الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) .

وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ وَقَال لَهُ: كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَال: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَال: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَال: فَبِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ، قَال: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَال: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو، فَضَرَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ وَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُول رَسُول اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُول اللَّهِ (٢) . وَلِذَلِكَ لاَ يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي إِلاَّ إِذَا خَالَفَ نَصًّا ظَاهِرًا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ خَالَفَ إِجْمَاعًا، أَوْ خَالَفَ قِيَاسًا جَلِيًّا، كَمَا يَقُول بَعْضُ الْفُقَهَاءِ. (٣)

لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ لِخَفَاءِ

_________

(١) سورة النساء / ٥٩.

(٢) حديث: " بَعَثَ النبيُّ ﷺ معاذًا إلى اليمن " أخرجه أبو داود (٤ / ١٨ - ١٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والترمذي (٣ / ٦٠٧ - ط الحلبي)، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: " هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل ".

(٣) البدائع ٧ / ٤ / ١٤، والتبصرة بهامش فتح العلي ١ / ٧٠، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٦، والمغني ٩ / ٥٦، والأحكام للآمدي ٤ / ٢٠٣.

الدَّلِيل، وَقَدْ تَكُونُ الْفَتْوَى كَذَلِكَ، فَإِذَا ظَهَرَ الْحَقُّ وَوُجِدَ الدَّلِيل وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ خَفِيَ عَلَى عُمَرَ ﵁ دِيَةُ الأَْصَابِعِ فَقَضَى فِي الإِْبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى أُخْبِرَ أَنَّ فِي كِتَابِ آل عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيهَا بِعُشْرِ عُشْرٍ فَتَرَكَ قَوْلَهُ وَرَجَعَ إِلَيْهِ (١) .

ب - اسْتِظْهَارُ الْمُجْتَهِدِ رَأْيَ مُجْتَهِدٍ آخَرَ:

٨ - الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الْمُجْتَهِدَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ يُوجِبُ عَلَى أَحَدِهِمَا الرُّجُوعَ إِلَى رَأْيِ مَنْ ظَهَرَ الْحَقُّ فِي جَانِبِهِ، فَقَدْ عَارَضَ عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي قِتَال مَانِعِي الزَّكَاةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ؛ لأَِنَّهُمْ فِي نَظَرِ عُمَرَ ﵁ يَشْهَدُونَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَمَنْ قَال لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (٢)، فَقَال أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأَُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَال، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ

_________

(١) إعلام الموقعين ٢ / ٢٧٠ - ٢٧١، والمغني ٩ / ٤٢، ٥١، وحديث: " قضاء عمر في دية الأصابع ورجوعه عن رأيه " أخرجه البيهقي (٨ / ٩٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) .

(٢) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٦٢ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٥١ - ٥٢ - ط الحلبي) .

عَلَى مَنْعِهِ، فَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَال فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.

قَال النَّوَوِيُّ وَالأَْبِيُّ فِي شَرْحِهِمَا لِلْحَدِيثِ: هَذَا يَدُل عَلَى اجْتِهَادِ الأَْئِمَّةِ فِي النَّوَازِل وَرَدِّهَا إِلَى الأُْصُول، وَمُنَاظَرَةِ أَهْل الْعِلْمِ فِيهَا، وَرُجُوعِ مَنْ ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ إِلَى قَوْل صَاحِبِهِ. (١)

ج - اقْتِضَاءُ الْمَصْلَحَةِ:

٩ - قَدْ يَكُونُ الرُّجُوعُ مِنْ أَجْل الْمَصْلَحَةِ، (٢) وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَل مَنْزِلًا لِلْحَرْبِ فِي بَدْرٍ فَقِيل لَهُ: إِنْ كَانَ بِوَحْيٍ فَسَمْعًا وَطَاعَةً، وَإِنْ كَانَ بِاجْتِهَادٍ وَرَأْيٍ فَهُوَ مَنْزِل مَكِيدَةٍ، فَقَال ﷺ: بَل بِاجْتِهَادٍ وَرَأْيٍ، فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِمَكَانٍ آخَرَ فِيهِ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ فَفَعَل النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ وَرَجَعَ إِلَى رَأْيِ الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ (٣) .

_________

(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ٢١٠ - ٢١٣، والأبي ١ / ١٠٩

(٢) المستصفى ٢ / ٣٥٦، وصحيح مسلم بشرح الأبي ١ / ١١٤، ١٢٥، وشرح النووي ١ / ٢٢٥، ٢٤١، ومختصر تفسير ابن كثير ٢ / ٩١، والأحكام للآمدي ٤ / ١٦٩ - ١٧٠ ط المكتب الإسلامي.

(٣) حديث الحباب بن المنذر أورده ابن هشام في السيرة (١ / ٦٢٠ - ط الحلبي) نقلًا عن ابن إسحاق، وفيه جهالة الواسطة بين ابن إسحاق والحباب، ووصله الحاكم في المستدرك (٣ / ٤٢٦ - ٤٢٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال الذهبي: " حديث منكر ".

قَال ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: حُدِّثْتُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا: أَنَّ الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِل، أَمَنْزِلًا أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ، وَلاَ نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَال بَل هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنَ الْقَوْمِ، فَنَنْزِلَهُ، ثُمَّ نُغَوِّرَ مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْقُلُبِ، ثُمَّ نَبْنِيَ عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِل الْقَوْمَ، فَنَشْرَبُ وَلاَ يَشْرَبُونَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ. فَنَهَضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ، فَسَارَ حَتَّى إِذَا أَتَى أَدْنَى مَاءٍ مِنَ الْقَوْمِ نَزَل عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْقُلُبِ فَغُوِّرَتْ، وَبَنَى حَوْضًا عَلَى الْقَلِيبِ الَّذِي نَزَل عَلَيْهِ، فَمُلِئَ مَاءً، ثُمَّ قَذَفُوا فِيهِ الآْنِيَةَ.

وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الأَْزْوَادِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ حِينَ نَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ حَتَّى هَمَّ النَّبِيُّ ﷺ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁ أَنْ يَجْمَعَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ فَيَدْعُو عَلَيْهَا فَفَعَل النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ حَتَّى مَلأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ (١) . قَال الْعُلَمَاءُ: لاَ خِلاَفَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَيَرْجِعَ إِلَى

_________

(١) حديث عمر في " جمع الأزواد. . . " أخرجه مسلم (١ / ٥٦ - ٥٧ - ط الحلبي) .

رَأْيِ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، كَمَا فَعَل فِي تَلْقِيحِ النَّخْل، وَالنُّزُول بِبَدْرٍ، وَمُصَالَحَةِ أَهْل الأَْحْزَابِ.

وَكَذَلِكَ فَعَل النَّبِيُّ ﷺ حِينَ أَرْسَل أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ بِنَعْلَيْهِ وَقَال لَهُ: مَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَقَال لَهُ عُمَرُ ﵁: لاَ تَفْعَل فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِل النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَخَلِّهِمْ (١) .

د - تَغَيُّرُ اجْتِهَادِ الْقَاضِي:

١٠ - مِنْ أَسْبَابِ الرُّجُوعِ أَيْضًا تَغَيُّرُ الاِجْتِهَادِ، فَالْمُجْتَهِدُ الَّذِي يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ إِلَى رَأْيٍ يُخَالِفُ رَأْيَهُ الأَْوَّل يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنِ اجْتِهَادِهِ الأَْوَّل وَالْعَمَل بِمَا تَغَيَّرَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ كِتَابُ عُمَرَ ﵁ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ وَقَدْ جَاءَ فِيهِ: وَلاَ يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَ بِهِ الْيَوْمَ فَرَاجَعْتَ فِيهِ رَأْيَكَ وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ فِيهِ الْحَقَّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ وَلاَ يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِل.

قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: يُرِيدُ أَنَّكَ إِذَا اجْتَهَدْتَ فِي حُكُومَةٍ ثُمَّ وَقَعَتْ لَكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلاَ يَمْنَعُكَ

_________

(١) حديث: " من لقيت وراء هذا الحائط يشهد. . . " أخرجه مسلم (١ / ٦٠ - ط الحلبي) .

الاِجْتِهَادُ الأَْوَّل مِنْ إِعَادَتِهِ، فَإِنَّ الاِجْتِهَادَ قَدْ يَتَغَيَّرُ، وَلاَ يَكُونُ الاِجْتِهَادُ الأَْوَّل مَانِعًا مِنَ الْعَمَل بِالثَّانِي إِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ الْحَقُّ، فَإِنَّ الْحَقَّ أَوْلَى بِالإِْيثَارِ؛ لأَِنَّهُ قَدِيمٌ سَابِقٌ عَلَى الْبَاطِل، فَإِنْ كَانَ الاِجْتِهَادُ الأَْوَّل قَدْ سَبَقَ الثَّانِيَ، وَالثَّانِي هُوَ الْحَقُّ فَهُوَ أَسْبَقُ مِنْ الاِجْتِهَادِ الأَْوَّل؛ لأَِنَّهُ قَدِيمٌ سَابِقٌ عَلَى مَا سِوَاهُ، وَلاَ يُبْطِلُهُ وُقُوعُ الاِجْتِهَادِ الأَْوَّل عَلَى خِلاَفِهِ، بَل الرُّجُوعُ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنَ التَّمَادِي عَلَى الاِجْتِهَادِ الأَْوَّل. (١)

١١ - عَلَى أَنَّ تَغَيُّرَ الاِجْتِهَادِ وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الرُّجُوعَ إِلَى مَا تَغَيَّرَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لَكِنَّ ذَلِكَ لاَ يُبْطِل الاِجْتِهَادَ الأَْوَّل إِذَا صَدَرَ بِهِ حُكْمٌ.

وَهَذَا فِي الْحَوَادِثِ الَّتِي هِيَ مَحَل الاِجْتِهَادِ، قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمُجْتَهِدُ إِذَا قَضَى فِي حَادِثَةٍ بِرَأْيِهِ - وَهِيَ مَحَل الاِجْتِهَادِ - ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيْهِ ثَانِيًا فَتَحَوَّل رَأْيُهُ يَعْمَل بِالرَّأْيِ الثَّانِي، وَلاَ يُوجِبُ هَذَا نَقْضَ الْحُكْمِ بِالرَّأْيِ الأَْوَّل؛ لأَِنَّ الْقَضَاءَ بِالرَّأْيِ الأَْوَّل قَضَاءٌ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهِ لاِتِّفَاقِ أَهْل الاِجْتِهَادِ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ فِي مَحَل الاِجْتِهَادِ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَكَانَ هَذَا قَضَاءً مُتَّفَقًا عَلَى صِحَّتِهِ، وَلاَ اتِّفَاقَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الرَّأْيِ الثَّانِي، فَلاَ يَجُوزُ نَقْضُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ لِقَاضٍ آخَرَ أَنْ يُبْطِل هَذَا الْقَضَاءَ، كَذَا هَذَا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁

_________

(١) إعلام الموقعين ١ / ١١٠، ٢٣٤

قَضَى فِي الْمُشَرَّكَةِ بِإِسْقَاطِ الإِْخْوَةِ مِنَ الأَْبَوَيْنِ وَتَوْرِيثِ الإِْخْوَةِ لأُِمٍّ، ثُمَّ شَرَّكَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ بَعْدُ، وَلَمَّا سُئِل قَال: تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ عَلَى مَا نَقْضِي، فَأَخَذَ عُمَرُ ﵁ فِي كِلاَ الاِجْتِهَادَيْنِ بِمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ الْقَضَاءُ الأَْوَّل مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الثَّانِي، وَلَمْ يُنْقَضِ الأَْوَّل بِالثَّانِي، فَجَرَى أَئِمَّةُ الإِْسْلاَمِ بَعْدَهُ عَلَى هَذَيْنِ الأَْصْلَيْنِ. (١)

وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي جَوَازِ رُجُوعِ الْقَاضِي عَمَّا قَضَى بِهِ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ.

قَال ابْنُ حَبِيبٍ: أَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ فِي الْقَاضِي يَقْضِي بِالْقَضَاءِ ثُمَّ يَرَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَيُرِيدُ الرُّجُوعَ عَنْهُ إِلَى مَا رَأَى، فَذَلِكَ لَهُ مَا كَانَ عَلَى وِلاَيَتِهِ الَّتِي فِيهَا قَضَى بِذَلِكَ الْقَضَاءِ الَّذِي يُرِيدُ الرُّجُوعَ عَنْهُ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَحْنُونٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لاَ يَجُوزُ فَسْخُهُ، وَصَوَّبَهُ أَئِمَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ قِيَاسًا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ نَقْضُ هَذَا لِرَأْيِهِ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ فَسْخُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَلاَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ، وَلاَ يَثِقُ أَحَدٌ بِمَا قُضِيَ لَهُ بِهِ وَذَلِكَ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، وَقِيل: إِنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِمَالٍ فَسَخَهُ، وَإِنْ كَانَ ثُبُوتَ

_________

(١) البدائع ٧ / ٥، والمغني ٩ / ٥٦ - ٥٧، وإعلام الموقعين ١ / ١١٠ - ١١١، ٤ / ٢٣٢، والوجيز ٢ / ٢٤١، والأحكام للآمدي ٤ / ٢٠٣.

نِكَاحٍ أَوْ فَسْخَهُ لَمْ يَنْقُضْهُ. قَال ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ: وَالْمَشْهُورُ جَوَازُ الرُّجُوعِ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لأَِنَّهُ رُجُوعٌ إِلَى الصَّوَابِ.

لَكِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ ذَكَرَ أَنَّ الْخِلاَفَ إِنَّمَا هُوَ إِذَا حَكَمَ بِذَلِكَ وَهُوَ يَرَاهُ بِاجْتِهَادِهِ، أَمَّا إِنْ قَضَى بِذَلِكَ ذَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلاَ يَنْبَغِي الْخِلاَفُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْهُ إِلَى مَا رَأَى إِذْ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ.

وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ قَال بِهِ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ اسْتِنَادًا إِلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ عُمَرَ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ﵄. (١)

هـ - تَغَيُّرُ اجْتِهَادِ الْمُفْتِي:

١٢ - مِنْ أَسْبَابِ الرُّجُوعِ كَذَلِكَ تَغَيُّرُ اجْتِهَادِ الْمُفْتِي، فَإِذَا أَفْتَى الْمُجْتَهِدُ بِرَأْيٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْ رَأْيِهِ الأَْوَّل وَالإِْفْتَاءُ بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ثَانِيًا.

وَقَدْ كَانَ لأَِئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ أَقْوَالٌ رَجَعُوا عَنْهَا لَمَّا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُمْ وَصَارَتْ لَهُمْ أَقْوَالٌ أُخْرَى هِيَ الَّتِي تَغَيَّرَ إِلَيْهَا اجْتِهَادُهُمْ. فَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنِ الْقَوْل بِأَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَل مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ لَمَّا حَجَّ وَعَرَفَ مَشَقَّتَهُ. (٢)

_________

(١) منح الجليل ٤ / ١٩٣، والتبصرة بهامش فتح العلي ١ / ٧١ - ٧٢، والمغني ٩ / ٥٦

(٢) ابن عابدين ١ / ٤٩

وَقَدْ كَانَ لِمَالِكٍ أَقْوَالٌ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا نَقَلَهَا عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ، وَنَظَرًا لأَِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لاَزَمَ مَالِكًا كَثِيرًا وَكَانَ لاَ يَغِيبُ عَنْ مَجْلِسِهِ إِلاَّ لِعُذْرٍ فَقَدْ قَالُوا: مَنْ قَلَّدَ مَالِكًا فَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِالْقَوْل الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لأَِنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ الرَّاجِحُ لِمَصِيرِ مَالِكٍ إِلَيْهِ آخِرًا مَعَ ذِكْرِهِ الْقَوْل الأَْوَّل. (١)

كَذَلِكَ كَانَ لِلشَّافِعِيِّ مَذْهَبَانِ أَوْ قَوْلاَنِ وَهُمَا الْقَدِيمُ وَالْجَدِيدُ، يَقُول النَّوَوِيُّ: صَنَّفَ الشَّافِعِيُّ فِي الْعِرَاقِ كِتَابَهُ الْقَدِيمَ، وَيُسَمَّى كِتَابَ الْحُجَّةِ، وَيَرْوِيهِ عَنْهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ جِلَّةِ أَصْحَابِهِ وَهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالزَّعْفَرَانِيُّ، وَالْكَرَابِيسِيُّ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مِصْرَ وَصَنَّفَ كُتُبَهُ الْجَدِيدَةَ كُلَّهَا بِمِصْرَ.

ثُمَّ يَقُول النَّوَوِيُّ: كُل مَسْأَلَةٍ فِيهَا قَوْلاَنِ لِلشَّافِعِيِّ قَدِيمٌ وَجَدِيدٌ، فَالْجَدِيدُ هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْعَمَل؛ لأَِنَّ الْقَدِيمَ مَرْجُوعٌ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ بَعْضَ الْمَسَائِل الْمُسْتَثْنَاةِ وَالَّتِي يُفْتَى فِيهَا بِالْقَدِيمِ. وَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: مُعْتَقَدِي أَنَّ الأَْقْوَال الْقَدِيمَةَ لَيْسَتْ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ كَانَتْ؛ لأَِنَّهُ جَزَمَ فِي الْجَدِيدِ بِخِلاَفِهَا، وَالْمَرْجُوعُ عَنْهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلرَّاجِعِ.

١٣ - عَلَى أَنَّ أَتْبَاعَ الأَْئِمَّةِ قَدْ يُفْتُونَ بِالأَْقْوَال الْقَدِيمَةِ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ لِرَجَاحَتِهَا فِي نَظَرِهِمْ.

_________

(١) التبصرة بهامش فتح العلي ١ / ٦٠.

يَقُول النَّوَوِيُّ: إِذَا عَلِمْتُ حَال الْقَدِيمِ وَوَجَدْنَا أَصْحَابَنَا أَفْتَوْا بِالْمَسَائِل الَّتِي فِيهِ حَمَلْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَدَّاهُمُ اجْتِهَادُهُمْ إِلَى الْقَدِيمِ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ وَهُمْ مُجْتَهِدُونَ فَأَفْتَوْا بِهِ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نِسْبَتُهُ إِلَى الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَقُل أَحَدٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِل إِنَّهَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. (١) وَيَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ: أَتْبَاعُ الأَْئِمَّةِ يُفْتُونَ كَثِيرًا بِأَقْوَالِهِمُ الْقَدِيمَةِ الَّتِي رَجَعُوا عَنْهَا، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الطَّوَائِفِ. فَالْحَنَفِيَّةُ يُفْتُونَ بِلُزُومِ الْمَنْذُورَاتِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مَخْرَجُ الْيَمِينِ كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ، وَقَدْ حَكَوْا هُمْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَجَعَ قَبْل مَوْتِهِ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ إِلَى التَّكْفِيرِ، وَالْحَنَابِلَةُ يُفْتِي كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِوُقُوعِ طَلاَقِ السَّكْرَانِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَحْمَدُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ إِلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ، وَالشَّافِعِيَّةُ يُفْتُونَ بِالْقَوْل الْقَدِيمِ فِي مَسْأَلَةِ التَّثْوِيبِ، وَامْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَمَسْأَلَةِ التَّبَاعُدِ عَنِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِل، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقَوْل الَّذِي صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ لَمْ يَبْقَ مَذْهَبًا لَهُ، فَإِذَا أَفْتَى الْمُفْتِي بِهِ مَعَ نَصِّهِ عَلَى خِلاَفِهِ لِرُجْحَانِهِ عِنْدَهُ لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عَنِ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبِهِ.

وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الصَّوَابُ إِذَا تَرَجَّحَ - عِنْدَ الْمُنْتَسِبِ إِلَى مَذْهَبٍ - قَوْلٌ غَيْرُ قَوْل إِمَامِهِ بِدَلِيلٍ رَاجِحٍ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى أُصُول إِمَامِهِ

_________

(١) المجموع (١ / ٢٤ - ٢٥، ١١٢ - ١١٣) تحقيق المطيعي.