الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
كَانَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَال: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَْوَاخِرَ. الْحَدِيثَ (١) .
وَيُرَاجَعُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (اعْتِكَاف ٥ / ٢٠٧) .
السَّابِعَةُ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي رَمَضَانَ وَالذِّكْرُ:
١١ - يُسْتَحَبُّ فِي رَمَضَانَ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا مُدَارَسَةُ الْقُرْآنِ وَكَثْرَةُ تِلاَوَتِهِ، وَتَكُونُ مُدَارَسَةُ الْقُرْآنِ بِأَنْ يَقْرَأَ عَلَى غَيْرِهِ وَيَقْرَأَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، وَدَلِيل الاِسْتِحْبَابِ أَنَّ جِبْرِيل كَانَ يَلْقَى النَّبِيَّ ﷺ فِي كُل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ (٢) .
وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مُسْتَحَبَّةٌ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهَا فِي رَمَضَانَ آكَدُ (٣) .
الثَّامِنَةُ: مُضَاعَفَةُ ثَوَابِ الأَْعْمَال الصَّالِحَةِ فِي رَمَضَانَ:
١٢ - تَتَأَكَّدُ الصَّدَقَةُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لِحَدِيثِ
_________
(١) حديث أبي سعيد: " أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٧١ - ط السلفية) .
(٢) حديث: " أن جبريل كان يلقى النبي ﷺ في كل ليلة من رمضان ". تقدم تخريجه ف / ٧.
(٣) روضة الطالبين ٢ / ٣٦٨، أسنى المطالب ١ / ٤٢٠، كشاف القناع ٢ / ٣٣٢.
ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ؛ لأَِنَّهُ أَفْضَل الشُّهُورِ؛ وَلأَِنَّ النَّاسَ فِيهِ مَشْغُولُونَ بِالطَّاعَةِ فَلاَ يَتَفَرَّغُونَ لِمَكَاسِبِهِمْ، فَتَكُونُ الْحَاجَةُ فِيهِ أَشَدَّ، وَلِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ بِهِ.
قَال إِبْرَاهِيمُ: تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ فِيمَا سِوَاهُ (١) .
التَّاسِعَةُ: تَفْطِيرُ الصَّائِمِ:
١٣ - لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْل أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا (٢) .
الْعَاشِرَةُ: فَضْل الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ:
١٤ - الْعُمْرَةُ فِي رَمَضَانَ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ (٣) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِل حَجَّةً (٤) .
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ٣٣٢، أسنى المطالب ١ / ٤٠٦
(٢) حديث: " من فطر صائمًا. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ١٦٢ - ط الحلبي) من حديث زيد بن خالد الجهني، وقال: " حسن صحيح ".
(٣) كشاف القناع ٢ / ٥٢٠، حاشية ابن عابدين ٢ / ١٥١، أسنى المطالب ١ / ٤٥٨.
(٤) حديث: " عمرة في رمضان تعدل حجة ". أخرجه أحمد (١ / ٣٠٨ ط المكتب الإسلامي) عن ابن عباس وأصله في الصحيحين.
تَرْكُ التَّكَسُّبِ فِي رَمَضَانَ لِلتَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ:
١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الاِكْتِسَابَ فَرْضٌ لِلْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ بِقَدْرِ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيُّهُمَا أَفْضَل: الاِشْتِغَال بِالْكَسْبِ أَفْضَل، أَمِ التَّفَرُّغُ لِلْعِبَادَةِ؟ .
فَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّ الاِشْتِغَال بِالْكَسْبِ أَفْضَل؛ لأَِنَّ مَنْفَعَةَ الاِكْتِسَابِ أَعَمُّ، فَمَنِ اشْتَغَل بِالزِّرَاعَةِ - مَثَلًا - عَمَّ نَفْعُ عَمَلِهِ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنِ اشْتَغَل بِالْعِبَادَةِ نَفَعَ نَفْسَهُ فَقَطْ.
وَبِالْكَسْبِ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ كَالْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالصَّدَقَةِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الأَْرْحَامِ وَالإِْحْسَانِ إِلَى الأَْقَارِبِ وَالأَْجَانِبِ، وَفِي التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ لاَ يَتَمَكَّنُ إِلاَّ مِنْ أَدَاءِ بَعْضِ الأَْنْوَاعِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ.
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الاِشْتِغَال بِالْعِبَادَةِ أَفْضَل احْتَجَّ بِأَنَّ الأَْنْبِيَاءَ وَالرُّسُل عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا اشْتَغَلُوا بِالْكَسْبِ فِي عَامَّةِ الأَْوْقَاتِ، وَكَانَ اشْتِغَالُهُمْ بِالْعِبَادَةِ أَكْثَرُ، فَيَدُل هَذَا عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الاِشْتِغَال بِالْعِبَادَةِ؛ لأَِنَّهُمْ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانُوا يَخْتَارُونَ لأَِنْفُسِهِمْ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ.
وَعَلَيْهِ فَمَنْ مَلَكَ مَا يَكْفِي حَاجَتَهُ فِي رَمَضَانَ كَانَ الأَْفْضَل فِي حَقِّهِ التَّفَرُّغَ لِلْعِبَادَةِ طَلَبًا لِلْفَضْل فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَإِلاَّ كَانَ الأَْفْضَل فِي حَقِّهِ التَّكَسُّبَ حَتَّى لاَ يَتْرُكَ مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْصِيل مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ الْخَيْوَانِيِّ قَال: شَهِدْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَتَاهُ مَوْلًى لَهُ فَقَال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُقِيمَ هَذَا الشَّهْرَ هَاهُنَا - يَعْنِي رَمَضَانَ - قَال لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: هَل تَرَكْتَ لأَِهْلِكَ مَا يَقُوتُهُمْ؟ قَال: لاَ، قَال: أَمَا لاَ، فَارْجِعْ فَدَعْ لَهُمْ مَا يَقُوتُهُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ (١) وَقَدْ تَرْجَمَ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ لأَِخْلاَقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: ذِكْرُ مَا يَجِبُ عَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ مِنْ الاِحْتِرَافِ لِلْعِيَال وَاكْتِسَابِ الْحَلاَل (٢) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (اكْتِسَاب) .
_________
(١) حديث: " كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت ". أخرجه أحمد (٢ / ١٩٥ - ط الميمنية) والخطيب البغدادي في الجامع (١ / ٩٧ - ط مكتبة المعارف) والسياق للخطيب، وذكر الذهبي في الميزان (٤ / ٣٥٠ - ط الحلبي) أن راويه عن عبد الله بن عمرو فيه جهالة، ولكن الحديث صحيح بلفظ: " كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٩٢ - ط الحلبي) .
(٢) الجامع للخطيب البغدادي ١ / ٩٧، الكسب للشيباني ص٤٤، ٤٨.
رَمَق
التَّعْرِيفُ:
١ - الرَّمَقُ: لُغَةً بَقِيَّةُ الرُّوحِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ الْقُوَّةُ، وَقِيل: هُوَ آخِرُ النَّفَسِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَتَيْتُ أَبَا جَهْلٍ وَبِهِ رَمَقٌ (١) .
وَرَمَقَهُ يَرْمُقُهُ رَمَقًا: أَيْ أَطَال النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَالرُّمْقَةُ الْقَلِيل مِنَ الْعَيْشِ الَّذِي يَمْسِكُ الرَّمَقَ، وَعَيْشٌ مُرْمَقٌ أَيْ قَلِيلٌ، وَأَرْمَقَ الْعَيْشُ أَيْ ضَعُفَ، وَمِنْ كَلاَمِهِمْ: مَوْتٌ لاَ يَجُرُّ إِلَى عَارٍ خَيْرٌ مِنْ عَيْشٍ فِي رَمَاقٍ، وَيُطْلَقُ الرَّمَقُ عَلَى الْقُوَّةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: يَأْكُل الْمُضْطَرُّ مِنْ لَحْمِ الْمَيْتَةِ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ أَيْ مَا يَمْسِكُ بِهِ قُوَّتَهُ وَيَحْفَظُهَا، وَالْمُرَامِقُ: الَّذِي لَمْ يَبْقَ فِيهِ إِلاَّ الرَّمَقُ (٢) .
وَلاَ يَخْتَلِفُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.
_________
(١) حديث: " أتيت أبا جهل وبه رمق ". أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٢٩٣ - ط السلفية) .
(٢) لسان العرب والمصباح المنير، مادة (رمق) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّمَقِ:
أ - التَّوْبَةُ فِي الرَّمَقِ الأَْخِيرِ:
٢ - بَحَثَ الْفُقَهَاءُ حُكْمَ تَوْبَةِ مَنْ كَانَ فِي الرَّمَقِ الأَْخِيرِ مِنْ حَيَاتِهِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل تَوْبَةُ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، وَشَاهَدَ الأَْحْوَال الَّتِي لاَ يُمْكِنُ مَعَهَا الرُّجُوعُ إِلَى الدُّنْيَا، وَعَايَنَ مَلَكَ الْمَوْتِ وَانْقَطَعَ حَبْل الرَّجَاءِ مِنْهُ؛ لأَِنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالآْخِرَةِ.
وَلأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ عَزْمُهُ عَلَى أَلاَّ يَعُودَ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ تَمَكُّنِ التَّائِبِ مِنَ الذَّنْبِ وَبَقَاءِ أَوَانِ الاِخْتِيَارِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الآْنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (١) .
وَقَال ﷺ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقْبَل تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ (٢) . وَقَال بَعْضُهُمْ: تَصْلُحُ تَوْبَتُهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لأَِنَّ الرَّجَاءَ بَاقٍ وَيَصِحُّ مِنْهُ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْفِعْل (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ
_________
(١) سورة النساء / ١٨.
(٢) حديث: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ". أخرجه الترمذي (٥ / ٥٤٧ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر، وقال: " حديث حسن غريب ".
(٣) انظر تفسير القرطبي ٥ / ٩٣، ٧ / ١٤٨، وروح المعاني ٢ / ٢٣٩، ٣ / ٦٣، والفواكه الدواني ١ / ٨٨، ودليل الفالحين ١ / ٨٨، مغني المحتاج ٤ / ١٢.
الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (١) الآْيَةَ وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَوْبَة، إِيَاس)
ب - الْقَوَدُ عَلَى مَنْ قَتَل شَخْصًا فِي الرَّمَقِ الأَْخِيرِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَتْ جِنَايَةٌ مِنْ شَخْصٍ، فَأَوْصَل إِنْسَانًا إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ إِبْصَارٌ وَنُطْقٌ وَحَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ، ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ آخَرُ بِفِعْلٍ مُزْهِقٍ، فَالْقَاتِل هُوَ الأَْوَّل، وَيُعَزَّرُ الثَّانِي لأَِنَّهُ اعْتَدَى عَلَى حُرْمَةِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ جَنَى الثَّانِي قَبْل وُصُول الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ بِفِعْلٍ مُزْهِقٍ كَحَزِّ رَقَبَةٍ، فَالْقَاتِل هُوَ الثَّانِي، وَعَلَى الأَْوَّل قِصَاصُ الْعُضْوِ أَوْ دِيَتُهُ.
وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَرْحُ الأَْوَّل يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ لاَ مَحَالَةَ إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَصِل إِلَى الرَّمَقِ الأَْخِيرِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ، فَضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ، فَالْقَاتِل هُوَ الثَّانِي أَيْضًا لأَِنَّهُ فَوَّتَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، بِدَلِيل: أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا جُرِحَ دَخَل عَلَيْهِ الطَّبِيبُ فَسَقَاهُ لَبَنًا فَخَرَجَ صَلْدًا أَبْيَضَ (أَيْ يَنْصَبُّ) فَعَلِمَ الطَّبِيبُ أَنَّهُ مَيِّتٌ فَقَال: اعْهَدْ إِلَى النَّاسِ، فَعَهِدَ إِلَيْهِمْ وَأَوْصَى وَجَعَل الْخِلاَفَةَ إِلَى أَهْل الشُّورَى، فَقَبِل الصَّحَابَةُ ﵃ عَهْدَهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُول وَصَايَاهُ (٢) .
_________
(١) سورة الشورى / ٢٥.
(٢) حديث: " مقتل عمر " أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٦١ - ط السلفية)، وأحمد (١ / ٤٢ ط الميمنية) وهو ملفق منهما.
أَمَّا لَوْ كَانَ وُصُول الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَى الرَّمَقِ الأَْخِيرِ بِسَبَبِ مَرَضٍ لاَ بِسَبَبِ جِنَايَةٍ، بِأَنْ كَانَ فِي حَالَةِ النَّزْعِ وَعَيْشُهُ عَيْشُ مَذْبُوحٍ، أَوْ بَدَتْ عَلَيْهِ مَخَايِل الْمَوْتِ، أَوْ قُتِل مَرِيضًا لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِل لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهَا، وَقَدْ يُظَنُّ ذَلِكَ ثُمَّ يُشْفَى. وَلأَِنَّ الْمَرِيضَ لَمْ يَسْبِقْ فِيهِ فِعْلٌ يُحَال الْقَتْل وَأَحْكَامُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يُهْدَرَ الْفِعْل الثَّانِي (١) .
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاص، دِيَة، وَقَتْل)
ج - سَدُّ الرَّمَقِ بِأَكْل مَا هُوَ مُحَرَّمٌ:
٤ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُل مِنْ لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ، وَيَحْفَظُ بِهِ قُوَّتَهُ وَصِحَّتَهُ وَحَيَاتَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَل السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ - إِلَى أَنْ قَال - ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ١٢، والمغني لابن قدامة ٧ / ٦٨٣.
(٢) سورة البقرة / ١٧٣.
(٣) سورة المائدة / ٣.
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ أَكْل هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مَوْتًا أَوْ ضَرَرًا كَبِيرًا مِنْ عَدَمِ الأَْكْل، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ هَل يَكْتَفِي بِسَدِّ الرَّمَقِ أَمْ يَشْبَعُ مِنْهُ، وَهَل هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ أَمْ لاَ؟ (١)
وَتَفَاصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَرُورَة) .
د - ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الَّذِي وَصَل إِلَى الرَّمَقِ الأَْخِيرِ:
٥ - الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ عِنْدَ الذَّبْحِ شَرْطٌ لِحِل أَكْل الْمَذْبُوحِ سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْحَيَاةُ حَقِيقِيَّةً أَوْ مَظْنُونَةً بِعَلاَمَاتٍ وَقَرَائِنَ.
فَإِنْ مَرِضَ الْحَيَوَانُ أَوْ جَاعَ فَذُبِحَ وَقَدْ صَارَ فِي آخِرِ رَمَقٍ مِنَ الْحَيَاةِ حَل أَكْلُهُ لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يُحَال عَلَيْهِ الْهَلاَكُ، وَلَوْ مَرِضَ بِأَكْل نَبَاتٍ مُضِرٍّ حَتَّى صَارَ فِي آخِرِ رَمَقٍ فَذَبَحَهُ لَمْ يَحِل أَكْلُهُ لِكَوْنِ هَذَا سَبَبًا يُحَال عَلَيْهِ الْهَلاَكُ (٢) .
وَتَفَاصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (ذَبَائِح) .
_________
(١) الفواكه الدواني ٢ / ٢٧٧، ومغني المحتاج ٤ / ٣٠٦، والمغني لابن قدامة ٨ / ٥٩٥.
(٢) البدائع ٥ / ٥٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٧١.
رَمَل
التَّعْرِيفُ:
١ - الرَّمَل - بِتَحْرِيكِ الْمِيمِ -: الْهَرْوَلَةُ. رَمَل يَرْمُل رَمَلًا وَرَمَلاَنًا. كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ.
وَأَحْسَنُ بَيَانٍ لِمَعْنَى الرَّمَل قَوْل صَاحِبِ النِّهَايَةِ: رَمَل يَرْمُل رَمَلًا وَرَمَلاَنًا: إِذَا أَسْرَعَ فِي الْمَشْيِ وَهَزَّ كَتِفَيْهِ (١) ".
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - الرَّمَل سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ، يُسَنُّ فِي الأَْشْوَاطِ الثَّلاَثَةِ الأُْولَى مِنْ كُل طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَسُنِّيَّةُ الرَّمَل هَذِهِ خَاصَّةٌ بِالرِّجَال فَقَطْ دُونَ النِّسَاءِ (٢) .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (طَوَاف) .
رَمْي
_________
(١) انظر مادة (رمل) في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير الجزري، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، ومختار الصحاح للرازي وغيرها.
(٢) انظر المراجع الفقهية والمسلك المتقسط للقاري شرح لباب المناسك للسندي طبع مصر ص ١٠٨، ومختصر خليل بشرحه منح الجليل للشيخ محمد عليش تصوير بيروت ١ / ٤٨٤، ومغني المحتاج شرح المنهاج للشربيني الخطيب تصوير بيروت ١ / ٤٨٧، والمغني لابن قدامة طبع دار المنار سنة ١٣٦٧ هـ ج٣ ص ٣٧٤ - ٣٧٦.