الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

الْمُسْتَعِيرِ (١) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (٢) .

وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا إِلَى أَنَّ مُؤْنَةَ رَدِّ الْمَغْصُوبِ عَلَى الْغَاصِبِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ صَاحِبِهِ لاَعِبًا أَوْ جَادًّا، وَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرْدُدْهَا عَلَيْهِ (٣) وَلأَِنَّ الْمُؤْنَةَ مِنْ ضَرُورَاتِ الرَّدِّ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ كَمَا فِي رَدِّ الْعَارِيَّةِ (٤) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (مُؤْنَة)

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥٠٥ ط دار إحياء التراث العربي، مواهب الجليل ٥ / ٢٧٣ ط دار الفكر الطبعة الثانية ١٩٧٨ م، قليوبي وعميرة ٣ / ٢٠ ط عيسى البابي الحلبي، كشاف القناع ٤ / ٧٣ ط عالم الكتب ١٩٨٣ م.

(٢) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " سبق تخريجه ف / ٣.

(٣) حديث: " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه. . . " أخرجه أحمد (٤ / ٢٢١ - ط الميمنية) من حديث يزيد بن السائب، وحسنه البيهقي كما في التلخيص الحبير (٣ / ٤٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٤) بدائع الصنائع ٧ / ١٤٨ دار الكتاب العربي ١٩٨٢ م، البهجة في شرح التحفة ٢ / ٣٤٥ ط مصطفى البابي الحلبي ١٩٥١م، الطبعة الثانية، نهاية المحتاج ٥ / ١٠٥ ط مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧ م، كشاف القناع ٤ / ٧٨ ط عالم الكتب ١٩٨٣ م.

رِدَّةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الرِّدَّةُ لُغَةً: الرُّجُوعُ عَنِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ الرِّدَّةُ عَنِ الإِْسْلاَمِ.

يُقَال: ارْتَدَّ عَنْهُ ارْتِدَادًا أَيْ تَحَوَّل. وَالاِسْمُ الرِّدَّةُ، وَالرِّدَّةُ عَنِ الإِْسْلاَمِ: الرُّجُوعُ عَنْهُ. وَارْتَدَّ فُلاَنٌ عَنْ دِينِهِ إِذَا كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: (الرِّدَّةُ: كُفْرُ الْمُسْلِمِ بِقَوْلٍ صَرِيحٍ أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ (٢» .

شَرَائِطُ الرِّدَّةِ:

٢ - لاَ تَقَعُ الرِّدَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِ إِلاَّ إِذَا تَوَفَّرَتْ شَرَائِطُ الْبُلُوغِ وَالْعَقْل وَالاِخْتِيَارِ (٣) .

_________

(١) الجمهرة ولسان العرب والصحاح وتاج العروس ومتن اللغة والمعجم الوسيط.

(٢) تحفة الفقهاء ٧ / ١٣٤، والقليوبي وعميرة ٤ / ١٧٤، وحاشية الباجوري ٢ / ٣٢٨، ومنح الجليل ٤ / ٤٦١، وشرح الخرشي المالكي ٨ / ٦٢، وهداية الراغب ٤٣٧، والمغني لابن قدامة الحنبلي ٨ / ٥٤٠، ومنتهى الإرادات لابن النجار ٢ / ٤٩٨.

(٣) البدائع ٧ / ١٣٤، المهذب ٢ / ٢٢٢، فيض الإله المالك ٢ / ٣٠٥، الفروع ٢ / ١٦٠

رِدَّةُ الصَّبِيِّ:

٣ - رِدَّةُ الصَّبِيِّ لاَ تُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، وَقَوْلٌ لأَِحْمَدَ (١) .

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى وَمُحَمَّدٌ: يُحْكَمُ بِرِدَّةِ الصَّبِيِّ اسْتِحْسَانًا (٢)، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ (٣) .

الْمُرْتَدُّ قَبْل الْبُلُوغِ لاَ يُقْتَل:

٤ - ذَهَبَ الْقَائِلُونَ بِوُقُوعِ رِدَّةِ الصَّبِيِّ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَل قَبْل بُلُوغِهِ (٤) .

وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِنَّ الصَّبِيَّ إِذَا ارْتَدَّ لاَ يُقْتَل حَتَّى بَعْدَ بُلُوغِهِ، قَال فِي الأُْمِّ: (فَمَنْ أَقَرَّ بِالإِْيمَانِ قَبْل الْبُلُوغِ وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا، ثُمَّ ارْتَدَّ قَبْل الْبُلُوغِ أَوْ بَعْدَهُ، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَلاَ

_________

(١) المبسوط ١٠ / ١٢٢، وابن عابدين ٤ / ٢٥٧، ورحمة الأمة ص ٢٩٦، والمغني لابن قدامة ٨ / ٥٥١، والإنصاف ١٠ / ٣٢٩.

(٢) المبسوط ١٠ / ٦٢٢ (يحكم بردته استحسانًا لعلته لا لحكمه) . ويلاحظ أيضًا كشف الأسرار للبزدوي ٤ / ١٣٧١.

(٣) المغني ٨ / ٥٥١، والإنصاف ١٠ / ٣٢٩، جواهر الإكليل ١ / ٢١، ١١٦

(٤) المبسوط ١٠ / ١٢٢، والتحفة ٤ / ٥٣٠، والبدائع ٧ / ١٣٥، والهداية ٢ / ١٢٦، وابن عابدين ٤ / ٢٥٧، والإنصاف ١٠ / ٣٢٠، ومنار السبيل ٢ / ٤٠٧، والمغني ٨ / ٥٥١.

يُقْتَل؛ لأَِنَّ إِيمَانَهُ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ بَالِغٌ، وَيُؤْمَرُ بِالإِْيمَانِ، وَيُجْهَدُ عَلَيْهِ بِلاَ قَتْلٍ (١» .

رِدَّةُ الْمَجْنُونِ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ صِحَّةَ لإِسْلاَمِ مَجْنُونٍ وَلاَ لِرِدَّتِهِ (٢) .

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ تَبْقَى سَائِرَةً عَلَيْهِ (٣) .

لَكِنْ إِنْ كَانَ يُجَنُّ سَاعَةً وَيُفِيقُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ فِي إِفَاقَتِهِ وَقَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي جُنُونِهِ لاَ تَقَعُ، كَمَا نَقَل ذَلِكَ الْكَاسَانِيُّ (٤) .

رِدَّةُ السَّكْرَانِ:

٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّ رِدَّةَ السَّكْرَانِ لاَ تُعْتَبَرُ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْنَى عَلَى الاِعْتِقَادِ، وَالسَّكْرَانُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِمَا يَقُول (٥) .

وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ،

_________

(١) الأم ٦ / ٦٤٩.

(٢) البدائع ٧ / ٦٣٤، الإقناع ٤ / ٣٠١، الكافي لابن قدامة ٣ / ١٥٥، المهذب ٢ / ٢٢٢، والأم ٦ / ١٤٨، والشامل ٢ / ١٥٩ و٦ / ١٠٢، والقليوبي وعميرة ٤ / ١٧٦.

(٣) المراجع السابقة.

(٤) البدائع ٧ / ١٣٤.

(٥) المبسوط ١٠ / ١٢٣، وتحفة الفقهاء ٤ / ٥٣٢، والبدائع ٧ / ١٣٤، وابن عابدين ٤ / ٢٢٤، والمهذب ٢ / ٢٢٢، والقليوبي ٤ / ١٧٦.

وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى وُقُوعِ رِدَّةِ السَّكْرَانِ، وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ الصَّحَابَةَ أَقَامُوا حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى السَّكْرَانِ، وَأَنَّهُ يَقَعُ طَلاَقُهُ، فَتَقَعُ رِدَّتُهُ، وَأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَأَنَّ عَقْلَهُ لاَ يَزُول كُلِّيًّا، فَهُوَ أَشْبَهُ بِالنَّاعِسِ مِنْهُ بِالنَّائِمِ أَوِ الْمَجْنُونِ (١) .

الْمُكْرَهُ عَلَى الرِّدَّةِ:

٧ - الإِْكْرَاهُ: اسْمٌ لِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ بِغَيْرِهِ، فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ، أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْعَدِمَ بِهِ أَهْلِيَّتُهُ، أَوْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْخِطَابُ (٢) .

وَالإِْكْرَاهُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُوجِبُ الإِْلْجَاءَ وَالاِضْطِرَارَ طَبْعًا، كَالإِْكْرَاهِ بِالْقَتْل أَوِ الْقَطْعِ أَوِ الضَّرْبِ الَّذِي يُخَافُ فِيهِ تَلَفُ النَّفْسِ أَوِ الْعُضْوِ، قَل الضَّرْبُ أَوْ كَثُرَ. وَهَذَا النَّوْعُ يُسَمَّى إِكْرَاهًا تَامًّا.

وَنَوْعٌ لاَ يُوجِبُ الإِْلْجَاءَ وَالاِضْطِرَارَ، وَهُوَ الْحَبْسُ أَوِ الْقَيْدُ أَوِ الضَّرْبُ الَّذِي لاَ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الإِْكْرَاهِ يُسَمَّى إِكْرَاهًا نَاقِصًا (٣) .

٨ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَأَتَى بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، لَمْ يَصِرْ كَافِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى

_________

(١) الإنصاف ١٠ / ٣٣١، والمغني ٨ / ٥٦٣، والأم ٦ / ١٤٨، والشامل ٦ / ١٠٢، والقليوبي ٦ / ١٧٦.

(٢) المبسوط ٢٤ / ٣٨، البدائع ٧ / ١٧٥، ومرآة الأصول ص ٣٥٩.

(٣) البدائع ٧ / ١٧٠، المجلة (المادة ٩٤٩) .

: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ (١)﴾ .

وَمَا نُقِل مِنْ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ ﵄ حَمَلَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَا يَكْرَهُ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال لَهُ: إِنْ عَادُوا فَعُدْ (٢)، وَهَذَا فِي الإِْكْرَاهِ التَّامِّ (٣) .

٩ - وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الإِْسْلاَمِ فَأَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ قَبْل أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى الإِْسْلاَمِ طَوْعًا، مِثْل أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الإِْسْلاَمِ بَعْدَ زَوَال الإِْكْرَاهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ إِكْرَاهُهُمْ عَلَى الإِْسْلاَمِ - وَهُمْ أَهْل الذِّمَّةِ وَالْمُسْتَأْمَنُونَ - فَلاَ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا، وَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ وَلاَ إِجْبَارُهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ إِسْلاَمِهِ ابْتِدَاءً.

أَمَّا إِنْ كَانَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الإِْسْلاَمِ مِمَّنْ يَجُوزُ إِكْرَاهُهُ وَهُوَ الْحَرْبِيُّ وَالْمُرْتَدُّ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا بِرُجُوعِهِ عَنِ الإِْسْلاَمِ، وَيُطَبَّقُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ (٤) .

_________

(١) سورة النحل / ١٠٦.

(٢) حديث: " إن عادوا فعد " أخرجه ابن سعد (٣ / ٢١٩ - ط دار صادر) من حديث محمد بن عمار مرسلًا.

(٣) المبسوط ١٠ / ٦٢٣، وابن عابدين ٤ / ٢٢٤، والأم ٦ / ٦٥٢، والشامل ٦ / ١٤٨، وشرح الأنصاري ٤ / ٢٤٩، ومنح الجليل ٤ / ٤٠٧، والمغني ٨ / ٥٦١، والإقناع ٤ / ٣٠٦.

(٤) المبسوط ١٠ / ١٢٣، والبدائع ٧ / ١١٠، ١١١، وابن عابدين ٤ / ٢٤٦، ومواهب الجليل ٨ / ٢٨٢، الزرقاني ٨ / ٦٨، والشامل ٦ / ٦٤٨، والمغني ٨ / ٥٦٠، والإقناع ٤ / ٣٠٤، وكشاف القناع ٦ / ١٨٠ ط الرياض.

مَا تَقَعُ بِهِ الرِّدَّةُ:

١٠ - تَنْقَسِمُ الأُْمُورُ الَّتِي تَحْصُل بِهَا الرِّدَّةُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:

أ - رِدَّةٌ فِي الاِعْتِقَادِ.

ب - رِدَّةٌ فِي الأَْقْوَال.

ج - رِدَّةٌ فِي الأَْفْعَال.

د - رِدَّةٌ فِي التَّرْكِ.

إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الأَْقْسَامَ تَتَدَاخَل، فَمَنِ اعْتَقَدَ شَيْئًا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَرْكٍ.

مَا يُوجِبُ الرِّدَّةَ مِنْ الاِعْتِقَادِ:

١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، أَوْ جَحَدَهُ، أَوْ نَفَى صِفَةً ثَابِتَةً مِنْ صِفَاتِهِ، أَوْ أَثْبَتَ لِلَّهِ الْوَلَدَ فَهُوَ مُرْتَدٌّ كَافِرٌ (١) .

وَكَذَلِكَ مَنْ قَال بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ، أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ (٢) . وَدَلِيلُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُل شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ (٣)﴾ .

وَقَال ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: (لأَِنَّ حُدُوثَ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٢٣، والقليوبي وعميرة ٤ / ١٧٤، والشامل ٢ / ١٧، ومنح الجليل ٤ / ٤٦١، والدسوقي ٤ / ٣٠٢، والإقناع ٤ / ٢٩٧، والإنصاف ١٠ / ٣٢٦، المغني ٨ / ٥٦٥.

(٢) منح الجليل ٤ / ٤٦٢، والشامل ٢ / ١٠٢، وكفاية الأخيار ٢ / ٢٠٢، والعدة ٤ / ٣٠٠.

(٣) سورة القصص / ٨٨.

الْعَالَمِ مِنْ قَبِيل مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الإِْجْمَاعُ وَالتَّوَاتُرُ، بِالنَّقْل عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، فَيَكْفُرُ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِ النَّقْل الْمُتَوَاتِرَ (١» .

١٢ - وَيَكْفُرُ مَنْ جَحَدَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ (٢)، وَلَوْ كَلِمَةً. وَقَال الْبَعْضُ: بَل يَحْصُل الْكُفْرُ بِجَحْدِ حَرْفٍ وَاحِدٍ (٣) . كَمَا يَقَعُ الْكُفْرُ بِاعْتِقَادِ تَنَاقُضِهِ وَاخْتِلاَفِهِ، أَوِ الشَّكِّ بِإِعْجَازِهِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى مِثْلِهِ، أَوْ إِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ (٤)، أَوِ الزِّيَادَةِ فِيهِ (٥) .

أَمَّا تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ وَتَأْوِيلُهُ، فَلاَ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ، وَلاَ رَادُّهُ؛ لأَِنَّهُ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ مِنْ فِعْل الْبَشَرِ.

وَقَدْ نَصَّ ابْنُ قُدَامَةَ عَلَى أَنَّ اسْتِحْلاَل دِمَاءِ الْمَعْصُومِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، إِنْ جَرَى بِتَأْوِيل الْقُرْآنِ - كَمَا فَعَل الْخَوَارِجُ - لَمْ يَكْفُرْ صَاحِبُهُ (٦) . وَلَعَل السَّبَبَ أَنَّ الاِسْتِحْلاَل جَرَى بِاجْتِهَادٍ خَاطِئٍ، فَلاَ يَكْفُرُ صَاحِبُهُ.

١٣ - وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا مَنِ اعْتَقَدَ كَذِبَ

_________

(١) العدة ٤ / ٣٠٠، وابن عابدين ٤ / ٢٢٣، والإقناع ٤ / ٢٩٧، والإنصاف ١٠ / ٣٢٧، والفروع ٢ / ١٥٩، ومنار السبيل ٢ / ٤٠٤.

(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٢٤، ٢٣٠، والمغني ٨ / ٥٤٨، والإقناع ٤ / ٢٩٧، وفتاوى السبكي ٢ / ٥٧٧.

(٣) الإعلام بقواطع الإسلام ٢ / ٤٢، إقامة البرهان ص ١٣٩.

(٤) ابن عابدين ٤ / ٢٢٢.

(٥) الفروع ٢ / ١٥٩، والإقناع ٤ / ٢٩٧، والآداب ٢ / ٢٩٨.

(٦) المغني ٨ / ٥٤٨.

النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ، وَمَنِ اعْتَقَدَ حِل شَيْءٍ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ، كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ أَنْكَرَ أَمْرًا مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ (١) .

حُكْمُ سَبِّ اللَّهِ تَعَالَى:

١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى كَفَرَ، سَوَاءٌ كَانَ مَازِحًا أَوْ جَادًّا أَوْ مُسْتَهْزِئًا (٢) .

وَقَدْ قَال تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٣)﴾ .

وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُول تَوْبَتِهِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (٤) وَالْحَنَابِلَةُ (٥) إِلَى قَبُولِهَا، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٦) .

وَلَمْ نَجِدْ لِلشَّافِعِيَّةِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الرِّدَّةِ بِذَلِكَ وَبَيْنَ الرِّدَّةِ بِغَيْرِهِ.

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٣٠، والمغني ٨ / ٥٤٨، والإقناع ٤ / ٢٩٧، وفتاوى السبكي ٢ / ٥٧٧.

(٢) نيل الأوطار ٨ / ١٩٤ - ١٩٥، والسيف المشهور ورقة (٢)، والمغني ٨ / ٥٦٥، والفروع ٢ / ١٦٠، والخرشي ٨ / ٧٤، والصارم المسلول ص ٥٥٠، والشروط العمرية ص ١٤١.

(٣) سورة التوبة / ٦٥ - ٦٦

(٤) ابن عابدين ٤ / ٢٣٢.

(٥) المغني ٨ / ٥٦٥، والصارم المسلول ص ٥٥٠، ونقل ابن مفلح قبول التوبة بشرط أن لا تتكرر منه ثلاثًا (الفروع ٢ / ١٦٠) .

(٦) الخرشي ٨ / ٧٤.

حُكْمُ سَبِّ الرَّسُول ﷺ:

١٥ - السَّبُّ هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الاِنْتِقَادُ وَالاِسْتِخْفَافُ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ السَّبُّ فِي عُقُول النَّاسِ، عَلَى اخْتِلاَفِ اعْتِقَادَاتِهِمْ، كَاللَّعْنِ وَالتَّقْبِيحِ (١) .

وَحُكْمُ سَابِّهِ ﷺ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ بِلاَ خِلاَفٍ (٢) .

وَيُعْتَبَرُ سَابًّا لَهُ ﷺ كُل مَنْ أَلْحَقَ بِهِ ﷺ عَيْبًا أَوْ نَقْصًا، فِي نَفْسِهِ، أَوْ نَسَبِهِ، أَوْ دِينِهِ، أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ، أَوِ ازْدَرَاهُ، أَوْ عَرَّضَ بِهِ، أَوْ لَعَنَهُ (٣)، أَوْ شَتَمَهُ، أَوْ عَابَهُ، أَوْ قَذَفَهُ، أَوِ اسْتَخَفَّ بِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ (٤) .

هَل يُقْتَل السَّابُّ رِدَّةً أَمْ حَدًّا؟

١٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ (٥) وَالْحَنَابِلَةُ (٦) وَابْنُ تَيْمِيَّةَ (٧): إِنَّ سَابَّ النَّبِيِّ ﷺ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا، كَأَيِّ مُرْتَدٍّ؛ لأَِنَّهُ بَدَّل دِينَهُ فَيُسْتَتَابُ، وَتُقْبَل تَوْبَتُهُ.

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ - فِيمَا يَنْقُلُهُ السُّبْكِيُّ - فَيَرَوْنَ أَنَّ سَبَّ النَّبِيِّ ﷺ رِدَّةٌ وَزِيَادَةٌ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ

_________

(١) الصارم المسلول ص ٥٥٦.

(٢) ابن عابدين ٤ / ٢٣٢ - ٢٣٧، وفتاوى السبكي ٢ / ٥٧٣، والسيف المسلول ٤ - ١١، ٧٩، والشروط العمرية ص ٢١٤، والشامل ٢ / ١٧١.

(٣) السيف المسلول ورقة ٧٩.

(٤) الشامل ٢ / ١٧١.

(٥) ابن عابدين ٤ / ٢٣٣ - ٢٣٥، والسيف المشهور ورقة ٢.

(٦) الهداية للكلوذاني ورقة (٢٠٢) .

(٧) الصارم المسلول ص ٥٣، ٢٤٥، ٢٩٣، ٤٢٣، ٥٢٧.