الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢
وَقَوَاعِدِهِ، فَإِنَّ الأَْئِمَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أُصُول الأَْحْكَامِ، وَمَتَى قَال بَعْضُهُمْ قَوْلًا مَرْجُوحًا فَأُصُولُهُ تَرُدُّهُ وَتَقْتَضِي الْقَوْل الرَّاجِحَ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: قَال أَبُو عَمْرٍو: اخْتِيَارُ أَحَدِ أَتْبَاعِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِلْقَدِيمِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيل اخْتِيَارِهِ مَذْهَبَ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ. (١)
٢ - الرُّجُوعُ فِي الْعُقُودِ:
أ - الرُّجُوعُ فِي الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ:
١٤ - الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ (غَيْرُ اللاَّزِمَةِ) كَالْعَارِيَّةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْوَدِيعَةِ، عُقُودٌ غَيْرُ لاَزِمَةٍ، وَعَدَمُ لُزُومِهَا يُبِيحُ الرُّجُوعَ فِيهَا إِذَا تَوَافَرَتِ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ الَّتِي حَدَّدَهَا الْفُقَهَاءُ كَشَرْطِ نُضُوضِ (٢) رَأْسِ الْمَال فِي الْمُضَارَبَةِ، وَشَرْطِ عِلْمِ الطَّرَفِ الآْخَرِ بِالْفَسْخِ، وَشَرْطِ عَدَمِ الضَّرَرِ فِي الرُّجُوعِ، فَمَنِ اسْتَعَارَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ، وَأَرَادَ الْمُعِيرُ الرُّجُوعَ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ الْفِعْلِيَّ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَحْصُدَ الزَّرْعَ، وَمَنْ أَعَارَ مَكَانًا لِدَفْنٍ، وَحَصَل الدَّفْنُ فِعْلًا فَلاَ يَرْجِعُ الْمُعِيرُ فِي مَوْضِعِهِ حَتَّى يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ، كَمَا أَنَّ الْعَارِيَّةَ الْمُقَيَّدَةَ بِأَجَلٍ أَوْ عَمَلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ
_________
(١) المجموع ١ / ١١٣، وإعلام الموقعين ٤ / ٢٣٨ - ٢٣٩
(٢) الناض من المال: ما كان نقدًا، وهو ضد العرض، الزاهر: ف / ٣٠٢.
رُجُوعَ فِيهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ الأَْجَل أَوِ الْعَمَل. (١)
ب - الْعُقُودُ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْخِيَارُ:
١٥ - الْعُقُودُ الَّتِي مِنْ طَبِيعَتِهَا اللُّزُومُ كَالْبَيْعِ، يَكُونُ لُزُومُهَا بِتَمَامِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، مَا لَمْ يَلْحَقْهَا الْخِيَارُ فَإِذَا لَحِقَهَا الْخِيَارُ صَارَتْ عُقُودًا غَيْرَ لاَزِمَةٍ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، فَيَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا. (٢) انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (خِيَار) .
٣ - الرُّجُوعُ بِالإِْقَالَةِ:
١٦ - الإِْقَالَةُ - سَوَاءٌ اعْتُبِرَتْ فَسْخًا أَوْ بَيْعًا - تُعْتَبَرُ رُجُوعًا فِي الْعَقْدِ بِرِضَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَهِيَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْجَائِزَةِ بَل الْمَنْدُوبَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ أَقَال مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ (٣) وَالْقَصْدُ مِنْهَا رَدُّ كُل حَقٍّ إِلَى صَاحِبِهِ، فَفِي الْبَيْعِ مَثَلًا يَعُودُ - بِمُقْتَضَاهَا - الْمَبِيعُ إِلَى الْبَائِعِ، وَالثَّمَنُ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ لاَ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّمَنِ الأَْوَّل أَوْ نَقْصُهُ أَوْ رَدُّ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ لأَِنَّ
_________
(١) البدائع ٦ / ٣٧، ٧٧، ١٠٩، ٢١٦، ٧ / ٣٧٨، وجواهر الإكليل ٢ / ١١٥، ١٣٢، ١٧٧، ٣١٨، والشرح الصغير ٢ / ٢٠٨ - ط الحلبي، ومغني المحتاج ٢ / ٢١٥، ٢٧٠، ٣١٩، ٣ / ٧١، القليوبي وعميرة ٣ / ٢١، ٢٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٠٥، ٣٩٤، ٣٩٨، ٥٤٥، والدسوقي ٣ / ٥٣٥، والمبسوط ١٢ / ٤٧.
(٢) البدائع ٥ / ١٣٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٦٧ - ١٦٨
(٣) الحديث تقدم في ف / ٥.
مُقْتَضَى الإِْقَالَةِ رَدُّ الأَْمْرِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَرُجُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى مَا كَانَ لَهُ. (١)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إِقَالَة)
٤ - الرُّجُوعُ بِسَبَبِ الإِْفْلاَسِ:
١٧ - الإِْفْلاَسُ مِنْ أَسْبَابِ الرُّجُوعِ، ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ يَتَعَلَّقُ بِمَال الْمَدِينِ، فَإِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ وَكَانَ قَدِ اشْتَرَى شَيْئًا وَقَبَضَهُ وَلَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ وَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ قَائِمًا، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَلاَ يَسْقُطُ حَقُّهُ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُل السِّلْعَةَ ثُمَّ أَفْلَسَ وَهِيَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْغُرَمَاءِ (٢) وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ - الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - هَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ شُرُوطِ الرُّجُوعِ الَّتِي حَدَّدَهَا الْفُقَهَاءُ كَكَوْنِ السِّلْعَةِ بَاقِيَةً فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ تَتَغَيَّرْ صُورَتُهَا كَالْحِنْطَةِ إِذَا طُحِنَتْ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ كَرَهْنٍ، وَأَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ،
_________
(١) الهداية ٣ / ٥٤، والدسوقي ٣ / ١٥٦، ومنح الجليل ٢ / ٧٠٥، والمهذب ١ / ٣٠٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٩٢ - ١٩٣
(٢) حديث: " إذا ابتاع الرجل السلعة ثم أفلس وهي عنده. . . . " أخرجه البيهقي (٦ / ٤٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة وأصله في مسلم (٣ / ١١٩٣ - ١١٩٤ - ط الحلبي) .
كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالسَّلَمِ، خِلاَفًا لِلْمُعَاوَضَةِ غَيْرِ الْمَحْضَةِ، كَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، فَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَذَلِكَ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَكُونُ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِعَيْنِ مَالِهِ الَّذِي وَجَدَهُ عِنْدَ الْمُفْلِسِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فَيُبَاعُ وَيُقَسَّمُ ثَمَنُهُ بِالْحِصَصِ؛ لأَِنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ قَدْ زَال عَنِ الْمَبِيعِ وَخَرَجَ مِنْ ضَمَانِهِ إِلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ، فَسَاوَى بَاقِيَ الْغُرَمَاءِ فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ وَقَدْ أَفْلَسَ وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ (٢) .
وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ قَبَضَ الْمَبِيعَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ، فَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ فِيهِ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ الَّذِي اسْتَدَل بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى الْقَبْضِ بِغَيْرِ إِذْنٍ. (٣)
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ (إِفْلاَس مِنَ الْمَوْسُوعَةِ ج ٥ ٣١٠) .
_________
(١) الدسوقي ٣ / ٢٨٢ - ٢٨٣، والمواق بهامش الحطاب ٥ / ٥٠، والمهذب ١ / ٣٢٩، ومغني المحتاج ٢ / ١٥٨، وكشاف القناع ٣ / ٤٢٥، والمغني ٤ / ٤٥٨.
(٢) حديث: " أيما رجل باع سلعته بعينها عند رجل، وقد أفلس. . . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٩٠ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وأصله في البخاري الفتح (٥ / ٦٢ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٩٩٣ - ط الحلبي) .
(٣) البدائع ٥ / ٢٥٢، وابن عابدين ٥ / ٩٦، والعناية بهامش فتح القدير ٨ / ٢٠٩ - ٢١٠ - ط دار إحياء التراث.
٥ - الرُّجُوعُ بِسَبَبِ الْمَوْتِ:
١٨ - مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ تَعَلَّقَتِ الدُّيُونُ بِمَالِهِ، وَإِذَا مَاتَ مُفْلِسًا قَبْل تَأْدِيَةِ ثَمَنِ مَا اشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ وَوَجَدَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ فِي التَّرِكَةِ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَكُونُ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ وَيَرْجِعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ (١) فَإِنْ كَانَتِ التَّرِكَةُ تَفِي بِالدَّيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْل أَبِي سَعِيدٍ الإِْصْطَخْرِيِّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَالثَّانِي لاَ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لأَِنَّ الْمَال يَفِي بِالدَّيْنِ فَلَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ فِي الْمَبِيعِ كَالْحَيِّ الْمَلِيءِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ، بَل يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ مِنْهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ فِيهِ أُسْوَةُ
_________
(١) حديث: " أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٩٠ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وأعله ابن حجر بجهالة الراوي عن أبي هريرة، كذا في التلخيص (٣ / ٣٨ - ط شركة الطباعة الفنية) .
الْغُرَمَاءِ (١) وَلأَِنَّ الْمِلْكَ انْتَقَل عَنِ الْمُفْلِسِ إِلَى الْوَرَثَةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَرِكَة) .
٦ - الرُّجُوعُ بِسَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ:
١٩ - الاِسْتِحْقَاقُ - بِمَعْنَاهُ الأَْعَمِّ - ظُهُورُ كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا وَاجِبًا لِلْغَيْرِ، وَالاِسْتِحْقَاقُ يَرِدُ فِي الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ، فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَالْمَسْرُوقُ مِنْهُ يَثْبُتُ لَهُمَا حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ رَدُّ الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ لِرَبِّهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (٣) .
وَيَشْمَل كَذَلِكَ اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوِ الْمَوْهُوبِ عَلَى الْمُتَّهَبِ، فَيَتَبَيَّنُ فَسَادُ الْعَقْدِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيَتَوَقَّفُ نَفَاذُ الْعَقْدِ عَلَى الإِْجَازَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي فِي الْجُمْلَةِ حَقُّ
_________
(١) حديث: " أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه منه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء " أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٦٧٨ - ط الحلبي) من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مرسلًا
(٢) البدائع ٥ / ٢٥٢، ومنح الجليل ٣ / ١٤٨، والمهذب ١ / ٣٣٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٨٠.
(٣) حديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي " أخرجه الترمذي (٣ / ٥٥٧ - ط الحلبي) من حديث الحسن بن سمرة، وأعله ابن حجر بقوله: " الحسن مختلف بسماعه من سمرة " كذا في التلخيص الحبير (٣ / ٥٣ - ط شركة الطباعة الفنية) .
الرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ ثُبُوتُ الاِسْتِحْقَاقِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالإِْقْرَارِ. (١)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِحْقَاق) .
٧ - الرُّجُوعُ بِسَبَبِ الأَْدَاءِ وَوُجُودِ الإِْذْنِ:
٢٠ - أَدَاءُ الدَّيْنِ بِإِذْنِ الْمَدِينِ فِي الأَْدَاءِ أَوْ فِي الضَّمَانِ مِنْ أَسْبَابِ الرُّجُوعِ عَلَى الْمَدِينِ، فَمَنْ أَذِنَ لِغَيْرِهِ بِضَمَانِ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ أَذِنَ لَهُ بِأَدَائِهِ فَأَدَّاهُ قَاصِدًا الرُّجُوعَ بِهِ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمَدِينِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، مَعَ مُرَاعَاةِ تَوَافُرِ شُرُوطِ صِحَّةِ الضَّمَانِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كُل مَذْهَبٍ، كَكَوْنِ الضَّامِنِ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ، وَكَكَوْنِ الدَّيْنِ ثَابِتًا عِنْدَ الضَّمَانِ، وَكَوْنِهِ مَعْلُومًا عِنْدَ مَنْ لاَ يُجِيزُ ضَمَانَ الْمَجْهُول، وَكَأَنْ يُضِيفَ الْمَضْمُونُ الضَّمَانَ إِلَى نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُول: اضْمَنْ عَنِّي. كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ وَالاِسْتِثْنَاءَاتِ.
لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي ثُبُوتِ حَقِّ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ عِنْدَ ضَمَانِ الدَّيْنِ وَأَدَائِهِ دُونَ إِذْنِ الْمَدِينِ فِي الضَّمَانِ أَوْ فِي الأَْدَاءِ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ أَدَّى
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ١١٨ - ١١٩، والبدائع ٧ / ٨٣، ١٤٨، والفتاوى الهندية ٣ / ١٦٥، ومنح الجليل ٣ / ٥١٥ - ٥٢٣، والدسوقي ٣ / ٤٦١، والحطاب ٥ / ٢٩٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢٧٦ وما بعدها، وأشباه السيوطي ٢٣٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٧٤، ٤٠١، والقواعد لابن رجب ١١٩ - ٢٨٣ وأشباه ابن نجيم ٢٦٤
دَيْنَ غَيْرِهِ دُونَ إِذْنِهِ فَلاَ يَحِقُّ لَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَدَّى؛ لأَِنَّ الْكَفَالَةَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَدِينِ تَبَرُّعٌ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْغَيْرِ فَلاَ يَحْتَمِل الرُّجُوعَ. (١)
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ لِصِحَّةِ الضَّمَانِ وَالأَْدَاءِ دُونَ إِذْنِ الْمَدِينِ، وَهَذَا إِذَا ضَمِنَ أَوْ أَدَّى عَلَى سَبِيل الرِّفْقِ بِالْمَدِينِ، أَمَّا إِنْ كَانَ الْغَرَضُ إِضْرَارَهُ بِسُوءِ طَلَبِهِ وَحَبْسِهِ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا فَلاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمَدِينِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ الَّذِي أَدَّاهُ لَهُ. (٢)
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: إِنِ انْتَفَى الإِْذْنُ فِي الأَْدَاءِ وَالضَّمَانِ فَلاَ رُجُوعَ لَهُ؛ لأَِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ رُجُوعٌ لَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمَيِّتِ بِضَمَانِ أَبِي قَتَادَةَ. (٣)
وَإِنْ أَذِنَ الْمَدِينُ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ وَسَكَتَ عَنِ الأَْدَاءِ رَجَعَ فِي الأَْصَحِّ لأَِنَّهُ أَذِنَ فِي سَبَبِ الأَْدَاءِ، وَالثَّانِي: لاَ يَرْجِعُ لاِنْتِفَاءِ الإِْذْنِ فِي الأَْدَاءِ.
٢١ - وَيُسْتَثْنَى مِنْ أَحَقِّيَّةِ الرُّجُوعِ - إِذَا وُجِدَ
_________
(١) البدائع ٦ / ١٣ - ١٤، وفتح القدير ٤ / ٣٠٣ - ٣٠٤ ط دار إحياء التراث.
(٢) الدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٣٣٤ - ٣٣٦
(٣) فعن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة يحدث عن أبيه أن النبي ﷺ أتي برجل ليصلي عليه فقال النبي ﷺ: " صلوا على صاحبكم؛ فإن عليه دَينًا " قال أبو قتادة: هو عليَّ، فقال رسول الله ﷺ: "
الإِْذْنُ فِي الضَّمَانِ - مَا إِذَا ثَبَتَ الضَّمَانُ بِبَيِّنَةٍ وَهُوَ مُنْكِرٌ، كَأَنِ ادَّعَى عَلَى زَيْدٍ وَغَائِبٍ أَلْفًا، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضَمِنَ مَا عَلَى الآْخَرِ بِإِذْنِهِ، فَأَنْكَرَ زَيْدٌ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً وَغَرَّمَهُ، لَمْ يَرْجِعْ زَيْدٌ عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّصْفِ؛ لِكَوْنِهِ مُكَذِّبًا بِالْبَيِّنَةِ، فَهُوَ مَظْلُومٌ بِزَعْمِهِ، فَلاَ يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ، وَكَذَا لَوْ قَال الضَّامِنُ بِالإِْذْنِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُؤَدِّيَ دَيْنَ فُلاَنٍ وَلاَ أَرْجِعَ بِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَدَّى لاَ يَرْجِعُ.
وَإِنْ أَذِنَ الْمَدِينُ فِي الأَْدَاءِ وَانْتَفَى الإِْذْنُ فِي الضَّمَانِ فَضَمِنَ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَأَدَّى بِالإِْذْنِ، فَلاَ رُجُوعَ لَهُ فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: يَرْجِعُ؛ لأَِنَّهُ أَسْقَطَ الدَّيْنَ عَنِ الأَْصِيل بِإِذْنِهِ،
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَدَّى وَشَرَطَ الرُّجُوعَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ. (١)
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ بَنَوْا ثُبُوتَ الْحَقِّ فِي الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ عَلَى النِّيَّةِ. قَالُوا: إِنْ قَضَى الضَّامِنُ الدَّيْنَ وَلَمْ يَنْوِ رُجُوعًا عَلَى مَضْمُونٍ عَنْهُ بِمَا قَضَاهُ لَمْ يَرْجِعْ؛ لأَِنَّهُ مُتَطَوِّعٌ سَوَاءٌ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ أَمْ لاَ، وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ رَجَعَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الضَّمَانُ أَوِ الْقَضَاءُ بِإِذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ أَمْ بِدُونِ إِذْنِهِ؛ لأَِنَّهُ قَضَاءٌ مُبَرِّئٌ مِنْ دَيْنٍ وَاجِبٍ فَكَانَ مِنْ ضَمَانِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، كَالْحَاكِمِ إِذَا قَضَاهُ عَنْهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ فِي قَضَاءٍ وَلاَ ضَمَانٍ، وَأَمَّا
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٠٩
قَضَاءُ عَلِيٍّ وَأَبِي قَتَادَةَ فَكَانَ تَبَرُّعًا؛ لِقَصْدِ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَدِينِ الْمُتَوَفَّى لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ.
وَالْكَلاَمُ فِيمَنْ نَوَى الرُّجُوعَ لاَ فِيمَنْ تَبَرَّعَ،
هَكَذَا جَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ وَشَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ، لَكِنَّ ابْنَ قُدَامَةَ ذَكَرَ رِوَايَةً فِي أَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَقَضَى بِغَيْرِ إِذْنٍ أَيْضًا فَإِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ بِشَيْءٍ وَلَوْ نَوَى الرُّجُوعَ، بِدَلِيل حَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَبِي قَتَادَةَ فَإِنَّهُمَا لَوْ كَانَا يَسْتَحِقَّانِ الرُّجُوعَ عَلَى الْمَيِّتِ صَارَ الدَّيْنُ لَهُمَا فَكَانَتْ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ مَشْغُولَةً بِدَيْنِهِمَا كَاشْتِغَالِهَا بِدَيْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَمْ يُصَل عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ؛ لأَِنَّهُ تَبَرَّعَ بِذَلِكَ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَفَ دَوَابَّهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: إِنْ قَضَى الدَّيْنَ وَلَمْ يَنْوِ رُجُوعًا وَلاَ تَبَرُّعًا بَل ذَهِل عَنْ قَصْدِهِ الرُّجُوعَ وَعَدَمَهُ لَمْ يَرْجِعْ كَالْمُتَبَرِّعِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ الرُّجُوعَ. (١)
٢٢ - هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِدَيْنِ الآْدَمِيِّ، أَمَّا دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ فَإِنَّ مَنْ أَدَّى زَكَاةَ غَيْرِهِ دُونَ إِذْنِهِ فَلاَ يُجْزِئُ مَا أَدَّاهُ عَنِ الزَّكَاةِ لاِشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ، وَلاَ رُجُوعَ لَهُ بِمَا أَدَّى، إِلاَّ أَنَّ الزَّكَاةَ إِنْ أَخْرَجَهَا أَحَدٌ بِغَيْرِ عِلْمِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ الإِْمَامِ فَمُقْتَضَى قَوْل أَصْحَابِنَا فِي الأُْضْحِيَّةِ يَذْبَحُهَا
_________
(١) كشاف القناع ٣ / ٣٧١ - ٣٧٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٥٠، والمغني ٤ / ٦٠٧ - ٦٠٩