الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

الْفُقَهَاءِ (١)؛ لأَِنَّهُ رَضَعَ لَبَنَهَا حَقِيقَةً وَالْوَلَدُ مَنْسُوبٌ إِلَيْهَا،

وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَبَيْنَ الرَّجُل الَّذِي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْخِرَقِيُّ وَابْنُ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَبَيْنَ صَاحِبِ اللَّبَنِ أَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ لَبَنَ حَمْلٍ يَنْتَسِبُ إِلَى الْوَاطِئِ بِأَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةٍ.

أَمَّا إِنْ نَزَل اللَّبَنُ بِحَمْلٍ مِنَ الزِّنَى فَلاَ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَالْفَحْل الزَّانِي؛ لأَِنَّهُ لَبَنٌ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ؛ وَلأَِنَّ التَّحْرِيمَ بَيْنَهُمَا فَرْعٌ لِحُرْمَةِ الأُْبُوَّةِ، فَلَمَّا لَمْ تَثْبُتْ حُرْمَةُ الأُْبُوَّةِ لَمْ يَثْبُتْ مَا هُوَ فَرْعٌ لَهَا وَهُوَ الأَْوْجَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ لَبَنَ الْفَحْل يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، وَإِنْ نَزَل بِزِنًى، وَقَالُوا:؛ لأَِنَّهُ مَعْنًى يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ مُبَاحُهُ وَمَحْظُورُهُ كَالْوَطْءِ. فَإِنَّ الْوَاطِئَ حَصَل مِنْهُ وَلَدٌ وَلَبَنٌ، ثُمَّ إِنَّ الْوَلَدَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاطِئِ فَكَذَلِكَ اللَّبَنُ؛ وَلأَِنَّهُ رَضَاعٌ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إِلَى الْمُرْضِعَةِ

_________

(١) روضة الطالبين ٩ / ١٦، أسنى المطالب ٣ / ٤١٨، المغني ٧ / ٥٤٤، بدائع الصنائع ٤ / ٤.

(٢) روضة الطالبين ٩ / ١٦، أسنى المطالب ٣ / ٤١٨، المغني ٧ / ٥٤٤، بدائع الصنائع ٤ / ٤، ابن عابدين ٢ / ٤١١، كشاف القناع ٥ / ٤٤٤.

فَيَنْشُرُهَا إِلَى الْوَاطِئِ (١) .

لَبَنُ الْوَلَدِ الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ:

٢٥ - إِذَا نَفَى زَوْجُ الْمُرْضِعَةِ وَلَدَهَا بِلِعَانٍ، فَأَرْضَعَتْ مَعَهُ صَغِيرَةً بِلَبَنِهِ لَمْ تَثْبُتِ الْحُرْمَةُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَبَيْنَ الرَّضِيعِ؛ لاِنْتِفَاءِ نِسْبَةِ اللَّبَنِ إِلَيْهِ بِانْتِفَاءِ الْوَلَدِ عَنْهُ.

وَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ الرَّضَاعِ انْتَفَى الرَّضِيعُ عَنْهُ أَيْضًا. كَمَا انْتَفَى الْوَلَدُ.

وَإِنِ اسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ بَعْدَ اللِّعَانِ لَحِقَ الرَّضِيعُ، فَالأَْصْل أَنَّ كُل مَنْ يَثْبُتُ مِنْهُ النَّسَبُ لاَ يَثْبُتُ مِنْهُ الرَّضَاعُ، وَمَنْ لاَ يَثْبُتُ مِنْهُ النَّسَبُ لاَ يَثْبُتُ مِنْهُ الرَّضَاعُ (٢) .

الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرَّضَاعِ:

٢٦ - أ - تَحْرُمُ أُمُّ الزَّوْجَةِ وَجَدَّاتُهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَهْمَا عَلَوْنَ، سَوَاءٌ أَكَانَ هُنَاكَ دُخُولٌ بِالزَّوْجَةِ أَمْ لَمْ يَكُنْ.

ب - زَوْجَةُ الأَْبِ وَالْجَدِّ مِنَ الرَّضَاعِ، وَإِنْ عَلاَ، سَوَاءٌ دَخَل الأَْبُ وَالْجَدُّ بِهَا أَمْ لَمْ يَدْخُل، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ زَوْجَةُ أَبِيهِ مِنَ النَّسَبِ.

_________

(١) المصادر السابقة وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٤ - ٥٠٥، الفواكه الدواني ٢ / ٨٩، شرح فتح القدير ٣ / ٣١٣ - ط إحياء التراث العربي بيروت، حاشية ابن عابدين ٢ / ٤١١ - ٤١٢

(٢) المصادر السابقة.

ج - زَوْجَةُ الاِبْنِ وَابْنِ الاِبْنِ وَابْنِ الْبِنْتِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَإِنْ نَزَلُوا، سَوَاءٌ دَخَل الاِبْنُ وَنَحْوُهُ بِالزَّوْجَةِ أَمْ لَمْ يَدْخُل، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ زَوْجَةُ أَوْلاَدِهِ مِنَ النَّسَبِ.

د - بِنْتُ الزَّوْجَةِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَبَنَاتُ أَوْلاَدِهَا مَهْمَا نَزَلْنَ، إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مَدْخُولًا بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَل بِهَا، فَلاَ تُحَرَّمُ فُرُوعُهَا مِنَ الرَّضَاعِ عَلَى الزَّوْجِ، كَمَا فِي النَّسَبِ.

هـ - يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَأُخْتِهَا، أَوْ عَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا مِنَ الرَّضَاعِ (١) .

الرَّضَاعُ الطَّارِئُ عَلَى النِّكَاحِ:

٢٧ - الرَّضَاعُ الْمُحَرِّمُ الطَّارِئُ عَلَى النِّكَاحِ يَقْطَعُهُ كَمَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ؛ لأَِنَّ أَدِلَّةَ التَّحْرِيمِ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ رَضَاعٍ مُقَارَنٍ وَبَيْنَ طَارِئٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدْ يَقْتَضِي الرَّضَاعُ الطَّارِئُ عَلَى النِّكَاحِ مَعَ الْقَطْعِ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، وَقَدْ لاَ يَقْتَضِي ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ صَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ بِنْتُهَا (كَأُمِّهِ مِنَ النَّسَبِ، أَوِ الرَّضَاعِ، أَوْ جَدَّتِهِ، أَوْ بِنْتِهِ، أَوْ حَفِيدَتِهِ، أَوْ زَوْجَةِ أَبِيهِ، أَوْ زَوْجَةِ ابْنِهِ، أَوْ زَوْجَةِ أَخِيهِ بِلِبَانِهِمْ) رَضَاعًا مُحَرَّمًا انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ، أَوْ عَمَّتَهُ، أَوْ خَالَتَهُ، أَوْ

_________

(١) روضة الطالبين ٩ / ٢٤، أسنى المطالب ٣ / ٤٢٠ - ٤٢١، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٥، بدائع الصنائع ٤ / ١٣، المغني ٦ / ٥٨١.

حَفِيدَتَهُ، أَوْ بِنْتَ ابْنِهِ، أَوِ ابْنَةَ أَخِيهِ.

أَمَّا إِنْ كَانَ اللَّبَنُ مِنْ غَيْرِ الأَْبِ، وَالاِبْنِ، وَالأَْخِ فَلاَ يُؤَثِّرُ؛ لأَِنَّ غَايَتَهُ أَنْ تَكُونَ رَبِيبَةً لَهُمْ وَلَيْسَتْ بِحَرَامٍ عَلَيْهِمْ (١) .

وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا زَوْجَةٌ لَهُ أُخْرَى فَسَدَ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ الْمُرْضِعَةِ فِي الْحَال، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ مُؤَبَّدًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ أُمَّ زَوْجَتِهِ، وَالأُْمُّ تُحَرَّمُ بِنِكَاحِ الْبِنْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ (٢)﴾ وَلَمْ يُشْتَرَطِ الدُّخُول بِهَا، أَمَّا الصَّغِيرَةُ فَإِنْ أَرْضَعَتْهَا بِلَبَنِ الزَّوْجِ أَوْ دَخَل بِالْمُرْضِعَةِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ مُؤَبَّدًا؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ بِنْتَهُ بِالرَّضَاعِ، أَوْ رَبِيبَةً دَخَل بِأُمِّهَا.

أَمَّا إِنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَدْخُل بِالْمُرْضِعَةِ، فَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ مُؤَبَّدًا، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يَدْخُل بِأُمِّهَا. وَاللَّهُ يَقُول: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ (٣)﴾ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ اجْتِمَاعَ الأُْمِّ وَالْبِنْتِ فِي نِكَاحٍ مُمْتَنِعٌ (٤) .

_________

(١) أسنى المطالب ٣ / ٤١٩، بدائع الصنائع ٤ / ١٠ - ١١، روضة الطالبين ٩ / ٢٠، كشاف القناع ٥ / ٤٤٨، المغني ٧ / ٥٥١، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٥، شرح الزرقاني ٤ / ٢٤١.

(٢) سورة النساء / ٢٣.

(٣) سورة النساء / ٢٣.

(٤) أسنى المطالب ٣ / ٤٢١، روضة الطالبين ٩ / ٢٦، بدائع الصنائع ٤ / ١١، ابن عابدين ٢ / ٤١٠، حاشية الدسوقي ١ / ٥٠٥، المغني ٧ / ٥٤٩، كشاف القناع ٥ / ٤٤٧.

وَفِي هَذَا الْمَوْضُوعِ تَفْرِيعَاتٌ تُنْظَرُ فِي الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ فِي بَابِ الرَّضَاعِ.

مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ:

٢٨ - يَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِالإِْقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ.

الإِْقْرَارُ بِالرَّضَاعِ:

٢٩ - إِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً ثُمَّ قَال: هِيَ أُخْتِي أَوِ ابْنَتِي مِنَ الرَّضَاعِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ.

فَإِنْ كَانَ قَبْل الدُّخُول وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فَلاَ مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ فَلَهَا نِصْفُهُ.

وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي قَالَتْ: هُوَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ فَأَكْذَبَهَا وَلَمْ تَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي الْحُكْمِ.

وَهَذَا إِنْ كَانَ الإِْقْرَارُ مُمْكِنًا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا، بِأَنْ يَقُول: فُلاَنَةُ بِنْتِي مِنَ الرَّضَاعَةِ وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا فَهُوَ لَغْوٌ (١) .

الرُّجُوعُ عَنِ الإِْقْرَارِ:

٣٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا صَحَّ الإِْقْرَارُ، فَرَجَعَ عَنْهُ الْمُقِرُّ أَوْ رَجَعَا لَمْ يُقْبَل قَضَاءً،

_________

(١) أسنى المطالب ٣ / ٤٢٤، بدائع الصنائع ٤ / ١٤، المغني ٧ / ٥٦٠، نهاية المحتاج ٧ / ١٨٢، ابن عابدين ٢ / ٤١٢، شرح الزرقاني ٤ / ٢٤٢، الخرشي ٤ / ١٨٠.

وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَيَنْبَنِي ذَلِكَ عَلَى عِلْمِهِ بِصِدْقِهِ. فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الأَْمْرَ كَمَا قَال فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ وَلاَ نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ، وَقَوْلُهُ كَذِبٌ لاَ يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْمُحَرِّمَ حَقِيقَةً الرَّضَاعُ لاَ الْقَوْل.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ ثَبَتَ عَلَى الإِْقْرَارِ بِأَنْ قَال: هُوَ حَقٌّ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قَال: أَخْطَأْتُ أَوْ وَهِمْتُ، لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَقُبِل رُجُوعُهُ.

وَإِنِ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى أَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا مُحَرِّمًا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَيَسْقُطُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى؛ لأَِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ، فَفَسَدَ الْمُسَمَّى وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْل إِنْ كَانَتْ جَاهِلَةً بِالتَّحْرِيمِ وَدَخَل بِهَا؛ لأَِنَّهَا كَالْمَوْطُوءَةِ بِالشُّبْهَةِ. وَإِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ وَمَكَّنَتْهُ مِنَ الْوَطْءِ فَلاَ شَيْءَ لَهَا؛ لأَِنَّهَا بَغِيٌّ مُطَاوِعَةٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا؛ لاِتِّفَاقِهِمَا عَلَى فَسَادِ النِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ وَلَمْ يَدْخُل بِهَا، فَلاَ مُوجِبَ لِلْمَهْرِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَهَا رُبُعُ دِينَارٍ ذَهَبًا فَقَطْ. وَإِنْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالرَّضَاعِ وَأَنْكَرَتْ هِيَ، حُكِمَ بِبُطْلاَنِ النِّكَاحِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَزِمَهُ الْمُسَمَّى إِنْ كَانَ صَحِيحًا أَوْ مَهْرُ الْمِثْل إِنْ كَانَ فَاسِدًا إِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَنِصْفُ الْمُسَمَّى أَوْ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْل إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا؛ لأَِنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهَا فِي إِسْقَاطِ حُقُوقِهَا، فَلَزِمَهُ بِإِقْرَارِهِ فِيمَا هُوَ حَقٌّ لَهُ وَهُوَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ، وَفُسِخَ نِكَاحُهُ، وَلَمْ

يُقْبَل قَوْلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنَ الْمَهْرِ (١) .

هَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَلَهُ تَحْلِيفُهَا قَبْل الدُّخُول، وَكَذَا بَعْدَهُ إِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْل أَقَل مِنَ الْمُسَمَّى، فَإِنْ نَكَلَتِ الزَّوْجَةُ عَنِ الْيَمِينِ حَلَفَ الزَّوْجُ، وَلاَ شَيْءَ لَهَا قَبْل الدُّخُول، وَلاَ يَجِبُ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ الْمِثْل بَعْدَ الدُّخُول (٢) .

إِقْرَارُ الزَّوْجَةِ بِالرَّضَاعِ:

٣١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إِنِ ادَّعَتِ الرَّضَاعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ وَلاَ بَيِّنَةَ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ قَبْل الدُّخُول فَلاَ مَهْرَ لَهَا؛ لأَِنَّهَا تُقِرُّ بِأَنَّهَا لاَ تَسْتَحِقُّهُ.

فَإِنْ كَانَتْ قَدْ قَبَضَتْهُ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَخْذُهُ مِنْهَا؛ لأَِنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُول فَأَقَرَّتْ بِأَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِأَنَّهَا أُخْتُهُ، وَبِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَمُطَاوِعَةً لَهُ فِي الْوَطْءِ فَلاَ مَهْرَ لَهَا؛ لأَِنَّهَا أَقَرَّتْ بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَهَا الْمَهْرُ؛ لأَِنَّهُ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ؛ لأَِنَّ قَوْلَهَا عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ (٣) .

_________

(١) المصادر السابقة.

(٢) روضة الطالبين ٩ / ٣٤، نهاية المحتاج ٧ / ١٨٣ - ١٨٤، أسنى المطالب ٣ / ٤٢٤ - ٤٢٥

(٣) المغني ٧ / ٥٦١ - ٥٦٢، ابن عابدين ٢ / ٤١٢، الخرشي ٤ / ١٨١.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَقَرَّتِ الزَّوْجَةُ بِالرَّضَاعِ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ زُوِّجَتْ مِنْهُ بِرِضَاهَا، بِأَنْ عَيَّنَتْهُ فِي إِذْنِهَا لِتَضَمُّنِهِ إِقْرَارَهَا بِحِلِّهَا لَهُ، فَلَمْ يُقْبَل مِنْهَا نَقِيضُهُ، وَتَسْتَمِرُّ الزَّوْجِيَّةُ ظَاهِرًا بَعْدَ حَلِفِ الزَّوْجِ عَلَى نَفْيِ الرَّضَاعِ. وَإِنْ لَمْ تُزَوَّجْ بِرِضَاهَا بَل زُوِّجَتْ إِجْبَارًا، أَوْ أَذِنَتْ بِغَيْرِ تَعْيِينِ الزَّوْجِ، فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ تَصْدِيقُهَا بِيَمِينِهَا مَا لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ وَطْئِهَا مُخْتَارَةً لاِحْتِمَال صِحَّةِ مَا تَدَّعِيهِ، وَلَمْ يَسْبِقْ مِنْهَا مَا يُنَافِيهِ، فَأَشْبَهَ إِقْرَارَهَا قَبْل النِّكَاحِ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إِنْ وَطِئَ وَلَمْ تَكُنْ عَالِمَةً بِالْحُكْمِ مُخْتَارَةً فِي التَّمْكِينِ، لاَ الْمُسَمَّى لإِقْرَارِهَا بِنَفْيِ اسْتِحْقَاقِهَا. فَإِنْ قَبَضَتْهُ لَمْ يُسْتَرَدَّ مِنْهَا لِزَعْمِهِ أَنَّهُ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُل بِهَا أَوْ كَانَتْ عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ مُخْتَارَةً فِي التَّمْكِينِ فَلاَ شَيْءَ لَهَا؛ لأَِنَّهَا بَغِيٌّ مُطَاوِعَةٌ. وَالْمُنْكِرُ لِلرَّضَاعِ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؛ لأَِنَّهُ يَنْفِي فِعْل الْغَيْرِ، وَمُدَّعِيهِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ (١) .

نِصَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الرَّضَاعِ:

٣٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نِصَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الرَّضَاعِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْعُدُول، رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلاَ يُقْبَل أَقَل مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِانْفِرَادِهِنَّ.

_________

(١) نهاية المحتاج ٧ / ١٨٣ - ١٨٤، روضة الطالبين ٩ / ٣٤ - ٣٥، أسنى المطالب ٣ / ٤٢٤ - ٤٢٥

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل عُمَرَ ﵁: " لاَ يُقْبَل عَلَى الرَّضَاعِ أَقَل مِنْ شَاهِدَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَظْهَرِ النَّكِيرُ مِنْ أَحَدٍ، فَصَارَ إِجْمَاعًا.

وَلأَِنَّ هَذَا مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَال فِي الْجُمْلَةِ، فَلاَ يُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى الاِنْفِرَادِ؛ لأَِنَّ قَبُول شَهَادَتِهِنَّ بِانْفِرَادِهِنَّ فِي أُصُول الشَّرْعِ لِلضَّرُورَةِ، وَهِيَ ضَرُورَةُ عَدَمِ اطِّلاَعِ الرِّجَال عَلَى الْمَشْهُودِ بِهِ، فَإِذَا جَازَ الاِطِّلاَعُ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ تَتَحَقَّقِ الضَّرُورَةُ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ مُطْلَقًا قَبْل الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ. وَيُعْمَل قَبْل الْعَقْدِ فِي غَيْرِ الرَّشِيدِ بِإِقْرَارِ أَحَدِ الأَْبَوَيْنِ، وَلَوْ أُمًّا، وَأَوْلَى بِإِقْرَارِهِمَا مَعًا، فَيُفْسَخُ إِذَا وَقَعَ، وَلاَ يُعْتَبَرُ إِقْرَارُهُمَا بَعْدَهُ. وَأَمَّا بَعْدَ الْعَقْدِ فَيُقْبَل شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، أَوْ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ إِنْ فَشَا ذَلِكَ قَبْل الْعَقْدِ، وَلاَ يُقْبَل شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ فَشَا ذَلِكَ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَبِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ؛ لأَِنَّهُ مِمَّا لاَ يَطَّلِعُ الرِّجَال عَلَيْهِ إِلاَّ نَادِرًا، وَلاَ يَثْبُتُ بِدُونِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْمَرْضِيَّةِ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عُقْبَةَ قَال: تَزَوَّجْتُ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ

لَهُ ذَلِكَ فَقَال: كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْكُمَا (١) . وَهُوَ يَدُل عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِالْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ.

أَمَّا الإِْقْرَارُ بِالرَّضَاعِ فَلاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِ إِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي: بَابُ الشَّهَادَةِ ".

قَبُول شَهَادَةِ أُمَّيِ الزَّوْجَيْنِ بِالرَّضَاعِ:

٣٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ شَهَادَةَ أُمَّيِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الرَّضَاعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَقْبُولَةٌ كَالأَْجْنَبِيَّتَيْنِ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ كَانَ فِيمَنْ يَشْهَدُ بِالرَّضَاعِ أُمُّ الْمَرْأَةِ أَوْ بِنْتُهَا، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُدَّعِيًا، وَالْمَرْأَةُ مُنْكِرَةٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهَا.

وَكَذَا لَوْ شَهِدَتْ الأُْمُّ أَوْ الْبِنْتُ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى عَلَى سَبِيل الْحِسْبَةِ، وَإِنِ احْتَمَل كَوْنَ الزَّوْجَةِ مُدَّعِيَةً؛ لأَِنَّ الرَّضَاعَ تُقْبَل فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ.

وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُدَّعِيَةً فَلاَ تُقْبَل لِلتُّهْمَةِ

_________

(١) حديث: " كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما " تقدم تخريجه فقرة / ١٥.

(٢) روضة الطالبين ٩ / ٣٤ - ٣٦، والمغني ٧ / ٥٥٨ - ٥٥٩، الخرشي ٤ / ١٨٢، بدائع الصنائع ٤ / ١٤، ابن عابدين ٢ / ٤١٣، شرح الزرقاني ٤ / ٢٤٣، الدسوقي ٢ / ٥٠٧، الشرح الصغير ٢ / ٧٢٧، نهاية المحتاج ٧ / ١٥٨، ١٨٣ - ١٨٤