الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

رَتَقٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الرَّتْقُ لُغَةً: ضِدُّ الْفَتْقِ، وَقَدْ رَتَقْتُ الْفَتْقَ أَرْتُقُهُ فَارْتَتَقَ، أَيْ: الْتَأَمَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (١) .

وَالرَّتَقُ - بِالتَّحْرِيكِ - مَصْدَرُ قَوْلِكَ: رَتِقَتِ الْمَرْأَةُ تَرْتَقُ فَهِيَ رَتْقَاءُ بَيِّنَةُ الرَّتَقِ أَيْ: لاَ يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا لاِرْتِتَاقِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهَا، أَوْ لاَ خَرْقَ لَهَا إِلاَّ الْمَبَال خَاصَّةً (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. فَقَدْ عَرَّفَ النَّوَوِيُّ الرَّتَقَ بِأَنَّهُ انْسِدَادُ مَحَل الْجِمَاعِ بِاللَّحْمِ (٣) .

وَقَال الرَّحِيبَانِيُّ: الرَّتَقُ هُوَ كَوْنُ الْفَرْجِ مَسْدُودًا مُلْتَصِقًا لاَ يَسْلُكُهُ ذَكَرٌ بِأَصْل الْخِلْقَةِ (٤) .

_________

(١) سورة الأنبياء / ٣٠.

(٢) الصحاح، والقاموس المحيط مادة: (رتق)، والمطلع على أبواب المقنع ٣٢٣

(٣) روضة الطالبين ٧ / ١٧٧.

(٤) مطالب أولي النهى ٣ / ١٠٨.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْقَرَنُ:

٢ - الْقَرَنُ مَا يَمْنَعُ سُلُوكَ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ وَهُوَ إِمَّا غُدَّةٌ غَلِيظَةٌ أَوْ لَحْمَةٌ مُرْتَفِعَةٌ أَوْ عَظْمٌ، وَامْرَأَةٌ قَرْنَاءُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِهَا. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَرَنَ عَظْمٌ نَاتِئٌ مُحَدَّدُ الرَّأْسِ كَقَرْنِ الْغَزَالَةِ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ (١) .

ب - الْعَفَل:

٣ - الْعَفَل - بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْفَاءِ - لَحْمٌ يَبْرُزُ فِي قُبُل الْمَرْأَةِ، وَلاَ يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ رَشْحٍ يُشْبِهُ أُدْرَةَ الرَّجُل. وَقِيل: إِنَّهُ رَغْوَةٌ فِي الْفَرْجِ تَحْدُثُ عِنْدَ الْجِمَاعِ (٢) .

قَال صَاحِبُ غَايَةِ الْمُنْتَهَى: إِنْ كَانَ الاِنْسِدَادُ بِأَصْل الْخِلْقَةِ فَهِيَ رَتْقَاءُ، وَإِلاَّ فَهِيَ قَرْنَاءُ وَعَفْلاَءُ. وَسَوَّى الأَْزْهَرِيُّ بَيْنَ الرَّتَقِ وَالْقَرَنِ وَالْعَفَل، ثُمَّ قَال: الْعَفَل لاَ يَكُونُ فِي الأَْبْكَارِ، إِنَّمَا يُصِيبُ الْمَرْأَةَ بَعْدَمَا تَلِدُ (٣) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أَثَرُ الرَّتَقِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ:

٤ - يَعْتَبِرُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الرَّتَقَ مِنَ

_________

(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٥.

(٢) الدسوقي ٢ / ٢٤٨، والزرقاني ٤ / ٢٣٧.

(٣) مطالب أولي النهى ٥ / ١٤٧، الزاهر للأزهري ٣١٦.

الْعُيُوبِ الْمُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ (١) .

فَالزَّوْجُ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ إِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ رَتْقَاءَ حَال الْعَقْدِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا؛ لأَِنَّ الرَّتَقَ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْوَطْءُ، وَعَامَّةُ مَصَالِحِ النِّكَاحِ يَقِفُ حُصُولُهَا عَلَى الْوَطْءِ.

فَإِنَّ الْعِفَّةَ عَنِ الزِّنَا وَالسَّكَنَ وَالْوَلَدَ تَحْصُل بِالْوَطْءِ، وَالرَّتَقُ يَمْنَعُ مِنْهُ، فَلِهَذَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِهِ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِالزَّوْجَةِ رَتَقٌ فَلاَ خِيَارَ لِلزَّوْجِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ. وَبِهَذَا قَال عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو قِلاَبَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، وَفِي الْمَبْسُوطِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ (٣) .

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ الرَّتَقَ لاَ يُخِل بِمُوجِبِ الْعَقْدِ وَهُوَ الْحِل، فَلاَ يَثْبُتُ بِهِ خِيَارُ الْفَسْخِ كَالْعَمَى وَالشَّلَل وَالزَّمَانَةِ، فَأَمَّا الاِسْتِيفَاءُ فَهُوَ ثَمَرَةٌ وَفَوَاتُ الثَّمَرَةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ.

نَظِيرُهُ أَنَّ الاِسْتِيفَاءَ يَفُوتُ بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَلاَ يُوجِبُ ذَلِكَ انْفِسَاخَ النِّكَاحِ حَتَّى

_________

(١) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٨٣ دار المعرفة، والشرح الصغير ٢ / ٤٧٠، وروضة الطالبين ٧ / ١٧٧، وأسنى المطالب ٣ / ١٧٦، وفتح القدير ٣ / ٣٦٧.

(٢) المغني ٦ / ٦٥١، وبدائع الصنائع ٢ / ٣٢٧.

(٣) البناية ٤ / ٧٦٣، وفتح القدير ٣ / ٢٦٧، وانظر المبسوط ٥ / ٩٦.

لاَ يَسْقُطَ شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ. وَالرَّتَقُ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ دُونَ الْمَوْتِ؛ لأَِنَّ الاِسْتِيفَاءَ هُنَا يَتَأَتَّى بِوَاسِطَةٍ، لإِمْكَانِ شَقِّ الرَّتَقِ (١) .

إِجْبَارُ الرَّتْقَاءِ عَلَى مُدَاوَاةِ رَتَقِهَا:

٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرَّتْقَاءَ إِذَا طَلَبَ زَوْجُهَا الْفَسْخَ وَطَلَبَتِ التَّدَاوِيَ تُؤَجَّل لِذَلِكَ بِالاِجْتِهَادِ وَلاَ تُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ خِلْقَةً، وَيَلْزَمُ الرَّجُل الصَّبْرُ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى مُدَاوَاتِهَا حُصُول عَيْبٍ فِي فَرْجِهَا. كَمَا أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا طَلَبَهُ الزَّوْجُ إِذَا كَانَ لاَ ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي الْمُدَاوَاةِ (٢) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ إِجْبَارُ الرَّتْقَاءِ عَلَى شَقِّ الْمَوْضِعِ فَلَوْ فَعَلَتْ وَأَمْكَنَ الْوَطْءُ فَلاَ خِيَارَ لِزَوَال سَبَبِهِ (٣) . وَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لِلزَّوْجِ شَقُّ رَتَقِ زَوْجَتِهِ وَهَل تُجْبَرُ؟ الظَّاهِرُ: نَعَمْ؛ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا لاَ يُمْكِنُ بِدُونِهِ.

وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَابِدِينَ بِقَوْلِهِ: لَكِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ " لَهُ شَقُّ رَتَقِهَا " غَيْرُ مَنْقُولَةٍ وَإِنَّمَا الْمَنْقُول قَوْلُهُمْ فِي تَعْلِيل عَدَمِ الْخِيَارِ بِعَيْبِ الرَّتَقِ: " لإِمْكَانِ شَقِّهِ " وَهَذَا لاَ يَدُل عَلَى أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَلِذَا قَال فِي

_________

(١) المبسوط وانظر البناية ٤ / ٧٦٥، بدائع الصنائع ٢ / ٣٢٨، والبحر الرائق ٤ / ١٣٨.

(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٧٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٨٣، ٢٨٤، نشر دار الفكر.

(٣) روضة الطالبين ٧ / ١٧٧، وأسنى المطالب ٣ / ١٧٦.

الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ التَّعْلِيل الْمَذْكُورَ: وَلَكِنْ مَا رَأَيْتُ هَل يُشَقُّ جَبْرًا أَمْ لاَ (١)؟

وَلَمْ يُسْتَدَل عَلَى نَصٍّ لِلْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ يَثْبُتُ خِيَارٌ فِي عَيْبٍ زَال بَعْدَ عَقْدٍ لِزَوَال سَبَبِهِ (٢) .

نَفَقَةُ الرَّتْقَاءِ:

٦ - تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلرَّتْقَاءِ سَوَاءٌ حَدَثَ الرَّتَقُ بَعْدَ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِلزَّوْجِ أَمْ قَارَنَهُ؛ لأَِنَّ الاِسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَلاَ تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهَا. بِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (٣) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِمُطِيقَةٍ بِهَا مَانِعٌ كَرَتَقٍ إِلاَّ أَنْ يَتَلَذَّذَ بِهَا عَالِمًا (٤) .

وَلِلتَّفْصِيل: (ر: نَفَقَة) .

قَسْمُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ الرَّتْقَاءِ:

٧ - يَقْسِمُ الزَّوْجُ وُجُوبًا لِزَوْجَتِهِ الرَّتْقَاءِ، لأَِنَّ الْقَصْدَ بِالْقَسْمِ الأُْنْسُ لاَ الْوَطْءُ (٥) .

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٥٩٧، وحاشية الطحطاوي على الدر ٢ / ٢١٣، والبحر الرائق ٤ / ١٣٨.

(٢) مطالب أولي النهى ٣ / ١٥٠.

(٣) روضة الطالبين ٩ / ٦٠، والمغني ٧ / ٦٠٣، وفتح القدير والعناية ٣ / ٣٢٤، ٣٢٧

(٤) الدسوقي ٢ / ٤٥٢، وجواهر الإكليل ١ / ٤٠٢

(٥) مطالب أولي النهى ٣ / ٢٧٧، والمغني مع الشرح الكبير ٨ / ١٣٩، والشرح الصغير ٢ / ٥٠٥ نشر دار المعارف، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٥٩، وابن عابدين ٢ / ٤٠٠، ومجمع الأنهر ١ / ٣٥٩، وروضة الطالبين ٧ / ٣٤٥.

هَذَا وَلِلتَّفْصِيل فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّتَقُ وَشَرْطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِهِ وَسَائِرِ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ يُنْظَرُ: (عَيْب، نِكَاح) .

رِثَاءٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الرِّثَاءِ فِي اللُّغَةِ: التَّرَحُّمُ عَلَى الْمَيِّتِ وَالتَّرَقُّقُ لَهُ، وَبُكَاؤُهُ وَمَدْحُهُ، وَتَعْدَادُ مَحَاسِنِهِ، وَنَظْمُ الشِّعْرِ فِيهِ. وَالْمَرْأَةُ الرَّثَّاءَةُ: الْكَثِيرَةُ الرِّثَاءِ لِبَعْلِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُكْرَمُ عِنْدَهَا، وَرَثَيْتُ لَهُ: رَحِمْتُهُ، وَرَثَى لَهُ: رَقَّ لَهُ وَأَشْفَقَ عَلَيْهِ (١) .

وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: مَدْحُ الْمَيِّتِ وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِ، وَذَكَرَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي أَنَّ مَعْنَاهُ تَعْدَادُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّأْبِينُ:

٢ - التَّأْبِينُ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ: الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ. قَال فِي الْمِصْبَاحِ: أَبَّنْتُ الرَّجُل تَأْبِينًا إِذَا بَكَيْتَ وَأَثْنَيْتَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ (٣) .

_________

(١) الصحاح واللسان والمصباح، مادة: (رثى) .

(٢) فتح الباري ٣ / ١٦٤ - ط الرياض، عمدة القاري ٨ / ٨٨ - ط المنيرية.

(٣) الصحاح، مادة: (أبن)، والكليات.

ب - النَّدْبُ:

٣ - النَّدْبُ مَصْدَرُ نَدَبَ وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ ذِكْرُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ. قَال فِي الْمِصْبَاحِ: نَدَبَتِ الْمَرْأَةُ الْمَيِّتَ نَدْبًا مِنْ بَابِ قَتَل، وَهِيَ نَادِبَةٌ، وَالْجَمْعُ نَوَادِبُ، لأَِنَّهُ كَالدُّعَاءِ، فَإِنَّهَا تُقْبِل عَلَى تَعْدِيدِ مَحَاسِنِهِ كَأَنَّهُ يَسْمَعُهَا. وَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِثْلُهُ فِي اللُّغَةِ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِتَرْثِيَةِ الْمَيِّتِ بِشِعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ الإِْفْرَاطُ فِي مَدْحِهِ لاَ سِيَّمَا عِنْدَ جِنَازَتِهِ.

وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْثِيَةُ الْمَيِّتِ بِذِكْرِ آبَائِهِ، وَخَصَائِلِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَالأَْوْلَى الاِسْتِغْفَارُ لَهُ.

وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ مَا هَيَّجَ الْمُصِيبَةَ مِنْ وَعْظٍ أَوْ إِنْشَادِ شِعْرٍ فَمِنَ النِّيَاحَةِ أَيْ: الْمَنْهِيِّ عَنْهَا.

قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (٢) .

رَجَبٌ

انْظُرْ: الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ.

_________

(١) المصباح مادة: (ندب) .

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٣ - ط بولاق، الطحطاوي على الدر المختار ١ / ٣٨٢ - ط بولاق، المجموع ٥ / ٢١٦ - ط السلفية، الإنصاف ٢ / ٥٦٩ - ط التراث.

رُجْحَانٌ (تَرْجِيحٌ)

التَّعْرِيفُ:

١ - الرُّجْحَانُ لُغَةً: اسْمُ مَصْدَرِ رَجَحَ الشَّيْءُ يَرْجَحُ رُجُوحًا إِذَا زَادَ وَزْنُهُ، وَيَتَعَدَّى بِالأَْلِفِ وَبِالتَّثْقِيل فَيُقَال: أَرْجَحْتُ الشَّيْءَ وَرَجَّحْتُهُ تَرْجِيحًا أَيْ فَضَّلْتُهُ وَقَوَّيْتُهُ. وَأَرْجَحْتُ الرَّجُل أَيْ أَعْطَيْتُهُ رَاجِحًا (١) .

أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدْ عَرَّفَ الْحَنَفِيَّةُ التَّرْجِيحَ بِأَنَّهُ: إِظْهَارُ الزِّيَادَةِ لأَِحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الآْخَرِ بِمَا لاَ يَسْتَقِل " فَخَرَجَ بِقَوْلِهِمْ: (الْمُتَمَاثِلَيْنِ) النَّصُّ مَعَ الْقِيَاسِ، فَلاَ يُقَال: النَّصُّ رَاجِحٌ عَلَى الْقِيَاسِ لاِنْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ، وَلِعَدَمِ قِيَامِ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا مِنْ قَبِيل تَرْتِيبِ الأَْدِلَّةِ وَاسْتِحْقَاقِ تَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مِنْ حَيْثُ الرُّتْبَةُ وَهُوَ غَيْرُ التَّرْجِيحِ.

كَمَا خَرَجَ بِقَوْلِهِمْ: (بِمَا لاَ يَسْتَقِل) الدَّلِيل الْمُسْتَقِل، فَإِذَا وَافَقَ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ دَلِيلًا مُنْفَرِدًا آخَرَ فَلاَ يُرَجَّحُ عَلَيْهِ، إِذْ لاَ تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الأَْدِلَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاِسْتِقْلاَل كُلٍّ مِنْ تِلْكَ الأَْدِلَّةِ بِإِثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ، فَلاَ يَنْضَمُّ إِلَى الآْخَرِ وَلاَ يَتَّحِدُ

_________

(١) المصباح المنير، ولسان العرب، مادة (رجح) .

بِهِ لِيُفِيدَ تَقْوِيَتَهُ؛ لأَِنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يَتَقَوَّى بِصِفَةٍ تُوجَدُ فِي ذَاتِهِ لاَ بِانْضِمَامِ مِثْلِهِ إِلَيْهِ.

وَلِذَا عَرَّفَ صَاحِبُ الْمَنَارِ التَّرْجِيحَ بِأَنَّهُ: فَضْل أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ عَلَى الآْخَرِ وَصْفًا " أَيْ وَصْفًا تَابِعًا لاَ أَصْلًا، وَلِذَا فَلاَ يَتَرَجَّحُ الْقِيَاسُ عَلَى قِيَاسٍ آخَرَ يُعَارِضُهُ بِقِيَاسٍ آخَرَ يَنْضَمُّ إِلَيْهِ يُوَافِقُهُ فِي الْحُكْمِ، أَمَّا إِذَا وَافَقَهُ فِي الْعِلَّةِ فَإِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ مِنْ كَثْرَةِ الأَْدِلَّةِ بَل مِنْ كَثْرَةِ الأُْصُول، وَبِالتَّالِي يُفِيدُ التَّرْجِيحَ بِالْكَثْرَةِ؛ لأَِنَّ التَّعَدُّدَ فِي الْعِلَّةِ يُفِيدُ التَّعَدُّدَ فِي الْقِيَاسِ. وَكَذَا لاَ يَتَرَجَّحُ الْحَدِيثُ عَلَى حَدِيثٍ آخَرَ يُعَارِضُهُ بِحَدِيثٍ آخَرَ، وَلاَ بِنَصِّ الْكِتَابِ كَذَلِكَ (١) .

وَعَرَّفَ الشَّافِعِيَّةُ - وَمَنْ وَافَقَهُمْ - التَّرْجِيحَ بِأَنَّهُ: اقْتِرَانُ أَحَدِ الصَّالِحَيْنِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَعَ تَعَارُضِهِمَا بِمَا يُوجِبُ الْعَمَل بِهِ وَإِهْمَال الآْخَرِ ".

وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ (أَحَدِ الصَّالِحَيْنِ) عَنْ غَيْرِ الصَّالِحَيْنِ لِلدَّلاَلَةِ، وَلاَ أَحَدِهِمَا.

وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ (مَعَ تَعَارُضِهِمَا) عَنِ الصَّالِحَيْنِ اللَّذَيْنِ لاَ تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا.

وَبِقَوْلِهِ (بِمَا يُوجِبُ الْعَمَل) عَمَّا اخْتَصَّ بِهِ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ عَنِ الآْخَرِ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ أَوِ الْعَرَضِيَّةِ وَلاَ مَدْخَل لَهَا فِي التَّقْوِيَةِ وَالتَّرْجِيحِ (٢) .

_________

(١) تيسير التحرير ٣ / ١٥٣، وفتح الغفار شرح المنار ٢ / ٥٢.

(٢) الإحكام في أصول الأحكام ٤ / ٢٣٩.