الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 38

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

يَكُونُ مُؤَاخَذًا بِكُل مَا فَعَل سَوَاءٌ اسْتَمَرَّ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ تَابَ عَنْهَا (١) .

الاِرْتِدَادُ الْجَمَاعِيُّ:

٣٠ - الْمَقْصُودُ بِالاِرْتِدَادِ الْجَمَاعِيِّ: هُوَ أَنْ تُفَارِقَ الإِْسْلاَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ أَهْل بَلَدٍ. كَمَا حَدَثَ عَلَى عَهْدِ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁.

فَإِنْ حَصَل ذَلِكَ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِهِمْ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ بِأَهْل الرِّدَّةِ (٢) .

ثُمَّ اخْتَلَفُوا بِمَصِيرِ دَارِهِمْ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الأَْوَّل لِلْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ): إِذَا أَظْهَرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ فِيهَا، فَقَدْ صَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ حَرْبٍ؛ لأَِنَّ الْبُقْعَةَ إِنَّمَا تُنْسَبُ إِلَيْنَا، أَوْ إِلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ. فَكُل مَوْضِعٍ ظَهَرَ فِيهِ أَحْكَامُ الشِّرْكِ فَهُوَ دَارُ حَرْبٍ، وَكُل مَوْضِعٍ كَانَ الظَّاهِرُ فِيهِ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ، فَهُوَ دَارُ إِسْلاَمٍ.

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ إِنَّمَا تَصِيرُ دَارُ الْمُرْتَدِّينَ دَارَ حَرْبٍ بِثَلاَثِ شَرَائِطَ:

_________

(١) المبسوط ١ / ١٠٨، وابن عابدين ٤ / ٢٥٢، الأم ٦ / ١٥٣، والشامل لابن الصباغ ٦ / ١٤، والإقناع ٤ / ١٧٥ وقد قال بقتل المرتد، تقدمت ردته، أو تأخرت، منح الجليل ٤ / ٤٦٧، والمغني ٨ / ٥٦٤.

(٢) المبسوط ١٠ / ١١٣، والأم ٦ / ٣٢، ونيل الأوطار ٧ / ٢١٨.

أَوَّلًا: أَنْ تَكُونَ مُتَاخِمَةً أَرْضَ الشِّرْكِ، لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْضِ الْحَرْبِ دَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ.

ثَانِيًا: أَنْ لاَ يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ آمِنٌ بِإِيمَانِهِ، وَلاَ ذِمِّيٌّ آمِنٌ بِأَمَانِهِ.

ثَالِثًا: أَنْ يُظْهِرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ فِيهَا.

(فَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ تَمَامَ الْقَهْرِ وَالْقُوَّةِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْبَلْدَةَ كَانَتْ مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ مُحْرَزَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلاَ يَبْطُل ذَلِكَ الإِْحْرَازُ، إِلاَّ بِتَمَامِ الْقَهْرِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ بِاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ الثَّلاَثِ (١» .

الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُرْتَدِّ:

٣١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا ارْتَدَّ مُسْلِمٌ فَقَدْ أُهْدِرَ دَمُهُ، لَكِنَّ قَتْلَهُ لِلإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَمَنْ قَتَلَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عُزِّرَ فَقَطْ؛ لأَِنَّهُ افْتَاتَ عَلَى حَقِّ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ لَهُ (٢) .

وَأَمَّا إِذَا قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ مِنَ الذِّمِّيِّ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الآْخَرِ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنَ الذِّمِّيِّ (٣) .

_________

(١) المبسوط ١٠ / ١١٣، وابن عابدين ٤ / ١٧٤، والمغني ٨ / ٥٥٤، واختلاف الأئمة ٢٧٠، والإفصاح ٣٤٨

(٢) المبسوط ١٠ / ١٠٦، والفتاوى الهندية ٧ / ٣، والأم ٦ / ١٥٤، والإنصاف ٩ / ٤٦٢، والهداية لأبي الخطاب ٢٠٣، والشامل لبهرام ٢ / ١٥٨.

(٣) الشامل لبهرام ٢ / ١٥٨، منح الجليل ٤ / ٣٤٤، الإنصاف ٩ / ٤٦٢، البدائع ٧ / ٢٣٦، مغني المحتاج ٤ / ١٥، ١٦، ١٧

الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُرْتَدِّ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ:

٣٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْمُرْتَدِّ هَدَرٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ عِصْمَةَ لَهُ (١) .

أَمَّا إِذَا وَقَعَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى مُسْلِمٍ ثُمَّ ارْتَدَّ فَسَرَتْ وَمَاتَ مِنْهَا، أَوْ وَقَعَتْ عَلَى مُرْتَدٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَسَرَتْ وَمَاتَ مِنْهَا فَفِيهَا أَقْوَالٌ (٢) تُنْظَرُ فِي بَابِ " الْقِصَاصِ " مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.

قَذْفُ الْمُرْتَدِّ:

٣٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِ الْمُرْتَدِّ، لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ: أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ مُسْلِمًا (٣) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قَذْف)

ثُبُوتُ الرِّدَّةِ:

٣٤ - تَثْبُتُ الرِّدَّةُ بِالإِْقْرَارِ أَوْ بِالشَّهَادَةِ.

وَتَثْبُتُ الرِّدَّةُ عَنْ طَرِيقِ الشَّهَادَةِ، بِشَرْطَيْنِ:

أ - شَرْطُ الْعَدَدِ:

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الاِكْتِفَاءِ بِشَاهِدَيْنِ فِي

_________

(١) المبسوط ١٠ / ١٠٦، والفتاوى الهندية ٧ / ٣، الأم ٦ / ١٥٤، الإنصاف ٩ / ٤٦٢، الشامل لبهرام ٢ / ١٥٨.

(٢) ١٠ / ١٠٧، البدائع ٧ / ٢٥٣، والشامل ٢ / ١٥٩، والمغني ٨ / ٢٥٣.

(٣) البدائع ٧ / ٤٠، والتحفة ٣ / ٢٢٥، وكفاية الأخيار ٢ / ١٨٤، والإنصاف ١٠ / ٢٠٢، الأم ٦ / ١٥١.

ثُبُوتِ الرِّدَّةِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلاَّ الْحَسَنُ، فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ شَهَادَةَ أَرْبَعَةٍ (١) .

ب - تَفْصِيل الشَّهَادَةِ:

يَجِبُ التَّفْصِيل فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرِّدَّةِ بِأَنْ يُبَيِّنَ الشُّهُودُ وَجْهَ كُفْرِهِ، نَظَرًا لِلْخِلاَفِ فِي مُوجِبَاتِهَا، وَحِفَاظًا عَلَى الأَْرْوَاحِ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِثْبَات، وَشَهَادَة) .

وَإِذَا ثَبَتَتِ الرِّدَّةُ بِالإِْقْرَارِ وَبِالشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل.

وَإِنْ أَنْكَرَ الْمُرْتَدُّ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ اعْتُبِرَ إِنْكَارُهُ تَوْبَةً وَرُجُوعًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَيَمْتَنِعُ الْقَتْل فِي حَقِّهِ (٣) .

وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ وَلاَ يَنْفَعُهُ إِنْكَارُهُ، بَل يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَصِيرُ بِهِ الْكَافِرُ مُسْلِمًا (٤) .

اسْتِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ

حُكْمُهَا:

٣٥ - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ - فِي قَوْلٍ - وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَنَّ اسْتِتَابَةَ الْمُرْتَدِّ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. بَل مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا يُسْتَحَبُّ الإِْمْهَال، إِنْ طَلَبَ الْمُرْتَدُّ ذَلِكَ، فَيُمْهَل ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ (٥) .

_________

(١) المغني ٨ / ٥٥٧.

(٢) منح الجليل ٤ / ٤٦٥، الخرشي ٨ / ٦٤.

(٣) ابن عابدين ٤ / ٢٤٦.

(٤) مغني المحتاج ٤ / ١٣٨، المغني ٨ / ١٤٠.

(٥) التحفة ٣ / ٥٣٠، والبدائع ٧ / ١٣٤، والمبسوط ١٠ / ٩٨، وابن عابدين ٤ / ٢٢٥.

وَعِنْدَ مَالِكٍ تَجِبُ الاِسْتِتَابَةُ وَيُمْهَل ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ.

وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي أَظْهَرِ الأَْقْوَال يَجِبُ الاِسْتِتَابَةُ وَتَكُونُ فِي الْحَال فَلاَ يُمْهَل (٢) .

وَثَبَتَتْ الاِسْتِتَابَةُ بِمَا وَرَدَ أَنَّ امْرَأَةً يُقَال لَهَا أُمُّ رُومَانَ ارْتَدَّتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الإِْسْلاَمُ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلاَّ قُتِلَتْ (٣) . وَلأَِثَرٍ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ اسْتَتَابَ الْمُرْتَدَّ ثَلاَثًا (٤) .

كَيْفِيَّةُ تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ:

٣٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنِ الأَْدْيَانِ سِوَى الإِْسْلاَمِ، أَوْ عَمَّا انْتَقَل إِلَيْهِ بَعْدَ نُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَلَوْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ

_________

(١) لطائف الإشارات ١٣٦، وتفسير القرطبي ٣ / ٤٧، ورحمة الأمة ٢٦٩، والخرشي ٨ / ٦٥، ومنح الجليل ٤ / ٤٦٥، والشامل لبهرام ٢ / ١٧، والإنصاف ١٠ / ٣٢٨، وهداية الراغب ٥٣٨، ومنار السبيل ٢ / ٤٠٥.

(٢) الأم ٦ / ٣٢، والمهذب ٢ / ٢٢٣، ومغني المحتاج ٤ / ١٣٩، ١٤٠

(٣) حديث: " ورد أن امرأة يقال لها: أم رومان ارتدت " أخرجه الدارقطني (٣ / ١١٨ - ط دار المحاسن)، وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص ٤ / ٤٩ - ط شركة الطباعة الفنية.

(٤) المراجع السابقة.

الْعَادَةِ أَوْ بِدُونِ التَّبَرِّي لَمْ يَنْفَعْهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَمَّا قَال إِذْ لاَ يَرْتَفِعُ بِهِمَا كُفْرُهُ.

قَالُوا: إِنْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى مُسْلِمٍ بِالرِّدَّةِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لاَ يُتَعَرَّضْ لَهُ لاَ لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ، بَل لأَِنَّ إِنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ، فَيَمْتَنِعُ الْقَتْل فَقَطْ وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الإِْنْكَارُ مَعَ الإِْقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ (١) .

وَإِذَا نَطَقَ الْمُرْتَدُّ بِالشَّهَادَتَيْنِ: صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ (٢)، لِقَوْلِهِ ﵊: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (٣) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَيْثُ إِنَّ الشَّهَادَةَ يَثْبُتُ بِهَا إِسْلاَمُ الْكَافِرِ الأَْصْلِيِّ فَكَذَا الْمُرْتَدُّ. فَإِذَا ادَّعَى الْمُرْتَدُّ الإِْسْلاَمَ، وَرَفَضَ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، لاَ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٤٦.

(٢) المبسوط لمحمد ١٤٣، المبسوط للسرخسي ١٠ / ١١٢)، وابن عابدين ٤ / ٢٢٦، وقال: (يكفي للآخرة التشهد، وللدنيا التبري مما كان يعتقد) والشامل لابن الصباغ ٢ / ١٧١، والإنصاف ١ / ٣٣٥، والإقناع ٤ / ٣٠٣، وهداية الراغب ٥٣٨، والكافي ٣ / ١٦٠.

(٣) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. . . " رواه مسلم (١ / ٥٢، ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.

تَصِحُّ تَوْبَتُهُ (١) .

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إِنْ مَاتَ، فَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ: حُكِمَ بِإِسْلاَمِهِ (٢) . وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَحْصُل تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ بِصَلاَتِهِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ بُدَّ فِي إِسْلاَمِ الْمُرْتَدِّ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ كُفْرُهُ لإِنْكَارِ شَيْءٍ آخَرَ، كَمَنْ خَصَّصَ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ بِالْعَرَبِ أَوْ جَحَدَ فَرْضًا أَوْ تَحْرِيمًا فَيَلْزَمُهُ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ الإِْقْرَارُ بِمَا أَنْكَرَ (٣) .

قَال الْحَنَابِلَةُ: وَلَوْ صَلَّى الْمُرْتَدُّ حُكِمَ بِإِسْلاَمِهِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ فَرِيضَةٍ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ نَبِيٍّ، أَوْ مَلَكٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الْمُكَفِّرَةِ الَّتِي يَنْتَسِبُ أَهْلُهَا إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَإِنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ بِمُجَرَّدِ صَلاَتِهِ؛ لأَِنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلاَةِ وَيَفْعَلُهَا مَعَ كُفْرِهِ. وَأَمَّا لَوْ زَكَّى أَوْ صَامَ فَلاَ يَكْفِي ذَلِكَ لِلْحُكْمِ بِإِسْلاَمِهِ، لأَِنَّ الْكُفَّارَ يَتَصَدَّقُونَ، وَالصَّوْمُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لاَ يُعْلَمُ (٤) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ، وَتَوْبَةِ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، وَتَوْبَةُ السَّاحِرِ عَلَى أَقْوَالٍ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (تَوْبَة) .

_________

(١) الإقناع ٤ / ٣٠٣.

(٢) الإنصاف ١٠ / ٣٣٧ - ط - ١٩٥٧

(٣) أسنى المطالب ٤ / ١٢٤، والإنصاف ١٠ / ٣٣٥، ٣٣٦

(٤) المغني ٨ / ١٤٤ ط ٣

تَوْبَةُ سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ رَسُولِهِ ﷺ:

٣٧ - قَال الْحَنَفِيَّةُ بِقَبُول تَوْبَةِ سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى (١) . وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ، مَعَ ضَرُورَةِ تَأْدِيبِ السَّابِّ وَعَدَمِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ ثَلاَثًا (٢) .

وَفِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ خِلاَفٌ، الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ قَبُول تَوْبَتِهِ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٣) .

أَمَّا سَابُّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (٤)، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى قَبُول تَوْبَتِهِ (٥) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَل تَوْبَةُ قَاذِفِهِ ﷺ عَلَى الأَْصَحِّ، وَقَال أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ: يُقْتَل حَدًّا وَلاَ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَقَال الصَّيْدَلاَنِيُّ: يُجْلَدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً؛ لأَِنَّ الرِّدَّةَ ارْتَفَعَتْ بِإِسْلاَمِهِ وَبَقِيَ جَلْدُهُ (٦) .

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ (٧) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ شَتَمَ نَبِيًّا مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ بِقُرْآنٍ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَل وَلاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ؛ لأَِنَّ كُفْرَهُ يُشْبِهُ كُفْرَ الزِّنْدِيقِ، وَيُقْتَل حَدًّا لاَ كُفْرًا إِنْ قُتِل بَعْدَ تَوْبَتِهِ لأَِنَّ قَتْلَهُ حِينَئِذٍ لأَِجْل ازْدِرَائِهِ لاَ لأَِجْل كُفْرِهِ (٨) .

_________

(١) السيف المشهور ورقة ٢، وابن عابدين ٤ / ٢٣٢.

(٢) المغني ٨ / ٥٦٥، والفروع ٢ / ١٦٠.

(٣) الخرشي ٨ / ٧٤، والصارم المسلول ٥٥٠

(٤) ابن عابدين ٤ / ٢٣٣، والسيف المشهور ٢

(٥) الهداية لأبي الخطاب ورقة (٢٠٢)، والصارم المسلول ٥٣، ٢٤٥، ٢٩٣، ٤٢٣، ٥٢٧

(٦) السيف المسلول ورقة (٢)، ومغني المحتاج ٤ / ١٤١.

(٧) منار السبيل ٢ / ٤٠٩.

(٨) الخرشي ٨ / ٧٠.

تَوْبَةُ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ:

٣٨ - مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ وَتَوْبَتُهُ قَال الأَْحْنَافُ وَالشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَل تَوْبَتُهُ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ (٢)﴾ وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِْسْلاَمِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (٣) .

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَوْبَةُ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ لاَ تُقْبَل (٤) .

وَحُجَّتُهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (٥)﴾

_________

(١) المبسوط لمحمد ١٤٤، وقال ابن عابدين (٤ / ٢٢٥): تقبل توبته، لكنه يعذب في كل مرة، ويحبس. وقال الكرخي: هذا قول أصحابنا جميعًا، وأسنى المطالب ٤ / ١٢٢)، والأم ٦ / ١٤٧ - ١٤٨، والشامل لابن الصباغ ١٠ / ١٤٨، والسيف المسلول ٢٩

(٢) سورة الأنفال / ٣٨.

(٣) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٧٥ - ط السعادة) من حديث أبي هريرة.

(٤) ابن عابدين ٤ / ٢٢٥، والمغني ٨ / ٥٤٣، والكافي ٣ / ١٥٩، وهداية الراغب ٤٣٩، ومنار السبيل ٢ / ٤٠٩، ولم نجد عند المالكية تعرضًا لهذه المسألة، وقد نسب إليهم في المغني وحاشية ابن عابدين القول بعدم قبول توبة من تكررت ردته.

(٥) سورة النساء / ١٣٧.

وَلأَِنَّ تَكْرَارَ الرِّدَّةِ، دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ الْعَقِيدَةِ، وَقِلَّةِ الْمُبَالاَةِ (١) .

تَوْبَةُ السَّاحِرِ:

٣٩ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: بِعَدَمِ قَبُول تَوْبَةِ السَّاحِرِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ (٢) (وانْظُرْ مُصْطَلَحَيْ: تَوْبَة، وَسِحْر) .

قَتْل الْمُرْتَدِّ:

٤٠ - إِذَا ارْتَدَّ مُسْلِمٌ، وَكَانَ مُسْتَوْفِيًا لِشَرَائِطِ الرِّدَّةِ، أُهْدِرَ دَمُهُ، وَقَتْلُهُ لِلإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بَعْدَ الاِسْتِتَابَةِ (٣) . فَلَوْ قُتِل قَبْل الاِسْتِتَابَةِ فَقَاتِلُهُ مُسِيءٌ، وَلاَ يَجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ غَيْرَ التَّعْزِيرِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا لِلْكُفَّارِ فَلاَ يُقْتَل؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُل رُسُل مُسَيْلِمَةَ (٤) . فَإِذَا قُتِل الْمُرْتَدُّ عَلَى

_________

(١) منار السبيل ٢ / ٤٠٩.

(٢) رسالة بدر الرشيد مخطوطة، وابن عابدين ٤ / ٢٤٠، وقد فصل فقال: يكفر الساحر بتعلمه السحر وفعله، فإن لم يعتقده لا يكفر، كأن يستعمله للتجربة. ورحمة الأمة ٢٦٧، والمغني ٨ / ١٥٣ ط ٣

(٣) المبسوط ١٠ / ١٠٦، والأم ٦ / ١٥٤، والشامل لابن الصباغ ١ / ١٠١، والإنصاف ٩ / ٤٦٢، والشامل لبهرام ٢ / ١٥٨.

(٤) الفروع ٢ / ١٥٩، وابن عابدين ٤ / ٦٦٨. وحديث أن النبي ﷺ لم يقتل رسل مسيلمة. . . ورد من قوله ﷺ من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي لرسولي مسيلمة: " أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ". أخرجه أبو داود (٣ / ١٩٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس)