الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
وُزِّعَ عَلَى جَمِيعِ الصَّلاَةِ لَظَهَرَ أَثَرُهُ، أَوْ لَمْ يَكُنِ انْتِظَارُهُ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ لِلأَْسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ، فَلاَ يُسْتَحَبُّ الاِنْتِظَارُ قَطْعًا بَل يُكْرَهُ، فَإِنِ انْتَظَرَ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ بُطْلاَنُ الصَّلاَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ (١) .
ثَانِيًا - الرُّكُوعُ لِغَيْرِ اللَّهِ:
١٤ - قَال الْعُلَمَاءُ: مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ خَفْضِ الرَّأْسِ وَالاِنْحِنَاءِ إِلَى حَدٍّ لاَ يَصِل بِهِ إِلَى أَقَل الرُّكُوعِ - عِنْدَ اللِّقَاءِ - لاَ كُفْرَ بِهِ وَلاَ حُرْمَةَ كَذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي كَرَاهَتُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ: لِمَنْ قَال لَهُ: يَا رَسُول اللَّهِ، الرَّجُل مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَال: لاَ، قَال: أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَال: لاَ، قَال: أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَال: نَعَمْ (٢) . الْحَدِيثَ.
أَمَّا إِذَا انْحَنَى وَوَصَل انْحِنَاؤُهُ إِلَى حَدِّ الرُّكُوعِ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الْغَيْرِ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا وَلاَ حَرَامًا، وَلَكِنْ يُكْرَهُ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ لأَِنَّ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٣٢، البدائع ١ / ٢١٨، والفواكه الدواني ١ / ٢٤٠، مغني المحتاج ١ / ٢٣٣، المجموع للإمام النووي ٤ / ٢٢٩، المغني لابن قدامة ١ / ٥٠٤، ٢ / ٢٣٦.
(٢) حديث: " سؤال الصحابي: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه ". أخرجه الترمذي (٥ / ٧٥ ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك، وقال: " حديث حسن ".
صُورَتَهُ تَقَعُ فِي الْعَادَةِ لِلْمَخْلُوقِ كَثِيرًا.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ، لأَِنَّ صُورَةَ هَيْئَةِ الرُّكُوعِ لَمْ تُعْهَدْ إِلاَّ لِعِبَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. قَال ابْنُ عَلاَّنَ الصِّدِّيقِيُّ: مِنَ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ الاِنْحِنَاءُ عِنْدَ اللِّقَاءِ بِهَيْئَةِ الرُّكُوعِ، أَمَّا إِذَا وَصَل انْحِنَاؤُهُ لِلْمَخْلُوقِ إِلَى حَدِّ الرُّكُوعِ قَاصِدًا بِهِ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ كَمَا يُعَظِّمُ اللَّهَ ﷾، فَلاَ شَكَّ أَنَّ صَاحِبَهُ يَرْتَدُّ عَنِ الإِْسْلاَمِ وَيَكُونُ كَافِرًا بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ سَجَدَ لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ (١) .
_________
(١) الفواكه الدواني ٢ / ٤٢٥، دليل الفالحين ٣ / ٣٥٦، تحفة المحتاج ٩ / ٩٠، نهاية المحتاج ٧ / ٣٩٦، مغني المحتاج ٣ / ١٣٥، الجمل على شرح المنهاج ٥ / ١٢٤.
رُكُون
التَّعْرِيفُ:
١ - الرُّكُونُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ رَكَنَ إِلَى الشَّيْءِ يَرْكَنُ، وَيَرْكُنُ: مَال وَسَكَنَ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: الْمَيْل إِلَى الْخَاطِبِ، وَظُهُورُ الرِّضَا بِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ ذَوِيهَا (٢) .
وَالرُّكُونُ يَشْمَل الْمُوَافَقَةَ الصَّرِيحَةَ وَظُهُورَ الرِّضَا بِوَجْهٍ يُفْهَمُ مِنْهُ إِذْعَانُ كُل وَاحِدٍ لِشَرْطِ صَاحِبِهِ وَإِرَادَةُ الْعَقْدِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - يُبَاحُ لِلْوَلِيِّ وَلِلْمَرْأَةِ الرُّجُوعُ عَنِ الرُّكُونِ فِي الْخِطْبَةِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؛ لأَِنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لِلزَّوَاجِ الَّذِي هُوَ عَقْدٌ عُمْرِيٌّ يَدُومُ ضَرَرُهُ، فَكَانَ لَهَا الاِحْتِيَاطُ لِنَفْسِهَا، وَالنَّظَرُ فِي حَظِّهَا، وَالْوَلِيُّ قَائِمٌ مَقَامَهَا فِي ذَلِكَ.
أَمَّا الرُّجُوعُ عَنِ الرُّكُونِ بِلاَ غَرَضٍ صَحِيحٍ
_________
(١) لسان العرب المحيط.
(٢) مواهب الجليل ٣ / ٤١٠ - ٤١١، والفواكه الدواني ٢ / ٣١.
فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِخْلاَفِ الْوَعْدِ، وَالرُّجُوعِ عَنِ الْقَوْل، وَلَمْ يَحْرُمْ لأَِنَّ الْحَقَّ لَمْ يَلْزَمْ بَعْدُ، كَمَنْ سَاوَمَ لِسِلْعَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لاَ يَبِيعَهَا.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (خِطْبَة ج ١٩ ص ١٩٥)
رَمَاد
التَّعْرِيفُ:
١ - الرَّمَادُ فِي اللُّغَةِ: دُقَاقُ الْفَحْمِ مِنْ حُرَاقَةِ النَّارِ، وَالْجَمْعُ: أَرْمِدَةٌ وَأَرْمِدَاءُ، وَأَصْل الْمَادَّةِ يُنْبِئُ عَنِ الْهَلاَكِ وَالْمَحْقِ، يُقَال: رَمِدَ رَمَدًا وَرَمَادَةً وَرُمُودَةً: هَلَكَ، وَلَمْ تَبْقَ فِيهِ بَقِيَّةٌ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ (١) . ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لأَِعْمَال الْكُفَّارِ فِي أَنَّهُ يَمْحَقُهَا كَمَا تَمْحَقُ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الرَّمَادَ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ (٢) .
وَيُقَال: فُلاَنٌ " عَظِيمُ الرَّمَادِ "، كِنَايَةً عَنِ الْكَرَمِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ (٣) .
وَالرَّمَادُ فِي الاِصْطِلاَحِ يُسْتَعْمَل فِي الْمَعْنَى
_________
(١) سورة إبراهيم / ١٨.
(٢) متن اللغة، ولسان العرب، والمعجم الوسيط مادة: (رمد)، والقرطبي ٩ / ٣٥٣.
(٣) قوله: " عظيم الرماد ". ورد من حديث عائشة في حديث أم زرع. أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٢٥٥ ط السلفية) . وانظر فتح الباري ٩ / ٢٦٥.
اللُّغَوِيِّ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَا بَقِيَ بَعْدَ احْتِرَاقِ الشَّيْءِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التُّرَابُ وَالصَّعِيدُ:
٢ - التُّرَابُ مَا نَعُمَ مِنْ أَدِيمِ الأَْرْضِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالطَّائِفَةُ مِنْهُ تُرْبَةٌ، وَهِيَ ظَاهِرُ الأَْرْضِ، وَجَمْعُ التُّرَابِ أَتْرِبَةٌ وَتِرْبَانٌ (٢) .
وَالصَّعِيدُ وَجْهُ الأَْرْضِ تُرَابًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصَّعِيدَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣) هُوَ التُّرَابُ الطَّاهِرُ الَّذِي عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ (٤) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّمَادِ:
طَهَارَةُ الرَّمَادِ:
٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الرَّمَادَ الْحَاصِل مِنِ احْتِرَاقِ الشَّيْءِ الطَّاهِرِ طَاهِرٌ مَا لَمْ تَعْتَرِهِ النَّجَاسَةُ؛ لأَِنَّ حَرْقَ الشَّيْءِ لاَ يُنَجِّسُهُ، بَل هُوَ سَبَبُ التَّطْهِيرِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمَّا جُرِحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ،
_________
(١) القرطبي ٩ / ٣٥٣.
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، والمعجم الوسيط مادة (ترب) .
(٣) سورة النساء / ٤٣.
(٤) المصباح المنير ولسان العرب في مادة (صعد)، وابن عابدين ١ / ١٦١، والدسوقي ١ / ١٥٥.
أَخَذَتْ فَاطِمَةُ ﵂ حَصِيرًا فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلْزَقَتْهُ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ (١) . مَعَ مَنْعِهِ ﷺ عَنِ التَّدَاوِي بِالنَّجِسِ وَالْحَرَامِ.
أَمَّا الرَّمَادُ الْحَاصِل مِنْ أَصْلٍ نَجِسٍ بَعْدَ احْتِرَاقِهِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ:
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُخْتَارُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَالتُّونُسِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَخِلاَفُ الظَّاهِرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الرَّمَادَ الْحَاصِل مِنِ احْتِرَاقِ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ مُتَنَجِّسٍ طَاهِرٌ، وَالْحَرْقُ كَالْغَسْل فِي التَّطْهِيرِ (٢) . قَال فِي الدُّرِّ: (وَإِلاَّ لَزِمَ نَجَاسَةُ الْخُبْزِ فِي سَائِرِ الأَْمْصَارِ) أَيْ لأَِنَّهُ كَانَ يُخْبَزُ بِالرَّوْثِ النَّجِسِ، وَيَعْلَقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الرَّمَادِ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ (٣) .
وَلأَِنَّ النَّارَ تَأْكُل مَا فِيهِ مِنَ النَّجَاسَةِ، أَوْ تُحِيلُهُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، فَيَطْهُرُ بِالاِسْتِحَالَةِ وَالاِنْقِلاَبِ، كَالْخَمْرِ إِذَا تَخَلَّلَتْ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَالْمَخْبُوزُ بِالرَّوْثِ النَّجِسِ طَاهِرٌ
_________
(١) حديث: " لما جرح وجه النبي ﷺ ". أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٩٧ - ط السلفية) من حديث سهل بن سعد.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢١٧، وبدائع الصنائع للكاساني ١ / ٨٥، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٧، ٥٨، ونهاية المحتاج ١ / ٢٣٠، وأسنى المطالب ١ / ١٩، والمغني ١ / ٧٢، وكشاف القناع ١ / ١٨٦، ١٨٧.
(٣) الدر المختار ١ / ٢١٧، ومواهب الجليل للحطاب ١ / ١٠٧.
وَلَوْ تَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ رَمَادِهِ، وَتَصِحُّ الصَّلاَةُ بِهِ قَبْل غَسْل الْفَمِ مِنْ أَكْلِهِ، وَيَجُوزُ حَمْلُهُ فِي الصَّلاَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ الدُّسُوقِيُّ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الرَّمَادَ الْحَاصِل مِنِ احْتِرَاقِ النَّجِسِ نَجِسٌ؛ لأَِنَّ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ قَائِمَةٌ، وَالإِْحْرَاقُ لاَ يَجْعَل مَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُ شَيْئًا آخَرَ، فَلاَ تَثْبُتُ الطَّهَارَةُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ النَّجِسَةِ (٢) .
قَال الْبُهُوتِيُّ: لاَ تَطْهُرُ نَجَاسَةٌ بِاسْتِحَالَةٍ، وَلاَ بِنَارٍ، فَالرَّمَادُ مِنَ الرَّوْثِ النَّجِسِ نَجِسٌ (٣) .
التَّيَمُّمُ بِالرَّمَادِ:
٤ - الأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤) قَال الْحَنَفِيَّةُ (عَدَا أَبِي يُوسُفَ) وَالْمَالِكِيَّةُ: الصَّعِيدُ مَا صَعِدَ أَيْ ظَهَرَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ، فَهُوَ ظَاهِرُ الأَْرْضِ، فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِكُل مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ، كَمَا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: جُعِلَتْ لِيَ الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا (٥) . وَكُل مَا يَحْتَرِقُ بِالنَّارِ فَيَصِيرُ رَمَادًا،
_________
(١) المراجع السابقة، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٦٩.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) كشاف القناع ١ / ١٨٦.
(٤) سورة النساء / ٤٣.
(٥) حديث: " جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ". أخرجه البخاري (١ / ٥٣٣ - ط السلفية) من حديث جابر بن عبد الله.
كَالشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ فَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الصَّعِيدُ هُوَ التُّرَابُ، كَمَا نُقِل عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: (الصَّعِيدُ: تُرَابُ الْحَرْثِ، وَالطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ) وَالْمُرَادُ بِالْحَرْثِ أَرْضُ الزِّرَاعَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِالرَّمَادِ وَلَوْ كَانَ طَاهِرًا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِتُرَابٍ وَلاَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ (١) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ إِنْ دُقَّ الْخَزَفُ أَوِ الطِّينُ الْمُحْرَقُ لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ بِهِ كَذَلِكَ، كَمَا لاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِأَجْزَاءِ الأَْرْضِ الْمَحْرُوقَةِ لأَِنَّ الطَّبْخَ أَخْرَجَهَا عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ التُّرَابِ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أُحْرِقَ تُرَابُ الأَْرْضِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِطٍ حَتَّى صَارَ أَسْوَدَ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ، لأَِنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَوْنُ التُّرَابِ لاَ ذَاتُهُ، كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّ الرَّمَادَ إِذَا كَانَ مِنَ الْحَطَبِ لاَ يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْحَجَرِ يَجُوزُ (٣) .
مَالِيَّةُ الرَّمَادِ وَتَقَوُّمُهُ:
٥ - الْمَال مَا يَمِيل إِلَيْهِ الطَّبْعُ، وَيَجْرِي فِيهِ الْبَذْل
_________
(١) ابن عابدين ١ / ١٥٩، ١٦١، والدسوقي ١ / ١٥٥، ومغني المحتاج ١ / ٩٦، والمغني لابن قدامة ١ / ٢٤٩، وكشاف القناع ١ / ١٧٢.
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ١٥٦، والمغني لابن قدامة ١ / ٢٤٩، ومغني المحتاج ١ / ٩٦.
(٣) مراقي الفلاح ١ / ٦٤، وحاشية ابن عابدين ١ / ١٦١.
وَالْمَنْعُ، وَالْمُتَقَوِّمُ مَا يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا (١) . وَكُل طَاهِرٍ ذِي نَفْعٍ غَيْرُ مُحَرَّمٍ شَرْعًا مَالٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مُتَقَوِّمٌ بِتَعْبِيرِ الْحَنَفِيَّةِ (٢) . وَعَلَى ذَلِكَ فَالرَّمَادُ الطَّاهِرُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ مِمَّا يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا، وَقَدْ ثَبَتَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي التَّدَاوِي فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ ﵂ الْمُتَقَدِّمِ ف / ٣.
فَالْعُرْفُ جَارٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ خَالِصًا وَمَخْلُوطًا بِإِلْقَائِهِ فِي الأَْرْضِ لاِسْتِكْثَارِ الرِّيعِ فِي الزِّرَاعَةِ، وَنَحْوِهَا. وَلَمْ يَرِدِ النَّصُّ بِالنَّهْيِ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ، فَكَانَ مُتَمَوَّلًا مُنْتَفَعًا بِهِ عِنْدَ النَّاسِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ.
كَذَلِكَ الرَّمَادُ الْحَاصِل مِنْ حَرْقِ النَّجِسِ أَوِ الْمُتَنَجِّسِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِطَهَارَتِهِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَإِنَّ الرَّمَادَ الْحَاصِل مِنِ احْتِرَاقِ النَّجِسِ طَاهِرٌ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ عِنْدَهُمْ (٣) .
أَمَّا مَنْ يَقُول بِبَقَائِهِ نَجِسًا، وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلاَفِ أَصْل الرَّمَادِ. فَإِنْ كَانَ أَصْل الرَّمَادِ قَبْل احْتِرَاقِهِ نَجِسًا بِحَيْثُ لاَ يُعْتَبَرُ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي الشَّرْعِ، كَالْخَمْرِ
_________
(١) مجلة الأحكام العدلية م١٢٦، ١٢٧، وابن عابدين ٤ / ١٠٠.
(٢) الزيلعي ٤ / ١٢٦، والدسوقي ٣ / ١٠، والقليوبي ٢ / ١٥٧، وكشاف القناع ٣ / ١٥٢.
(٣) المراجع السابقة، والبناية على الهداية ٩ / ٣٢٨.