الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 30

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

رَمْي

التَّعْرِيفُ:

١ - الرَّمْيُ لُغَةً: يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْقَذْفِ، وَبِمَعْنَى الإِْلْقَاءِ، يُقَال: رَمَيْتُ الشَّيْءَ وَبِالشَّيْءِ، إِذَا قَذَفْتَهُ، وَرَمَيْتُ الشَّيْءَ مِنْ يَدَيَّ أَيْ: أَلْقَيْتُهُ فَارْتَمَى، وَرَمَى بِالشَّيْءِ أَيْضًا أَلْقَاهُ، كَأَرْمَى، يُقَال: أَرْمَى الْفَرَسُ بِرَاكِبِهِ إِذَا أَلْقَاهُ.

وَرَمَى السَّهْمَ عَنِ الْقَوْسِ وَعَلَيْهَا، لاَ بِهَا، رَمْيًا وَرِمَايَةً. وَلاَ يُقَال: رَمَيْتُ بِالْقَوْسِ إِلاَّ إِذَا أَلْقَيْتَهَا مِنْ يَدِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ بِمَعْنَى رَمَيْتُ عَنْهَا. وَرَمَى فُلاَنٌ فُلاَنًا، أَيْ قَذَفَهُ بِالْفَاحِشَةِ (١)

كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٢) .

الرَّمْيُ اصْطِلاَحًا:

٢ - اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ الرَّمْيَ فِي الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ السَّابِقَةِ وَمِنْهَا رَمْيُ الْجِمَارِ الَّذِي هُوَ مَنْسَكٌ وَاجِبٌ

_________

(١) تهذيب اللغة للأزهري، والصحاح للجوهري، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، ولسان العرب لابن منظور.

(٢) سورة النور / ٤.

مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ. وَالرَّمْيُ بِالسِّهَامِ وَنَحْوِهَا، وَالرَّمْيُ بِمَعْنَى الْقَذْفِ.

(أَوَّلًا)

رَمْيُ الْجِمَارِ

٣ - رَمْيُ الْجِمَارِ، هُوَ رَمْيُ الْحَصَيَاتِ الْمُعَيَّنَةِ الْعَدَدِ فِي الأَْمَاكِنِ الْخَاصَّةِ بِالرَّمْيِ فِي مِنًى (الْجَمَرَاتِ) .

وَلَيْسَتِ الْجَمْرَةُ هِيَ الشَّاخِصُ (الْعَمُودُ) الَّذِي يُوجَدُ فِي مُنْتَصَفِ الْمَرْمَى، بَل الْجَمْرَةُ هِيَ الْمَرْمَى الْمُحِيطُ بِذَلِكَ الشَّاخِصِ، فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ.

٤ - وَالْجَمَرَاتُ الَّتِي تُرْمَى ثَلاَثَةٌ، هِيَ:

أ - الْجَمْرَةُ الأُْولَى: وَتُسَمَّى الصُّغْرَى، أَوِ الدُّنْيَا، وَهِيَ أَوَّل جَمْرَةٍ بَعْدَ مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى، سُمِّيَتْ " دُنْيَا " مِنَ الدُّنُوِّ؛ لأَِنَّهَا أَقْرَبُ الْجَمَرَاتِ إِلَى مَسْجِدِ الْخَيْفِ.

ب - الْجَمْرَةُ الثَّانِيَةُ: وَتُسَمَّى الْوُسْطَى، بَعْدَ الْجَمْرَةِ الأُْولَى، وَقَبْل جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.

ج - جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ: وَهِيَ الثَّالِثَةُ، وَتُسَمَّى أَيْضًا " الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى " وَتَقَعُ فِي آخِرِ مِنًى تُجَاهَ مَكَّةَ، وَلَيْسَتْ مِنْ مِنًى. (ر: مِنًى) .

وَتُرْمَى هَذِهِ الْجَمَرَاتُ كُلُّهَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِرَمْيِ الْجِمَارِ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ وَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ. (ر: حَجّ ف ١٥٣ - ١٦٥) .

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.

أَمَّا السُّنَّةُ فَالأَْحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:

حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْل أَنْ أَذْبَحَ؟ قَال: اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ فَجَاءَ آخَرُ فَقَال: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْل أَنْ أَرْمِيَ؟ قَال: ارْمِ وَلاَ حَرَجَ (١) الْحَدِيثَ، فَقَدْ أَمَرَ بِالرَّمْيِ، وَالأَْمْرُ لِلْوُجُوبِ.

وَكَذَلِكَ فِعْلُهُ ﷺ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الأَْحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الصَّحِيحَةِ (٢)، وَقَدْ قَال: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ (٣) .

وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَوْل الْكَاسَانِيِّ: إِنَّ الأُْمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى وُجُوبِهِ، فَيَكُونُ وَاجِبًا (٤) .

وَمَا رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِنْ أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَقَدْ بَيَّنَ الْعُلَمَاءُ بُطْلاَنَهُ.

شُرُوطُ صِحَّةِ رَمْيِ الْجِمَارِ:

٦ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ رَمْيِ الْجِمَارِ شُرُوطٌ هِيَ:

_________

(١) حديث: " ارم ولا حرج ". أخرجه البخاري (الفتح١ / ١٨٠ - ط السلفية) . ومسلم (٢ / ٩٤٨ - ط الحلبي) .

(٢) منها حديث جابر الطويل: " في صفة حجة النبي ﷺ ". أخرجه مسلم في الحج (باب حجة النبي ﷺ (٢ / ٨٨٦ - ٨٩٢ - ط الحلبي) ومنها حديث ابن عمر المتفق عليه الآتي.

(٣) حديث: " خذوا عني مناسككم ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٣ - ط الحلبي) بلفظ: " لتأخذوا مناسككم ".

(٤) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لعلاء الدين الكاساني ٢ / ١٣٦ طبع شركة المطبوعات العلمية سنة ١٣٢٧ هـ.

أ - سَبْقُ الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ:

لأَِنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ كُل أَعْمَال الْحَجِّ.

ب - سَبْقُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:

لأَِنَّهُ رُكْنٌ إِذَا فَاتَ فَاتَ الْحَجُّ، وَالرَّمْيُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ.

ج - أَنْ يَكُون الْمَرْمِيُّ حَجَرًا:

فَلاَ يَصِحُّ الرَّمْيُ بِالطِّينِ، وَالْمَعَادِنِ، وَالتُّرَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) وَيَصِحُّ بِالْمَرْمَرِ، وَحَجَرِ النُّورَةِ أَيِ الْجِصِّ قَبْل طَبْخِهِ، وَيُجْزِئُ حَجَرُ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ حَجَرٌ فِي هَذِهِ الْحَال، إِلاَّ أَنَّ فِيهِ حَدِيدًا كَامِنًا يُسْتَخْرَجُ بِالْعِلاَجِ، وَفِيمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْفُصُوصُ كَالْفَيْرُوزَجِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالْعَقِيقِ، وَالزُّمُرُّدِ، وَالْبِلَّوْرِ، وَالزَّبَرْجَدِ وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَصَحُّهُمَا الإِْجْزَاءُ لأَِنَّهَا أَحْجَارٌ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْمَرْمِيِّ أَنْ

_________

(١) الإيضاح في مناسك الحج للنووي بحاشية الهيثمي ص ٣٦٠ طبع دار بنه للطباعة بمصر، والمجموع شرح المهذب للنووي ٨ / ١٤٣ طبع مطبعة العاصمة وصرح ص ١٤٥ بكراهة الرمي بالحجر المأخوذ من الحلي، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣٣ - ٤٣٤، والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٥٠، وشرح الرسالة لأبي الحسن وحاشية العدوي ١ / ٤٧٨ طبع دار إحياء الكتب العربية، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب والتاج والإكليل للمواق بهامشه ٣ / ١٣٣ - ١٣٤، والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٢٥ طبع دار المنار، والفروع لابن مفلح ٣ / ٥١٠ - ٥١١ تصوير عالم الكتب بيروت.

يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ، فَيَصِحُّ عِنْدَهُمُ الرَّمْيُ بِالتُّرَابِ، وَالطِّينِ، وَالْجِصِّ، وَالْكُحْل، وَالْكِبْرِيتِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَالزُّمُرُّدِ، وَالْبِلَّوْرِ، وَالْعَقِيقِ، وَلاَ يَصِحُّ بِالْمَعَادِنِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الرَّمْيِ بِالْفَيْرُوزَجِ وَالْيَاقُوتِ: مَنَعَهُ الشَّارِحُونَ وَغَيْرُهُمْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الرَّمْيِ بِالرَّمْيِ بِهِ اسْتِهَانَةً.

وَأَجَازَهُ غَيْرُهُمْ بِنَاءً عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ الاِشْتِرَاطِ (١) .

اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِمَا ثَبَتَ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ يَصِفُ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ: فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ - يُكَبِّرُ مَعَ كُل حَصَاةٍ مِنْهَا - مِثْل حَصَى الْخَذْفِ (٢) .

_________

(١) الهداية وفتح القدير للكمال بن الهمام والعناية للبابرتي٢ / ١٧٧ طبع مصطفى محمد، والبدائع ٢ / ١٥٧ - ١٥٨، وشرح اللباب ص ١٦٦، والدر المختار وشروحه ٢ / ٢٤٦ - ٢٤٧ طبع إستانبول دار الطباعة العامرة. أما ما ذكره بعض الحنفية من جواز الرمي بالبعرة إهانة للشيطان فهو خلاف المذهب كما نبهوا عليه. انظر شرح اللباب والدر بشرحه والحاشية ص ٢٤٧، فهذا القول مخالف للإجماع، كذلك ما تفعله العامة من قذف النعال والأحذية وما شابه ذلك باطل مخالف للإجماع.

(٢) حديث جابر: " في صفة رمي جمرة العقبة ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٩٢ - ط الحلبي) .

وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ: ارْمُوا الْجِمَارَ بِمِثْل حَصَى الْخَذْفِ وَفِي عَدَدٍ مِنْهَا أَنَّهُ قَال ذَلِكَ وَهُوَ وَاضِعٌ أُصْبُعَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى (١) .

قَال النَّوَوِيُّ: فَأَمَرَ ﷺ بِالْحَصَى، فَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهُ، وَالأَْحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى (٢) ".

وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِالأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الأَْمْرِ بِالرَّمْيِ مُطْلَقَةً عَنْ صِفَةٍ مُقَيِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ ﷺ: ارْمِ وَلاَ حَرَجَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣) .

قَال الْكَاسَانِيُّ: وَالرَّمْيُ بِالْحَصَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃ مَحْمُولٌ عَلَى الأَْفْضَلِيَّةِ، تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلاَئِل، لِمَا صَحَّ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُطْلَقَ لاَ يُحْمَل عَلَى الْمُقَيَّدِ، بَل يَجْرِي الْمُطْلَقُ عَلَى إِطْلاَقِهِ، وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ مَا أَمْكَنَ، وَهَاهُنَا أَمْكَنَ بِأَنْ يُحْمَل الْمُطْلَقُ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْمُقَيَّدُ عَلَى الأَْفْضَلِيَّةِ (٤) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا: إِنَّ الْمَقْصُودَ فِعْل الرَّمْيِ، وَذَلِكَ يَحْصُل بِالطِّينِ، كَمَا يَحْصُل بِالْحَجَرِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا رَمَى بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ؛ لأَِنَّهُ يُسَمَّى نَثْرًا لاَ رَمْيًا (٥) .

_________

(١) حديث: " ارموا الجمار بمثل حصى الخذف ". أخرجه أحمد (٤ / ٣٤٣ - ط الميمنية) من سنان بن سنة، وقال الهيثمي: " رجاله ثقات " مجمع الزوائد (٣ / ٢٥٨ - ط القدسي) .

(٢) المجموع ٨ / ١٥١.

(٣) حديث: " ارم ولا حرج ". سبق تخريجه ف / ٥.

(٤) بدائع الصنائع ٢ / ١٥٨.

(٥) الهداية ٢ / ١٧٧.

وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الأَْحْوَطَ فِي ذَلِكَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: إِنَّ أَكْثَرَ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّهَا أُمُورٌ تَعَبُّدِيَّةٌ، لاَ يُشْتَغَل بِالْمَعْنَى فِيهَا - أَيْ بِالْعِلَّةِ - وَالْحَاصِل أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُلاَحَظَ مُجَرَّدُ الرَّمْيِ، أَوْ مَعَ الاِسْتِهَانَةِ، أَوْ خُصُوصُ مَا وَقَعَ مِنْهُ ﵊، وَالأَْوَّل يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ بِالْجَوَاهِرِ، وَالثَّانِي بِالْبَعْرَةِ وَالْخَشَبَةِ الَّتِي لاَ قِيمَةَ لَهَا، وَالثَّالِثُ بِالْحَجَرِ خُصُوصًا، فَلْيَكُنْ هَذَا أَوْلَى، لِكَوْنِهِ أَسْلَمَ، وَلِكَوْنِهِ الأَْصْل فِي أَعْمَال هَذِهِ الْمَوَاطِنِ، إِلاَّ مَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَعْيِينِهِ (١) .

أَمَّا صِفَةُ الْمَرْمِيِّ بِهِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الأَْحَادِيثِ أَنَّهُ مِثْل حَصَى الْخَذْفِ وَحَصَى الْخَذْفِ هِيَ الَّتِي يُخْذَفُ بِهَا، أَيْ تُرْمَى بِهَا الطُّيُورُ وَالْعَصَافِيرُ، بِوَضْعِ الْحَصَاةِ بَيْنَ أُصْبُعَيِ السَّبَّابَةِ وَالإِْبْهَامِ وَقَذْفِهَا.

وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ بِمِثْل حَصَى الْخَذْفِ، فَوْقَ الْحِمَّصَةِ، وَدُونَ الْبُنْدُقَةِ، وَكَرِهُوا الرَّمْيَ بِالْحَجَرِ الْكَبِيرِ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - الرَّمْيَ بِالْحَجَرِ الصَّغِيرِ الَّذِي كَالْحِمَّصَةِ، مَعَ مُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ؛ لأَِنَّهُ رَمْيٌ بِالْحَجَرِ فَيُجْزِئُهُ. وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، بَل لاَ بُدَّ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ.

_________

(١) فتح القدير الموضع السابق، وفيه توسع في مدلول الرمي والنثر.

وَقِيل: لاَ يُجْزِئُ الرَّمْيُ إِلاَّ بِحَصًى كَحَصَى الْخَذْفِ، لاَ أَصْغَرَ وَلاَ أَكْبَرَ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَحْمَدَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهَذَا الْقَدْرِ، وَنَهَى عَنْ تَجَاوُزِهِ، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (١) .

د - أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ بِالْحَصَيَاتِ السَّبْعِ مُتَفَرِّقَاتٍ:

وَاحِدَةً فَوَاحِدَةً، فَلَوْ رَمَى حَصَاتَيْنِ مَعًا أَوِ السَّبْعَ جُمْلَةً، فَهِيَ حَصَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَرْمِيَ بِسِتٍّ سِوَاهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذَاهِبِ.

وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ تَفْرِيقُ الأَْفْعَال فَيَتَقَيَّدُ بِالتَّفْرِيقِ الْوَارِدِ فِي السُّنَّةِ (٢) .

هـ - وُقُوعُ الْحَصَى فِي الْجَمْرَةِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْحَصَى:

وَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) قَال الشَّافِعِيُّ: الْجَمْرَةُ مُجْتَمَعُ الْحَصَى، لاَ مَا سَال مِنَ الْحَصَى، فَمَنْ أَصَابَ مُجْتَمَعَهُ أَجْزَأَهُ، وَمَنْ أَصَابَ سَائِلَهُ لَمْ يُجْزِهِ (٣) .

_________

(١) المغني ٣ / ٤٢٥.

(٢) شروح الهداية ٢ / ١٧٦، ولباب المناسك وشرحه ص ١٦٤، ورد المحتار ٢ / ٢٤٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٠، وشرح الرسالة ١ / ٤٧٨، والمغني ٣ / ٤٣٠، والفروع ٣ / ٥١٢.

(٣) المجموع ٨ / ١٤٧، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣٤، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٧، والشرح الكبير ٢ / ٥٠، ومواهب الجليل ٣ / ١٣٣ - ١٣٤، والمغني ٣ / ٤٢٩، والفروع ٣ / ٥١٢.

وَتَوَسَّعَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ قَرِيبًا مِنَ الْجَمْرَةِ يَكْفِيهِ؛ لأَِنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَوْ وَقَعَتْ بَعِيدًا مِنْهَا لاَ يُجْزِيهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ قُرْبُهُ إِلاَّ فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ. قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ مَا يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ كَانَ فِي حُكْمِهِ، لِكَوْنِهِ تَبَعًا لَهُ (١) .

وَأَمَّا مِقْدَارُ الْمَسَافَةِ الْقَرِيبَةِ، فَقِيل: ثَلاَثَةُ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَ، وَقِيل: ذِرَاعٌ فَأَقَل، وَهُوَ الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ الْمُحَقِّقُ كَمَال الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ، وَهُوَ أَحْوَطُ (٢) .

و أَنْ يَقْصِدَ الْمَرْمَى وَيَقَعَ الْحَصَى فِيهِ بِفِعْلِهِ اتِّفَاقًا فِي ذَلِكَ:

فَلَوْ ضَرَبَ شَخْصٌ يَدَهُ فَطَارَتْ الْحَصَاةُ إِلَى الْمَرْمَى وَأَصَابَتْهُ لَمْ يَصِحَّ. كَذَلِكَ لَوْ رَمَى فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ الْحَجَرُ فِي الْمَرْمَى لَمْ يَصِحَّ.

وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ رَمَى الْحَصَاةَ فَانْصَدَمَتْ بِالأَْرْضِ خَارِجَ الْجَمْرَةِ، أَوْ بِمَحْمَلٍ فِي الطَّرِيقِ أَوْ ثَوْبِ إِنْسَانٍ مَثَلًا ثُمَّ ارْتَدَّتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى اعْتَدَّ بِهَا لِوُقُوعِهَا فِي الْمَرْمَى بِفِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَنَةٍ. وَلَوْ حَرَّكَ صَاحِبُ الْمَحْمِل أَوِ الثَّوْبِ

_________

(١) الهداية ٢ / ١٧٦، وشرح اللباب ص ١٦٤، والبدائع ٢ / ١٣٨.

(٢) فتح القدير ٢ / ١٧٦، وانظر شرح اللباب الصفحة السابقة.

فَنَفَضَهَا فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا (١) .

وَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (٢): لَيْسَ لَهَا إِلاَّ وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَرَمْيُ كَثِيرِينَ مِنْ أَعْلاَهَا بَاطِلٌ، هُوَ خِلاَفُ كَلاَمِ الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ، وَنَصُّهُ فِي الأُْمِّ: وَيَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَمِنْ حَيْثُ رَمَاهَا أَجْزَأَهُ (٣) .

وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ رَمْيُ خَلْقٍ كَثِيرٍ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَعْلاَهَا، وَلَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِالإِْعَادَةِ، وَلاَ أَعْلَنُوا بِالنِّدَاءِ بِذَلِكَ فِي النَّاسِ، وَكَأَنَّ وَجْهَ اخْتِيَارِهِ ﵊ لِلرَّمْيِ مِنَ الْوَادِي أَنَّهُ يَتَوَقَّعُ الأَْذَى لِمَنْ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا رَمَوْا مِنْ أَعْلاَهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَخْلُو مِنَ النَّاسِ، فَيُصِيبُهُمُ الْحَصَى (٤) .

_________

(١) على ذلك فلا معنى لتحرج البعض من الرمي من الطابق العلوي فإنه أولى بالجواز من هذه الصور التي ذكروها. كذلك الشأن في جمرة العقبة، فقد كانت ترمى من بطن الوادي المواجه لها اتباعًا للوارد، وكان كثير من الناس يرميها من فوق العقبة أي المرتفع الصخري الذي تستند إ والشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٥٠، والإيضاح ص ٣٥٧ - ٣٥٨، والمجموع ٨ / ١٤٦، والمغني ٣ / ٤٣٠، والفروع ٣ / ٥١١ و٥١٢، والهداية ١ / ١٧٤، وشرح الرسالة ١ / ٤٧٨.

(٢) كما نقل عنهم في نهاية المحتاج ٢ / ٤٣٤، ومغني المحتاج ١ / ٥٠٨.

(٣) الأم ٢ / ٢١٣.

(٤) فتح القدير ٢ / ١٧٥.