الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢
اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ الزِّنَى
مَنْ يُحَدُّ بِالرَّجْمِ:
٣ - تَخْتَصُّ عُقُوبَةُ الرَّجْمِ بِالزَّانِي الْمُكَلَّفِ الْمُحْصَنِ:
وَالْمُحْصَنُ: كُل مُكَلَّفٍ حُرٌّ مُخْتَارٌ مُلْتَزِمٌ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَطِئَ أَوْ وُطِئَتْ حَال الْكَمَال فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ، أَوْ مُرْتَدًّا، لاِلْتِزَامِهِمَا أَحْكَامَ الشَّرْعِ.
وَانْظُرْ: (إِحْصَان) .
أَمَّا غَيْرُ الْمُكَلَّفِ فَلاَ يُرْجَمُ؛ لأَِنَّ فِعْلَهُ لاَ يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ، كَمَا لاَ يُرْجَمُ غَيْرُ الْمُلْتَزِمِ كَالْحَرْبِيِّ (٢) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (زِنَى)
كَيْفِيَّةُ الرَّجْمِ:
٤ - إِذَا كَانَ الْمَرْجُومُ رَجُلًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الرَّجْمِ، وَهُوَ قَائِمٌ وَلَمْ يُوثَقْ، وَلَمْ يُحْفَرْ لَهُ، سَوَاءٌ ثَبَتَ زِنَاهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
أَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُحْفَرُ لَهَا عِنْدَ الرَّجْمِ إِلَى صَدْرِهَا
_________
(١) سورة النور / ٢.
(٢) المغني ٨ / ١٦١، وشرح الزرقاني ٨ / ٧٥، وأسنى المطالب ٤ / ١٢٨، وابن عابدين ٣ / ١٤٨.
إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِبَيِّنَةٍ؛ لِئَلاَّ تَتَكَشَّفَ عَوْرَتُهَا (١) .
وَقَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: لاَ يُحْفَرُ لَهَا، كَالرَّجُل. وَيُخْرَجُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الرَّجْمَ إِلَى أَرْضٍ فَضَاءٍ، وَيَبْتَدِئُ بِالرَّجْمِ الشُّهُودُ إِذَا ثَبَتَ زِنَاهُ بِشَهَادَةٍ، نَدْبًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَوُجُوبًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَيَحْضُرُ الإِْمَامُ عِنْدَ الرَّجْمِ كَمَا يَحْضُرُ جَمْعٌ مِنَ الرِّجَال الْمُسْلِمِينَ، وَيُرْجَمُ بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زِنَى) .
الْجَمْعُ بَيْنَ الرَّجْمِ، وَالْجَلْدِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْمَعُ عَلَى الزَّانِي الْمُحْصَنِ بَيْنَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ، وَقَال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ: إِنَّهُ يُجْلَدُ ثُمَّ يُرْجَمُ (٢) . (ر: جَلْد)
تَكْفِينُ الْمَرْجُومِ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَرْجُومَ يُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي مَاعِزٍ: اصْنَعُوا بِهِ مَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ (٣)، وَأَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى الْغَامِدِيَّةِ (٤) . وَالتَّفْصِيل فِي (صَلاَةُ الْجِنَازَةِ) .
_________
(١) أسنى المطالب ٤ / ١٣٣، وابن عابدين ٣ / ١٤٧، والمغني ٨ / ١٥٨.
(٢) المصادر السابقة.
(٣) حديث: " اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم " أخرجه ابن أبي شيبة (٣ / ٢٥٤ - ط الدار السلفية بمبي) من حديث بريدة، وأعله ابن حجر في الدراية (٢ / ٩٧ - ط الفجالة) بأحد رواته.
(٤) حديث: " أنه ﷺ صلى على الغامدية " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٢٤ - ط الحلبي) من حديث بريدة.
رَجْمُ الْحَامِل:
٧ - لاَ يُقَامُ حَدُّ الرَّجْمِ عَلَى الْحَامِل حَتَّى تَضَعَ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْهَا وَلِيدُهَا، سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْل مِنْ زِنًا أَمْ غَيْرِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلاَفًا.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَامِل لاَ تُرْجَمُ حَتَّى تَضَعَ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَإِنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ لِمَ تَرُدُّنِي لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى، قَال: إِمَّا لاَ فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَال: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ وَقَدْ أَكَل الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِل خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَال: مَهْلًا يَا خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ (١) .
_________
(١) حديث الغامدية. . . أخرجه مسلم (٣ / ١٣٢٣ - ١٣٢٤ - ط الحلبي) .
وَلأَِنَّ امْرَأَةً زَنَتْ فِي أَيَّامِ عُمَرَ ﵁ فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَقَال لَهُ مُعَاذٌ: إِنْ كَانَ لَكَ سَبِيلٌ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَكَ سَبِيلٌ عَلَى حَمْلِهَا، فَلَمْ يَرْجُمْهَا؛ وَلأَِنَّ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا فِي حَال حَمْلِهَا إِتْلاَفًا لِمَعْصُومٍ، وَلاَ سَبِيل إِلَيْهِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (حُدُود)
_________
(١) المصادر السابقة.
رُجُوعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الرُّجُوعُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْصِرَافُ، يُقَال: رَجَعَ يَرْجِعُ رَجْعًا وَرُجُوعًا وَرُجْعَى وَمَرْجِعًا: إِذَا انْصَرَفَ، وَرَجَعَهُ: رَدَّهُ، وَالرَّجْعَةُ: مُرَاجَعَةُ الرَّجُل أَهْلَهُ. وَرَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ، وَعَنِ الأَْمْرِ يَرْجِعُ رَجْعًا وَرُجُوعًا، قَال ابْنُ السِّكِّيتِ: هُوَ نَقِيضُ الذَّهَابِ، وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ فِي اللُّغَةِ الْفُصْحَى، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ قَال تَعَالَى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ. .﴾ (١) . وَهُذَيْلٌ تُعَدِّيهِ بِالأَْلِفِ، وَرَجَعْتُ الْكَلاَمَ وَغَيْرَهُ: رَدَدْتُهُ، وَرَجَعَ فِي الشَّيْءِ: عَادَ فِيهِ، وَمِنْ هُنَا قِيل: رَجَعَ فِي هِبَتِهِ إِذَا أَعَادَهَا إِلَى مِلْكِهِ (٢) .
وَفِي الْكُلِّيَّاتِ: الرُّجُوعُ: الْعَوْدُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مَكَانًا أَوْ صِفَةً، أَوْ حَالًا، يُقَال: رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ، وَإِلَى حَالَةِ الْفَقْرِ أَوِ الْغِنَى، وَرَجَعَ إِلَى الصِّحَّةِ أَوِ الْمَرَضِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الصِّفَاتِ،
_________
(١) سورة التوبة / ٨٣.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح.
وَرَجَعَ عَوْدُهُ عَلَى بَدْئِهِ، أَيْ رَجَعَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ، وَرَجَعَ عَنِ الشَّيْءِ تَرَكَهُ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ: أَقْبَل (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرَّدُّ:
٢ - الرَّدُّ صَرْفُ الشَّيْءِ وَرَجْعُهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّيْءَ إِذَا لَمْ يَقْبَلْهُ، وَكَذَا إِذَا خَطَّأَهُ، وَرَدَدْتُ إِلَيْهِ جَوَابَهُ، أَيْ رَجَعْتُ وَأَرْسَلْتُ، وَمِنْهُ: رَدَدْتُ عَلَيْهِ الْوَدِيعَةَ، وَتَرَدَّدْتُ إِلَى فُلاَنٍ: رَجَعْتُ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَتَرَادَّ الْقَوْمُ الْبَيْعَ: رَدُّوهُ (٣) .
وَالْفُقَهَاءُ أَحْيَانًا يَسْتَعْمِلُونَ الرَّدَّ وَالرُّجُوعَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَال الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: لِكُلٍّ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُعِيرِ رَدُّ الْعَارِيَّةِ مَتَى شَاءَ، وَرَدُّ الْمُعِيرِ بِمَعْنَى رُجُوعِهِ (٤) . وَيَقُول الْفُقَهَاءُ فِي الْوَصِيَّةِ: يَكُونُ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْقَوْل كَرَجَعْتُ فِي وَصِيَّتِي، أَوْ أَبْطَلْتُهَا وَنَحْوِهِ كَرَدَدْتُهَا (٥) .
_________
(١) الكليات للكفوي ٢ / ٣٩٠.
(٢) البدائع ٦ / ١٢٧، ٢٨٣ و٧ / ٦١، ٣٧٨، وجواهر الإكليل ١ / ٩١، ١٧٠، والقليوبي ٢ / ٢٩٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٤٥.
(٣) لسان العرب والمصباح المنير.
(٤) القليوبي وعميرة ٣ / ٢١ - ٢٢
(٥) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٤٥.
وَقَدْ يَخْتَصُّ الرُّجُوعُ بِمَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ التَّصَرُّفُ كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ، وَيُسْتَعْمَل الرَّدُّ فِيمَنْ صَدَرَ التَّصَرُّفُ لِصَالِحِهِ كَرَدِّ الْمُسْتَعِيرِ لِلْعَارِيَّةِ، وَرَدِّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ، أَوْ مِنْ طَرَفٍ ثَالِثٍ كَرَدِّ الْقَاضِي الشَّهَادَةَ
ب - الْفَسْخُ:
٣ - الْفَسْخُ: النَّقْضُ، يُقَال فَسَخَ الشَّيْءَ يَفْسَخُهُ فَسْخًا فَانْفَسَخَ: أَيْ نَقَضَهُ فَانْتَقَضَ، وَفَسِخَ رَأْيُهُ: فَسَدَ، وَيُقَال: فَسَخْتُ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ فَانْفَسَخَ، أَيْ نَقَضْتُهُ فَانْتَقَضَ، وَفَسَخْتُ الْعَقْدَ فَسْخًا رَفَعْتُهُ، وَفَسَخْتُ الشَّيْءَ فَرَّقْتُهُ (١) .
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ الْفَسْخَ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ، قَال الْكَاسَانِيُّ: الرُّجُوعُ: فَسْخُ الْعَقْدِ بَعْدَ تَمَامِهِ (٢) .
وَفِي الْمَنْثُورِ لِلزَّرْكَشِيِّ: الْفَسْخُ لَفْظٌ أَلَّفَهُ الْفُقَهَاءُ، وَمَعْنَاهُ رَدُّ الشَّيْءِ وَاسْتِرْدَادُ مُقَابِلِهِ (٣) .
ج - النَّقْضُ:
٤ - النَّقْضُ: إِفْسَادُ مَا أَبْرَمْتَ مِنْ عَقْدٍ أَوْ بِنَاءٍ، وَالنَّقْضُ: انْتِثَارُ الْعَقْدِ مِنَ الْبِنَاءِ وَالْحَبْل وَالْعَقْدِ،
_________
(١» لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) البدائع ٦ / ١٢٨.
(٣) المنثور ٣ / ٤٧.
وَهُوَ ضِدُّ الإِْبْرَامِ، يُقَال: نَقَضْتُ الْبِنَاءَ وَالْحَبْل وَالْعَقْدَ، وَفِي حَدِيثِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ: فَنَاقَضَنِي وَنَاقَضْتُهُ (١) "، أَيْ يَنْقُضُ قَوْلِي وَأَنْقُضُ قَوْلَهُ، وَأَرَادَ بِهِ الْمُرَاجَعَةَ وَالْمُرَادَّةَ (٢) . وَيَقُول الْفُقَهَاءُ: يَحْصُل الرُّجُوعُ عَنِ الْوَصِيَّةِ بِالْقَوْل كَنَقَضْتُ الْوَصِيَّةَ (٣) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - الرُّجُوعُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا بِاخْتِلاَفِ مَوْضُوعِهَا، وَلِذَلِكَ يَعْتَرِي الرُّجُوعُ الأَْحْكَامَ التَّكْلِيفِيَّةَ.
فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَالرُّجُوعِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَكَرُجُوعِ الْمُرْتَدِّ إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَرُجُوعِ الْبُغَاةِ إِلَى طَاعَةِ الإِْمَامِ (٤) .
وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا كَاسْتِحْبَابِ تَعْجِيل رُجُوعِ الْمُسَافِرِ إِلَى أَهْلِهِ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ (٥) .
وَكَرُجُوعِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالتَّرَاضِي بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالإِْقَالَةِ (٦) لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَقَال
_________
(١) في حديث صوم التطوع: " فناقضني وناقضته ". أورده ابن الأثير في النهاية (٥ / ١٠٧ ط الحلبي) .
(٢) لسان العرب والمصباح المنير والمفردات للراغب الأصفهاني.
(٣) البدائع ٧ / ٣٩٤، ومغني المحتاج ٣ / ٧١.
(٤) مختصر تفسير ابن كثير ١ / ٤٠٨، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧٨، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٨٢.
(٥) الدسوقي ١ / ٣٦٧.
(٦) شرح منتهى الإرادات
مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) .
وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا وَذَلِكَ كَالرُّجُوعِ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كَالْوَصِيَّةِ (٢) .
وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا كَالرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ، وَقَدْ قَال عُمَرُ ﵁: مَنْ وَهَبَ هِبَةً عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِيهَا (٣) .
وَكَالرُّجُوعِ عَنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ، فَمَنْ كَانَ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا وَأَسْلَمَ حَرُمَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّهُ يُصْبِحُ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا (٤) .
وَقَدْ يَكُونُ الرُّجُوعُ مَكْرُوهًا كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. جَاءَ فِي الاِخْتِيَارِ: يُكْرَهُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَسَاسَةِ وَالدَّنَاءَةِ، وَقَدْ قَال ﵊: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ (٥) . شَبَّهَهُ بِهِ لِخَسَاسَةِ الْفِعْل وَدَنَاءَةِ الْفَاعِل (٦) .
_________
(١) حديث: " من أقال مسلمًا أقاله الله عثرته يوم القيامة " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٤١ - ط الحلبي)، والحاكم (٢ / ٤٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) البدائع ٧ / ٣٧٨.
(٣) الهداية ٣ / ٢٣١، والمغني ٥ / ٦٨٤.
(٤) البدائع ٧ / ١٣٤.
(٥) حديث: " العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٣٥ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٢٤١ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس، واللفظ لمسلم.
(٦) الاختيار لتعليل المختار ٣ / ٥١.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّجُوعِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أَسْبَابُ الرُّجُوعِ:
٦ - الرُّجُوعُ قَدْ يَكُونُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ كَالْقَضَاءِ، وَالإِْقْرَارِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْهِبَةِ، وَالْكَفَالَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَكُونُ فِي الأَْفْعَال كَرُجُوعِ مَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ دُونَ إِحْرَامٍ إِلَى الْمِيقَاتِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ، وَكَرُجُوعِ الْمُسَافِرَةِ الَّتِي طَرَأَ عَلَيْهَا مُوجِبُ الْعِدَّةِ إِلَى مَسْكَنِهَا لِتَعْتَدَّ فِيهِ.
وَتَخْتَلِفُ أَسْبَابُ الرُّجُوعِ فِي كُل ذَلِكَ وَتَتَعَدَّدُ بِاخْتِلاَفِ الْمَوَاضِعِ وَالْمَسَائِل، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلًا: الرُّجُوعُ فِي الأَْقْوَال وَالتَّصَرُّفَاتِ:
١ - الرُّجُوعُ فِي الْحُكْمِ وَالْفَتْوَى:
لِلرُّجُوعِ فِي الْحُكْمِ وَالْفَتْوَى أَسْبَابٌ مِنْهَا:
أ - خَفَاءُ الدَّلِيل:
٧ - الأَْصْل فِي الْحُكْمِ وَالْفَتْوَى هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْجِعُ فِيهِمَا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَوِ الإِْجْمَاعِ، وَإِلاَّ فَالْقِيَاسُ وَالاِجْتِهَادُ إِنْ لَمْ يُوجَدْ نَصٌّ ظَاهِرٌ. (١) وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٢)
_________
(١) مختصر تفسير ابن كثير ١ / ٤٠٨، وأعلام الموقعين ٢ / ٢٧٩ - ٢٨٠، والمغني ٩ / ٥٠، ٥٣٢، وفواتح الرحموت ٢ / ٣٩٥.
(٢) سورة النساء / ١٠٥.