الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 49

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

وَهُوَ مِنْ نَسْخِ التِّلاَوَةِ دُونَ الْحُكْمِ، وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ النَّسْخِ.

١٥ - وَلاَ يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ صِفَاتِ اللَّبَنِ وَطُرُقِ وُصُولِهِ إِلَى الْمَعِدَةِ. فَإِنْ مَصَّهُ مِنَ الثَّدْيِ مَرَّةً، وَشَرِبَ مِنْ إِنَاءٍ مَرَّةً، وَأَوْجَرَ مِنْ حَلْقِهِ مَرَّةً، وَأَكَلَهُ جُبْنًا مَرَّةً بِحَيْثُ تَمَّ لَهُ خَمْسُ مَرَّاتٍ أَثَّرَ فِي التَّحْرِيمِ.

وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الرَّضَعَاتُ مُتَفَرِّقَاتٍ عِنْدَ مَنْ يَرَى اشْتِرَاطَ تَعَدُّدِ الرَّضَعَاتِ.

وَالْمُعْتَمَدُ فِي التَّعَدُّدِ وَالتَّفَرُّقِ هُوَ الْعُرْفُ إِذْ لاَ ضَابِطَ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَلاَ فِي الشَّرْعِ.

وَالرُّجُوعُ فِي الرَّضْعَةِ وَالرَّضَعَاتِ إِلَى الْعُرْفِ، وَمَا تَنْزِل عَلَيْهِ الأَْيْمَانُ فِي ذَلِكَ، وَمَتَى تَخَلَّل فَصْلٌ طَوِيلٌ تَعَدَّدَ.

وَلَوِ ارْتَضَعَ ثُمَّ قَطَعَ إِعْرَاضًا، وَاشْتَغَل بِشَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ عَادَ وَارْتَضَعَ، فَهُمَا رَضْعَتَانِ، وَلَوْ قَطَعَتِ الْمُرْضِعَةُ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الإِْرْضَاعِ، فَهُمَا رَضْعَتَانِ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الصَّبِيُّ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهَا رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلاَ يَحْصُل التَّعَدُّدُ بِأَنْ يَلْفِظَ الثَّدْيَ، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى الْتِقَامِهِ فِي الْحَال، وَلاَ بِأَنْ يَتَحَوَّل مِنْ ثَدْيٍ إِلَى ثَدْيٍ، أَوْ تَحَوُّلِهِ لِنَفَادِ مَا فِي الأَْوَّل، وَلاَ بِأَنْ يَلْهُوَ عَنْ الاِمْتِصَاصِ، وَالثَّدْيُ فِي فَمِهِ، وَلاَ بِأَنْ يَقْطَعَ التَّنَفُّسَ، وَلاَ بِأَنْ يَتَخَلَّل النَّوْمَةُ الْخَفِيفَةُ، وَلاَ بِأَنْ تَقُومَ وَتَشْتَغِل بِشُغْلٍ خَفِيفٍ،

ثُمَّ تَعُودَ إِلَى الإِْرْضَاعِ، فَكُل ذَلِكَ رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ (١) .

ثَالِثًا: الرَّضِيعُ:

أ - أَنْ يَصِل اللَّبَنُ إِلَى الْمَعِدَةِ:

١٦ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَصِل اللَّبَنُ إِلَى الْمَعِدَةِ بِارْتِضَاعٍ أَوْ إِيجَارٍ أَوْ إِسْعَاطٍ وَإِنْ كَانَ الطِّفْل نَائِمًا؛ لأَِنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي التَّحْرِيمِ هُوَ حُصُول الْغِذَاءِ بِاللَّبَنِ وَإِنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ وَسَدِّ الْمَجَاعَةِ لِتَتَحَقَّقَ الْجُزْئِيَّةُ، وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ إِلاَّ بِمَا وَصَل إِلَى الْمَعِدَةِ.

أَمَّا الإِْقْطَارُ فِي الأُْذُنِ أَوِ الإِْحْلِيل، أَوِ الْحُقْنَةُ فِي الدُّبُرِ فَلاَ يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ (٢) .

ب - أَلاَّ يَبْلُغَ الرَّضِيعُ حَوْلَيْنِ:

١٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ ارْتِضَاعَ الطِّفْل وَهُوَ دُونَ الْحَوْلَيْنِ يُؤَثِّرُ فِي التَّحْرِيمِ.

فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ الأَْصَحُّ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ الْمُؤَثِّرِ فِي التَّحْرِيمِ حَوْلاَنِ، فَلاَ يُحَرِّمُ بَعْدَ حَوْلَيْنِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ

_________

(١) أسنى المطالب ٣ / ٤١٧، نهاية المحتاج ٧ / ١٧٦، سبل السلام ٣ / ٢١٦، القليوبي ٤ / ٦٣، المغني ٧ / ٥٣٥ - ٥٣٦، كشاف القناع ٥ / ٤٤٥، روضة الطالبين ٩ / ٧.

(٢) روضة الطالبين ٩ / ٦، القليوبي ٤ / ٦٣، ٦٤، بدائع الصنائع ٤ / ١٩، أسنى المطالب ٣ / ٤١٦، المغني ٧ / ٥١٣، كشاف القناع ٥ / ٤٤٥، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٣)، قال المالكية: يؤثر الحقنة في الدبر.

يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ (١)﴾، وَقَالُوا: جَعَل اللَّهُ الْحَوْلَيْنِ الْكَامِلَيْنِ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ تَمَامِ الرَّضَاعَةِ شَيْءٌ. وَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ (٢)﴾ وَقَال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا (٣)﴾ وَأَقَل الْحَمْل سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَتَبْقَى مُدَّةُ الْفِصَال حَوْلَيْنِ؛ وَلِحَدِيثِ: لاَ رَضَاعَ إِلاَّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ (٤) . وَلِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا لاَ يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَْمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ وَكَانَ قَبْل الْفِطَامِ (٥) .

قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ إِرْضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ ". وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُ يَدْخُل عَلَيْكِ الْغُلاَمُ الأَْيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُل عَلَيَّ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا لَكِ فِي رَسُول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ . قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّ سَالِمًا يَدْخُل عَلَيَّ

_________

(١) سورة البقرة / ٢٣٣.

(٢) سورة لقمان / ١٤.

(٣) سورة الأحقاف / ١٥.

(٤) حديث: " لا رضاع إلا ما كان في الحولين " أخرجه الدارقطني (٤ / ١٧ - ط. دار المحاسن) من حديث ابن عباس، وصوب الدارقطني وقفه.

(٥) حديث: " لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء " أخرجه الترمذي (٣ / ٤٤٩ - ط الحلبي) من حديث أم سلمة، وقال: " حديث حسن صحيح ".

وَهُوَ رَجُلٌ، وَفِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَرْضِعِيهِ حَتَّى يَدْخُل عَلَيْكِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ قَال: أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ (١) فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخَذَتْ بِهِ عَائِشَةُ، وَأَبَى غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَأْخُذْنَ بِهِ، مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ عَنْهُ قَال: الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ (٢) لَكِنَّهَا رَأَتِ الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ رَضَاعَةً أَوْ تَغْذِيَةً. فَمَتَى كَانَ الْمَقْصُودُ الثَّانِيَ لَمْ يُحَرِّمْ إِلاَّ مَا كَانَ قَبْل الْفِطَامِ،

وَهَذَا هُوَ إِرْضَاعُ عَامَّةِ النَّاسِ. وَأَمَّا الأَْوَّل فَيَجُوزُ إِنِ احْتِيجَ إِلَى جَعْلِهِ ذَا مَحْرَمٍ.

وَقَدْ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ مَا لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِهَا، وَهَذَا قَوْلٌ مُتَوَجِّهٌ.

وَقَال: رَضَاعُ الْكَبِيرِ تَنْتَشِرُ بِهِ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّ الدُّخُول وَالْخَلْوَةِ إِذَا كَانَ قَدْ تَرَبَّى فِي الْبَيْتِ بِحَيْثُ لاَ يَحْتَشِمُونَ مِنْهُ لِلْحَاجَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَاللَّيْثِ (٣) .

_________

(١) حديث: " أرضعيه حتى يدخل عليك " أخرجه مسلم (٢ / ١٠٧٧ - ط الحلبي)، ورواية مالك في الموطأ (٢ / ٦٠٥ - ط الحلبي) .

(٢) حديث: " الرضاعة من المجاعة " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٤٦ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٠٧٨ - ط الحلبي) .

(٣) بدائع الصنائع ٤ / ٦، وابن عابدين ٢ / ٤٠٣، والمغني ٧ / ٥٤٢، وكشاف القناع ٥ / ٤٤٥، ونهاية المحتاج ٧ / ١٦٦، ١٧٥، وأسنى المطالب ٣ / ٤١٦، والقليوبي ٤ / ٦٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٣، والفواكه الدواني ٢ / ٨٨، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٣٤ / ٦٠، والاختيارات ٢٨٣، والإنصاف ٩ / ٣٣٤.

١٨ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي التَّحْرِيمِ أَنْ يَرْتَضِعَ فِي حَوْلَيْنِ أَوْ بِزِيَادَةِ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، وَأَلاَّ يُفْطَمَ قَبْل انْتِهَاءِ الْحَوْلَيْنِ فِطَامًا يَسْتَغْنِي فِيهِ بِالطَّعَامِ عَنِ اللَّبَنِ، فَإِنْ فُطِمَ وَاسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ عَنِ اللَّبَنِ ثُمَّ رَضَعَ فِي الْحَوْلَيْنِ فَلاَ يُحَرِّمُ (١) .

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: مُدَّةُ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ حَوْلاَنِ وَنِصْفٌ وَلاَ يُحَرِّمُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، سَوَاءٌ أَفُطِمَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ أَمْ لَمْ يُفْطَمْ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ (٢)﴾ قَال: فَأَثْبَتَ سُبْحَانَهُ الْحُرْمَةَ بِالرَّضَاعِ مُطْلَقًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِزَمَانِ الرَّضَاعِ، إِلاَّ أَنَّهُ قَامَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ زَمَانَ مَا بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ وَالنِّصْفِ لَيْسَ بِمُرَادٍ، فَيُعْمَل بِإِطْلاَقِهِ فِيمَا وَرَاءَهُ (٣) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا (٤)﴾ أَيْ: وَمُدَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا ثَلاَثُونَ شَهْرًا.

تَحْرِيمُ النِّكَاحِ بِالرَّضَاعِ:

١ - مَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّضِيعِ:

١٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) سورة النساء / ٢٣.

(٣) المراجع السابقة.

(٤) سورة الأحقاف / ١٥.

الرَّضِيعِ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ يَحْرُمْنَ عَلَيْهِ مِنَ النَّسَبِ وَهُنَّ السَّبْعُ اللاَّتِي ذُكِرْنَ فِي آيَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ (١)﴾ وَهُنَّ الأُْمَّهَاتُ وَالْبَنَاتُ، وَالأَْخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالاَتُ وَبَنَاتُ الأَْخِ وَبَنَاتُ الأُْخْتِ. وَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الأُْمِّ وَالأُْخْتِ مِنَ الرَّضَاعِ بِنَصِّ الْكِتَابِ قَال تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ (٢)﴾، وَتَحْرِيمُ الْبِنْتِ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا حُرِّمَتِ الأُْخْتُ فَالْبِنْتُ أَوْلَى.

أَمَّا سَائِرُ الْمَحَارِمِ فَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُنَّ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (٣) . وَثَبَتَتِ الْمَحْرَمِيَّةُ لأَِنَّهَا فَرْعٌ عَلَى التَّحْرِيمِ فَتُحَرَّمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى الرَّضِيعِ؛ لأَِنَّهَا أُمُّهُ، وَآبَاؤُهَا وَأُمَّهَاتُهَا مِنَ النَّسَبِ أَوِ الرَّضَاعِ أَجْدَادُهُ وَجَدَّاتُهُ. فَإِنْ كَانَ أُنْثَى حَرُمَ عَلَى الأَْجْدَادِ نِكَاحُهَا أَوْ ذَكَرًا حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْجَدَّاتِ. وَفُرُوعُ الْمُرْضِعَةِ مِنَ الرَّضَاعِ كَفُرُوعِهَا مِنَ النَّسَبِ، فَأَوْلاَدُهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ إِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ صَاحِبِ اللَّبَنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ مَنْ تَقَدَّمَتْ وِلاَدَتُهُ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ لأَِنَّهُمْ إِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

_________

(١) سورة النساء / ٢٣.

(٢) سورة النساء / ٢٣.

(٣) حديث: " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " تقدم تخريجه ف / ٧.

﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ (١)﴾ فَقَدْ أَثْبَتَ ﷾ الْحُرْمَةَ وَالأُْخُوَّةَ بَيْنَ بَنَاتِ الْمُرْضِعَةِ وَبَيْنَ الرَّضِيعِ مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ أُخْتٍ وَأُخْتٍ، وَكَذَا بَنَاتُ بَنَاتِهَا، وَبَنَاتُ أَبْنَائِهَا، وَإِنْ سَفَلْنَ (٢) .

٢ - الْمُرْضِعَةُ:

٢٠ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ أَبْنَاءُ رَضِيعِهَا وَأَبْنَاءُ أَبْنَائِهِ وَإِنْ سَفَلُوا، وَلاَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا أُصُولُهُ كَأَبِيهِ، وَجَدِّهِ، وَلاَ حَوَاشِيهِ كَإِخْوَتِهِ وَأَعْمَامِهِ وَأَخْوَالِهِ، فَيَجُوزُ لِهَؤُلاَءِ أَنْ يَتَزَوَّجُوا الْمُرْضِعَةَ أَوْ بَنَاتِهَا أَوْ أَخَوَاتِهَا، فَالرَّضَاعَةُ لاَ تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إِلَى أُصُول الرَّضِيعِ وَحَوَاشِيهِ (٣) .

٣ - الْفَحْل صَاحِبُ اللَّبَنِ:

٢١ - إِنَّ صَاحِبَ اللَّبَنِ - وَهُوَ زَوْجُ الْمُرْضِعَةِ الَّتِي نَزَل لَهَا مِنْهُ اللَّبَنُ - وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ " لَبَنُ الْفَحْل " يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، فَيَحْرُمُ عَلَى صَاحِبِ اللَّبَنِ مَنْ أَرْضَعَتْهَا زَوْجَتُهُ؛ لأَِنَّهَا ابْنَتُهُ مِنَ الرَّضَاعِ، وَتَحْرُمُ عَلَى أَبْنَائِهِ الَّذِينَ مِنْ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ، لأَِنَّهُمْ إِخْوَتُهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَبْنَاءُ بَنَاتِهِ

_________

(١) سورة النساء / ٢٣.

(٢) بدائع الصنائع ٤ / ٣ - ٤، القليوبي ٣ / ٢٤٠ - ٢٤١، أسنى المطالب ٣ / ١٤٩ - ٤١٨، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٣، المغني ٦ / ٥٧١، كشاف القناع ٥ / ٧٠.

(٣) المصادر السابقة.

مِنْ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ؛ لأَِنَّهُمْ أَبْنَاءُ إِخْوَتِهَا لأَِبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ كُلٌّ مِنْ زَوْجَتَيْهِ طِفْلًا أَجْنَبِيًّا عَنِ الآْخَرِ فَقَدْ صَارَا أَخَوَيْنِ لأَِبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَيَحْرُمُ التَّنَاكُحُ بَيْنَهُمَا إِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أُنْثَى؛ لأَِنَّ بَيْنَهُمَا أُخُوَّةً لأَِبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَتَحْرُمُ الرَّضِيعَةُ عَلَى آبَاءِ زَوْجِ الْمُرْضِعَةِ؛ لأَِنَّهُمْ أَجْدَادُهَا مِنْ قِبَل الأَْبِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَعَلَى إِخْوَتِهِ؛ لأَِنَّهُمْ أَعْمَامُهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَخَوَاتُهُ عَمَّاتُ الرَّضِيعِ فَيَحْرُمْنَ عَلَيْهِ، وَلاَ حُرْمَةَ بَيْنَ صَاحِبِ اللَّبَنِ وَأُمَّهَاتِ الرَّضِيعِ وَأَخَوَاتِهِ مِنَ النَّسَبِ (١) .

٢٢ - وَدَلِيل نَشْرِ الْحُرْمَةِ مِنْ صَاحِبِ اللَّبَنِ: مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَ أَنْ نَزَل الْحِجَابُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ آذَنُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ. فَدَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ الرَّجُل لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ، فَقَال: ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ (٢) .

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ٤٤٣، المغني ٦ / ٥٧٢، ٧ / ٥٤١، بدائع الصنائع ٤ / ٣ - ٤، أسنى المطالب ٣ / ٤١٨، روضة الطالبين ٩ / ١٥، بداية المجتهد ٢ / ٣٣، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٢ - ٥٠٣

(٢) حديث عائشة قالت: " إن أفلح أخا أبي القعيس " أخرجه البخاري الفتح (٩ / ٣٣٨ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٠٦٩ - ط الحلبي)، واللفظ لمسلم.

وَقَال عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (١) وَسُئِل ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا جَارِيَةً وَالأُْخْرَى غُلاَمًا هَل يَتَزَوَّجُ الْغُلاَمُ الْجَارِيَةَ؟ قَال: لاَ، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ (٢) .

وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْل سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو قِلاَبَةَ، وَيُرْوَى عَدَمُ التَّحْرِيمِ بِهِ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ (٣) .

ثُبُوتُ الأُْبُوَّةِ وَلَوْ بَعْدَ الطَّلاَقِ أَوِ الْمَوْتِ:

٢٣ - تَثْبُتُ الأُْبُوَّةُ بِاللَّبَنِ وَلَوْ بَعْدَ الطَّلاَقِ أَوِ الْمَوْتِ، قَصُرَ الزَّمَانُ أَوْ طَال.

فَإِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَلَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا قَبْل أَنْ تَتَزَوَّجَ، فَالرَّضِيعُ ابْنُ الْمُطَلِّقِ أَوِ الْمَيِّتِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَلاَ تَنْقَطِعُ نِسْبَةُ

_________

(١) قول عائشة ﵂: " حرموا من الرضاعة. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٦٠ - ط السلفية) .

(٢) روضة الطالبين ٩ / ١٥ - ١٦، أسنى المطالب ٣ / ٤١٨، المغني ٧ / ٥٤١ ٠ ٥٤٢، بدائع الصنائع ٤ / ٣، ابن عابدين ٢ / ٤١١، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٤ - ٥٠٥، الفواكه الدواني ٢ / ٨٩.

(٣) المغني ٦ / ٥٧٢.

اللَّبَنِ إِلَيْهِ بِمَوْتِهِ أَوْ طَلاَقِهِ، سَوَاءٌ ارْتَضَعَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، قَصُرَتِ الْمُدَّةُ أَمْ طَالَتْ، انْقَطَعَ اللَّبَنُ أَمْ لَمْ يَنْقَطِعْ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ مَا يُحَال اللَّبَنُ عَلَيْهِ، فَهُوَ بِاسْتِمْرَارِهِ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (١) .

فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ زَوْجًا وَوَلَدَتْ مِنْهُ فَاللَّبَنُ بَعْدَ الْوِلاَدَةِ لِلثَّانِي، سَوَاءٌ انْقَطَعَ وَعَادَ أَمْ لَمْ يَنْقَطِعْ؛ لأَِنَّ اللَّبَنَ تَبَعٌ لِلْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ لِلثَّانِي. وَإِنْ لَمْ تَلِدْ مِنَ الثَّانِي، وَبَقِيَ لَبَنُ الأَْوَّل بِحَالِهِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ فَهُوَ لِلأَْوَّل سَوَاءٌ حَبِلَتْ مِنَ الثَّانِي أَمْ لَمْ تَحْبَل؛ لأَِنَّ اللَّبَنَ كَانَ لِلأَْوَّل وَلَمْ يَجِدَّ مَا يَجْعَلُهُ مِنَ الثَّانِي فَبَقِيَ لِلأَْوَّل.

وَإِنْ حَبِلَتْ مِنَ الثَّانِي وَزَادَ اللَّبَنُ بِالْحَمْل فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: إِنَّهُ لِلأَْوَّل مَا لَمْ تَلِدْ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ اللَّبَنَ لَهُمَا؛ لأَِنَّ زِيَادَةَ اللَّبَنِ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَمْل ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنَ الثَّانِي. وَبَقَاءُ لَبَنِ الأَْوَّل يَقْتَضِي كَوْنَ أَصْلِهِ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِمَا (٢) .

ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِلَبَنِ مَنْ زَنَى:

٢٤ - إِنْ وَلَدَتْ مِنَ الزِّنَى فَنَزَل لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ صَبِيًّا، صَارَ الرَّضِيعُ ابْنًا لَهَا بِاتِّفَاقِ

_________

(١) روضة الطالبين ٩ / ١٨، أسنى المطالب ٣ / ٤١٨، بدائع الصنائع / ١٠، المغني ٧ / ٥٤٧ - ٥٤٨

(٢) المصادر السابقة.