الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٢
الإِْسْلاَمِ كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، سَوَاءٌ جَرَى بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ أَوْ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ، وَسَوَاءٌ دَخَلَهَا الْمُسْلِمُ بِأَمَانٍ أَمْ بِغَيْرِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ؛ وَلأَِنَّ مَا كَانَ رِبًا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ كَانَ رِبًا مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَا لَوْ تَبَايَعَهُ مُسْلِمَانِ مُهَاجِرَانِ وَكَمَا لَوْ تَبَايَعَهُ مُسْلِمٌ وَحَرْبِيٌّ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ؛ وَلأَِنَّ مَا حُرِّمَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ حُرِّمَ هُنَاكَ كَالْخَمْرِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي؛ وَلأَِنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا لاَ يَجُوزُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ فَلَمْ يَصِحَّ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ هُنَاكَ (١) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ يَحْرُمُ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلاَ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرَا مِنْهَا؛ لأَِنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ إِلاَّ أَنَّهُ بِالأَْمَانِ حُرِّمَ التَّعَرُّضُ لَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ تَحَرُّزًا عَنِ الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ، فَإِذَا رَضُوا بِهِ حَل أَخْذُ مَالِهِمْ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ، بِخِلاَفِ الْمُسْتَأْمَنِ؛ لأَِنَّ مَالَهُ صَارَ مَحْظُورًا بِالأَْمَانِ (٢) .
مَسْأَلَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ:
٣٨ - إِذَا جَمَعَ الْبَيْعُ رِبَوِيًّا مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَاخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَبِيعِ مِنْهُمَا بِأَنِ اشْتَمَل أَحَدُهُمَا عَلَى جِنْسَيْنِ رِبَوِيَّيْنِ اشْتَمَل الآْخَرُ عَلَيْهِمَا، كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ مِنْ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، وَكَذَا لَوِ
_________
(١) المجموع ٩ / ٣٩١، والمغني ٤ / ٤٥ - ٤٦
(٢) رد المحتار ٤ / ١٨٨، والاختيار ٢ / ٣٣
اشْتَمَل عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ كَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ، أَوِ اشْتَمَلاَ جَمِيعُهُمَا عَلَى جِنْسٍ رِبَوِيٍّ وَانْضَمَّ إِلَيْهِ غَيْرُ رِبَوِيٍّ فِيهِمَا كَدِرْهَمٍ وَثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ وَثَوْبٍ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا كَدِرْهَمٍ وَثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ، أَوِ اخْتَلَفَ نَوْعُ الْمَبِيعِ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا عَنْ قِيمَةِ الصِّحَاحِ بِهِمَا أَيْ بِصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ، أَوْ بِأَحَدِهِمَا أَيْ بِصِحَاحٍ فَقَطْ أَوْ بِمُكَسَّرَةٍ فَقَطْ. . . إِذَا كَانَ الْبَيْعُ عَلَى صُورَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْفِقْهِيَّةُ الْمَعْرُوفَةُ بِمَسْأَلَةِ " مُدِّ عَجْوَةٍ ". وَالدَّلِيل عَلَى بُطْلاَنِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ خَبَرُ مُسْلِمٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَال: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِلاَدَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ تُبَاعُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلاَدَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ثُمَّ قَال: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ تُبَاعُ حَتَّى تُفْصَل (١) .
وَاسْتَدَل مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِأَنَّ قَضِيَّةَ اشْتِمَال أَحَدِ طَرَفَيِ الْعَقْدِ عَلَى مَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ تَوْزِيعُ مَا فِي الآْخَرِ عَلَيْهِمَا اعْتِبَارًا بِالْقِيمَةِ، وَالتَّوْزِيعُ يُؤَدِّي إِلَى الْمُفَاضَلَةِ أَوِ الْجَهْل بِالْمُمَاثَلَةِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمُدَّيْنِ إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمُدِّ الَّذِي مَعَ الدِّرْهَمِ أَكْثَرَ أَوْ أَقَل مِنْهُ لَزِمَتْهُ الْمُفَاضَلَةُ، أَوْ مِثْلَهُ فَالْمُمَاثَلَةُ مَجْهُولَةٌ
_________
(١) حديث فضالة بن عبيد: " أتى النبي ﷺ بقلادة فيها خرز وذهب " أخرجه مسلم (٣ / ١٢١٣ - ط الحلبي) .
وَلِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِتَحَقُّقِ الرِّبَا فِي مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ تَفْصِيلٌ وَتَفْرِيعٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسْأَلَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الرِّبَوِيُّ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ، أَوْ كَانَ مَعَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ لَمْ يُحْمَل عَلَى الْفَسَادِ فَيُجْعَل الرِّبَوِيُّ فِي مُقَابَلَةِ قَدْرِهِ مِنَ الرِّبَوِيِّ الآْخَرِ وَيُجْعَل الزَّائِدُ فِي مُقَابَلَةِ مَا زَادَ عَنِ الْقَدْرِ الْمُمَاثِل (١) .
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢٨، والمغني ٤ / ٣٩ - ٤٠، والقوانين الفقهية ٢٥٩، وابن عابدين ٤ / ٢٣٦، ٢٣٧
رِبَاطٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الرِّبَاطُ وَالْمُرَابَطَةُ مُلاَزَمَةُ ثَغْرِ الْعَدُوِّ، وَأَصْلُهُ أَنْ يَرْبِطَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَيْلَهُ، ثُمَّ صَارَ لُزُومُ الثَّغْرِ رِبَاطًا، وَرُبَّمَا سُمِّيَتِ الْخَيْل أَنْفُسُهَا رِبَاطًا، وَيُقَال: الرِّبَاطُ مِنَ الْخَيْل: الْخَمْسُ فَمَا فَوْقَهَا. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (١) أَيْ: أَقِيمُوا عَلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ. وَيُطْلَقُ الرِّبَاطُ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَوْ مُدَاوَمَةِ الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا جَاءَ فِي الأَْثَرِ: قَال ﵊: أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، ثَلاَثًا (٢) .
وَالأَْرْبِطَةُ: الْبُيُوتُ الْمُسَبَّلَةُ لإِيوَاءِ الْفُقَرَاءِ وَالْغُرَبَاءِ وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ
_________
(١) سورة آل عمران / ٢٠٠.
(٢) حديث: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا " أخرجه مسلم (١ / ٢١٩ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي يُرَابِطُ فِيهِ الْمُجَاهِدُونَ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْجِهَادُ:
٢ - وَهُوَ فِي اللُّغَةِ بَذْل الْوُسْعِ فِي الأَْمْرِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: بَذْل الْوُسْعِ فِي الْقِتَال فِي سَبِيل اللَّهِ مُبَاشَرَةً، أَوْ مُعَاوَنَةً بِمَالٍ، أَوْ رَأْيٍ، أَوْ تَكْثِيرِ سَوَادٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (٢) .
فَالْجِهَادُ أَعَمُّ مِنَ الرِّبَاطِ.
ب - الْحِرَاسَةُ:
٣ - وَهُوَ مَصْدَرُ حَرَسَ الشَّيْءَ: إِذَا حَفِظَهُ، وَتَحَرَّسَ مِنْ فُلاَنٍ وَاحْتَرَسَ مِنْهُ: تَحَفَّظَ مِنْهُ (٣) .
وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّبَاطِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
أَوَّلًا: الرِّبَاطُ بِمَعْنَى مُلاَزَمَةِ الثُّغُورِ:
٤ - الرِّبَاطُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ لأَِنَّهُ حِفْظُ ثُغُورِ الإِْسْلاَمِ وَصِيَانَتُهَا، وَدَفْعٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْ
_________
(١) تاج العروس، ولسان العرب، والمصباح المنير، والقرطبي تفسير آية: آل عمران الأخيرة، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢١٧.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٣ / ٢١٨.
(٣) مختار الصحاح.
حَرِيمِهِمْ، وَقُوَّةٌ لأَِهْل الثَّغْرِ وَلأَِهْل الْغَزْوِ، قَال أَحْمَدُ: هُوَ أَصْل الْجِهَادِ وَفَرْعُهُ (١) .
وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الأَْمْرُ بِهِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (٢) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: قَال جُمْهُورُ الأُْمَّةِ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ: رَابِطُوا أَعْدَاءَكُمْ بِالْخَيْل، وَعَزَا إِلَى ابْنِ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ: الْقَوْل الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى رَابِطُوا: أَنَّ الرِّبَاطَ هُوَ الْمُلاَزَمَةُ فِي سَبِيل اللَّهِ، أَصْلُهَا مِنْ رَبْطِ الْخَيْل، ثُمَّ سُمِّيَ كُل مُلاَزِمٍ لِثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ مُرَابِطًا، فَارِسًا كَانَ أَمْ رَاجِلًا (٣) .
فَضْل الرِّبَاطِ:
٥ - وَرَدَ فِي فَضْل الرِّبَاطِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: قَوْلُهُ ﷺ: رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيل اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا (٤) .
وَقَال: رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ
_________
(١) المغني ٨ / ٣٥٤، ومطالب أولي النهى ٢ / ٥٠٩، وفتح القدير ٤ / ٢٧٨.
(٢) سورة آل عمران / ٢٠٠.
(٣) تفسير القرطبي ٤ / ٣٢٣.
(٤) حديث: " رباط يوم في سبيل الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٨٥ - ط السلفية) من حديث سهل بن سعد.
يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ (١) . وَوَرَدَ عَنْهُ ﷺ كُل مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيل اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ (٢) .
أَفْضَل الرِّبَاطِ:
٦ - أَفْضَل الرِّبَاطِ: أَشَدُّ الثُّغُورِ خَوْفًا؛ لأَِنَّ مُقَامَهُ بِهِ أَنْفَعُ، وَأَهْلَهُ أَحْوَجُ (٣) .
الْمَحَل الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الرِّبَاطُ:
٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَحَل الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الرِّبَاطُ، فَإِنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ فِي كُل مَحَلٍّ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لاَ يَكُونُ الرِّبَاطُ، إِلاَّ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَكُونُ وَرَاءَهُ إِسْلاَمٌ؛ لأَِنَّ مَا دُونَهُ لَوْ كَانَ رِبَاطًا فَكُل الْمُسْلِمِينَ فِي بِلاَدِهِمْ مُرَابِطُونَ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى مَوْضِعٍ مَرَّةً سُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ رِبَاطًا، أَرْبَعِينَ سَنَةً (٤) .
_________
(١) حديث: " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٢٠ - ط الحلبي) من حديث سلمان الفارسي.
(٢) حديث: " كل ميت يختم على عمله. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ١٦٥ - ط الحلبي) من حديث فضالة بن عبيد، وقال: " حديث حسن صحيح ".
(٣) مطالب أولي النهى ٢ / ٥٠٩، والمغني ٨ / ٣٥٥.
(٤) فتح القدير ٤ / ٢٧٨، وحاشية الطحطاوي ٢ / ٤٣٧.
وَالأَْصْل فِي هَذَا: حَدِيثُ مَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيل اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لاَ يَأْخُذُهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنَيْهِ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ (١) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: إِذَا نَوَى بِالإِْقَامَةِ فِي أَيِّ مَكَانٍ وَإِنْ كَانَ وَطَنَهُ دَفْعَ الْعَدُوِّ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُرَابِطًا، قَال: وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ سُكْنَى الثُّغُورِ. وَعَزَا إِلَى ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ قَال: الرِّبَاطُ مُلاَزَمَةُ الْمَكَانِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْوَطَنِ، وَعَزَا ذَلِكَ إِلَى ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ (٢) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَابِطُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ الَّذِي يَشْخَصُ إِلَى ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ لِيُرَابِطَ فِيهِ مُدَّةً مَا. أَمَّا سُكَّانُ الثُّغُورِ دَائِمًا بِأَهْلِيهِمُ الَّذِينَ يَعْمُرُونَ وَيَكْتَسِبُونَ هُنَالِكَ فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا حُمَاةً فَلَيْسُوا بِمُرَابِطِينَ (٣) .
مُدَّةُ الرِّبَاطِ:
٨ - قَال الْفُقَهَاءُ: تَمَامُ الرِّبَاطِ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا
_________
(١) حديث: " من حرس من وراء المسلمين. . . . " أخرجه أحمد (٣ / ٤٣٧ - ٤٣٨ - ط الميمنية) من حديث معاذ بن أنس، وقال المنذري: " لا بأس بإسناده في المتابعات ". الترغيب والترهيب (٢ / ٢٤٨ - ط الحلبي) .
(٢) فتح الباري ٦ / باب الجهاد.
(٣) تفسير القرطبي ٤ / ٣٢٣.
فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: تَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا (١) .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ رَابَطَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدِ اسْتَكْمَل الرِّبَاطَ.
وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَلَمْ نَقِفْ عَلَى خِلاَفٍ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ مِنَ الرِّبَاطِ، فَقَال: كَمْ رَابَطْتَ؟ قَال: ثَلاَثِينَ يَوْمًا، فَقَال عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَلاَّ رَجَعْتَ حَتَّى تُتِمَّهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَإِنْ رَابَطَ أَكْثَرَ فَلَهُ أَجْرُهُ.
أَمَّا أَقَل الرِّبَاطِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ أَقَل الرِّبَاطِ سَاعَةٌ (٢) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: أَقَل مَا يُجْزِئُ يَوْمٌ أَوْ لَيْلَةٌ، وَقَال: لأَِنَّهُ قَيَّدَ الْيَوْمَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَطْلَقَ فِي الآْيَةِ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مُطْلَقَ الآْيَةِ مُقَيَّدٌ بِالْحَدِيثِ؛ لأَِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ أَقَل الرِّبَاطِ يَوْمٌ، لِسِيَاقِهِ فِي مَقَامِ الْمُبَالَغَةِ وَذِكْرُهُ مَعَ سَوْطٍ يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ (٣) .
الرِّبَاطَاتُ الْمُسَبَّلَةُ:
٩ - الرِّبَاطَاتُ الْمُسَبَّلَةُ فِي الطُّرُقِ وَعَلَى أَطْرَافِ
_________
(١) حديث: " تمام الرباط أربعون يومًا. . . . " أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٧ / ١٥٧ - ط وزارة الأوقاف العراقية) من حديث أبي أمامة، وقال الهيثمي في المجمع (٥ / ٢٩٠ - ط القدسي): " فيه أيوب بن مدرك، وهو ضعيف ".
(٢) المغني ٨ / ٣٥٤ - ٣٥٥، ومطالب أولي النهى ٢ / ٥٠٩.
(٣) فتح الباري ٦ / ٨٥ - ٨٦
بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ - وَهِيَ مَا يُبْنَى لِلْمُسَافِرِينَ وَالْغُرَبَاءِ وَالْفُقَرَاءِ - مِنَ الْمَنَافِعِ الْمُشْتَرَكَةِ. فَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا وَهُوَ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِمَنَافِعِهَا صَارَ أَحَقَّ بِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ إِزْعَاجُهُ، سَوَاءٌ دَخَل بِإِذْنِ الإِْمَامِ أَمْ لاَ. وَلاَ يَبْطُل حَقُّهُ بِالْخُرُوجِ لِحَاجَةٍ كَشِرَاءِ طَعَامٍ، وَنَحْوِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ تَخْلِيفُهُ نَائِبًا لَهُ فِي الْمَوْضِعِ، وَلاَ أَنْ يَتْرُكَ فِيهِ مَتَاعَهُ. وَإِذَا سَكَنَ بَيْتًا مِنْهَا مَنْ تَتَوَفَّرُ فِيهِ شُرُوطُ الْمُسَبَّلَةِ، وَغَابَ أَيَّامًا قَلِيلَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إِذَا عَادَ. فَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ بَطَل حَقُّهُ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (الْمَنَافِعُ الْمُشْتَرَكَةُ، وَقْف) .
_________
(١) روضة الطالبين ٥ / ٢٩٩، وقليوبي ٣ / ٩٤، وأسنى المطالب ٢ / ٤٥١.