الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢
السَّابَّ كَفَرَ أَوَّلًا، فَهُوَ مُرْتَدٌّ، وَأَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَاجْتَمَعَتْ عَلَى قَتْلِهِ عِلَّتَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا تُوجِبُ قَتْلَهُ (١)
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ سَابَّ النَّبِيِّ ﷺ لاَ يُسْتَتَابُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَيُسْلِمَ (٢) .
حُكْمُ سَبِّ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
١٧ - مِنَ الأَْنْبِيَاءِ مَنْ هُمْ مَحَل اتِّفَاقٍ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ، فَمَنْ سَبَّهُمْ فَكَأَنَّمَا سَبَّ نَبِيَّنَا ﷺ وَسَابُّهُ كَافِرٌ، فَكَذَا كُل نَبِيٍّ مَقْطُوعٍ بِنُبُوَّتِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ (٣) .
وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِنُبُوَّتِهِ، فَمَنْ سَبَّهُ زُجِرَ، وَأُدِّبَ وَنُكِّل بِهِ، لَكِنْ لاَ يُقْتَل، صَرَّحَ بِهَذَا الْحَنَفِيَّةُ (٤) .
حُكْمُ سَبِّ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ:
١٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ ﵂، فَقَدْ كَذَّبَ صَرِيحَ الْقُرْآنِ الَّذِي نَزَل بِحَقِّهَا، وَهُوَ بِذَلِكَ كَافِرٌ (٥) قَال تَعَالَى فِي
_________
(١) السيف المسلول ورقة (٢)، ومنار السبيل ٢ / ٤٠٩.
(٢) الدسوقي ٤ / ٣٠٩.
(٣) ابن عابدين ٤ / ٢٣٥، والسيف المشهور ورقة (٢)، والشامل ٢ / ١٧١، والصارم المسلول ص ٥٧٠، والقليوبي ٤ / ١٧٥.
(٤) السيف المشهور ورقة (٢) .
(٥) ابن عابدين ٤ / ٢٣٧، وفتاوى السبكي ٢ / ٥٥٢، والإقناع ٤ / ٢٩٩، والخرشي ٨ / ٧٤، والصارم المسلول ٥٧١.
حَدِيثِ الإِْفْكِ بَعْدَ أَنْ بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ .
فَمَنْ عَادَ لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ (٢) .
وَهَل تُعْتَبَرُ مِثْلَهَا سَائِرُ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ؟ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّهُنَّ مِثْلُهَا فِي ذَلِكَ (٣) . وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ .
وَالطَّعْنُ بِهِنَّ يَلْزَمُ مِنْهُ الطَّعْنُ بِالرَّسُول ﷺ وَالْعَارُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ وَهُوَ مَذْهَبٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ: إِنَّهُنَّ - سِوَى عَائِشَةَ - كَسَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَسَابُّهُنَّ يُجْلَدُ، لأَِنَّهُ قَاذِفٌ (٥) .
أَمَّا سَابُّ الْخُلَفَاءِ فَهُوَ لاَ يَكْفُرُ، وَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ (٦) .
حُكْمُ مَنْ قَال لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ:
١٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال
_________
(١) سورة النور / ١٧.
(٢) الصارم المسلول / ٥٧١.
(٣) السيف المشهور ورقة (٢)، والسيف المسلول ورقة ٨٢، والصارم المسلول ٥٧١.
(٤) سورة النور / ٢٦.
(٥) أسنى المطالب ٤ / ١١٧، وانظر المراجع السابقة.
(٦) ابن عابدين ٤ / ٢٣٦ - ٢٣٧.
رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيُّمَا امْرِئٍ قَال لأَِخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَال، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ (١)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِفِسْقِ الْقَائِل. قَال السَّمَرْقَنْدِيُّ: وَأَمَّا التَّعْزِيرُ فَيَجِبُ فِي جِنَايَةٍ لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ لِلْحَدِّ، بِأَنْ قَال: يَا كَافِرُ، أَوْ يَا فَاسِقُ، أَوْ يَا فَاجِرُ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ مَنْ أَطْلَقَ الشَّارِعُ كُفْرَهُ، مِثْل قَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُول فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِل عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ (٣) .
فَهَذَا كُفْرٌ لاَ يُخْرِجُ عَنِ الإِْسْلاَمِ بَل هُوَ تَشْدِيدٌ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا وَلَوْ لِذَنْبِهِ كَفَرَ؛ لأَِنَّهُ سَمَّى الإِْسْلاَمَ كُفْرًا، وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ: مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَال عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ (٤) . أَيْ رَجَعَ عَلَيْهِ هَذَا إِنْ كَفَّرَهُ بِلاَ تَأْوِيلٍ لِلْكُفْرِ بِكُفْرِ النِّعْمَةِ أَوْ نَحْوِهِ وَإِلاَّ فَلاَ يَكْفُرُ، وَهَذَا مَا نَقَلَهُ الأَْصْل عَنِ الْمُتَوَلِّي،
_________
(١) حديث: " أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر. . . " أخرجه مسلم (١ / ٧٩ - ط الحلبي) .
(٢) تحفة الفقهاء ٣ / ٢٣١، الإقناع ٤ / ٢٩٧، والفروع ٢ / ١٦١.
(٣) حديث: " من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد. . . . " أخرجه أحمد (٢ / ٤٢٩ - ط الميمنية) من حديث أبي هريرة، وقال الذهبي: " إسناده قوي " كذا في فيض القدير ٦ / ٢٣ - ط المكتبة التجارية) .
(٤) حديث: " من دعا رجلًا بالكفر. . . " أخرجه مسلم ١ / ٨٠، ط الحلبي) من حديث أبي ذر.
وَأَقَرَّهُ، وَالأَْوْجَهُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْخَبَرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِل فَلاَ يَكْفُرُ غَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْلُهُ فِي أَذْكَارِهِ أَنَّ ذَلِكَ يُحَرَّمُ تَحْرِيمًا مُغَلَّظًا (١) .
مَا يُوجِبُ الرِّدَّةَ مِنَ الأَْفْعَال:
٢٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِلْقَاءَ الْمُصْحَفِ كُلِّهِ فِي مَحَلٍّ قَذِرٍ يُوجِبُ الرِّدَّةَ؛ لأَِنَّ فِعْل ذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ بِكَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ أَمَارَةُ عَدَمِ التَّصْدِيقِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: وَكَذَا إِلْقَاءُ بَعْضِهِ. وَكَذَا كُل فِعْلٍ يَدُل عَلَى الاِسْتِخْفَافِ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (٣) .
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ، أَوْ لِلشَّمْسِ، أَوْ لِلْقَمَرِ فَقَدْ كَفَرَ (٤) .
وَمَنْ أَتَى بِفِعْلٍ صَرِيحٍ فِي الاِسْتِهْزَاءِ بِالإِْسْلاَمِ، فَقَدْ كَفَرَ. قَال بِهَذَا الْحَنَفِيَّةُ (٥) وَدَلِيلُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا
_________
(١) أسنى المطالب ٤ / ١١٨ - ط المكتبة الإسلامية.
(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٢٢، والقليوبي ٤ / ١٧٤، والإعلام ٢ / ٣٨، وكفاية الأخيار ٢ / ٢٠١، ومنار السبيل ٢ / ٤٠٤، وشرح منح الجليل ٤ / ٤٦١، والخرشي ٨ / ٦٢.
(٣) الإعلام ٢ / ٣٨، وشرح منح الجليل ٤ / ٤٦١، وشرح الخرشي ٨ / ٦٢.
(٤) ابن عابدين ٤ / ٢٢٢، القليوبي ٤ / ١٧٤، والإنصاف ١٠ / ٣٢٦، والشامل لبهرام ٢ / ١٧٠.
(٥) ابن عابدين ٤ / ٢٢٢.
كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (١)﴾ .
الرِّدَّةُ لِتَرْكِ الصَّلاَةِ:
٢١ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ جَاحِدًا لَهَا يَكُونُ مُرْتَدًّا (٢)، وَكَذَا الزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ؛ لأَِنَّهَا مِنَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ (٣) .
وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلاَةِ كَسَلًا فَفِي حُكْمِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: يُقْتَل رِدَّةً، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَأَبِي عَمْرٍو، وَالأَْوْزَاعِيِّ، وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ، وَحَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ.
_________
(١) سورة التوبة / ٦٥.
(٢) ابن القيم في كتابه: " الصلاة وحكم تاركها ".
(٣) ابن عابدين ١ / ٣٥٢ - ٣٥٣، ورسالة بدر الرشيد ورقة (٨)، وعمدة القاري ٢٤ / ٨١، والإنصاف ١ / ٤٠١، ١٠ / ٣٢٧، والمغني ٨ / ٥٤٧، والإقناع ١ / ٧١، ومنتهى الإرادات ١ / ٥٢، ٢ / ٢٩٩.
وَالْقَوْل الثَّانِي: يُقْتَل حَدًّا لاَ كُفْرًا، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (١) .
وَالْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ كَسَلًا يَكُونُ فَاسِقًا وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) .
جِنَايَاتُ الْمُرْتَدِّ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ:
٢٢ - جِنَايَاتُ الْمُرْتَدِّ عَلَى غَيْرِهِ لاَ تَخْلُو: إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَكُلٌّ مِنْهَا، إِمَّا أَنْ تَقَعَ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ، أَوْ مُسْتَأْمَنٍ، أَوْ مُرْتَدٍّ مِثْلِهِ.
وَهَذِهِ الْجِنَايَاتُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى النَّفْسِ بِالْقَتْل، أَوْ عَلَى مَا دُونَهَا، كَالْقَطْعِ وَالْجَرْحِ، أَوْ عَلَى الْعِرْضِ كَالزِّنَى وَالْقَذْفِ، أَوْ عَلَى الْمَال كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ. وَهَذِهِ الْجِنَايَاتُ قَدْ تَقَعُ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، ثُمَّ يَهْرُبُ الْمُرْتَدُّ إِلَى بِلاَدِ الْحَرْبِ، أَوْ لاَ يَهْرُبُ، أَوْ تَقَعُ فِي بِلاَدِ الْحَرْبِ، ثُمَّ يَنْتَقِل الْمُرْتَدُّ إِلَى بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ.
وَقَدْ تَقَعُ مِنْهُ هَذِهِ كُلُّهَا فِي إِسْلاَمِهِ، أَوْ رِدَّتِهِ، وَقَدْ يَسْتَمِرُّ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يَعُودُ مُسْلِمًا، وَقَدْ تَقَعُ مِنْهُ مُنْفَرِدًا، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ، أَوْ أَهْل بَلَدٍ.
وَمِثْل هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَال فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ.
_________
(١) كتاب الصلاة لابن القيم ٤٢، القليوبي وعميرة ١ / ٣١٩، كفاية الأخيار ٢ / ٢٠٤، والمغني ٨ / ٤٤٤، والشرح الصغير ١ / ٢٣٨.
(٢) ابن عابدين ١ / ٣٥٢ - ٣٥٣
جِنَايَةُ الْمُرْتَدِّ عَلَى النَّفْسِ:
٢٣ - إِذَا قَتَل مُرْتَدٌّ مُسْلِمًا عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، اتِّفَاقًا (١) .
أَمَّا إِذَا قَتَل الْمُرْتَدُّ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا عَمْدًا فَيُقْتَل بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) وَالْحَنَابِلَةِ (٣) وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ (٤)؛ لأَِنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الذِّمِّيِّ، إِذِ الْمُرْتَدُّ مُهْدَرُ الدَّمِ وَلاَ تَحِل ذَبِيحَتُهُ، وَلاَ مُنَاكَحَتُهُ، وَلاَ يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ.
وَلاَ يُقْتَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيِّ لِبَقَاءِ عُلْقَةِ الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ (٥) .
وَإِذَا قَتَل الْمُرْتَدُّ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا خَطَأً وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَلاَ تَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَالدِّيَةُ يُشْتَرَطُ لَهَا عِصْمَةُ الدَّمِ لاَ الإِْسْلاَمُ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٧ / ٢، والبدائع ٧ / ٢٣٣، والمغني ٨ / ٢٥٥، ٥٥٤، والإقناع ٤ / ٣٠٦، والهداية للكلوذاني ٢٠٢، والأم ٦ / ١٥٣، ومنح الجليل ٤ / ٤٦٧، والخرشي ٨ / ٦٦.
(٢) المسلم يقتل بالذمي عند الحنفية، فمن باب أولى أن يقتل به المرتد. البدائع ٧ / ٢٣٧ والفتاوى الهندية ٧ / ٣.
(٣) المغني ٨ / ٢٥٥، والإقناع ٤ / ١٧٥.
(٤) الأم ٦ / ٣٣، وعدم المكافأة يتأتى من أن المرتد لا يقر على ردته، بل يحمل على الإسلام، والشامل لابن الصباغ ٦ / ١٤، ومغني المحتاج ٤ / ١٦.
(٥) الشامل لبهرام ٨ / ٧١، والخرشي ٨ / ٦٦، ومنح الجليل ٤ / ٤٦٧، ومغني المحتاج ٤ / ١٦.
عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ حَل دَمُهُ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ أَهْل الْحَرْبِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّ بَيْتَ الْمَال يَأْخُذُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِمَّنْ جَنَى فَكَمَا يَأْخُذُ مَالَهُ يَغْرَمُ عَنْهُ. وَهَذَا إِنْ لَمْ يَتُبْ. فَإِنْ تَابَ فَقِيل: فِي مَالِهِ، وَقِيل: عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقِيل: عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقِيل: عَلَى مَنِ ارْتَدَّ إِلَيْهِمْ (٢) .
جِنَايَةُ الْمُرْتَدِّ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ:
٢٤ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ فَرْقَ فِي جِنَايَةِ الْمُرْتَدِّ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهَا، وَلاَ يُقْتَل الْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِزِيَادَتِهِ عَلَى الذِّمِّيِّ بِالإِْسْلاَمِ الْحُكْمِيِّ.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُقْتَل الْمُرْتَدُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ. وَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ أَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِيهِ أَيْضًا.
وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لاَ يُقْتَل الْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ وَلاَ يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ؛ لأَِنَّ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ فِي حَقِّهِ بَاقِيَةٌ بِدَلِيل وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ وَمُطَالَبَتِهِ بِالإِْسْلاَمِ.
_________
(١) المبسوط ١ / ١٠٨، وابن عابدين ٤ / ٢٥٢، والشامل لابن الصباغ ٦ / ٦٦، والأم ٦ / ١٥٣، والمغني ٨ / ٥٥٤، والإقناع ٤ / ٣٠٦.
(٢) الخرشي ٨ / ٦٦، والبدائع ٧ / ٢٥٢، والشامل لبهرام ٢ / ١٧١.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَنَا: أَنَّهُ كَافِرٌ فَيُقْتَل بِالذِّمِّيِّ كَالأَْصْلِيِّ.
وَفِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: الأَْظْهَرُ قَتْل الْمُرْتَدِّ بِالذِّمِّيِّ لاِسْتِوَائِهِمَا فِي الْكُفْرِ. بَل الْمُرْتَدُّ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الذِّمِّيِّ لأَِنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ فَأَوْلَى أَنْ يُقْتَل بِالذِّمِّيِّ (١) .
زِنَى الْمُرْتَدِّ:
٢٥ - إِذَا زَنَى مُرْتَدٌّ أَوْ مُرْتَدَّةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا جُلِدَ. وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا فَفِي زَوَال الإِْحْصَانِ بِرِدَّتِهِ خِلاَفٌ. أَسَاسُهُ الْخِلاَفُ فِي شُرُوطِ الإِْحْصَانِ، هَل مِنْ بَيْنِهَا الإِْسْلاَمُ أَمْ لاَ؟
قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: مَنِ ارْتَدَّ بَطَل إِحْصَانُهُ، إِلاَّ أَنْ يَتُوبَ أَوْ يَتَزَوَّجَ ثَانِيَةً (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ: إِنَّ الرِّدَّةَ لاَ تُؤَثِّرُ فِي الإِْحْصَانِ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ (٣) .
_________
(١) العدوي على الخرشي ٨ / ٦٦، ومنح الجليل ٤ / ٤٦٧، والمواق بهامش الحطاب ٦ / ٢٨٢، والمغني ٧ / ٦٥٧ - ٦٥٨ و٨ / ١٤٩، ومغني المحتاج ٤ / ١٦ - ١٧، والمهذب ٢ / ٢٢٥، وينظر البدائع ٧ / ١٣٧ - ٢٣٦، ٢٥٣
(٢) التحفة ٣ / ٢١٥، والخرشي ٨ / ٦٨، ومنح الجليل ٤ / ٤٧٢.
(٣) الشامل للصباغ ٦ / ١٥، وكفاية الأخيار ٢ / ١٧٩، والإنصاف ١٠ / ٣٣٧، والهداية للكلوذاني ٢٠٤، والتحفة ٣ / ٢١٥.
قَذْفُ الْمُرْتَدِّ غَيْرَهُ:
٢٦ - إِذَا قَذَفَ الْمُرْتَدُّ غَيْرَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِشُرُوطِهِ، إِلاَّ أَنْ يَحْصُل مِنْهُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَيْثُ لاَ سُلْطَةَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَالْقَضِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى شَرَائِطِ الْقَذْفِ، وَلَيْسَ مِنْ بَيْنِهَا إِسْلاَمُ الْقَاذِفِ (١) .
إِتْلاَفُ الْمُرْتَدِّ الْمَال:
٢٧ - إِذَا اعْتَدَى مُرْتَدٌّ عَلَى مَال غَيْرِهِ - فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ - فَهُوَ ضَامِنٌ بِلاَ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّ الرِّدَّةَ جِنَايَةٌ، وَهِيَ لاَ تَمْنَحُ صَاحِبَهَا حَقَّ الاِعْتِدَاءِ (٢) .
السَّرِقَةُ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ:
٢٨ - إِذَا سَرَقَ الْمُرْتَدُّ مَالًا، أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ مُؤَاخَذٌ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ السَّرِقَةِ أَوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ الإِْسْلاَمُ. لِذَا فَالْمُسْلِمُ وَالْمُرْتَدُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (٣) .
مَسْئُولِيَّةُ الْمُرْتَدِّ عَنْ جِنَايَاتِهِ قَبْل الرِّدَّةِ:
٢٩ - إِذَا جَنَى مُسْلِمٌ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْجَانِي
_________
(١) البدائع ٧ / ٤٠، ٤٥، والخرشي ٨ / ٦٦، وكفاية الأخيار ٢ / ١٨٤
(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٥٢، والكافي ٣ / ١٦٣، والخرشي المالكي ٨ / ٦٦، والشامل ٦ / ٦٠٢، والهداية للكلوذاني ٢٠٢، والشامل لابن الصباغ ٦ / ١٠٢.
(٣) ابن عابدين ٤ / ٢٥٢.