الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢
وَبَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَرَوْنَ أَنَّ الَّذِي يَجِبُ إِسْقَاطُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هُوَ حُكْمُ اسْتِعْمَال الْمَاءِ وَالتُّرَابِ فَيُوجِبُونَ الصَّلاَةَ عِنْدَ فِقْدَانِهِمَا. (١)
٧ - إِسْقَاطُ الْقَضَاءِ عَمَّنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عِنْدَ جُمْهُورِ الأَْئِمَّةِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَل أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ (٢) . وَخَالَفَ مَالِكٌ فَقَال بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا مَتَى تَذَكَّرَهَا. (٣)
٨ - إِسْقَاطُ الْكَفَّارَةِ بِالإِْعْسَارِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى خِلاَفِ الأَْظْهَرِ وَفِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ لِلْحَنَابِلَةِ وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (٤) اسْتِنَادًا إِلَى مَا جَاءَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الأَْعْرَابِيِّ الَّذِي وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. . أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ (٥) .
_________
(١) جامع الأصول ٨ / ١٤٥، نيل الأوطار ١ / ٢٦٧، الجامع لأحكام القرآن ٣ / ٢١٠٢
(٢) حديث: " من نسي وهو صائم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٥٥ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٠٩ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم.
(٣) بداية المجتهد ١ / ٢١٠.
(٤) القليوبي ٢ / ٧٢، والمغني ٣ / ١٣٢.
(٥) حديث: " أطعمه أهلك " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٦٣ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة، وانظر الحديث كاملًا مع وجه الاستدلال بجملته الأخيرة في: (المنتقى ٢ / ٥٢ - ٥٥، نيل الأوطار ٤ / ٢١٦) .
٩ - إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ لِمَا تَقَرَّرَ - عَمَلًا بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الأَْحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ يُدَعِّمُ بَعْضُهَا الْبَعْضَ - (١) مِنْ أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. (٢)
النَّوْعُ الثَّانِي: تَخْفِيفُ تَنْقِيصٍ: مِثَالُهُ:
١٦ - ١ - قَصْرُ الصَّلاَةِ الرُّبَاعِيَّةِ فِي السَّفَرِ إِلَى رَكْعَتَيْنِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الْقَصْرِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا. (٣)
٢ - تَنْقِيصُ مَا عَجَزَ عَنْهُ الْمَرِيضُ مِنْ أَفْعَال الصَّلاَةِ: كَتَنْقِيصِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهِمَا إِلَى الْقَدْرِ الْمَيْسُورِ مِنْ ذَلِكَ. (٤)
النَّوْعُ الثَّالِثُ: تَخْفِيفُ إِبْدَالٍ: مِثْل:
١٧ - إِبْدَال الْوُضُوءِ وَالْغُسْل بِالتَّيَمُّمِ،
_________
(١) حديث: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " أخرجه أبو سعد المسعاني في " الذيل " كما في " المقاصد الحسنة " للسخاوي (ص ٣٠ - ط الخانجي)، ونقل عن ابن حجر أنه قال: " في سنده من لا يعرف ". وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (٧ / ٢٧٢)، وسرد له عدة أسانيد مرفوعة وموقوفة، وقال: وما في الباب وإن كان فيه المقال المعروف فقد شد عضده ما ذكرناه (يعني الروايات التي ذكرها) فيصلح بعد ذلك للاحتجاج به.
(٢) الأشباه والنظائر ص ١٢٣، والأشباه والنظائر بشرح الحموي ١ / ١٦١.
(٣) قواعد الأحكام ٢ / ٨، نيل الأوطار ٣ / ٢٠٠.
(٤) قواعد الأحكام ٢ / ٨.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَل عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)
الرَّابِعُ: تَخْفِيفُ تَقْدِيمٍ: مِثْل:
١٨ - ١ - تَقْدِيمُ الْعَصْرِ إِلَى الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ، وَنَصُّوا عَلَى جَوَازِهِ جُمْلَةً فِي عِدَّةِ حَالاَتٍ مِنْهَا: السَّفَرُ وَالْمَرَضُ وَالْخَوْفُ. (٢)
٢ - تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْل مُسَارَعَةً إِلَى الْخَيْرِ لِمَا رَوَاهُ عَلِيٌّ ﵁ مِنْ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيل صَدَقَتِهِ قَبْل أَنْ تَحِل فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ (٣) .
_________
(١) سورة المائدة / ٦.
(٢) جامع الأصول ٦ / ٤٥١، ٤٥٩، ونيل الأوطار ٦ / ٢٩٦، ٢٩٨، و٣ / ٢١٢ - ٢١٥، وفتح الباري ٢ / ٢٣، ٢٤، والنووي على مسلم ٥ / ٢١٥ - ٢١٧، والمدونة ١ / ١١٥، ١١٦، والمنتقى ١ / ٢٥٤ - ٢٥٦، المعيار ١ / ١١٥، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٤ / ٧٧، ٧٨.
(٣) حديث أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي ﷺ في تعجيل. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٢٧٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وذكر طرقه ابن حجر في الفتح (٣ / ٣٣٤ - ط السلفية)، وأشار إلى ثبوته بمجموع طرقه.
الْخَامِسُ: تَخْفِيفُ تَأْخِيرٍ: مِثْل:
١٩ - تَأْخِيرُ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ إِلَى الْعِشَاءِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ بِجَمْعِ التَّأْخِيرِ، وَيَكُونُ فِي السَّفَرِ، وَفِي مُزْدَلِفَةَ، وَمِنْ أَجْل الْمَرَضِ وَالْمَطَرِ وَمَا إِلَيْهَا مِنَ الأَْعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّأْخِيرِ. (١)
السَّادِسُ: تَخْفِيفُ إِبَاحَةٍ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ: مِثْل:
٢٠ - ١ - صَلاَةُ الْمُسْتَجْمِرِ مَعَ بَقِيَّةِ أَثَرِ النَّجَسِ الَّذِي لاَ يَزُول تَمَامًا إِلاَّ بِالْمَاءِ.
٢ - الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِ النَّجَاسَاتِ لِقِلَّتِهَا، أَوْ لِعُسْرِ الاِحْتِرَازِ مِنْهَا، أَوْ لِعُسْرِ إِزَالَتِهَا.
د - تَقْسِيمُ الرُّخَصِ بِاعْتِبَارِ أَسْبَابِهَا:
هَذَا التَّقْسِيمُ يُعَدُّ أَكْثَرَ ضَبْطًا لأُِصُول الرُّخَصِ، وَأَكْثَرَ جَمْعًا لِفُرُوعِهَا، وَهِيَ - بِحَسَبِهِ - تَنْقَسِمُ إِلَى عِدَّةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا:
٢١ - رُخَصٌ سَبَبُهَا الضَّرُورَةُ:
قَدْ تَطْرَأُ عَلَى الْمُكَلَّفِ حَالَةٌ مِنَ الْخَطَرِ أَوِ الْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ تَجْعَلُهُ يَخَافُ مِنْ حُدُوثِ أَذًى بِالنَّفْسِ، أَوْ بِالْعِرْضِ، أَوْ بِالْعَقْل، أَوْ بِالْمَال، أَوْ بِتَوَابِعِهَا فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ - عِنْدَئِذٍ - أَوْ يُبَاحُ لَهُ ارْتِكَابُ الْحَرَامِ، أَوْ تَرْكُ الْوَاجِبِ، أَوْ تَأْخِيرُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فِي غَالِبِ الظَّنِّ ضِمْنَ قُيُودِ
_________
(١) انظر: مصادر جمع التقديم المذكورة آنفًا.
الشَّرْعِ. (١) (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: ضَرُورَة) .
وَعَلَى هَذَا الأَْسَاسِ قَعَّدَ الْفُقَهَاءُ قَاعِدَةً هَامَّةً مِنْ قَوَاعِدِ الأُْصُول الْقَرِيبَةِ نَصُّهَا: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ. (٢) وَهِيَ تُعَدُّ مِنْ فُرُوعِ الْقَاعِدَتَيْنِ الْكُلِّيَّتَيْنِ: إِذَا ضَاقَ الأَْمْرُ اتَّسَعَ. وَالضَّرَرُ يُزَال. وَقَدْ فَرَّعُوا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَا يَتَّصِل بِهَا فُرُوعًا كَثِيرَةً تُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهَا.
٢٢ - ٢ - رُخَصٌ سَبَبُهَا الْحَاجَةُ:
الْحَاجَةُ نَوْعَانِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ (انْظُرِ التَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: حَاجَة) .
وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُرَخَّصُ مِنْ أَجْلِهِ: فَالْعُقُودُ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ أَوْ وَقَعَ اسْتِثْنَاؤُهَا مِنْ أُصُولٍ مَمْنُوعَةٍ كَالسَّلَمِ وَالإِْجَارَةِ وَالْجُعْل وَالْمُغَارَسَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْقَرْضِ وَالْقِرَاضِ وَالاِسْتِصْنَاعِ وَدُخُول الْحَمَّامِ وَالْوَصِيَّةِ وَمَا شَابَهَهَا إِنَّمَا وَقَعَ التَّرْخِيصُ فِيهَا لِحَاجَةِ النَّاسِ عُمُومًا إِلَيْهَا، وَالتَّرْخِيصُ فِي التَّأْدِيبِ لِمَنْ جُعِل لَهُ، وَفِي التَّضْيِيقِ عَلَى بَعْضِ الْمُتَّهَمِينَ لإِظْهَارِ الْحَقِّ وَفِي التَّلَفُّظِ بِالْفُحْشِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَاضِي أَوِ الرَّاوِي أَوِ الشَّاهِدِ لِلدِّقَّةِ وَفِي لُبْسِ الْحَرِيرِ وَاسْتِعْمَال الذَّهَبِ وَالنَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَةِ لِلْعِلاَجِ وَفِي التَّبَخْتُرِ بَيْنَ الصُّفُوفِ لإِغَاظَةِ الْكُفَّارِ وَالنَّيْل مِنْهُمْ، وَفِي الْكَذِبِ لِلإِْصْلاَحِ، وَفِي الْغِيبَةِ عِنْدَ التَّظَلُّمِ أَوْ
_________
(١) الحموي على الأشباه والنظائر ١ / ١٨٨.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٣، ٨٤.
الاِسْتِفْتَاءِ وَنَحْوِهِمَا، وَفِي خُرُوجِ الْمَرْأَةِ لِقَضَاءِ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِهَا، أَوْ لِلتَّعَلُّمِ وَالْفَتْوَى وَالتَّقَاضِي وَسَفَرِهَا لِلْعِلاَجِ وَمَا إِلَى هَذِهِ الْحَالاَتِ إِنَّمَا وَقَعَ التَّرْخِيصُ فِيهَا مِنْ أَجْل حَاجَاتٍ تَمَسُّ طَوَائِفَ خَاصَّةً مِنَ الْمُجْتَمَعِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَا يُبَاحُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ يُبَاحُ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ، أَيْ أَنَّ هَذِهِ تُثْبِتُ حُكْمًا مِثْل الأُْولَى إِلاَّ أَنَّ حُكْمَ الْحَاجَةِ مُسْتَمِرٌّ وَخَاصَّةً إِذَا كَانَتْ عَامَّةً وَحُكْمَ الضَّرُورَةِ مَوْقُوتٌ بِمُدَّةِ قِيَامِهَا إِذْ " الضَّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا " (١) كَمَا وَقَعَ الاِتِّفَاقُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ نَوْعَانِ: مُحَرَّمَاتٌ لِذَاتِهَا، وَمُحَرَّمَاتٌ لِغَيْرِهَا، فَالأُْولَى لاَ يُرَخَّصُ فِيهَا عَادَةً إِلاَّ مِنْ أَجْل الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَصْلَحَةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَالثَّانِيَةُ يُرَخَّصُ فِيهَا حَتَّى مِنْ أَجْل الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَصْلَحَةٍ حَاجِيَّةٍ. (٢) عَلَى أَنَّهُ لاَ مَانِعَ مِنْ أَنْ تُعَامَل هَذِهِ مُعَامَلَةَ الأُْولَى وَلَوْ فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ، وَعَلَى هَذَا الأَْسَاسِ وَمَا قَبْلَهُ جَاءَتِ الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ: الْحَاجَةُ تَنْزِل مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ. (٣) وَقَدْ خَرَّجَ الْفُقَهَاءُ اعْتِمَادًا عَلَيْهَا جُزْئِيَّاتٍ مُتَفَرِّقَةً يُمْكِنُ أَنْ
_________
(١) الحموي على الأشباه والنظائر لابن نجيم ١ / ١١٩، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٤
(٢) التوضيح على التنقيح ٣ / ٨٠، والتلويح على التوضيح ٣ / ٨٠، ٨١.
(٣) الحموي على الأشباه والنظائر ١ / ١٢٦، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٨٨، ٨٩.
تَكُونَ أُصُولًا يَلْحَقُ بِهَا مَا يُمَاثِلُهَا مِنْ نَظَائِرِهَا. (١)
وَهُنَاكَ رُخَصٌ سَبَبُهَا السَّفَرُ أَوِ الْمَرَضُ أَوِ النِّسْيَانُ أَوِ الْجَهْل أَوِ الْخَطَأُ أَوِ النَّقْصُ أَوِ الْوَسْوَسَةُ أَوِ التَّرْغِيبُ فِي الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ وَحَدَاثَةُ الدُّخُول فِيهِ أَوِ الْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (تَيْسِير) .
عَلاَقَةُ الرُّخْصَةِ بِبَعْضِ الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ:
٢٣ - الْمُتَتَبِّعُ لِلاِسْتِحْسَانِ وَالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَمُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ وَالتَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْجَوَابِرِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْحِيَل الشَّرْعِيَّةِ يَظْفَرُ بِعَلاَقَةٍ وَطِيدَةٍ بَيْنَ هَذِهِ الأُْمُورِ وَبَيْنَ الرُّخَصِ تَتَمَثَّل إِجْمَالًا فِي جَلْبِ الْيُسْرِ وَدَفْعِ الْعُسْرِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ، فَلْتُرَاجَعْ تِلْكَ الأَْدِلَّةُ فِي مَحَالِّهَا مِنَ الْمَوْسُوعَةِ.
الْقِيَاسُ عَلَى الرُّخَصِ:
٢٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الرُّخَصَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا إِذَا كَانَتْ مِمَّا يُعْقَل مَعْنَاهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ الَّتِي تُشَارِكُهَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ. (٢) فَقَدْ قَاسَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ صِحَّةَ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ عَلَى بَيْعِ الْعَرَايَا الْمُرَخَّصِ فِيهِ بِالنَّصِّ لاِتِّحَادِهِمَا فِي الْعِلَّةِ. (٣) كَمَا حَكَمُوا بِصِحَّةِ صَوْمِ مَنْ أَفْطَرَ
_________
(١) المصادر السابقة.
(٢) شفاء العليل ص ٦٥٥، ونهاية السول ٤ / ٣٥.
(٣) شرح التنقيح بحاشية القيرواني ص ٣٦٨.
مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا قِيَاسًا عَلَى مَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا الَّذِي ثَبَتَتْ صِحَّةُ صَوْمِهِ بِالنَّصِّ النَّبَوِيِّ. (١) وَزَادَ الشَّافِعِيُّ فَقَاسَ عَلَيْهِ كَلاَمَ النَّاسِي فِي صَلاَتِهِ. (٢)
وَقَاسُوا الإِْقْطَارَ فِي الْعَيْنِ فِي رَمَضَانَ عَلَى الاِكْتِحَال الْمُرَخَّصِ فِيهِ نَصًّا. (٣)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - بِاسْتِثْنَاءِ أَبِي يُوسُفَ - إِلَى مَنْعِ الْقِيَاسِ عَلَى الرُّخَصِ لأَِدِلَّةٍ مَبْسُوطَةٍ فِي كُتُبِ الأُْصُول. (٤)
الأَْخْذُ بِالرُّخَصِ أَوِ الْعَزَائِمِ:
٢٥ - قَدْ يَرْفَعُ الشَّرْعُ عَنِ الْمُكَلَّفِ الْحَرَجَ فِي الأَْخْذِ بِالْعَزِيمَةِ أَوْ فِي الأَْخْذِ بِالرُّخْصَةِ، أَيْ أَنَّهُ يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ بَيْنَ الإِْتْيَانِ بِهَذِهِ أَوْ بِتِلْكَ؛ لأَِنَّ مَا بَيْنَهُمَا صَارَ بِمَثَابَةِ مَا بَيْنَ أَجْزَاءِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ الَّذِي يُكْتَفَى فِيهِ بِالإِْتْيَانِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ كَانَ لِلتَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا مَجَالٌ رَحْبٌ غَزِيرُ الْمَادَّةِ تَبَايَنَتْ فِيهِ أَنْظَارُ الْمُجْتَهِدِينَ حَيْثُ اخْتَلَفُوا بَيْنَ مُرَجِّحٍ لِلأَْخْذِ بِالْعَزِيمَةِ - فِي هَذِهِ الْحَالَةِ - وَبَيْنَ مُرَجِّحٍ لِلأَْخْذِ بِالرُّخْصَةِ فِيهَا، وَكُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ قَدْ عَلَّل رَأْيَهُ
_________
(١) النووي على مسلم ٨ / ٣٥.
(٢) الأم ٢ / ٩٧، شفاء الغليل ص ٦٥١.
(٣) العارضة ٣ / ٢٥٧، وأعلام الموقعين ٤ / ٢٩٤.
(٤) المعتمد ٢ / ٢٥٤، والأحكام للآمدي ٣ / ٩، والوصول ٢ / ٢٥٤، وما بعدها.
بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الْمُبَرِّرَاتِ الْمَعْقُولَةِ تَكَفَّل الشَّاطِبِيُّ بِعَدِّهَا عَدًّا وَاضِحًا مُرَتَّبًا. (١)
آرَاءُ الْعُلَمَاءِ فِي تَتَبُّعِ الرُّخَصِ:
٢٦ - الرُّخَصُ الشَّرْعِيَّةُ الثَّابِتَةُ بِالْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ لاَ بَأْسَ فِي تَتَبُّعِهَا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ (٢) .
أَمَّا تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ الاِجْتِهَادِيَّةِ وَالْجَرْيُ وَرَاءَهَا دُونَ سَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا وَنَحْوُهَا مِمَّا يُمَاثِلُهَا يُعْتَبَرُ هُرُوبًا مِنَ التَّكَالِيفِ، وَتَخَلُّصًا مِنَ الْمَسْئُولِيَّةِ، وَهَدْمًا لِعَزَائِمِ الأَْوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَجُحُودًا لِحَقِّ اللَّهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَهَضْمًا لِحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَهُوَ يَتَعَارَضُ مَعَ مَقْصِدِ الشَّرْعِ الْحَكِيمِ مِنَ الْحَثِّ عَلَى التَّخْفِيفِ عُمُومًا وَعَلَى التَّرَخُّصِ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣) . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ وَقَدِ اعْتَبَرَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْعَمَل فِسْقًا لاَ يَحِل. (٤) وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ الإِْجْمَاعَ
_________
(١) الموافقات ١ / ٣٣٣ - ٣٣٣ (ترجيح الأخذ بالعزيمة) وص ٣٣٩ - ٣٤٤ (ترجيح الأخذ بالرخصة) .
(٢) حديث: " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه " أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (١١ / ٣٢٣ - ط وزارة الأوقاف العراقية) من حديث ابن عباس، وحسنه المنذري في الترغيب (٢ / ١٣٥ - ط الحلبي) .
(٣) سورة البقرة / ١٨٥.
(٤) الموافقات ٤ / ١٤٠، وشرح التنقيح ص ٣٨٦، والمعيار ٦ / ٣٦٩ - ٣٨١، ٣٨٢.
عَلَيْهِ. (١) وَقَال نَقْلًا عَنْ غَيْرِهِ: لَوْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُل عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ. (٢)
وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِل بِقَوْل أَهْل الْكُوفَةِ فِي النَّبِيذِ وَأَهْل الْمَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ وَأَهْل مَكَّةَ فِي الْمُتْعَةِ كَانَ فَاسِقًا. (٣)
وَقَدْ دَخَل الْقَاضِي إِسْمَاعِيل - يَوْمًا - عَلَى الْمُعْتَضِدِ الْعَبَّاسِيِّ فَرَفَعَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ كِتَابًا وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ وَقَدْ جَمَعَ فِيهِ صَاحِبُهُ الرُّخَصَ مِنْ زَلَل الْعُلَمَاءِ فَقَال لَهُ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ - بَعْدَ أَنْ تَأَمَّلَهُ -: مُصَنِّفُ هَذَا زِنْدِيقٌ، فَقَال: أَلَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الأَْحَادِيثُ؟ قَال: بَلَى، وَلَكِنْ مَنْ أَبَاحَ الْمُسْكِرَ لَمْ يُبِحِ الْمُتْعَةَ، وَمَنْ أَبَاحَ الْمُتْعَةَ لَمْ يُبِحِ الْغِنَاءَ وَالْمُسْكِرَ، وَمَا مِنْ عَالِمٍ إِلاَّ وَلَهُ زَلَّةٌ، وَمَنْ جَمَعَ زَلَل الْعُلَمَاءِ ثُمَّ أَخَذَ بِهَا ذَهَبَ دِينُهُ، فَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِإِحْرَاقِ ذَلِكَ الْكِتَابِ. (٤)
فَالأَْخْذُ بِالرُّخَصِ لاَ يَعْنِي تَتَبُّعَهَا وَالْبَحْثَ عَنْهَا لِلتَّحَلُّل مِنَ التَّكْلِيفِ وَإِنَّمَا يَعْنِي الاِنْتِقَال مِنْ تَكْلِيفٍ أَشَدَّ إِلَى تَكْلِيفٍ أَخَفَّ لِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ.
الرُّخَصُ إِضَافِيَّةٌ:
٢٧ - إِنَّ الرُّخَصَ عَلَى كَثْرَةِ أَدِلَّتِهَا أَوْ صِيَغِهَا،
_________
(١) مراتب الإجماع ص ١٧٥.
(٢) الأحكام ٦ / ١٧٩.
(٣) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ص ٢٧٢.
(٤) نفس المصدر.