقِفُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلاَ بَعْدَ رَمْيِهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَيْضًا.

وَدَلِيل هَذِهِ السُّنَّةِ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ (١) .

مَكْرُوهَاتُ الرَّمْيِ:

١٣ - يُكْرَهُ فِي الرَّمْيِ مَا يَلِي:

أ - الرَّمْيُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَعْدَ زَوَالِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، قَال السَّرَخْسِيُّ: فَفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَقْتُهُ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَكِنَّهُ لَوْ رَمَى بِاللَّيْل لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ (٢) ".

ب - الرَّمْيُ بِالْحَجَرِ الْكَبِيرِ، سَوَاءٌ رَمَى بِهِ كَبِيرًا، أَوْ رَمَى بِهِ مَكْسُورًا.

ج - الرَّمْيُ بِحَصَى الْمَسْجِدِ، فَلاَ يَأْخُذُهُ مِنْ

_________

(١) الهداية وشروحها ٢ / ١٧٤ - ١٧٦، ١٨٣ - ١٨٥، وشرح اللباب ١٥٨ - ١٥٩، ١٦٢ - ١٦٣، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٢٦ - ٤٣٤، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٠، و٥٠١ و٥٠٦، و٥٠٨، وشرح الرسالة بحاشية العدوي ١ / ٤٧٨، وعبر عنها بشروط الكمال، وأدرج بعض المندوبات فيها وانظر ص ٤٨٠، والمغني ٣ / ٤٢٦، ٤٥٠.

(٢) المبسوط ٤ / ٦٤، شرح اللباب ص ١٦٧، ومواهب الجليل ٣ / ١٣٦، وقال الشلبي في حاشيته على الزيلعي: ٢ / ٣١: " ولو أخر الرمي إلى الليل رماها ولا شيء عليه ".

مَسْجِدِ الْخَيْفِ؛ لأَِنَّ الْحَصَى تَابِعٌ لِلْمَسْجِدِ، فَلاَ يَخْرُجُ مِنْهُ.

د - الرَّمْيُ بِالْحَصَى النَّجِسِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيل: لاَ يُجْزِئُ الرَّمْيُ بِالْحَصَى النَّجِسِ.

هـ - الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَدَدِ، أَيِ السَّبْعِ، فِي رَمْيِ كُل جَمْرَةٍ مِنَ الْجَمَرَاتِ (١) .

صِفَةُ الرَّمْيِ الْمُسْتَحَبَّةُ:

١٤ - يَسْتَعِدُّ الْحَاجُّ لِرَمْيِ الْجَمَرَاتِ فَيَرْفَعُ الْحَصَى قَبْل الْوُصُول إِلَى الْجَمْرَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِثْل حَصَى الْخَذْفِ، فَوْقَ الْحِمَّصَةِ وَدُونَ الْبُنْدُقَةِ لِيَرْمِيَ بِهَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَهُوَ يَوْمُ عِيدِ النَّحْرِ، وَإِنْ رَفَعَ سَبْعِينَ حَصَاةً مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ أَوْ مِنْ طَرِيقِ مُزْدَلِفَةَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَقِيل: مُسْتَحَبٌّ، وَهَذَا هُوَ عَدَدُ الْحَصَى الَّذِي يُرْمَى فِي كُل أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْحَصَيَاتِ مِنْ كُل مَوْضِعٍ بِلاَ كَرَاهَةٍ، إِلاَّ مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَيُكْرَهُ أَخْذُهَا مِنْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ، لأَِنَّ حَصَى الْمَسْجِدِ تَابِعٌ لَهُ فَيَصِيرُ مُحْتَرَمًا، وَيُنْدَبُ غَسْل الْحَصَى مُطْلَقًا، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ نَجِسَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

ثُمَّ يَأْتِي الْحَاجُّ مِنًى يَوْمَ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي

_________

(١) انظر عن مكروهات الرمي في شرح اللباب ص ١٦٧، وانظر الأم ٢ / ٢١٣ - ٢١٤.

الْحِجَّةِ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَعَلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَرْبَعَةُ أَعْمَالٍ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ ذَبْحُ الْهَدْيِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدَّمَ السَّعْيَ عِنْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِنَّهُ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ، وَيَتَوَجَّهُ الْحَاجُّ فَوْرَ وُصُولِهِ مِنًى إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَتَقَعُ آخِرَ مِنًى تُجَاهَ مَكَّةَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَغِل بِشَيْءٍ آخَرَ قَبْل رَمْيِهَا، فَيَرْمِيهَا بَعْدَ دُخُول وَقْتِهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ يَرْمِيهَا وَاحِدَةً فَوَاحِدَةً يُكَبِّرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ وَيَدْعُو، وَكَيْفَمَا أَمْسَكَ الْحَصَاةَ وَرَمَاهَا صَحَّ، دُونَ تَقْيِيدٍ بِهَيْئَةٍ، لَكِنْ لاَ يَجُوزُ وَضْعُ الْحَصَاةِ فِي الْمَرْمَى وَضْعًا، وَيُسَنُّ أَنْ يَرْمِيَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُ السُّنَّةِ إِلَى الزَّوَال، وَيُبَاحُ بَعْدَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ.

١٥ - أَمَّا كَيْفِيَّةُ الرَّمْيِ فَهِيَ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ الْجَمْرَةِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْحَصَى قَدْرَ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ فَأَكْثَرَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَيُمْسِكَ بِالْحَصَاةِ بِطَرَفَيْ إِبْهَامِ وَمُسَبِّحَةِ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَيَرْفَعَ يَدَهُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، وَيَقْذِفَهَا وَيُكَبِّرَ. وَقِيل: يَضَعُ الْحَصَاةَ عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِهِ الْيُمْنَى وَيَسْتَعِينُ بِالْمُسَبِّحَةِ، وَقِيل: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ الْحَصَاةَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْ يَدَيْهِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى وَيَرْمِيَ بِهَا (١) .

١٦ - أَمَّا صِيغَةُ التَّكْبِيرِ فَقَدْ جَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ

_________

(١) ولتفصيل من أين يلتقط الحصى، تنظر الموسوعة ٥ / ٢١٨.

مُطْلَقَةً " يُكَبِّرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ " (١) . فَيَجُوزُ بِأَيِّ صِيغَةٍ مِنْ صِيَغِ التَّكْبِيرِ.

وَاخْتَارَ الْعُلَمَاءُ نَحْوَ هَذِهِ الصِّيغَةِ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ وَرِضًا لِلرَّحْمَنِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا وَالْمُسْتَنَدُ فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنَ الآْثَارِ الْكَثِيرَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ (٢) .

وَلَوْ رَمَى وَتَرَكَ الذِّكْرَ فَلَمْ يُكَبِّرْ وَلَمْ يَأْتِ بِأَيِّ ذِكْرٍ جَازَ، وَقَدْ أَسَاءَ لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ.

وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّل حَصَاةٍ يَرْمِيهَا وَيَشْتَغِل بِالتَّكْبِيرِ.

وَيَنْصَرِفُ مِنَ الرَّمْيِ وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا.

وَوَقْتُ الرَّمْيِ فِي هَذِهِ الأَْيَّامِ بَعْدَ الزَّوَال، وَيُنْدَبُ تَقْدِيمُ الرَّمْيِ قَبْل صَلاَةِ الظُّهْرِ فِي الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُقَدِّمُ صَلاَةَ الظُّهْرِ عَلَى الرَّمْيِ (٣) .

_________

(١) حديث: " يكبر مع كل حصاة ". تقدم تخريجه ف / ٦. وانظر فتح القدير ٢ / ١٧٤.

(٢) انظر طائفة منها في المغني ٣ / ٤٢٧ - ٤٢٨، وقال الحنفية: " لو سبح مكان التكبير أو ذكر الله أو حمده أو وحده أجزأه، لأن المقصود من تكبيره ﷺ الذكر ". الهداية ٢ / ٧٥، وانظر تحقيق الكمال بن الهمام وتعليقه على هذا في شرحه عليها.

(٣) الشرح الكبير ٢ / ٥٢، والمجموع ٨ / ١٧٩ (وقارن بمغني المحتاج ١ / ٥٠٧)، والفروع ٨ / ٥١٨، ولباب المناسك بشرحه ص ١٦٢.

١٧ - وَقَدْ بَحَثُوا فِي أَفْضَلِيَّةِ الرُّكُوبِ أَوِ الْمَشْيِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَكَانُوا يَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ فَكَانَ الرَّمْيُ لِلرَّاكِبِ مُمْكِنًا.

فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ رَاكِبًا وَغَيْرَهَا مَاشِيًا فِي جَمِيعِ أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: الرَّمْيُ كُلُّهُ رَاكِبًا أَفْضَل.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ كَيْفَمَا كَانَ وَغَيْرَهَا مَاشِيًا.

وَقَال الشَّافِعِيُّ: يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا، وَكَذَلِكَ يَرْمِيهَا يَوْمَ النَّفْرِ رَاكِبًا، وَيَمْشِي فِي الْيَوْمَيْنِ الآْخَرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ "، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةَ الْحَنَفِيُّ اسْتِحْبَابَ الْمَشْيِ إِلَى الْجِمَارِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الأَْكْثَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .

عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْجِمَارَ فِي الأَْيَّامِ الثَّلاَثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ.

ثُمَّ إِذَا فَرَغَ مِنَ الرَّمْيِ ثَانِيَ أَيَّامِ الْعِيدِ وَهُوَ أَوَّل أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فِي مِنًى، وَيَبِيتُ

_________

(١) شرح اللباب ص١٦٣، الأم ٢ / ٢١٣، وانظر المجموع ٨ / ١٨٣، الفروع ٣ / ٥١٢، وقارن بالمغني ٣ / ٤٢٨.

تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِيهَا، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ وَهُوَ ثَانِيَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَثَالِثُ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رَمَى الْجِمَارَ الثَّلاَثَةَ بَعْدَ الزَّوَال عَلَى كَيْفِيَّةِ رَمْيِ الْيَوْمِ السَّابِقِ.

ثُمَّ إِذَا رَمَى فِي هَذَا الْيَوْمِ فَلَهُ أَنْ يَنْفِرَ أَيْ يَرْحَل، بِلاَ كَرَاهَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) .

وَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، لِذَلِكَ يُسَمَّى هَذَا الْيَوْمُ يَوْمَ النَّفْرِ الأَْوَّل.

١٨ - وَإِنْ لَمْ يَنْفِرْ لَزِمَهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَهُوَ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، ثَالِثُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي فِيهِ الْجَمَرَاتِ الثَّلاَثَ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ السَّابِقَةِ فِي ثَانِي يَوْمٍ أَيْضًا، لَكِنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِحُّ الرَّمْيُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنَ الْفَجْرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ، وَيَنْتَهِي وَقْتُ الرَّمْيِ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ أَدَاءً وَقَضَاءً، فَإِنْ لَمْ يَرْمِ حَتَّى غَرَبَتْ شَمْسُ الْيَوْمِ فَاتَ الرَّمْيُ وَتَعَيَّنَ الدَّمُ فِدَاءً عَنِ الْوَاجِبِ الَّذِي تَرَكَهُ، وَيَرْحَل بَعْدَ الرَّمْيِ، وَلاَ يُسَنُّ الْمُكْثُ فِي مِنًى بَعْدَهُ، وَيُسَمَّى هَذَا النَّفْرَ الثَّانِيَ، وَهَذَا الْيَوْمُ يَوْمَ النَّفْرِ الثَّانِي.

وَالأَْفْضَل أَنْ يَتَأَخَّرَ بِمِنًى وَيَرْمِيَ الْيَوْمَ الرَّابِعَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٢) وَاتِّبَاعًا لِلنَّبِيِّ ﷺ تَكْمِيلًا لِلْعِبَادَةِ.

_________

(١) سورة البقرة / ٢٠٣.

(٢) سورة البقرة / ٢٠٣.

أَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ رُكُوبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّمْيِ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ " مَحْمُولٌ عَلَى رَمْيٍ لاَ رَمْيَ بَعْدَهُ، أَوْ عَلَى التَّعْلِيمِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ مَنَاسِكَ الْحَجِّ " وَالْجَوَابُ الثَّانِي أَوْلَى وَأَقْوَى، يَدُل عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَهُوَ رَاكِبٌ: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ.

آثَارُ الرَّمْيِ:

يَتَرَتَّبُ عَلَى رَمْيِ الْجِمَارِ أَحْكَامٌ هَامَّةٌ فِي الْحَجِّ، سِوَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ وُجُوبِهِ، وَهَذِهِ الآْثَارُ هِيَ:

أ - أَثَرُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ:

١٩ - يَتَرَتَّبُ عَلَى رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ التَّحَلُّل الأَْوَّل مِنْ إِحْرَامِ الْحَجِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ التَّحَلُّل الأَْوَّل يَكُونُ بِالْحَلْقِ، وَعَلَى تَفْصِيلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (ر: مُصْطَلَحَ إحْرَام ف ١٢٢ - ١٢٥) .

ب - أَثَرُ رَمْيِ الْجِمَارِ يَوْمَيِ التَّشْرِيقِ: النَّفْرُ الأَْوَّل:

٢٠ - إِذَا رَمَى الْحَاجُّ الْجِمَارَ أَوَّل وَثَانِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ، أَيْ يَرْحَل إِنْ أَحَبَّ التَّعَجُّل فِي الاِنْصِرَافِ مِنْ مِنًى، هَذَا هُوَ النَّفْرُ الأَْوَّل، وَبِهَذَا النَّفْرِ يَسْقُطُ رَمْيُ الْيَوْمِ الأَْخِيرِ،