الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٣

قَال: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ . ثُمَّ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَال: سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقِيل: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَعَل مِثْل مَا فَعَلْتُ ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَال: إِنَّ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَال: اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي (١) .

وَإِذَا رَكِبَ لِلسَّفَرِ دَعَا بِمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاَثًا ثُمَّ قَال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَل مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَْهْل. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ

_________

(١) حديث: " علي بن أبي طالب مع علي بن ربيعة. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٧٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) . والترمذي (٥ / ٥٠١ - ط الحلبي) وقال: " حديث حسن صحيح ".

وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَال وَالأَْهْل (١) .

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا رَكِبَ أَيَّ نَوْعٍ مِنْ وَسَائِل الرُّكُوبِ.

_________

(١) حديث: " كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٧٨ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر.

رُكُوع

التَّعْرِيفُ

١ - الرُّكُوعُ لُغَةً: الاِنْحِنَاءُ، يُقَال: رَكَعَ يَرْكَعُ رُكُوعًا وَرَكْعًا، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ أَوْ حَنَى ظَهْرَهُ، وَقَال بَعْضُهُمُ: الرُّكُوعُ هُوَ الْخُضُوعُ، وَيُقَال: رَكَعَ الرَّجُل إِذَا افْتَقَرَ بَعْدَ غِنًى وَانْحَطَّتْ حَالُهُ، وَرَكَعَ الشَّيْخُ: انْحَنَى ظَهْرُهُ مِنَ الْكِبَرِ.

وَالرَّاكِعُ: الْمُنْحَنِي، وَكُل شَيْءٍ يَنْكَبُّ لِوَجْهِهِ فَتَمَسُّ رُكْبَتُهُ الأَْرْضَ أَوْ لاَ تَمَسُّهَا بَعْدَ أَنْ يَنْخَفِضَ رَأْسُهُ فَهُوَ رَاكِعٌ، وَجَمْعُ الرَّاكِعِ رُكَّعٌ وَرُكُوعٌ (١) .

وَرُكُوعُ الصَّلاَةِ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ طَأْطَأَةُ الرَّأْسِ أَيْ خَفْضُهُ، لَكِنْ مَعَ انْحِنَاءٍ فِي الظَّهْرِ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِي الصَّلاَةِ. وَهِيَ أَنْ يَنْحَنِيَ الْمُصَلِّي بِحَيْثُ تَنَال رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ مَعَ اعْتِدَال

_________

(١) لسان العرب، المصباح المنير، غريب القرآن للأصفهاني مادة: (ركع) .

خِلْقَتِهِ وَسَلاَمَةِ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْقَوْمَةِ الَّتِي فِيهَا الْقِرَاءَةُ (١) .

أَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ فَهُوَ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْخُضُوعُ.

٢ - الْخُضُوعُ لُغَةً: الذُّل وَالاِسْتِكَانَةُ وَالاِنْقِيَادُ وَالْمُطَاوَعَةُ، وَيُقَال: رَجُلٌ أَخْضَعُ، وَامْرَأَةٌ خَضْعَاءُ وَهُمَا: الرَّاضِيَانِ بِالذُّل.

وَخَضَعَ الإِْنْسَانُ: أَمَال رَأْسَهُ إِلَى الأَْرْضِ أَوْ دَنَا مِنْهَا، وَهُوَ تَطَامُنُ الْعُنُقِ وَدُنُوُّ الرَّأْسِ مِنَ الأَْرْضِ، وَالْخُضُوعُ: التَّوَاضُعُ وَالتَّطَامُنُ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْخُشُوعِ يُسْتَعْمَل فِي الصَّوْتِ، وَالْخُضُوعُ يُسْتَعْمَل لِلأَْعْنَاقِ (٢) .

وَالْخُضُوعُ أَعَمُّ مِنَ الرُّكُوعِ، إِذِ الرُّكُوعُ هَيْئَةٌ خَاصَّةٌ.

ب - السُّجُودُ:

٣ - السُّجُودُ لُغَةً: مَصْدَرُ سَجَدَ، وَأَصْل السُّجُودِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٠٠، الفواكه الدواني ١ / ٢٠٧، حاشية العدوي ١ / ٢٣١، حاشية الجمل على شرح المنهاج ١ / ٣٧٠، تحفة المحتاج ٢ / ٥٨، روضة الطالبين ١ / ٢٤٩، مغني المحتاج ١ / ١٦٤، نهاية المحتاج ١ / ٤٤٨، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٩٩، كشاف القناع ١ / ٣٤٦.

(٢) لسان العرب والمصباح المنير، مادة: (خضع) .

التَّطَامُنُ وَالْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّل، يُقَال: سَجَدَ الْبَعِيرُ إِذَا خَفَضَ رَأْسَهُ عِنْدَ رُكُوبِهِ، وَسَجَدَ الرَّجُل إِذَا وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَْرْضِ (١) .

وَالسُّجُودُ فِي الاِصْطِلاَحِ: وَضْعُ الْجَبْهَةِ أَوْ بَعْضِهَا عَلَى الأَْرْضِ، أَوْ مَا اتَّصَل بِهَا مِنْ ثَابِتٍ مُسْتَقِرٍّ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِي الصَّلاَةِ (٢) .

فَفِي كُلٍّ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ نُزُولٌ مِنْ قِيَامٍ، لَكِنَّ النُّزُول فِي السُّجُودِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الرُّكُوعِ.

أَوَّلًا: الرُّكُوعُ فِي الصَّلاَةِ:

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّ الرُّكُوعَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٣) الآْيَةَ، وَلِلأَْحَادِيثِ الثَّابِتَةِ، مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَل الْمَسْجِدَ، فَدَخَل رَجُلٌ فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ، وَقَال: ارْجِعْ فَصَل، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَل، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: ارْجِعْ فَصَل فَإِنَّكَ لَمْ تُصَل - ثَلاَثًا - فَقَال: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَال: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) رد المحتار ١ / ٣٠٠، وجواهر الإكليل ١ / ٤٨.

(٣) سورة الحج / ٧٧.

مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِل قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَل ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا (١) .

الطُّمَأْنِينَةُ فِي الرُّكُوعِ:

٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الرُّكُوعِ بِقَدْرِ تَسْبِيحَةِ فَرْضٍ، لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِدُونِهَا.

وَمِنْ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ عَلَى وُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ: قَوْلُهُ ﷺ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ: ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا (٢) . الْحَدِيثَ.

وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلاَتِهِ، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلاَتِهِ؟ قَال: لاَ يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلاَ سُجُودَهَا (٣) . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَكَعَ اسْتَوَى، فَلَوْ صُبَّ عَلَى ظَهْرِهِ الْمَاءُ لاَسْتَقَرَّ،

_________

(١) حديث: " المسيء صلاته ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٣٧ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٢٩٨ - ط الحلبي) .

(٢) سبق تخريجه ف / ٤.

(٣) حدث: " أسوأ الناس سرقة الذي يسرق. . . " أخرجه أحمد (٥ / ٣١٠ ط الميمنية)، والحاكم (١ / ٢٢٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي قتادة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وَذَلِكَ لاِسْتِوَاءِ ظَهْرِهِ وَلاِطْمِئْنَانِهِ فِيهِ (١) .

وَحَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ﵁ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ: لاَ تُجْزِئُ صَلاَةُ الرَّجُل حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.

وَفِي رِوَايَةٍ لاَ تُجْزِئُ صَلاَةٌ لاَ يُقِيمُ الرَّجُل فِيهَا صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (٢) .

قَال التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْل الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.

وَقَدْ رَأَى أَبُو حُذَيْفَةَ ﵁ رَجُلًا لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَقَال: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا ﷺ (٣) فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ثُمَّ شَكَّ هَل أَتَى بِقَدْرِ الإِْجْزَاءِ أَوْ لاَ، لاَ يَعْتَدُّ بِهِ وَيَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الرُّكُوعِ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الرُّكُوعِ

_________

(١) حديث: " كان النبي ﷺ إذا ركع استوى، فلو صب على ظهره الماء لاستقر ". أورده الهيثمي في المجمع (٢ / ١٢٣ - ط القدسي) وقال: " رواه الطبراني في الكبير وأبو يعلى، ورجاله موثقون ".

(٢) حديث: " لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود ". أخرجه أبو داود (١ / ٥٣٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) . وحديث: لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود ". أخرجه الترمذي (٢ / ٥١ - ط الحلبي)، وقال: " حديث حسن صحيح ".

(٣) حديث حذيفة: " رأى رجلًا لا يتم الركوع والسجود ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٧٤ - ٢٧٥ ط السلفية) .

لَيْسَتْ فَرْضًا، وَأَنَّ الصَّلاَةَ تَصِحُّ بِدُونِهَا؛ لأَِنَّ الْمَفْرُوضَ مِنَ الرُّكُوعِ أَصْل الاِنْحِنَاءِ وَالْمَيْل، فَإِذَا أَتَى بِأَصْل الاِنْحِنَاءِ فَقَدِ امْتَثَل، لإِتْيَانِهِ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاِسْمُ الْوَارِدُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ (١) . الآْيَةَ.

أَمَّا الطُّمَأْنِينَةُ فَدَوَامٌ عَلَى أَصْل الْفِعْل، وَالأَْمْرُ بِالْفِعْل لاَ يَقْتَضِي الدَّوَامَ.

وَهِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ، وَلِهَذَا يُكْرَهُ تَرْكُهَا عَمْدًا، وَيَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ إِذَا تَرَكَهَا سَاهِيًا، وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهَا سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَلاَ يَلْزَمُ بِتَرْكِهَا سُجُودُ السَّهْوِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ، إِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى تَمَامِ الرُّكُوعِ لَمْ يَجْزِهِ، وَإِنْ كَانَ إِلَى تَمَامِ الرُّكُوعِ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى الْقِيَامِ أَجْزَأَهُ، إِقَامَةً لِلأَْكْثَرِ مَقَامَ الْكُل (٢) .

هَيْئَةُ الرُّكُوعِ:

٦ - الْهَيْئَةُ الْمُجْزِئَةُ فِي الرُّكُوعِ أَنْ يَنْحَنِيَ انْحِنَاءً

_________

(١) سورة الحج / ٧٧.

(٢) البدائع ١ / ١٠٥، ١٦٢، حاشية ابن عابدين ١ / ٣٠٠، ٣١٢، الفواكه الدواني ١ / ٢٠٧، حاشية العدوي ١ / ٢٣١، ٢٣٤، روضة الطالبين ١ / ٢٤٩، المجموع للإمام النووي ٣ / ٤٠٦ - ٤١١، مغني المحتاج ١ / ١٦٣، المغني لابن قدامة ١ / ٤٩٧، كشاف القناع ١ / ٣٤٦، الفروع ١ / ٤٣٢، الإنصاف ٢ / ٥٩.

خَالِصًا قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ بِطُمَأْنِينَةٍ، بِحَيْثُ يَنْفَصِل رَفْعُهُ مِنَ الرُّكُوعِ عَنْ هُوِيِّهِ، عَلَى أَنْ يَقْصِدَ مِنْ هُوِيِّهِ الرُّكُوعَ، وَهَذَا فِي مُعْتَدِل الْخِلْقَةِ مِنَ النَّاسِ لاَ طَوِيل الْيَدَيْنِ وَلاَ قَصِيرِهِمَا، فَلَوْ طَالَتْ يَدَاهُ أَوْ قَصُرَتَا أَوْ قُطِعَ شَيْءٌ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى تَسْوِيَةِ ظَهْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَقْرُبْ رَاحَتَاهُ مِنْ رُكْبَتَيْهِ بِالْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رُكُوعًا، وَلَمْ تُخْرِجْهُ عَنْ حَدِّ الْقِيَامِ إِلَى الرُّكُوعِ، وَكَذَا إِنْ قَصَدَ مِنْ هُبُوطِهِ غَيْرَ الرُّكُوعِ. وَالْعَاجِزُ يَنْحَنِي قَدْرَ إِمْكَانِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الاِنْحِنَاءِ أَصْلًا أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ بِطَرَفِهِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ وَصَلَّى قَاعِدًا يَنْحَنِي لِرُكُوعِهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَتُهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ مِنَ الأَْرْضِ، وَالأَْكْمَل أَنْ تُحَاذِيَ جَبْهَتُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَكْمَل هَيْئَاتِ الرُّكُوعِ أَنْ يَنْحَنِيَ الْمُصَلِّي بِحَيْثُ يَسْتَوِي ظَهْرُهُ وَعُنُقُهُ، وَيَمُدَّهُمَا كَالصَّحِيفَةِ، وَلاَ يَخْفِضُ ظَهْرَهُ عَنْ عُنُقِهِ وَلاَ يَرْفَعُهُ، وَيَنْصِبُ سَاقَيْهِ إِلَى الْحَقْوِ، وَلاَ يَثْنِي رُكْبَتَيْهِ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَأْخُذُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ، وَيُفَرِّقُ أَصَابِعَهُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَى يَدَيْهِ مَقْطُوعَةً أَوْ عَلِيلَةً، فَعَل بِالأُْخْرَى مَا ذَكَرْنَا، وَفَعَل بِالْعَلِيلَةِ الْمُمْكِنَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ أَرْسَلَهُمَا، وَيُجَافِي الرَّجُل مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَوْ لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ

وَلَكِنْ بَلَغَ ذَلِكَ الْقَدْرَ أَجْزَأَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّطْبِيقُ فِي الرُّكُوعِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَل الْمُصَلِّي إِحْدَى كَفَّيْهِ عَلَى الأُْخْرَى ثُمَّ يَجْعَلَهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ أَوْ فَخِذَيْهِ إِذَا رَكَعَ.

وَالتَّطْبِيقُ كَانَ مَشْرُوعًا فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ ثُمَّ نُسِخَ، قَال مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ، ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي وَقَال: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ (١) .

وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَال: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلاَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالُوا: فَاعْرِضْ، فَقَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ اعْتَدَل قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَرَكَعَ، ثُمَّ اعْتَدَل، فَلَمْ يُصَوِّبْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُقْنِعْ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ (٢) . الْحَدِيثَ. قَالُوا - أَيِ الصَّحَابَةُ ﵃: صَدَقْتَ، هَكَذَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ. وَذَكَرَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ

_________

(١) حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص: " صليت إلى جنب أبي. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٧٣ - ط السلفية) .

(٢) حديث أبي حميد الساعدي. أخرجه الترمذي (٢ / ١٠٥ - ١٠٦ ط الحلبي) وقال: " حديث حسن صحيح " والشطر الثاني منه عنده (٢ / ٤٦)، وبعضه في صحيح البخاري (الفتح ٢ / ٣٠٥ - ط السلفية) .