الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
ز - تَرْتِيبُ الْجَمَرَاتِ فِي رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَمْرَةِ الصُّغْرَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) فَهَذَا التَّرْتِيبُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الرَّمْيِ.
فَلَوْ عَكَسَ التَّرْتِيبَ فَبَدَأَ مِنَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الصُّغْرَى وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ رَمْيِ الْوُسْطَى وَالْعَقَبَةِ عِنْدَهُمْ لِيَتَحَقَّقَ التَّرْتِيبُ (١) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ سُنَّةٌ، إِذَا أَخَل بِهِ يُسَنُّ لَهُ الإِْعَادَةُ. وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ (٢) .
اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَتَّبَهَا كَذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُل حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِل (٣)، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَال فَيَسْتَهِل وَيَقُومُ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ
_________
(١) الشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٥١، ومواهب الجليل ٣ / ١٣٤، والإيضاح ص ٤٠٥، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣٣، والمغني ٣ / ٤٥٢ - ٤٥٣، والفروع ٣ / ٥١٨.
(٢) على ما اختاره أكثرهم ومحققوهم، بدائع الصنائع ٢ / ١٣٩، وفتح القدير ٢ / ١٨٣، وشرح اللباب ص ١٦٧، وانظر رواية القول بالوجوب في المبسوط ٤ / ٦٥ - ٦٦، والمغني ٣ / ٤٥٢.
(٣) . فَاسْتَدَل بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِ تَرْتِيبِ الْجَمَرَاتِ، كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ.
وَفَسَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ عَلَى سَبِيل السُّنِّيَّةِ، لاَ الْوُجُوبِ، وَاسْتَدَل لَهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ قَدَّمَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ (١) .
ح - الْوَقْتُ:
فَلِلرَّمْيِ أَوْقَاتٌ يُشْتَرَطُ مُرَاعَاتُهَا، فِي رَمْيِ الْعَدَدِ الْوَاجِبِ فِي كُلٍّ مِنْهَا. تَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي:
وَقْتُ الرَّمْيِ وَعَدَدُهُ:
٧ - وَقْتُ رَمْيِ الْجِمَارِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِمَنْ لَمْ يَتَعَجَّل هِيَ: يَوْمُ النَّحْرِ " وَثَلاَثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَتُسَمَّى " أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ". سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّ لُحُومَ الْهَدَايَا تُشَرَّقُ فِيهَا، أَيْ تُعَرَّضُ لِلشَّمْسِ لِتَجْفِيفِهَا.
أ - الرَّمْيُ يَوْمَ النَّحْرِ:
٨ - يَجِبُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَحْدَهَا فَقَطْ، يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ.
_________
(١) حديث: " من قدم من نسكه شيئًا ". أخرجه البيهقي في السنن (٥ / ١٤٣ - ١٤٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس.
وَأَوَّل وَقْتِ الرَّمْيِ لِيَوْمِ النَّحْرِ يَبْدَأُ مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ (١) .
وَهَذَا الْوَقْتُ عِنْدَهُمْ أَقْسَامٌ: مَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتَ الْجَوَازِ مَعَ الإِْسَاءَةِ، وَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَال وَقْتٌ مَسْنُونٌ، وَمَا بَعْدَ الزَّوَال إِلَى الْغُرُوبِ وَقْتُ الْجَوَازِ بِلاَ إِسَاءَةٍ، وَاللَّيْل وَقْتُ الْجَوَازِ مَعَ الإِْسَاءَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَطْ وَلاَ جَزَاءَ فِيهِ.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَيَنْتَهِي الْوَقْتُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ يَلْزَمُ فِيهِ الدَّمُ.
وَتَحْدِيدُ الْوَقْتِ الْمَسْنُونِ مَأْخُوذٌ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ رَمَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ جَوَازِ الرَّمْيِ يَوْمُ النَّحْرِ إِذَا انْتَصَفَتْ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَهُ.
وَهَذَا الْوَقْتُ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ إِلَى الزَّوَال، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ إِلَى الْغُرُوبِ، وَوَقْتُ جَوَازٍ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (٢) .
_________
(١) الهداية ٢ / ١٨٥، والبدائع ٢ / ١٣٧، وشرح اللباب ص ١٥٧ - ١٥٨، والشرح الكبير ٢ / ٤٨، وشرح الرسالة بحاشية العدوي ١ / ٤٧٧ و٤٨٠، والمغني ٣ / ٤٢٩ والفروع ٣ / ٥١٣.
(٢) الإيضاح ص ٣٥٤، والنهاية ٢ / ٤٢٩، والمغني والفروع ونهاية المحتاج عن الرافعي ٢ / ٤٣٠، وقوله " إلى الزوال " أي من بعد طلوع الشمس.
اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ فِي الثَّقَل وَقَال: لاَ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تُصْبِحُوا (١) .
فَأَثْبَتُوا جَوَازَ الرَّمْيِ ابْتِدَاءً مِنَ الْفَجْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ، وَيَأْمُرُهُمْ يَعْنِي لاَ يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (٢) .
فَأَثْبَتُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْوَقْتَ الْمَسْنُونَ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَل بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ قَبْل الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ (٣) .
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّهُ عَلَّقَ الرَّمْيَ بِمَا قَبْل الْفَجْرِ، وَهُوَ تَعْبِيرٌ صَالِحٌ لِجَمِيعِ اللَّيْل، فَجَعَل
_________
(١) حديث: " لا ترموا الجمرة حتى تصبحوا ". أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢ / ٢١٧ - ط مطبعة الأنوار المحمدية) .
(٢) حديث ابن عباس: " كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفاء. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٤٧٨١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٣ / ٢٣١ - ط الحلبي) وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
(٣) حديث عائشة: " أن النبي ﷺ أرسل أم سلمة ليلة النحر ". أخرجه أبو داود (٢ / ٤٨١ تحقيق عزت عبيد دعاس) . وقال ابن حجر: " إسناده على شرط مسلم ". كما في بلوغ المرام (٢ / ٤١٧ - شرحه سبل السلام ط دار الكتب العلمية) .
النِّصْفَ ضَابِطًا لَهُ؛ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِمَّا قَبْل النِّصْفِ.
أَمَّا آخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ يَوْمَ النَّحْرِ فَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى فَجْرِ الْيَوْمِ التَّالِي، فَإِذَا أَخَّرَهُ عَنْهُ بِلاَ عُذْرٍ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الْقَضَاءِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: آخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ، وَيَجِبُ الدَّمُ إِنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ (٢) .
وَآخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ أَدَاءً عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لأَِنَّهَا كُلُّهَا أَيَّامُ رَمْيٍ (٣) .
وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ قَال: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَال: لاَ حَرَجَ (٤) .
وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَرْمُوا لَيْلًا (٥) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٣٧، وشرح اللباب ص ١٦١.
(٢) الشرح الكبير ٢ / ٥٠، وشرح الرسالة ١ / ٤٧٧.
(٣) المراجع الشافعية والحنابلة السابقة.
(٤) حديث ابن عباس: " سأله رجل قال: رميت بعدما أمسيت. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٦٨ - ط السلفية) .
(٥) حديث ابن عباس: " رخص للرعاة أن يرموا ليلًا ". أورده الهيثمي في المجمع (٣ / ٢٦٠ - ط القدسي) وقال: " رواه الطبراني في الكبير وفيه إسحاق بن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك ".
وَهُوَ يَدُل عَلَى أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ فِي اللَّيْل جَائِزٌ، وَفَائِدَةُ الرُّخْصَةِ زَوَال الإِْسَاءَةِ عَنْهُمْ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ الرَّمْيُ وَاجِبًا قَبْل الْمَغْرِبِ لأَلْزَمَهُمْ بِهِ؛ لأَِنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ إِنَابَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى الرَّعْيِ.
ب - الرَّمْيُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
٩ - وَهُمَا الْيَوْمَانِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ: يَجِبُ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ رَمْيُ الْجِمَارِ الثَّلاَثِ عَلَى التَّرْتِيبِ: يَرْمِي أَوَّلًا الْجَمْرَةَ الصُّغْرَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، يَرْمِي كُل جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ.
١ - يَبْدَأُ وَقْتُ الرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَال، وَلاَ يَجُوزُ الرَّمْيُ فِيهِمَا قَبْل الزَّوَال عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمُ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الظَّاهِرَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (١) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٣٧ - ١٣٨ والهداية وشرحها ٢ / ١٨٣ ولم يذكرا غير هذه الرواية في اليوم الأول من أيام التشريق، وقارن بشرح اللباب ص ١٥٨ - ١٥٩ ورد المحتار ٢ / ٢٥٣ - ٢٥٤، وانظر الشرح الكبير ٢ / ٤٨ و٥٠، وشرح الرسالة ١ / ٤٨٠، والإيضاح ص ٤٠٥، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣٣، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٧، والمغني ٣ / ٤٥٢، والفروع ٣ / ٥١٨.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الأَْفْضَل أَنْ يَرْمِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ - أَيْ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ - بَعْدَ الزَّوَال فَإِنْ رَمَى قَبْلَهُ جَازَ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ (١) .
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَتَعَجَّل فِي النَّفْرِ الأَْوَّل فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَرْمِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَبْل الزَّوَال، وَإِنْ رَمَى بَعْدَهُ فَهُوَ أَفْضَل، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِهِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ إِلاَّ بَعْدَ الزَّوَال، وَذَلِكَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا نَفَرَ بَعْدَ الزَّوَال لاَ يَصِل إِلَى مَكَّةَ إِلاَّ بِاللَّيْل فَيَحْرَجُ فِي تَحْصِيل مَوْضِعِ النُّزُول (٢) .
وَهَذَا رِوَايَةٌ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ، لَكِنَّهُ قَال: يَنْفِرُ بَعْدَ الزَّوَال (٣) .
اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ.
فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كُنَّا
_________
(١) الهداية وشرحها ٢ / ١٨٤، والبدائع ٢ / ١٣٧ - ١٣٨، وشرح اللباب ص ١٥٨ - ١٦١ وفيه وفي التعليق عليه تحقيق مطول حول هذه الرواية، وانظر النقل عن بعض الحنابلة في الفروع ٣ / ٥١٨.
(٢) المراجع السابقة في الفقه الحنفي.
(٣) الفروع ٣ / ٥١٨ - ٥٢٠.
نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا (١) .
وَعَنْ جَابِرٍ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ (٢) .
وَهَذَا بَابٌ لاَ يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ، بَل بِالتَّوْقِيتِ مِنَ الشَّارِعِ، فَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهُ.
وَاسْتُدِل لِلرِّوَايَةِ بِجَوَازِ الرَّمْيِ قَبْل الزَّوَال بِقِيَاسِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ؛ لأَِنَّ الْكُل أَيَّامُ نَحْرٍ، وَيَكُونُ فِعْلُهُ ﷺ مَحْمُولًا عَلَى السُّنِّيَّةِ.
وَاسْتُدِل لِجَوَازِ الرَّمْيِ ثَانِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَبْل الزَّوَال لِمَنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ النَّفْرُ إِلَى مَكَّةَ بِمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِل إِلاَّ بِاللَّيْل، وَقَدْ قَوَّى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالأَْخْذُ بِهَذَا مُنَاسِبٌ لِمَنْ خَشِيَ الزِّحَامَ وَدَعَتْهُ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، لاَ سِيَّمَا فِي زَمَنِنَا (٣) .
٢ - وَأَمَّا نِهَايَةُ وَقْتِ الرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
_________
(١) حديث ابن عمر: " كنا نتحين فإذا زالت الشمس. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٧٩ - ط السلفية) .
(٢) حديث جابر: " رأيت النبي ﷺ رمى الجمرة يوم النحر ضحى ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٥ - ط الحلبي) .
(٣) قال في البحر العميق: " فهو قول مختار يعمل به بلا ريب، وعليه عمل الناس، وبه جزم بعض الشافعي حتى زعم الأسنوي أنه المذهب ". كذا في إرشاد الساري إلى مناسك الملا علي قاري ص ١٦١.
فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ آخِرَ الْوَقْتِ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلاَثِ، فَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ تَدَارَكَهُ فِيمَا يَلِيهِ مِنَ الزَّمَنِ، وَالْمُتَدَارَكُ أَدَاءٌ عَلَى الْقَوْل الأَْصَحِّ الَّذِي اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَاقْتَضَاهُ نَصُّ الشَّافِعِيَّةِ
وَهَكَذَا لَوْ تَرَكَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يَتَدَارَكُهُ فِي اللَّيْل وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ التَّرْتِيبُ فَيُقَدِّمُهُ عَلَى رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. كَذَلِكَ أَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ التَّرْتِيبَ فِي الْقَضَاءِ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِوُجُوبِ تَرْتِيبِهِ فِي الْقَضَاءِ بِالنِّيَّةِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكِ الرَّمْيَ حَتَّى غَرَبَتْ شَمْسُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَقَدْ فَاتَهُ الرَّمْيُ وَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ (١) .
وَدَلِيلُهُمْ: أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقْتٌ لِلرَّمْيِ، فَإِذَا أَخَّرَهُ مِنْ أَوَّل وَقْتِهِ إِلَى آخِرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَقَيَّدُوا رَمْيَ كُل يَوْمٍ بِيَوْمِهِ، ثُمَّ فَصَّلُوا: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَنْتَهِي رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ بِطُلُوعِ فَجْرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَرَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ. فَمَنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ إِلَى مَا بَعْدَ وَقْتِهِ
_________
(١) الأم ٢ / ٢١٤، والإيضاح ص ٤٠٧، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣٥، ٤٣٦ ومغني المحتاج ١ / ٥٠٨ - ٥٠٩، والمغني ٣ / ٤٥٥ - ٤٥٦، والفروع ٣ / ٥١٨ - ٥١٩.
فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَهُمْ (١) .
وَالدَّلِيل عَلَى جَوَازِ الرَّمْيِ بَعْدَ مَغْرِبِ نَهَارِ الرَّمْيِ حَدِيثُ الإِْذْنِ لِلرِّعَاءِ بِالرَّمْيِ لَيْلًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَنْتَهِي الأَْدَاءُ إِلَى غُرُوبِ كُل يَوْمٍ، وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ لَهُ، وَيَفُوتُ الرَّمْيُ بِغُرُوبِ الرَّابِعِ، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ فِي تَرْكِ حَصَاةٍ أَوْ فِي تَرْكِ الْجَمِيعِ، وَكَذَا يَلْزَمُهُ دَمٌ إِذَا أَخَّرَ شَيْئًا مِنْهَا إِلَى اللَّيْل (٢) .
ج - الرَّمْيُ ثَالِثَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
١٠ - يَجِبُ هَذَا الرَّمْيُ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ وَلَمْ يَنْفِرْ مِنْ مِنًى بَعْدَ رَمْيِ ثَانِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا نُفَصِّلُهُ وَهَذَا الرَّمْيُ آخِرُ مَنَاسِكِ مِنًى.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّمْيَ فِي هَذَا الْيَوْمِ بَعْدَ الزَّوَال رَمْيٌ فِي الْوَقْتِ، كَمَا رَمَى فِي الْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ، اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ ﷺ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَقْدِيمِهِ:
فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ وَالصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الرَّمْيُ قَبْل الزَّوَال، اسْتِدْلاَلًا بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَقِيَاسًا لِرَمْيِ هَذَا الْيَوْمِ عَلَى الْيَوْمَيْنِ السَّابِقَيْنِ، فَكَمَا لاَ يَصِحُّ الرَّمْيُ فِيهِمَا قَبْل
_________
(١) شرح اللباب ص ١٦١، وانظر المبسوط ٤ / ٦٨ ولفظه: " الليالي هنا تابعة للأيام الماضية ".
(٢) الشرح الكبير ٢ / ٥١، وانظر شرح الرسالة بحاشيته ١ / ٤٧٧ و٤٨٠ - ٤٨١.
الزَّوَال، كَذَلِكَ لاَ يَصِحُّ قَبْل زَوَال الْيَوْمِ الأَْخِيرِ (١) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ لِلرَّمْيِ فِي هَذَا الْيَوْمِ بَعْدَ الزَّوَال، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّمَ الرَّمْيُ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَبْل الزَّوَال، بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
قَال فِي الْهِدَايَةِ: وَمَذْهَبُهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ أَثَرُ التَّخْفِيفِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فِي حَقِّ التَّرْكِ، فَلأَنْ يَظْهَرَ فِي جَوَازِهِ - أَيِ الرَّمْيِ - فِي الأَْوْقَاتِ كُلِّهَا أَوْلَى (٢) .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الرَّمْيِ فِي هَذَا الْيَوْمِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ لِهَذَا الْيَوْمِ وَلِلأَْيَّامِ الْمَاضِيَةِ لَوْ أَخَّرَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ يَخْرُجُ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، فَلاَ قَضَاءَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَجِبُ فِي تَرْكِهِ الْفِدَاءُ. وَذَلِكَ " لِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَنَاسِكِ بِغُرُوبِ شَمْسِهِ (٣) .
شُرُوطُ الرَّمْيِ:
١٠ م - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ رَمْيِ الْجِمَارِ مَا يَلِي:
_________
(١) المراجع السابقة في رمي أيام التشريق.
(٢) الهداية ٢ / ١٨٥، وانظر الاستدلال بأوسع من هذا في البدائع ٢ / ١٣٨، والفتوى في المذهب الحنفي على قول الإمام، وقد اقتصر عليه صاحب البدائع في بيانه صفة الرمي ص ١٥٩.
(٣) كما قال الرملي في نهاية المحتاج ٢ / ٤٣٣، ووقع في شرح الكنز للهروي ص (٧٤) التعبير بقوله: " قبل الزوال بعد طلوع الشمس " وهو موهم خلاف المعروف في المذهب الحنفي: أنه يبدأ الرمي آخر يوم بعد الفجر.