الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا؛ لأَِنَّ مَا لاَ مُنَاسَبَةَ فِيهِ لاَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِانْضِمَامِ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمَا لَثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ (١)﴾ مَحْمُولٌ عَلَى حَال الاِتِّفَاقِ وَعَدَمِ التَّعَاسُرِ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ الرَّضَاعُ عَلَى الأُْمِّ بِلاَ أُجْرَةٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُرْضِعُ مِثْلُهَا، وَكَانَتْ فِي عِصْمَةِ الأَْبِ، وَلَوْ حُكْمًا كَالرَّجْعِيَّةِ، أَمَّا الْبَائِنُ مِنَ الأَْبِ، وَالشَّرِيفَةُ الَّتِي لاَ يُرْضِعُ مِثْلُهَا فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهَا الرَّضَاعُ، إِلاَّ إِذَا تَعَيَّنَتِ الأُْمُّ لِذَلِكَ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا.

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ .

وَقَالُوا: اسْتَثْنَى الَّتِي لاَ يُرْضِعُ مِثْلُهَا مِنْ عُمُومِ الآْيَةِ لأَِصْلٍ مِنْ أُصُول الْفِقْهِ وَهُوَ: الْعَمَل بِالْمَصْلَحَةِ، وَلأَِنَّ الْعُرْفَ عَدَمُ تَكْلِيفِهَا بِالرَّضَاعِ فَهُوَ كَالشَّرْطِ (٣) .

حَقُّ الأُْمِّ فِي الرَّضَاعِ:

٥ - إِنْ رَغِبَتِ الأُْمُّ فِي إِرْضَاعِ وَلَدِهَا أُجِيبَتْ وُجُوبًا.

سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُطَلَّقَةً، أَمْ فِي عِصْمَةِ الأَْبِ عَلَى

_________

(١) سورة البقرة / ٢٣٣.

(٢) المغني ٧ / ٦٢٧.

(٣) الفواكه الدواني ٢ / ١٠٠، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٢٥.

قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا (١)﴾ .

وَالْمَنْعُ مِنْ إِرْضَاعِ وَلَدِهَا مُضَارَّةٌ لَهَا؛ وَلأَِنَّهَا أَحْنَى عَلَى الْوَلَدِ وَأَشْفَقُ، وَلَبَنُهَا أَمْرَأُ وَأَنْسَبُ لَهُ غَالِبًا. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنَ الإِْرْضَاعِ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ (٢) .

حَقُّ الأُْمِّ فِي أُجْرَةِ الرَّضَاعِ:

٦ - لِلأُْمِّ طَلَبُ أُجْرَةِ الْمِثْل بِالإِْرْضَاعِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي عِصْمَةِ الأَْبِ أَمْ خَلِيَّةً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (٣)﴾ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٤) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَتْ فِي عِصْمَةِ الأَْبِ أَوْ فِي عِدَّتِهِ فَلَيْسَ لَهَا طَلَبُ الأُْجْرَةِ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهَا الرَّضَاعَ دِيَانَةً مُقَيَّدًا بِإِيجَابِ رِزْقِهَا عَلَى الأَْبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (٥)﴾، وَهُوَ قَائِمٌ بِرِزْقِهَا حَالَةَ بَقَائِهَا فِي عِصْمَتِهِ أَوْ فِي عِدَّتِهِ، بِخِلاَفِ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِي عِصْمَتِهِ وَلاَ فِي عِدَّتِهِ،

_________

(١) سورة البقرة / ٢٣٣.

(٢) المغني ٧ / ٦٢٧، نهاية المحتاج ٧ / ٢٢٢، أسنى المطالب ٣ / ٤٥، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٢٦، ابن عابدين ٢ / ٦٥٧ - ٦٧٦

(٣) سورة الطلاق / ٦.

(٤) المصادر السابقة.

(٥) سورة البقرة / ٢٣٣.

فَتَقُومُ الأُْجْرَةُ مَقَامَ الرِّزْقِ؛ وَلأَِنَّ إِلْزَامَ الْبَائِنِ بِالإِْرْضَاعِ مَجَّانًا مَعَ انْقِطَاعِ نَفَقَتِهَا عَنِ الأَْبِ مُضَارَّةٌ لَهَا، فَسَاغَ لَهَا أَخْذُ الأُْجْرَةِ بِالرَّضَاعِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ (١) . وَقَال تَعَالَى: ﴿لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا (٢)﴾ فَإِنْ طَلَبَتِ الأُْمُّ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل وَوَجَدَ الأَْبُ مَنْ تُرْضِعُ لَهُ مَجَّانًا أَوْ بِأُجْرَةِ الْمِثْل جَازَ لَهُ انْتِزَاعُهُ مِنْهَا، لأَِنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا بِطَلَبِهَا مَا لَيْسَ لَهَا، فَدَخَلَتْ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٣)﴾ .

وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الأَْبُ مَنْ تُرْضِعُ لَهُ بِأَقَل مِمَّا طَلَبَتْهُ الأُْمُّ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا فِي الرَّضَاعِ؛ لأَِنَّهَا تَسَاوَتْ مَعَ غَيْرِهَا فِي الأُْجْرَةِ فَصَارَتْ أَحَقَّ بِهَا، كَمَا لَوْ طَلَبَتْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أُجْرَةَ الْمِثْل (٤) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الأُْمُّ مِمَّنْ يُرْضِعُ مِثْلُهَا وَكَانَتْ فِي عِصْمَةِ الأَْبِ فَلَيْسَ لَهَا طَلَبُ الأُْجْرَةِ بِالإِْرْضَاعِ؛ لأَِنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَهُ عَلَيْهَا فَلاَ تَسْتَحِقُّ بِوَاجِبٍ أُجْرَةً. أَمَّا الشَّرِيفَةُ الَّتِي لاَ يُرْضِعُ مِثْلُهَا، وَالْمُطَلَّقَةُ مِنَ الأَْبِ، فَلَهَا طَلَبُ الأُْجْرَةِ، وَإِنْ تَعَيَّنَتْ لِلرَّضَاعِ أَوْ وَجَدَ الأَْبُ مَنْ تُرْضِعُ لَهُ مَجَّانًا (٥) .

_________

(١) المصادر السابقة وابن عابدين ٢ / ٦٧٥.

(٢) سورة البقرة / ٢٣٣.

(٣) سورة الطلاق / ٦.

(٤) أسنى المطالب ٣ / ٤٥٥، المغني ٧ / ٦٢٧، ابن عابدين ٢ / ٦٧٥.

(٥) حاشية الدسوقي ٢ / ٥٢٦، الفواكه الدواني ٢ / ١٠١.

ثَانِيًا: الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى الرَّضَاعِ:

٧ - يَتَرَتَّبُ عَلَى الرَّضَاعِ بَعْضُ أَحْكَامِ النَّسَبِ:

أ - تَحْرِيمُ النِّكَاحِ سَوَاءٌ حَصَل الرَّضَاعُ فِي زَمَنِ إِسْلاَمِ الْمَرْأَةِ أَوْ كُفْرِهَا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (١) . وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِكَ.

ب - ثُبُوتُ الْمَحْرَمِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِجَوَازِ النَّظَرِ، وَالْخَلْوَةِ، وَعَدَمِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِاللَّمْسِ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ.

أَمَّا سَائِرُ أَحْكَامِ النَّسَبِ كَالْمِيرَاثِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ، وَسُقُوطِ الْقِصَاصِ، وَعَدَمِ الْقَطْعِ فِي سَرِقَةِ الْمَال، وَعَدَمِ الْحَبْسِ لِدَيْنِ الْوَلَدِ، وَالْوِلاَيَةِ عَلَى الْمَال أَوِ النَّفْسِ فَلاَ تَثْبُتُ بِالرَّضَاعِ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٢) .

الرَّضَاعُ الْمُحَرِّمُ، وَدَلِيل التَّحْرِيمِ:

٨ - لِلرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ ثَلاَثَةُ أَرْكَانٍ:

١ - الْمُرْضِعُ

٢ - الرَّضِيعُ

٣ - اللَّبَنُ.

_________

(١) حديث: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٥٣ - ط السلفية)، ومسلم (١٠٧٢ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس.

(٢) أسنى المطالب ٣ / ٤١٥، قليوبي ٤ / ٦٢، روضة الطالبين ٩ / ٣، المغني ٧ / ٥٣٥، كشاف القناع ٥ / ٤٤٢.

أَوَّلًا: الْمُرْضِعُ:

٩ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُرْضِعِ الَّتِي يَنْتَشِرُ بِلَبَنِهَا التَّحْرِيمُ:

١ - أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً، فَلاَ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِلَبَنِ الرَّجُل لِنُدْرَتِهِ وَعَدَمِ صَلاَحِيَتِهِ غِذَاءً لِلطِّفْل، وَلاَ بِلَبَنِ الْبَهِيمَةِ، فَلَوِ ارْتَضَعَ طِفْلاَنِ مِنْ بَهِيمَةٍ لَمْ يَصِيرَا أَخَوَيْنِ؛ لأَِنَّ تَحْرِيمَ الأُْخُوَّةِ فَرْعٌ عَلَى تَحْرِيمِ الأُْمُومَةِ، وَلاَ يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الأُْمُومَةِ بِهَذَا الرَّضَاعِ فَالأُْخُوَّةُ أَوْلَى (١) .

٢ - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنْ تَكُونَ مُحْتَمِلَةً لِلْوِلاَدَةِ بِأَنْ تَبْلُغَ سِنَّ الْحَيْضِ وَهُوَ تِسْعُ سِنِينَ، فَلَوْ ظَهَرَ لَبَنُ الصَّغِيرَةِ دُونَ تِسْعِ سِنِينَ فَلاَ يُحَرِّمُ، بِخِلاَفِ مَنْ بَلَغَتْ هَذِهِ السِّنَّ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُتَيَقَّنْ بُلُوغُهَا بِالْحَيْضِ فَاحْتِمَال الْبُلُوغِ قَائِمٌ، وَالرَّضَاعُ تِلْوُ النَّسَبِ فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالاِحْتِمَال، وَلاَ يَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ فَيُحَرِّمُ عِنْدَهُمْ لَبَنُ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل الْوَطْءَ (٢) .

التَّحْرِيمُ بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ:

١٠ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ كَمَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الْحَيَّةِ؛ لأَِنَّهُ وُجِدَ الاِرْتِضَاعُ

_________

(١) روضة الطالبين ٩ / ٣، والقليوبي ٤ / ٦٢، ونهاية المحتاج ٧ / ١٧٢، وابن عابدين ٢ / ٤٠٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٢.

(٢) نهاية المحتاج ٧ / ١٧٢، ابن عابدين ٢ / ٤٠٣، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٢.

عَلَى وَجْهٍ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيُنْشِزُ الْعَظْمَ مِنَ امْرَأَةٍ فَأَثْبَتَ التَّحْرِيمَ كَمَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً؛ وَلأَِنَّهُ لاَ فَارِقَ بَيْنَ شُرْبِ لَبَنِهَا فِي حَيَاتِهَا، وَشُرْبِهِ بَعْدَ مَوْتِهَا، إِلاَّ الْحَيَاةَ أَوِ النَّجَاسَةَ، وَهَذَا لاَ أَثَرَ لَهُ؛ لأَِنَّ اللَّبَنَ لاَ يَمُوتُ، وَلاَ أَثَرَ لِلنَّجَاسَةِ أَيْضًا، كَمَا لَوْ حُلِبَ بِإِنَاءٍ نَجِسٍ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ حُلِبَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا فَشَرِبَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ بِالاِتِّفَاقِ؛ وَلأَِنَّ ثَدْيَهَا لاَ يَزِيدُ عَلَى الإِْنَاءِ فِي عَدَمِ الْحَيَاةِ، وَهِيَ لاَ تَزِيدُ عَلَى عَظْمِ الْمَيِّتَةِ فِي ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمُرْضِعُ حَيَّةً حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ انْفِصَال اللَّبَنِ مِنْهَا، فَلاَ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِلَبَنٍ انْفَصَل عَنْ مَيِّتَةٍ كَمَا لاَ تَثْبُتُ الْمُصَاهَرَةُ بِوَطْئِهَا، وَلِضَعْفِ حُرْمَتِهِ بِمَوْتِهَا؛ وَلأَِنَّهُ مِنْ جُثَّةٍ مُنْفَكَّةٍ عَنِ الْحِل وَالْحَرَامِ، كَالْبَهِيمَةِ، وَإِنِ انْفَصَل اللَّبَنُ فِي حَيَاتِهَا فَأَوْجَرَ الطِّفْل بَعْدَ مَوْتِهَا حَرَّمَ بِالاِتِّفَاقِ (٢) .

تَقَدُّمُ الْحَمْل عَلَى الرَّضَاعِ:

١١ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَتَقَدَّمَ حَمْلٌ. فَيُحَرِّمُ لَبَنُ الْبِكْرِ الَّتِي لَمْ تُوطَأْ وَلَمْ تَحْبَل قَطُّ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ

_________

(١) المغني ٧ / ٥٤٠ - ٥٤١، الفواكه الدواني ٢ / ٨٨، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٢، ابن عابدين ٢ / ٤٠٣.

(٢) القليوبي ٤ / ٦٢، نهاية المحتاج ٧ / ١٧٢، أسنى المطالب ٣ / ٤١٥.

اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ (١)﴾، وَلأَِنَّهُ لَبَنُ امْرَأَةٍ فَتَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ (٢) . وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَعَلَيْهِ الْمَذْهَبُ أَنَّ لَبَنَ الْبِكْرِ لاَ يَنْشُرُ التَّحْرِيمَ؛ لأَِنَّهُ نَادِرٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ لِلتَّغْذِيَةِ (٣) .

ثَانِيًا: اللَّبَنُ:

١٢ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَصِل اللَّبَنُ إِلَى جَوْفِ الطِّفْل بِمَصٍّ مِنَ الثَّدْيِ، أَوْ إِيجَارٍ مِنَ الْحَلْقِ، أَوْ إِسْعَاطٍ مِنَ الأَْنْفِ، سَوَاءٌ كَانَ اللَّبَنُ صِرْفًا أَوْ مَشُوبًا بِمَائِعٍ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى اللَّبَنِ، بِأَنْ كَانَ اللَّبَنُ غَالِبًا، بِأَنْ كَانَتْ صِفَاتُهُ بَاقِيَةً.

وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِطُ نَجَسًا كَالْخَمْرِ وَأَنْ يَكُونَ طَاهِرًا كَالْمَاءِ وَلَبَنِ الشَّاةِ (٤) .

١٢ م - أَمَّا إِنْ كَانَ اللَّبَنُ مَغْلُوبًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بِهِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ اللَّبَنَ الْمَغْلُوبَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي التَّحْرِيمِ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلأَْغْلَبِ، وَلأَِنَّ اسْمَ اللَّبَنِ يَزُول بِغَلَبَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ (٥) .

_________

(١) سورة النساء / ٢٣.

(٢) المصادر السابقة وكفاية الأخيار ٢ / ٨٥، نهاية المحتاج ٧ / ١٧٢، الوجيز ٢ / ١٠٥

(٣) كشاف القناع ٥ / ٤٤٤، المغني ٧ / ٥٤٠.

(٤) القليوبي ٤ / ٦٢ - ٦٣، المغني ٧ / ٥٤٠ - ٥٤٥، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٢، أسنى المطالب ٣ / ٥١٤، ابن عابدين ٢ / ٤٠٢ - ٤٠٨، كشاف القناع ٥ / ٤٤٤، ٤٤٥، بدائع الصنائع ٤ / ٨.

(٥) شرح الدسوقي ٢ / ٥٠٣، شرح الزرقاني ٤ / ٢٣٩، المغني ٧ / ٥٣٩، كشاف القناع ٥ / ٤٤٧، ابن عابدين ٢ / ٤٠٩، بدائع الصنائع ٤ / ٩.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ مَغْلُوبًا، بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ صِفَاتِهِ شَيْءٌ، بِشَرْطِ أَنْ يَشْرَبَ الطِّفْل الْجَمِيعَ أَوْ يَشْرَبَ بَعْضَهُ، إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّ اللَّبَنَ قَدْ وَصَل إِلَى الْجَوْفِ بِأَنْ بَقِيَ مِنْهُ أَقَل مِنْ قَدْرِ اللَّبَنِ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّبَنُ مِقْدَارًا لَوِ انْفَرَدَ لأَثَّرَ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: اللَّبَنُ الْمَشُوبُ كَالْمَحْضِ فِي إِثْبَاتِ التَّحْرِيمِ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْمَشُوبُ هُوَ الْمُخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ، وَالْمَحْضُ هُوَ الْخَالِصُ الَّذِي لاَ يُخَالِطُهُ سِوَاهُ، سَوَاءٌ شِيبَ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا، وَقَال أَبُو بَكْرٍ: قِيَاسُ قَوْل أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يُحَرِّمُ؛ لأَِنَّهُ وَجُورٌ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُ قَال: إِنْ كَانَ الْغَالِبُ اللَّبَنَ حَرَّمَ وَإِلاَّ فَلاَ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ لِلأَْغْلَبِ؛ وَلأَِنَّهُ يَزُول بِكَوْنِهِ مَغْلُوبًا الاِسْمُ وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ بِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَوَجْهُ الأَْوَّل أَنَّ اللَّبَنَ الْمَغْلُوبَ مَتَى كَانَ لَوْنُهُ ظَاهِرًا فَقَدْ حَصَل شُرْبُهُ وَيَحْصُل مِنْهُ إِنْبَاتُ اللَّحْمِ وَإِنْشَازُ الْعَظْمِ فَحَرَّمَ، كَمَا لَوْ كَانَ غَالِبًا، وَهَذَا فِيمَا إِذَا كَانَتْ صِفَاتُ اللَّبَنِ بَاقِيَةً.

فَأَمَّا إِنْ صُبَّ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ لأَِنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَبَنٍ مَشُوبٍ وَلاَ يَحْصُل بِهِ التَّغَذِّي وَلاَ إِنْبَاتُ اللَّحْمِ وَلاَ إِنْشَازُ الْعَظْمِ فَلَيْسَ بِرَضَاعٍ وَلاَ فِي مَعْنَاهُ، فَوَجَبَ أَنْ لاَ يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِيهِ. وَحُكِيَ عَنِ

_________

(١) نهاية المحتاج ٧ / ١٧٢ - ١٧٣، روضة الطالبين ٩ / ٤.

الْقَاضِي أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِهِ أَيْضًا لأَِنَّ أَجْزَاءَ اللَّبَنِ حَصَلَتْ فِي بَطْنِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَوْنُهُ ظَاهِرًا (١) .

١٣ - كَمَا اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بِاللَّبَنِ الْمَخْلُوطِ بِطَعَامٍ وَالْمُتَغَيِّرَةِ هَيْئَتُهُ بِأَنْ يَصِيرَ جُبْنًا أَوْ مَخِيضًا، أَوْ إِقْطًا.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِهِ لِوُصُول عَيْنِ اللَّبَنِ إِلَى جَوْفِ الطِّفْل، وَحُصُول التَّغْذِيَةِ بِهِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ تَأْثِيرَ لِلَّبَنِ الْمَخْلُوطِ بِطَعَامٍ وَلاَ الْمُتَغَيِّرِ هَيْئَتُهُ، وَلاَ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ لأَِنَّ اسْمَ الرَّضَاعِ لاَ يَقَعُ عَلَيْهِ (٢) .

اشْتِرَاطُ تَعَدُّدِ الرَّضَعَاتِ:

١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَصَاعِدًا يُحَرِّمْنَ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَهَا.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ) وَكَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ قَلِيل الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ وَإِنْ كَانَ مَصَّةً وَاحِدَةً، فَالشَّرْطُ فِي التَّحْرِيمِ أَنْ يَصِل اللَّبَنُ إِلَى جَوْفِ الطِّفْل مَهْمَا كَانَ قَدْرُهُ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ (٣)﴾ .

وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ ﷾ عَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِاسْمِ الرَّضَاعِ، فَحَيْثُ وُجِدَ وُجِدَ حُكْمُهُ،

_________

(١) المغني ٨ / ٥٣٩، ٥٤٠

(٢) المصادر السابقة.

(٣) سورة النساء / ٢٣.

وَوَرَدَ الْحَدِيثُ مُوَافِقًا لِلآْيَةِ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (١) حَيْثُ أَطْلَقَ الرَّضَاعَ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا، وَلِحَدِيثِ كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا (٢) وَلَمْ يَسْتَفْصِل عَنْ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْقَوْل الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ مَا دُونَ خَمْسِ رَضَعَاتٍ لاَ يُؤَثِّرُ فِي التَّحْرِيمِ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ ﵃ وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِل مِنَ الْقُرْآنِ (عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ) ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ (٤) .

وَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ نَسْخَ تِلاَوَةِ ذَلِكَ تَأَخَّرَ جِدًّا حَتَّى إِنَّهُ تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَعْضُ النَّاسِ لَمْ يَبْلُغْهُ نَسْخُ تِلاَوَتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ نَسْخُ تِلاَوَتِهِ تَرَكُوهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يُتْلَى مَعَ بَقَاءِ حُكْمِهِ،

_________

(١) حديث: " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " تقدم تخريجه ف / ٧.

(٢) حديث: " كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما؟ " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٥٢ - ط السلفية) من حديث عقبة بن الحارث.

(٣) بدائع الصنائع ٤ / ٨، الفواكه الدواني ٢ / ٨٨، حاشية الدسوقي ٢ / ٥٠٢، كشاف القناع ٥ / ٤٤٥ - ٤٤٦، بداية المجتهد ٢ / ٣١.

(٤) حديث عائشة: " كان فيما أنزل من القرآن " أخرجه مسلم (٢ / ١٠٧٥ - ط الحلبي) .