الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣
يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا.
وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ إِلَى أَنَّ التَّطْبِيقَ فِي الرُّكُوعِ سُنَّةٌ لِمَا رَوَاهُ مِنْ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ (١) .
رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرِ الرُّكُوعِ:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ إِلَى أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ، فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ كَفِعْلِهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، أَيْ يَبْدَأُ رَفْعَ يَدَيْهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ وَيَنْتَهِي عِنْدَ انْتِهَائِهَا، لِتَضَافُرِ الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ، مِنْهَا مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا حُمَيْدٍ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَحَدُهُمْ أَبُو قَتَادَةَ ﵁ قَال: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلاَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ صِفَةَ صَلاَتِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ.
وَقَال الْبُخَارِيُّ: قَال الْحَسَنُ وَحُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُونَ
_________
(١) المغني لابن قدامة ١ / ٤٩٩، المجموع للإمام النووي ٣ / ٤٠٧، ٤١١، كشاف القناع ١ / ٣٤٦، حاشية ابن عابدين ١ / ٣٢٠، البدائع ١ / ٢٠٨، الفواكه الدواني ١ / ٢٠٨، حاشية العدوي ١ / ٢٣١، جواهر الإكليل ١ / ٤٨.
أَيْدِيَهُمْ - يَعْنِي عِنْدَ الرُّكُوعِ - (١) .
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَعُلَمَاءُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ: إِنَّ الْمُصَلِّيَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلاَّ لِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ (٢) .
لأَِدِلَّةٍ مِنْهَا: قَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: لأَُصَلِّيَنَّ بِكُمْ صَلاَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلاَّ فِي أَوَّل مَرَّةٍ (٣) .
وَقَوْل الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ أُذُنَيْهِ ثُمَّ لاَ يَعُودُ (٤) .
_________
(١) جزء رفع اليدين للبخاري (ص ٢٦ ط. دائرة العلوم الأثرية) .
(٢) المجموع للإمام النووي ٣ / ٣٩٩ - ٤٠١، المغني لابن قدامة ١ / ٤٩٧، حاشية ابن عابدين ١ / ٣٢٤، البدائع ١ / ٢٠٧، حاشية العدوي ١ / ٢٢٨.
(٣) (٣) حديث ابن مسعود: " لأصلين بكم صلاة رسول الله ﷺ ". أخرجه الترمذي (٢ / ٤٠ - ط الحلبي) وأبو داود (١ / ٤٧٧ - ٤٧٨ تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال: " ليس هو بصحيح على هذا اللفظ ". وذكر ابن حجر في التلخيص (١ / ٢٢٢ - ط شركة الطباعة الفنية) تضعيفه عن ابن المبارك وأبي حاتم والبخاري وغيرهم.
(٤) حديث البراء: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة ". أخرجه أبو داود (١ / ٤٧٨ - ٤٧٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال: " هذا الحديث ليس بصحيح ". وقال ابن حجر في التلخيص: (١ / ٢٢١ - ط شركة الطباعة الفنية): اتفق الحفاظ على أن قوله: " ثم لم يعد " مدرج في الخبر.
وَقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فَلَمْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ إِلاَّ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلاَةِ (١) .
التَّكْبِيرُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرُّكُوعِ:
٨ - ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَبْتَدِئَ الرُّكُوعَ بِالتَّكْبِيرِ لِلأَْحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مِنْهَا:
(١) مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ (٢) . الْحَدِيثَ.
(٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فَكَبَّرَ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَال: إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُول اللَّهِ ﷺ (٣) .
(٣) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي كُل خَفْضٍ، وَرَفْعٍ،
_________
(١) حديث ابن مسعود: " صليت خلف النبي ﷺ ". أخرجه الدارقطني (١ / ٢٩٥ - ط دار المحاسن) وقال: " تفرد به محمد بن جابر وكان ضعيفًا.
(٢) حديث أبي هريرة: " كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٧٢ - ط السلفية) .
(٣) حديث أبي هريرة: كان يصلي بهم. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٦٩ - ط السلفية) .
وَقِيَامٍ، وَقُعُودٍ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ (١) .
(٤) وَلأَِنَّهُ شُرُوعٌ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ فَشُرِعَ فِيهِ التَّكْبِيرُ كَحَالَةِ ابْتِدَاءِ الصَّلاَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ كَغَيْرِهَا مِنْ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَال مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ الَّتِي تَبْطُل الصَّلاَةُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا، وَتَسْقُطُ إِذَا تُرِكَتْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، وَلَكِنَّهَا تُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٢) وَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ. كَانَ يَبْتَدِئُ الرُّكُوعَ بِالتَّكْبِيرِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.
وَيُسَنُّ لِلإِْمَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَالْحَنَابِلَةِ مَعًا أَنْ يَجْهَرَ بِهَذِهِ التَّكْبِيرَةِ، لِيَعْلَمَ الْمَأْمُومُ انْتِقَالَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ بَلَّغَ عَنْهُ الْمُؤَذِّنُ أَوْ غَيْرُهُ (٣) .
_________
(١) حديث ابن مسعود: " كان رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ". أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (١ / ٢٢٠ - ط مطبعة الأنوار المحمدية) .
(٢) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١١١ - ط السلفية) من حديث مالك بن الحويرث.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٣٠، حاشية العدوي ١ / ٢٣٠، المجموع للإمام النووي ٣ / ٣٩٧، ٤١٤، مغني المحتاج ١ / ١٦٤، المغني لابن قدامة ١ / ٤٩٥، ٥٠٢، كشاف القناع ١ / ٣٤٦، الفروع ١ / ٤٦٥، روضة الطالبين ١ / ٢٥٠، الفواكه الدواني ١ / ٣٥٨، الإنصاف ٢ / ٥٩.
التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَال: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١) قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ (٢) . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ سُنَّةٌ، وَأَقَلُّهُ ثَلاَثٌ، فَإِنْ تُرِكَ التَّسْبِيحُ أَوْ نَقَصَ عَنِ الثَّلاَثِ كُرِهَ تَنْزِيهًا. وَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلاَثِ لِلْمُفْرَدِ أَفْضَل بَعْدَ أَنْ يَخْتِمَ عَلَى وِتْرٍ، وَلاَ يَزِيدُ الإِْمَامُ عَلَى وَجْهٍ يَمَل بِهِ الْقَوْمُ.
وَقِيل: إِنَّ تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَاجِبَاتٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ مَنْدُوبٌ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، وَالأَْوْلَى سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، وَقِيل: إِنَّهُ سُنَّةٌ، وَالتَّسْبِيحُ لاَ يَتَحَدَّدُ بِعَدَدٍ بِحَيْثُ إِذَا نَقَصَ عَنْهُ يَفُوتُهُ الثَّوَابُ، بَل إِذَا سَبَّحَ مَرَّةً يَحْصُل لَهُ الثَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ يُزَادُ الثَّوَابُ بِزِيَادَتِهِ.
وَيُنْهَى عَنِ الطُّول الْمُفْرِطِ فِي الْفَرِيضَةِ،
_________
(١) سورة الواقعة / ٩٦.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٣٠، حاشية العدوي ١ / ٢٣٠، المجموع للإمام النووي ٣ / ٣٩٧، ٤١٤، مغني المحتاج ١ / ١٦٤، المغني لابن قدامة ١ / ٤٩٥، ٥٠٢، كشاف القناع ١ / ٣٤٦، الفروع ١ / ٤٦٥، روضة الطالبين ١ / ٢٥٠، الفواكه الدواني ١ / ٣٥٨، الإنصاف ٢ / ٥٩.
بِخِلاَفِ النَّفْل؛ لأَِنَّ الْمَطْلُوبَ فِي حَقِّ الإِْمَامِ التَّخْفِيفُ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ، وَيَحْصُل أَصْل السُّنَّةِ بِتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَقَلُّهُ سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ سُبْحَانَ رَبِّي، وَأَدْنَى الْكَمَال سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ثَلاَثًا، وَلِلْكَمَال دَرَجَاتٌ. فَبَعْدَ الثَّلاَثِ خَمْسٌ، ثُمَّ سَبْعٌ، ثُمَّ تِسْعٌ، ثُمَّ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَهُوَ الأَْكْمَل، وَلاَ يَزِيدُ الإِْمَامُ عَلَى الثَّلاَثِ، أَيْ يُكْرَه لَهُ ذَلِكَ؛ تَخْفِيفًا عَلَى الْمَأْمُومِينَ.
وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ وَإِمَامُ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيل: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُول فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَال، وَالْوَاجِبُ مَرَّةٌ، وَالسُّنَّةُ ثَلاَثٌ، وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَال، وَالأَْفْضَل الاِقْتِصَارُ عَلَى سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (وَبِحَمْدِهِ) .
وَلاَ يُسْتَحَبُّ لِلإِْمَامِ التَّطْوِيل، وَلاَ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلاَثٍ كَيْ لاَ يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ.
وَهَذَا إِذَا لَمْ يَرْضَوْا بِالتَّطْوِيل (١) .
_________
(١) الدر المختار ١ / ٣٣٢، ومراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه ١٤٤ و١٤٥، وجواهر الإكليل ١ / ٥١، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٩، ومغني المحتاج ١ / ١٦٤، ١٦٥، والمجموع ٣ / ٤١١، ٤١٢، وكشاف القناع ١ / ٣٤٧، والمغني ١ / ٥٠١، ٥٠٣.
قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ (١) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَال: نَهَانِي رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَأَنَا رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ (٢) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَلاَ وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ (٣) وَلأَِنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ حَال ذُلٍّ وَانْخِفَاضٍ، وَالْقُرْآنُ أَشْرَفُ الْكَلاَمِ.
الدُّعَاءُ فِي الرُّكُوعِ:
١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْثُرُ أَنْ يَقُول فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي (٤) .
_________
(١) المجموع للإمام النووي ٣ / ٤١٤، المغني لابن قدامة ١ / ٥٠٣، مغني المحتاج ١ / ١٦٥، البدائع ١ / ٢١٨.
(٢) حديث علي: " نهاني رسول الله ﷺ عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد ". أخرجه مسلم (١ / ٣٤٩ - ط الحلبي) .
(٣) حديث ابن عباس: " ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا ". أخرجه مسلم (١ / ٣٤٨ - ط الحلبي) .
(٤) حديث: " كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٨١ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٥٠ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
وَلِمَا رَوَى عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَكَعَ قَال: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَلَكَ خَشَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي (١) .
إِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ مَعَ الإِْمَامِ:
١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ (٢) وَلأَِنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مِنَ الأَْرْكَانِ إِلاَّ الْقِيَامُ، وَهُوَ يَأْتِي بِهِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، ثُمَّ يُدْرِكُ مَعَ الإِْمَامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ، وَهَذَا إِذَا أَدْرَكَ فِي طُمَأْنِينَةٍ الرُّكُوعَ أَوِ انْتَهَى إِلَى قَدْرِ الإِْجْزَاءِ مِنَ الرُّكُوعِ قَبْل أَنْ يَزُول الإِْمَامُ عَنْ قَدْرِ الإِْجْزَاءِ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرَةِ مُنْتَصِبًا، فَإِنْ أَتَى بِهَا بَعْدَ أَنِ انْتَهَى فِي الاِنْحِنَاءِ إِلَى قَدْرِ الرُّكُوعِ أَوْ بِبَعْضِهَا لاَ تَنْعَقِدُ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا
_________
(١) (١) المجموع للإمام النووي ٣ / ٤١١، مغني المحتاج ١ / ١٦٥، البدائع ١ / ٢٠٨. وحديث علي: " أن النبي ﷺ كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت ". أخرجه مسلم (١ / ٥٣٥ - ط الحلبي) .
(٢) حديث: " من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة ". ورد بلفظ " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٧ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري، ومسلم (١ / ٤٢٤ - ط الحلبي) .
قَال بَعْضُهُمْ: إِلاَّ النَّافِلَةَ - ثُمَّ يَأْتِي بِتَكْبِيرَةٍ أُخْرَى لِلرُّكُوعِ فِي انْحِطَاطٍ إِلَيْهِ، فَالأُْولَى رُكْنٌ لاَ تَسْقُطُ بِحَالٍ، وَالثَّانِيَةُ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ، وَقَدْ تَسْقُطُ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَةِ (١) .
إِطَالَةُ الرُّكُوعِ لِيُدْرِكَ الدَّاخِل الرَّكْعَةَ:
١٣ - لَوْ أَحَسَّ الإِْمَامُ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ بِدَاخِلٍ يُرِيدُ الصَّلاَةَ مَعَهُ هَل يَجُوزُ لَهُ الاِنْتِظَارُ بِتَطْوِيل الرُّكُوعِ لِيَلْحَقَهُ أَمْ لاَ؟
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْتَظِرُهُ؛ لأَِنَّ انْتِظَارَهُ فِيهِ تَشْرِيكٌ فِي الْعِبَادَةِ بَيْنَ اللَّهِ ﷿ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢) .
وَلأَِنَّ الإِْمَامَ مَأْمُورٌ بِالتَّخْفِيفِ رِفْقًا بِالْمُصَلِّينَ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ (٣) .
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٣٢٣، والفواكه الدواني ١ / ٢٤٠، والمجموع ٤ / ٢٢٩، والمغني ١ / ٥٠٤.
(٢) سورة الكهف / ١١٠.
(٣) حديث: " إذا صلى أحدكم للناس فليخفف ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٩٩ - ط السلفية) . وأخرجه مسلم (١ / ٣٤١ - ط الحلبي) دون قوله: " وإذا صلى أحدكم. . الخ " وزاد: " وذا الحاجة ".
الْمُنْذِرِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ يَعْرِفُ الدَّاخِل، أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ فَلاَ بَأْسَ بِالاِنْتِظَارِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَوْ أَرَادَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَالَجَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ سِوَى اللَّهِ لَمْ يُكْرَهِ اتِّفَاقًا لَكِنَّهُ نَادِرٌ، وَتُسَمَّى مَسْأَلَةَ الرِّيَاءِ، فَيَنْبَغِي التَّحَرُّزُ عَنْهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ أَحَدُ الأَْقْوَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الاِنْتِظَارُ إِذَا كَانَ يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، لأَِنَّ الَّذِينَ مَعَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الدَّاخِل، وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا يَنْتَظِرُهُ، لأَِنَّهُ يَنْفَعُ الدَّاخِل وَلاَ يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو مِجْلَزٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى اسْتِحْبَابِ الاِنْتِظَارِ بِشُرُوطٍ هِيَ:
أ - أَنْ يَكُونَ الْمَسْبُوقُ دَاخِل الْمَسْجِدِ حِينَ الاِنْتِظَارِ.
ب - أَنْ لاَ يَفْحُشَ طُول الاِنْتِظَارِ.
ج - أَنْ يَقْصِدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ لاَ التَّوَدُّدَ إِلَى الدَّاخِل أَوِ اسْتِمَالَةَ قَلْبِهِ.
د - أَنْ لاَ يُمَيِّزَ بَيْنَ دَاخِلٍ وَدَاخِلٍ، لِشَرَفِ الْمُنْتَظَرِ، أَوْ صَدَاقَتِهِ، أَوْ سِيَادَتِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، لأَِنَّ الاِنْتِظَارَ بِدُونِ تَمْيِيزٍ إِعَانَةٌ لِلدَّاخِل عَلَى إِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ.
أَمَّا إِذَا أَحَسَّ بِقَادِمٍ لِلصَّلاَةِ خَارِجٍ عَنْ مَحَلِّهَا، أَوْ بَالَغَ فِي الاِنْتِظَارَ كَأَنْ يُطَوِّلَهُ تَطْوِيلًا لَوْ