الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢ الصفحة 16

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢

رِبَاعٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الرِّبَاعُ لُغَةً: جَمْعُ رَبْعٍ وَهُوَ الْمَنْزِل وَالدَّارُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ يَرْبَعُ فِيهِ أَيْ يَسْكُنُهُ وَيُقِيمُ فِيهِ. وَالْجَمْعُ: أَرْبُعٌ وَرِبَاعٌ وَرُبُوعٌ. وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ ﵁ قَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَهَل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ دَارٍ (١)، وَرَبْعُ الْقَوْمِ: مَحَلَّتُهُمْ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَرَادَتْ بَيْعَ رِبَاعِهَا أَيْ مَنَازِلِهَا، وَالرَّبْعَةُ: أَخَصُّ مِنَ الرَّبْعِ، وَالرَّبْعُ: الْمَحَلَّةُ. يُقَال: مَا أَوْسَعَ رَبْعَ بَنِي فُلاَنٍ (٢) .

وَاصْطِلاَحًا: أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ اسْمَ الرَّبْعِ عَلَى الْبِنَاءِ وَحَائِطِ النَّخْل يُحَوَّطُ عَلَيْهِ بِجِدَارٍ أَوْ غَيْرِهِ (٣) .

_________

(١) حديث: " وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٥١ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٨٤ - ط الحلبي) من حديث أسامة بن زيد، وعند البيهقي (٦ / ٣٤ - ط دائرة المعارف العثمانية): " من دار أو دور ".

(٢) لسان العرب، مادة: (ربع ودار)، المهذب للشيرازي ط - عيسى البابي الحلبي - ١ / ٣٧٦.

(٣) كشاف القناع ٣ / ١٦٠، ودستور العلماء ٢ / ١٢٨.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعَقَارُ:

٢ - الْعَقَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ: كُل مِلْكٍ ثَابِتٍ لَهُ أَصْلٌ، كَالدَّارِ وَالنَّخْل.

وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ الضَّيْعَةُ، وَجَعَلُوا الْبِنَاءَ وَالنَّخْل مِنَ الْمَنْقُولاَتِ، وَعِنْدَهُمْ قَوْلٌ كَقَوْل الْجُمْهُورِ.

وَعَقَارُ الْبَيْتِ: مَتَاعُهُ وَنَضَدُهُ إِذَا كَانَ حَسَنًا كَبِيرًا، وَيُقَال: فِي الْبَيْتِ عَقَارٌ حَسَنٌ أَيْ: مَتَاعٌ وَأَدَاةٌ (١) .

ب - الأَْرْضُ:

٣ - الأَْرْضُ مَعْرُوفَةٌ وَجَمْعُهَا أَرَاضٍ وَأَرَضُونَ.

ج - الدَّارُ:

٤ - الدَّارُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْعَرْصَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْمَحَلَّةِ، وَاللَّفْظُ مُؤَنَّثٌ.

وَقَال ابْنُ جِنِّي: هِيَ مِنْ دَارَ يَدُورُ لِكَثْرَةِ حَرَكَاتِ النَّاسِ فِيهَا وَالْجَمْعُ أَدْوُرٌ وَأَدْؤُرٌ، وَالْكَثِيرُ دِيَارٌ وَدُورٌ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّبَاعِ مِنْ أَحْكَامٍ:

أ - رِبَاعُ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ:

٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ وَإِجَارَةِ رِبَاعِ مَكَّةَ وَعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ،

_________

(١) المغرب والمصباح وابن عابدين ٤ / ٤٢١.

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١)، وَلِحَدِيثِ مُجَاهِدٍ مَرْفُوعًا مَكَّةُ حَرَامٌ، حَرَّمَهَا اللَّهُ، لاَ تَحِل بَيْعُ رِبَاعِهَا، وَلاَ إِجَارَةُ بُيُوتِهَا (٢)، وَلِحَدِيثِ مَكَّةُ مُنَاخٌ لاَ تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلاَ تُؤَاجَرُ بُيُوتُهَا (٣)، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: فَإِنْ سَكَنَ بِأُجْرَةٍ فِي رِبَاعِ مَكَّةَ لَمْ يَأْثَمْ بِدَفْعِهَا (٤) .

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ، وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَاسْتَدَل الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِجَوَازِ بَيْعِ رِبَاعِ مَكَّةَ وَكِرَاءِ دُورِهَا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ (٥) فَنَسَبَ الدِّيَارَ إِلَى الْمَالِكِينَ، وَبِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِل فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَال: وَهَل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ (٦)، وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا

_________

(١) سورة الحج / ٢٥.

(٢) حديث مجاهد مرفوعًا: " مكة حرام، حرمها الله، لا تحل بيع رباعها ولا. . . . " أخرجه ابن أبي شيبة كما في نصب الراية للزيلعي (٤ / ٢٦٦ - ط المجلس العلمي) وإسناده ضعيف لإرساله.

(٣) حديث: " مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها " أخرجه الدارقطني (٣ / ٥٨ - ط دار المحاسن) من حديث عبد الله بن عمرو، وأعله بضعف أحد رواته.

(٤) كشاف القناع ٣ / ١٦٠، بدائع الصنائع ٥ / ١٤٦.

(٥) سورة الحشر / ٩.

(٦) حديث: " وهل ترك لنا عقيل من رباع. . . " تقدم تخريجه في ف / ١.

طَالِبٍ، وَلَمْ يَرِثْ جَعْفَرٌ وَلاَ عَلِيٌّ ﵄ شَيْئًا لأَِنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَبِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ دَخَل دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ (١) فَنَسَبَ الدِّيَارَ إِلَى مَالِكِيهَا، وَبِاشْتِرَاءِ عُمَرَ ﵁ دَارَ الْحَجَّامِينَ وَإِسْكَانِهَا (٢) .

وَالْمَالِكِيَّةُ عِنْدَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ:

الأُْولَى: الْمَنْعُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ، قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ وَالْمُعْتَمَدُ الَّذِي بِهِ الْفَتْوَى، وَعَلَيْهِ جَرَى الْعَمَل مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَالْقُضَاةِ بِمَكَّةَ.

وَالثَّالِثَةُ: الْكَرَاهَةُ، فَإِنْ قَصَدَ بِالْكِرَاءِ الآْلاَتِ وَالأَْخْشَابَ جَازَ، وَإِنْ قَصَدَ الْبُقْعَةَ فَلاَ خَيْرَ فِيهِ.

وَالرَّابِعَةُ: تَخْصِيصُ الْكَرَاهَةِ بِالْمَوْسِمِ لِكَثْرَةِ النَّاسِ وَاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى الْوَقْفِ (٣) .

ب - الشُّفْعَةُ فِي الرِّبَاعِ:

٦ - تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي الرِّبَاعِ قَبْل قِسْمَتِهَا بِالإِْجْمَاعِ تَبَعًا لِلأَْرْضِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَصْلًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّ ضَرَرَ أَذَى الدَّخِيل يَتَأَبَّدُ، وَذَلِكَ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ فِي الْعَقَارِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي الْعَقَارِ إِنْ

_________

(١) حديث: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. . . . . . . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٤٠٦ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ١٤٧ - ١٤٨

(٣) تهذيب الفروق للقرافي ٤ / ١١.

كَانَ رَبْعًا أَوْ حَائِطًا. قَالُوا: لأَِنَّ الضَّرَرَ فِي الْعَقَارِ يَتَأَبَّدُ مِنْ جِهَةِ الشَّرِيكِ فَتَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ لإِزَالَةِ الضَّرَرِ (١) .

وَلِمَزِيدِ الإِْيضَاحِ انْظُرْ: (شُفْعَةٌ) .

ج - قِسْمَةُ الرِّبَاعِ:

٧ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ يَتْبَعَانِ الأَْرْضَ فِي الْقِسْمَةِ، وَالأَْرْضُ لاَ تَتْبَعُهُمَا، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِهِ مِنْ قِسْمَةِ الأَْرْضِ شَيْءٌ مِنْهُمَا فَهُوَ لَهُ، بِخِلاَفِ الْعَكْسِ (٢) .

وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ فَنَصُّوا عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الأَْرْضِ وَالْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ يَتْبَعُ الآْخَرَ فِي بَيْعِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ شَرْطٌ أَوْ عُرْفٌ (٣) . وَلِمَزِيدٍ مِنَ الإِْيضَاحِ انْظُرْ: (قِسْمَةٌ) .

د - وَقْفُ الرِّبَاعِ:

٨ - يَصِحُّ وَقْفُ الْعَقَارِ مِنْ أَرْضٍ وَدُورٍ وَحَوَانِيتَ وَبَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا بِالاِتِّفَاقِ بِدَلِيل وَقْفِ عُمَرَ ﵁ مِائَةَ سَهْمٍ فِي خَيْبَرَ؛ وَلأَِنَّ جَمَاعَةً

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٣٦، والمبسوط ١٤ / ٩٨، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٧٦، والخرشي ٦ / ١٦٣، والمهذب للشيرازي ١ / ٣٧٦، والمغني ٥ / ٤٦٣، ومنتهى الإرادات ١ / ٥٢٧.

(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٢٧١، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٤، والباجوري على ابن قاسم ٢ / ١٧، ودليل الطالب ص ١٠٨، ١٤٠

(٣) بداية المجتهد ٢ / ٢٥٧، والخرشي ٤ / ٩٠.

مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَفُوا؛ وَلأَِنَّ الْعَقَارَ مُتَأَبِّدٌ عَلَى الدَّوَامِ وَالْوَقْفُ تَحْبِيسُ الأَْصْل وَتَسْبِيل الْمَنْفَعَةِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْفٌ) .

_________

(١) الدر المختار ٣ / ٤٠٨ - ٤٣٩، والشرح الكبير ٤ / ٧٦، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، والمغني ٥ / ٥٨٥

رِبْحٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الرِّبْحُ وَالرَّبَحُ وَالرَّبَاحُ لُغَةً النَّمَاءُ فِي التِّجَارَةِ، وَيُسْنَدُ الْفِعْل إِلَى التِّجَارَةِ مَجَازًا، فَيُقَال: رَبِحَتْ تِجَارَتُهُ، فَهِيَ رَابِحَةٌ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١) .

قَال الأَْزْهَرِيُّ: رَبِحَ فِي تِجَارَتِهِ إِذَا أَفْضَل فِيهَا، وَأَرْبَحَ فِيهَا: صَادَفَ سُوقًا ذَاتَ رِبْحٍ، وَأَرْبَحْتُ الرَّجُل إِرْبَاحًا: أَعْطَيْتُهُ رِبْحًا.

وَبِعْتُهُ الْمَتَاعَ وَاشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ مُرَابَحَةً: إِذَا سَمَّيْتُ لِكُل قَدْرٍ مِنَ الثَّمَنِ رِبْحًا (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

النَّمَاءُ:

٢ - النَّمَاءُ الزِّيَادَةُ، وَكُل شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ إِمَّا نَامٍ أَوْ صَامِتٌ، فَالنَّامِي مِثْل النَّبَاتِ

_________

(١) سورة البقرة / ١٦.

(٢) لسان العرب المصباح المنير مادة: (ربح) .

وَالأَْشْجَارِ، وَالصَّامِتُ كَالْحَجَرِ وَالْجَبَل، وَالنَّمَاءُ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مَجَازٌ، وَفِي الْمَاشِيَةِ حَقِيقَةٌ؛ لأَِنَّهَا تَزِيدُ بِتَوَالُدِهَا (١) . وَالنَّمَاءُ قَدْ يَكُونُ بِطَبِيعَةِ الشَّيْءِ أَوْ بِالْعَمَل. فَالنَّمَاءُ أَعَمُّ مِنَ الرِّبْحِ.

الْغَلَّةُ:

٣ - تُطْلَقُ الْغَلَّةُ عَلَى الدَّخْل الَّذِي يَحْصُل مِنْ رَيْعِ الأَْرْضِ أَوْ أُجْرَتِهَا، أَوْ أُجْرَةِ الدَّارِ وَاللَّبَنِ وَالنِّتَاجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِي الْحَدِيثِ: الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: هُوَ كَحَدِيثِهِ ﷺ. الآْخَرِ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (٢) .

وَاسْتِغْلاَل الْمُسْتَغَلاَّتِ، أَخْذُ غَلَّتِهَا، وَأَغَلَّتِ الضَّيْعَةُ أَعْطَتِ الْغَلَّةَ فَهِيَ مُغِلَّةٌ: إِذَا أَتَتْ بِشَيْءٍ وَأَصْلُهَا بَاقٍ (٣) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٤ - الرِّبْحُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا، أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ.

فَالرِّبْحُ الْمَشْرُوعُ هُوَ مَا نَتَجَ عَنْ تَصَرُّفٍ مُبَاحٍ

_________

(١) الفروق ص ٩٥، ولسان العرب.

(٢) حديث: " الغلة بالضمان " وفي رواية: " الخراج بالضمان " أخرجه أحمد (٦ / ٨٠ - ط الميمنية)، واللفظ الثاني أخرجه أبو داود (٣ / ٧٨٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه ابن القطان كما في التلخيص الحبير (٣ / ٢٢ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٣) القاموس والمصباح والمغرب ص ٣٤٣، والمفردات ص ٢٦٩

كَالْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، مِثْل الْبَيْعِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ وَغَيْرِهَا فَالرِّبْحُ النَّاتِجُ عَنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُبَاحَةِ حَلاَلٌ بِالإِْجْمَاعِ مَعَ مُرَاعَاةِ أَنَّ لِكُل عَقْدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ قَوَاعِدَ وَشَرَائِطَ شَرْعِيَّةً لاَ بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا (١) .

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَاتِ: (بَيْعٌ، شَرِكَةٌ، مُرَابَحَةٌ) .

وَالرِّبْحُ غَيْرُ الْمَشْرُوعِ: هُوَ مَا نَتَجَ عَنْ تَصَرُّفٍ مُحَرَّمٍ كَالرِّبَا وَالْقِمَارِ وَالتِّجَارَةِ بِالْمُحَرَّمَاتِ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) .

وَقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (٣) (ر: رِبًا، أَشْرِبَةٌ، بَيْعٌ) .

وَأَمَّا الرِّبْحُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، فَمِنْهُ مَا نَتَجَ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيمَا كَانَ تَحْتَ يَدِ الإِْنْسَانِ مِنْ مَال غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَالْمُودَعِ، أَمْ يَدَ ضَمَانٍ كَالْغَاصِبِ وَخِلاَفِهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:

فَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لاَ يَطِيبُ لِمَنْ تَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ أَوِ الْوَدِيعَةِ، هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ

_________

(١) أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٤٠ - ٢٤٥

(٢) سورة البقرة / ٢٧٥.

(٣) حديث: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٢٤ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٢٠٧ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.

وَمُحَمَّدٍ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ حَصَل التَّصَرُّفُ فِي ضَمَانِهِ وَمِلْكِهِ. أَمَّا الضَّمَانُ فَظَاهِرٌ؛ لأَِنَّ الْمَغْصُوبَ دَخَل فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، وَأَمَّا الْمِلْكُ؛ فَلأَِنَّهُ يَمْلِكُهُ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِذَا ضُمِّنَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ التَّصَرُّفَ حَصَل فِي مِلْكِهِ وَضَمَانِهِ، لَكِنَّهُ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ؛ لأَِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، إِذِ الْفَرْعُ يَحْصُل عَلَى وَصْفِ الأَْصْل، وَأَصْلُهُ حَدِيثُ الشَّاةِ حَيْثُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّصَدُّقِ بِلَحْمِهَا عَلَى الأَْسْرَى (١) .

وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ فَالرِّبْحُ لِمَنْ تَصَرَّفَ فِي الْوَدِيعَةِ وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ؛ لأَِنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ لَضَمِنَهَا، وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: لَوِ اتَّجَرَ الْغَاصِبُ فِي الْمَال الْمَغْصُوبِ فَالرِّبْحُ لَهُ فِي الأَْظْهَرِ، فَإِذَا غَصَبَ دَرَاهِمَ وَاشْتَرَى شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ وَنَقَدَ الدَّرَاهِمَ فِي ثَمَنِهِ وَرَبِحَ رَدَّ مِثْل

_________

(١) حديث الشاة: " عن رجل من الأنصار " لما رجع رسول الله (من جنازة استقبله داعي امرأة، فجاء وجيء بالطعام فوضع يده، ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فمه ثم قال: " أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها " فأرسلت المرأة قالت: يا ر