الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

وَعَلَى مَا صَحَّ مِنْ حَثِّ الشَّرْعِ عَلَيْهَا وَتَرْغِيبِهِ فِي الأَْخْذِ بِهَا - تَبْقَى فِي النِّهَايَةِ إِضَافِيَّةً: أَيْ أَنَّ كُل أَحَدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ فَقِيهُ نَفْسِهِ فِي الأَْخْذِ بِهَا أَوْ فِي عَدَمِهِ. (١) وَيَكْفِي أَنْ نَعْلَمَ لِتَوْضِيحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ مَثَلًا الَّتِي تُعْتَبَرُ سَبَبًا هَامًّا مِنْ أَسْبَابِ الرُّخَصِ تَخْتَلِفُ قُوَّةً وَضَعْفًا بِحَسَبِ أَحْوَال النَّاسِ، فَفِي التَّنَقُّل تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمُسَافِرِينَ، وَأَزْمِنَةِ السَّفَرِ، وَمُدَّتِهِ وَوَسَائِلِهِ، وَمَا إِلَى هَذَا مِمَّا يَتَعَذَّرُ ضَبْطُهُ وَاطِّرَادُهُ فِي جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَلَمْ يُنَطِ الْحُكْمُ بِذَاتِ الْمَشَقَّةِ بَل أُسْنِدَ إِلَى أَمْرٍ آخَرَ مِمَّا يَدُل غَالِبًا عَلَيْهَا وَهُوَ السَّفَرُ لأَِنَّهُ مَظِنَّةُ حُصُولِهَا.

رَخَمٌ

انْظُرْ: أَطْعِمَة

_________

(١) الموافقات ١ / ٣١٤ و٣ / ١٥٥.

رِدْءٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الرِّدْءُ فِي اللُّغَةِ: الْمُعِينُ وَالنَّاصِرُ، مِنْ رَدَأَ، يُقَال: رَدَأْتُ الْحَائِطَ رِدْءًا أَيْ: دَعَّمْتُهُ وَقَوَّيْتُهُ.

وَيُقَال: أَرْدَأْتُ فُلاَنًا: أَيْ أَعَنْتُهُ. وَيُقَال: فُلاَنٌ رِدْءُ فُلاَنٍ، أَيْ يَنْصُرُهُ وَيَشُدُّ ظَهْرَهُ، وَجَمْعُهُ أَرْدَاءٌ. قَال اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﵇: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ (١) يَعْنِي مُعِينًا. (٢)

وَاصْطِلاَحًا الأَْرْدَاءُ: هُمُ الَّذِينَ يَخْلُفُونَ الْمُقَاتِلِينَ فِي الْجِهَادِ، وَقِيل: هُمُ الَّذِينَ وَقَفُوا عَلَى مَكَانٍ حَتَّى إِذَا تَرَكَ الْمُقَاتِلُونَ الْقِتَال قَاتَلُوا. (٣)

_________

(١) سورة القصص / ٣٤.

(٢) متن اللغة والمصباح المنير ولسان العرب في المادة والمعجم الوسيط، والقرطبي ١٣ / ٢٨٦.

(٣) قواعد الفقه للمجددي / ٣٠٦.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْمَدَدُ:

٢ - الْمَدَدُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنْ مَدَّهُ مَدًّا أَيْ زَادَهُ، وَيُقَال: أَمْدَدْتُهُ بِمَدَدٍ أَيْ: أَعَنْتُهُ وَقَوَّيْتُهُ بِهِ (١) .

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٢) وَقَال سُبْحَانَهُ: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (٣)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ غَالِبًا عَلَى الْعَسَاكِرِ الَّتِي تَلْحَقُ بِالْمَغَازِي فِي سَبِيل اللَّهِ. (٤)

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

حَقُّ الرِّدْءِ فِي الْغَنَائِمِ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّدْءَ أَيْ: الْعَوْنَ الَّذِي حَضَرَ بِنِيَّةِ الْقِتَال وَلَمْ يُقَاتِل وَالْمُقَاتِل الْمُبَاشِرَ سِيَّانِ فِي أَصْل الاِسْتِحْقَاقِ فِي الْغَنَائِمِ، مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي جَوَازِ تَفْضِيل الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى التَّسْوِيَةِ الْكَامِلَةِ؛ لاِسْتِوَاءِ الْكُل فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الدَّرْبِ بِنِيَّةِ الْقِتَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَشُهُودُ الْوَقْعَةِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وَلِقَوْل أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄

_________

(١) متن اللغة والمصباح ولسان العرب في المادة.

(٢) سورة الإسراء / ٦.

(٣) سورة آل عمران / ١٢٥.

(٤) المهذب ٢ / ٢٤٧، وابن عابدين ٣ / ٢٣١، كشاف القناع ٣ / ٨٢، ٨٣.

: " الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ " (١) وَلأَِنَّهُ لَيْسَ كُل الْجَيْشِ يُقَاتِل؛ لأَِنَّ ذَلِكَ خِلاَفُ مَصْلَحَةِ الْحَرْبِ؛ لأَِنَّهُ يُحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فِي الرِّدْءِ، وَبَعْضُهُمْ يَحْفَظُونَ السَّوَادَ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْعُلُوفَةِ عَلَى حَسَبِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْحَرْبِ، كَمَا بَيَّنَهُ الْمَالِكِيَّةُ. (٢)

أَمَّا مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ لاَ بِنِيَّةِ الْقِتَال، كَالسُّوقِيِّ (التَّاجِرِ) وَالْخَادِمِ، وَالْمُحْتَرِفِ كَالْخَيَّاطِ، فَإِنْ قَاتَل أُسْهِمَ لَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي خِلاَفِ الأَْظْهَرِ لِلشَّافِعِيَّةِ لاَ يُسْهَمُ لَهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْقِتَال. (٣) وَإِنْ لَمْ يُقَاتِل لاَ يُسْهَمُ لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقِتَال وَعَدَمِ الاِشْتِرَاكِ فِيهِ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُسْهَمُ لَهُ؛ لأَِنَّهُ حَضَرَ الْوَقْعَةَ، وَفِيهِ تَكْثِيرُ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْحُضُورَ إِلَى الْقِتَال يَجُرُّ إِلَيْهِ. أَمَّا مَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْقِتَال أَصْلًا فَلاَ سَهْمَ لَهُ إِلاَّ إِذَا حُبِسَ فِي خِدْمَةِ الْجِهَادِ وَلِمَصْلَحَةِ الْجَيْشِ، كَأَنْ طَلَبَ الإِْمَامُ

_________

(١) فتح القدير ٢ / ٢٢٥، ٢٢٦، والتاج والإكليل على هامش الحطاب ٣ / ١٣٧٠، ومغني المحتاج ٣ / ١٠١ - ١٠٣، وكشاف القناع ٣ / ٨٢، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٠، ولأبي يعلى ص ١٥١.

(٢) التاج والإكليل ٣ / ٣٧٠، والمراجع السابقة.

(٣) فتح القدير ٢ / ٢٢٥، ٢٢٦ وما بعدها، والحطاب مع التاج والإكليل ٣ / ٣٧١، ٣٧٣، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٥، ١٤٦، ومغني المحتاج ٣ / ١٠٢، ١٠٣، وكشاف القناع ٣ / ٨٢، ٨٣.

بَعْضَ الْعَسْكَرِ لِيُحْرَسَ مِنْ هُجُومِ الْعَدُوِّ، أَوْ أَفْرَدَ مِنَ الْجَيْشِ كَمِينًا؛ لِكَوْنِهِمْ رِدْءًا لِمَنْ قَاتَل، وَعَوْنًا لَهُمْ عَلَى الْغَنِيمَةِ تَقْوَى بِهِ نُفُوسُ الْمُقَاتِلِينَ. (١)

وَأَمَّا الْمَدَدُ فَإِذَا لَحِقُوا عَسَاكِرَ الْمُسْلِمِينَ أَثْنَاءَ الْقِتَال يُسْهَمُ لَهُمْ، وَإِذَا لَحِقُوهُمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَال وَإِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ لاَ يُسْهَمُ لَهُمْ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

أَمَّا إِذَا لَحِقُوهُمْ بَعْدَ الْقِتَال قَبْل أَنْ يُخْرِجُوا الْغَنِيمَةَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ فَلاَ يُسْهَمُ لَهُمْ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَقْعَةَ، وَيُسْهَمُ لَهُمْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بَعْدَ الإِْحْرَازِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢) وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (غَنِيمَة) .

الرِّدْءُ فِي الْجِنَايَاتِ:

٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ عُقُوبَةِ الرِّدْءِ فِي جَرَائِمِ التَّعْزِيرِ إِذَا رَأَى الْقَاضِي ذَلِكَ.

أَمَّا فِي الْحُدُودِ، فَلاَ يُحَدُّ الرِّدْءُ حَدَّ الزِّنَى وَلاَ حَدَّ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ؛ لأَِنَّهَا جَرَائِمُ تَتَعَلَّقُ بِشَخْصِ الْمُجْرِمِ.

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٣١، والفتاوى الخانية ٣ / ٥٦٧، والشرح الكبير مع الدسوقي ٢ / ١٩٢، والمهذب ٢ / ٢٤٧، والمغني ٨ / ٤١٩، ٤٢٠، وكشاف القناع ٣ / ٨٢، ٨٣، وقليوبي ٣ / ١٩٣ وما بعدها.

وَاخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ (الْحِرَابَةِ) وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْل، وَبَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:

أ - الرِّدْءُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ (الْحِرَابَةِ):

٥ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنَّ الرِّدْءَ أَيِ الْمُعِينَ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ، فَإِنْ بَاشَرَ أَحَدُهُمْ أُجْرِيَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ بِأَجْمَعِهِمْ، فَإِذَا قَتَل أَحَدُهُمْ يُقْتَل هُوَ وَالآْخَرُونَ؛ لأَِنَّهُ جَزَاءُ الْمُحَارَبَةِ، وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ رِدْءًا لِلْبَعْضِ؛ وَلأَِنَّ الْمُحَارَبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حُصُول الْمَنَعَةِ وَالْمُعَاضَدَةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، وَمِنْ عَادَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْمُبَاشَرَةُ مِنَ الْبَعْضِ وَالإِْعَانَةُ مِنَ الْبَعْضِ الآْخَرِ، وَلاَ يَتَمَكَّنُ الْمُبَاشِرُ مِنْ فِعْلِهِ إِلاَّ بِقُوَّةِ الرِّدْءِ، فَلَوْ لَمْ يَلْحَقِ الرِّدْءُ بِالْمُبَاشِرِ لأَدَّى ذَلِكَ إِلَى انْفِتَاحِ بَابِ قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُبَاشِرُ وَالرِّدْءُ كَالْغَنِيمَةِ، وَنَصَّ الدُّسُوقِيُّ عَلَى أَنَّ الرِّدْءَ يَشْمَل مَنْ يَتَقَوَّى الْمُحَارِبُونَ بِجَاهِهِ، إِذْ لَوْلاَ جَاهُهُ مَا تَجَرَّأَ الْقَاتِل عَلَى الْقَتْل، فَجَاهُهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْقَتْل حُكْمًا (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ أَعَانَ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ أَوْ كَثَّرَ جَمْعَهُمْ بِالْحُضُورِ، أَوْ كَانَ

_________

(١) فتح القدير مع الهداية ٥ / ١٨١، وبدائع الصنائع ٧ / ٩١، والزرقاني ٨ / ١١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٠، المواق بهامش الحطاب ٦ / ٣١٦، والمغني ٨ / ٢٩٧.

عَيْنًا لَهُمْ وَلَمْ يُبَاشِرْ بِنَفْسِهِ، بَل يُعَزَّرُ بِالْحَبْسِ وَالنَّفْيِ وَغَيْرِهِمَا (١) .

وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (حِرَابَة) .

ب - الرِّدْءُ فِي السَّرِقَةِ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّدْءَ إِذَا لَمْ يَدْخُل الْحِرْزَ، وَلَمْ يَشْتَرِكْ فِي إِخْرَاجِ الْمَال فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ (٢) .

وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (سَرِقَة) .

ج - الرِّدْءُ فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ:

٧ - إِذَا تَمَالأَ جَمَاعَةٌ عَلَى قَتْل إِنْسَانٍ فَبَاشَرَ بَعْضُهُمُ الْفِعْل الْمُفْضِيَ لِلْقَتْل وَلَمْ يُبَاشِرْهُ الآْخَرُونَ لَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى ارْتِكَابِهِ مُسْبَقًا وَحَضَرُوا رِدْءًا لِلْقَتَلَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ:

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى مَنْ لَمْ يُبَاشِرِ الْفِعْل الْمُفْضِيَ لِلْقَتْل؛ لأَِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْقِصَاصِ مِنَ الْجَمَاعَةِ الْمُبَاشَرَةَ مِنَ الْكُل، وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فَضْلًا عَنِ الْمُبَاشَرَةِ أَنْ يَكُونَ جُرْحُ كُل وَاحِدٍ جُرْحًا سَارِيًا (٣)، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ هَذَا الشَّرْطَ وَقَالُوا:

_________

(١) المهذب ٢ / ٢٨٦، ومغني المحتاج ٤ / ١٨٢.

(٢) الدسوقي ٤ / ٣٣٥، ومغني المحتاج ٤ / ١٧٢، والمغني لابن قدامة ٨ / ٢٨٣ - ٢٨٤.

(٣) الزيلعي مع الهوامش للشلبي ٦ / ١١٤، وفتح القدير مع الهداية ٤ / ٢٤٤.

يُقْتَل الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ وَإِنْ تَفَاضَلَتْ جِرَاحَاتُهُمْ فِي الْعَدَدِ وَالْفُحْشِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ قِصَاصَ عَلَى الرِّدْءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُقْتَل الْمُتَمَالِئُونَ عَلَى الْقَتْل أَوِ الضَّرْبِ بِأَنْ قَصَدَ الْجَمِيعُ الْقَتْل أَوِ الضَّرْبَ وَحَضَرُوا وَإِنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ إِلاَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ لَوِ اسْتُعِينَ بِهِمْ أَعَانُوا، وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ غَيْرُهُمْ ضَرَبُوا (١) .

وَعَلَى ذَلِكَ فَيُقْتَصُّ مِنَ الرِّدْءِ الْمُتَمَالِئِينَ عَلَى الْقَتْل (أَيِ الْمُتَّفِقِينَ مُسْبَقًا عَلَى الْقَتْل) وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ إِلاَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِذَا كَانُوا بِحَيْثُ لَوِ اسْتُعِينَ بِهِمْ أَعَانُوا.

وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحَيْ: (تَوَاطُؤ ج ١٤ ص ١١٤، ١١٥، وَقِصَاص) .

أَثَرُ الرِّدْءِ فِي مَنْعِ الإِْرْثِ:

٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ الْقَاتِل يُمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مَضْمُونًا بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ أَوِ الْكَفَّارَةِ لاَ يُمْنَعُ مِنْ مِيرَاثِ مُوَرِّثِهِ الْقَتِيل عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ كُل مَنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْقَتْل يُمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَلَوْ كَانَ الْقَتْل بِحَقٍّ كَمُقْتَصٍّ، وَإِمَامٍ وَقَاضٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْقَتْل عَمْدًا أَمْ غَيْرَهُ، مَضْمُونًا أَمْ لاَ.

_________

(١) الدسوقي ٤ / ٢٤٥، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٦١ - ٢٦٣، والمغني لابن قدامة ٧ / ٦٧١ - ٦٧٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٢.

وَيُمْنَعُ مِنَ الْمِيرَاثِ مَنْ بَاشَرَ أَوْ تَسَبَّبَ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي التَّسَبُّبِ، كَمَا إِذَا حَفَرَ بِئْرًا أَوْ وَضَعَ حَجَرًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ (١) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (إِرْث ج ٣ ف ١٧) (وَقَتْل) .

_________

(١) السراجية ص ١٨، ١٩، والعذب الفائض ١ / ٣٠، ٣١، ومغني المحتاج ٤ / ٢٥، ٢٦، والدسوقي ٤ / ٤٨٦.

رِدَاءٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الرِّدَاءِ فِي اللُّغَةِ: الثَّوْبُ يَسْتُرُ الْجُزْءَ الأَْعْلَى مِنَ الْجِسْمِ فَوْقَ الإِْزَارِ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُل مَا يُرْتَدَى وَيُلْبَسُ (١) .

وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: مَا يَسْتُرُ أَعْلَى الْبَدَنِ مِنَ الثِّيَابِ. وَيُقَابِلُهُ: الإِْزَارُ وَهُوَ: مَا يَسْتُرُ أَسْفَل الْبَدَنِ (٢) .

الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ:

٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ رِدَاءً وَإِزَارًا أَبْيَضَيْنِ جَدِيدَيْنِ أَوْ مَغْسُولَيْنِ (٣) . لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا: وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ (٤) وَالتَّفَاصِيل فِي (إِحْرَام) .

_________

(١) لسان العرب، متن اللغة، والمعجم الوسيط.

(٢) حاشية الجمل ٢ / ٥٠٤، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٤٩ - ٢٥٠.

(٣) كشاف القناع ٢ / ٤٠٧، وابن عابدين ٢ / ١٥٧، حاشية الجمل ٢ / ٥٠٤، حاشية الدسوقي ٢ / ٣٩

(٤) حديث: " ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين " أخرجه أحمد (٢ / ٣٤ - ط الميمنية) وإسناده صحيح.