الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
لاَ تَفْعَلُونَ﴾ (١) نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا يَقُولُونَ جَاهَدْنَا وَأَبْلَيْنَا وَلَمْ يُجَاهِدُوا، وَقِيل فِي تَفْسِيرِهَا غَيْرُ ذَلِكَ (٢) .
الثَّانِي: أَنْ لاَ يَكُونَ قَصْدُهُ مِنَ الْعَمَل مُجَرَّدَ الثَّنَاءِ وَالذِّكْرِ الْجَمِيل، بَل يَعْمَل الْعَمَل الصَّالِحَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَسُرُّهُ أَنْ يَظْهَرَ لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهِ، أَوْ يَعْلَمَ مَكَانَهُ مِنَ الْفَضْل سُرُورًا بِالْخَيْرِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، قَال ابْنُ رُشْدٍ: سُئِل مَالِكٌ عَنِ الرَّجُل يُحِبُّ أَنْ يَلْقَى فِي طَرِيقِهِ الْمَجْدَ، وَيَكْرَهُ أَنْ يَلْقَى فِي طَرِيقِهِ السُّوءَ. فَأَمَّا رَبِيعَةُ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَال: إِذَا كَانَ أَوَّل أَمْرِهِ ذَلِكَ وَأَصْلُهُ لِلَّهِ فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ (٣) .
وَقَال تَعَالَى: ﴿وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآْخِرِينَ﴾ (٤) قَال مَالِكٌ: فَأَيُّ شَيْءٍ هَذَا إِلاَّ هَذَا؟ فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ يَكُونُ فِي الْقَلْبِ لاَ يَمْلِكُهُ، هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَمْنَعَهُ الْعَمَل (٥) .
وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّ مَنْ صَلَّى صَلاَةً لِيَرَاهَا النَّاسُ وَيَرَوْهُ فِيهَا فَيَشْهَدُوا لَهُ بِالإِْيمَانِ، أَوْ أَرَادَ طَلَبَ الْمَنْزِلَةِ وَالظُّهُورِ لِقَبُول الشَّهَادَةِ وَجَوَازِ الإِْمَامَةِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالرِّيَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الرِّيَاءُ الْمَعْصِيَةُ: أَنْ يُظْهِرَهَا صَيْدًا لِلنَّاسِ وَطَرِيقًا
_________
(١) سورة الصف / ٣.
(٢) تفسير القرطبي ١٨ / ٧٨.
(٣) سورة طه / ٣٩.
(٤) سورة الشعراء / ٨٤.
(٥) المقدمات لابن رشد ١ / ٣٠.
لِلأَْكْل (١) . وَهَذَا كَمَا أَنَّ مَنْ طَلَبَ بِالْعِبَادَةِ فَضْل اللَّهِ تَعَالَى فِي الآْخِرَةِ بِدُخُول جَنَّتِهِ وَالْخَلاَصِ مِنْ نَارِهِ لاَ يَكُونُ فِعْلُهُ مُنَافِيًا لِلإِْخْلاَصِ.
فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ مِنَ الْعَمَل الصَّالِحِ مُجَرَّدَ الْعُلُوِّ فِي الأَْرْضِ وَتَحْصِيل الْمَصَالِحِ الْعَاجِلَةِ وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الأَْوَّل وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ ذَلِكَ مُحْبِطًا لأَِجْرِهِ، بَل كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا وَفِيهِ فَيَقُول اللَّهُ تَعَالَى: وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَال جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيل، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ (٢) وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا فَعَل الْعِبَادَةَ لِطَلَبِ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ فَهُوَ الرِّيَاءُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ (٣) .
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَكُونُ الدِّينُ مَقْصُودَهُ وَالدُّنْيَا وَسِيلَةً، وَبَيْنَ مَنْ تَكُونُ الدُّنْيَا مَقْصُودَهُ وَالدِّينُ وَسِيلَةً، وَالأَْشْبَهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ لَهُ فِي الآْخِرَةِ خَلاَقٌ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ (٤) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (نِيَّة) .
_________
(١) تفسير القرطبي ٥ / ٤٢٣، وانظر الموافقات ٢ / ٤٠٢.
(٢) حديث: " ولكنك قاتلت لأن يقال جريء " أخرجه مسلم (٣ / ١٥١٤ - ط الحلبي)، من حديث أبي هريرة.
(٣) تفسير القرطبي ٥ / ١٨١، وفتح الباري ١١ / ١٣٦، والداء والدواء لابن القيم ص ١٩١، والفروق للقرافي ٣ / ١٢.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٦ / ٢٠.
ذُكُورَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الذُّكُورَةُ لُغَةً خِلاَفُ الأُْنُوثَةِ، وَالتَّذْكِيرُ خِلاَفُ التَّأْنِيثِ، وَجَمْعُ الذَّكَرِ ذُكُورٌ، وَذُكُورَةٌ، وَذُكْرَانٌ، وَذِكَارَةٌ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ (١) .
وَمَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ هُوَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الْخُنُوثَةُ: حَالَةٌ بَيْنَ الذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ (انْظُرْ مُصْطَلَحَ: خُنْثَى) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالذُّكُورَةِ:
تَنَاوَل الْفُقَهَاءُ الأَْحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالذُّكُورَةِ فِي عِدَّةِ أَبْوَابٍ مِنْهَا:
_________
(١) سورة الشورى / ٤٢.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، وغريب القرآن للأصفهاني مادة: (ذكر) .
فِي الصَّلاَةِ:
أ - الإِْمَامَةُ:
٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الذُّكُورَةَ شَرْطٌ لإِمَامَةِ الصَّلاَةِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّ الْمَرْأَةُ رَجُلًا وَلاَ امْرَأَةً مِثْلَهَا، سَوَاءٌ كَانَتِ الصَّلاَةُ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً، وَسَوَاءٌ عُدِمَتِ الرِّجَال أَوْ وُجِدَتْ لِحَدِيثِ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً (١) .
وَتَبْطُل صَلاَةُ الْمَأْمُومِ دُونَ الْمَرْأَةِ الَّتِي صَلَّتْ إِمَامًا فَتَصِحُّ صَلاَتُهَا.
وَوَافَقَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ - مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ - فِي مَنْعِ إِمَامَتِهَا لِلرِّجَال، لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: خَطَبَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: لاَ تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا (٢)، إِلاَّ أَنَّهُمْ خَالَفُوا الْمَالِكِيَّةَ فِي مَسْأَلَةِ إِمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلنِّسَاءِ فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ، وَالْحَنَفِيَّةُ يَرَوْنَ كَرَاهَةَ إِمَامَتِهَا لِلنِّسَاءِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَمَّتْ نِسْوَةً فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ وَقَامَتْ وَسْطَهُنَّ وَكَذَا أُمُّ سَلَمَةَ. كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْحَنَابِلَةِ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّ الْمَرْأَةُ الرِّجَال فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ وَتَكُونُ وَرَاءَهُمْ؛ لِمَا رُوِيَ
_________
(١) حديث: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٥٣ - ط السلفية) من حديث أبي بكرة.
(٢) حديث جابر: " لا تؤمنَّ امرأة رجلًا " أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٤٣ - ط الحلبي) وضعفه النووي في المجموع (٤ / ٢٥٥ - ط المنيرية) .
عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ جَعَل لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْل دَارِهَا (١) .
وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ إِلَى صِحَّةِ صَلاَةِ الرِّجَال وَرَاءَ الْمَرْأَةِ (٢) .
ب - صَلاَةُ الْجُمُعَةِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ الذُّكُورَةُ الْمُحَقَّقَةُ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى امْرَأَةٍ وَلاَ عَلَى خُنْثَى مُشْكِلٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلاَّ أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ، (٣) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَمْلُوكًا، فَمَنِ اسْتَغْنَى بِلَهْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٤) .
_________
(١) حديث أم ورقة: " أن رسول الله ﷺ جعل لها مؤذنًا. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٣٩٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وصححه ابن خزيمة (٣ / ٨٩ - ط المكتب الإسلامي) .
(٢) المجموع للإمام النووي ٤ / ٢٥٤، ومواهب الجليل ٢ / ٩٢، وجواهر الإكليل ١ / ٧٨، والفواكه الدواني ١ / ٢٣٨، والبدائع ١ / ١٥٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٩٨.
(٣) حديث: " الجمعة حق واجب على كل مسلم " أخرجه أبو داود (١ / ٦٤٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (١ / ٢٨٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث طارق بن شهاب، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٤) حديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه. . . . . " أخرجه الدارقطني (٢ / ٣ - ط دار المحاسن) من حديث جابر بن عبد الله، وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص (٢ / ٦٥ - ط شركة الطباعة الفنية) .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ حَضَرَتْ وَصَلَّتِ الْجُمُعَةَ صَحَّتْ مِنْهَا؛ لأَِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ خَلْفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ النِّسَاءُ فِي الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ لاِنْعِقَادِ الْجُمُعَةِ عَلَى اخْتِلاَفِ الأَْقْوَال فِي الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ. (١)
فِي النِّكَاحِ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ النِّكَاحِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ - وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ فِي الْوَلِيِّ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَمْلِكُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا وَلاَ غَيْرِهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، شَرِيفَةً أَوْ دَنِيئَةً، رَشِيدَةً أَوْ سَفِيهَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً فَإِنْ فَعَلَتْ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ (٢) وَقَوْلُهُ ﷺ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ
_________
(١) البدائع (١ / ٢٥٨)، والفواكه الدواني (١ / ٣٠٩)، ومغني المحتاج (١ / ٢٧٦)، والمغني لابن قدامة (٢ / ٣٢٧) .
(٢) حديث: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " أخرجه الدارقطني (٣ / ٢٢٧ - ط دار المحاسن) من حديث عائشة، وفي إسناده مقال، ولكن له طرق يقوي بعضها بعضًا، ذكر بعضها الدارقطني، ويراجع نيل الأوطار للشوكاني (٦ / ٢٥٩ - ط دار الجيل) .
فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ. (١)
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ - وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الرَّشِيدَةِ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا وَنَفْسَ غَيْرِهَا، وَأَنْ تُوَكِّل فِي النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، (٢) وَلأَِنَّ التَّزْوِيجَ خَالِصُ حَقِّهَا وَهِيَ مِنْ أَهْل الْمُبَاشَرَةِ، كَبَيْعِهَا وَبَاقِي تَصَرُّفَاتِهَا الْمَالِيَّةِ. (٣)
فِي الْجِهَادِ:
٦ - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الذُّكُورَةَ الْمُحَقَّقَةَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجِهَادِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَلاَ يَجِبُ جِهَادٌ عَلَى امْرَأَةٍ، وَلاَ عَلَى خُنْثَى مُشْكِلٍ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ هَل عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ فَقَال ﷺ: نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لاَ قِتَال فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ.﴾ (٤)
_________
(١) حديث: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٢٩٩ - ط الحلبي) من حديث عائشة، وقال: " حديث حسن ".
(٢) سورة البقرة / ٢٣٢.
(٣) البدائع (٢ / ٢٤٧)، والقوانين الفقهية (ص٢٠٢)، والجمل على شرح المنهج (٤ / ١٣٨)، والمغني لابن قدامة (٧ / ٤٤٩) .
(٤) حديث عائشة: " هل على النساء جهاد. . . . . . . " أخرجه ابن ماجةماجه (٢ / ٩٦٨ - ط الحلبي)، وإسناده صحيح.
وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْل الْقِتَال لِضَعْفِهَا، وَبِنْيَتُهَا لاَ تَحْتَمِل الْحَرْبَ عَادَةً، وَلِذَلِكَ لاَ يُسْهَمُ لَهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ فِي حَالَةِ حُضُورِهَا. أَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِل فَلأَِنَّهُ لاَ يُعْلَمُ كَوْنُهُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ مَعَ الشَّكِّ فِي هَذَا الشَّرْطِ.
وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّفِيرُ عَامًّا - كَمَا يَقُول الْكَاسَانِيُّ - فَأَمَّا إِذَا عَمَّ النَّفِيرُ بِأَنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى بَلَدٍ فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ يُفْتَرَضُ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَيَخْرُجُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلاَهُ، وَالْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا وَالْوَلَدُ بِغَيْرِ إِذْنِ وَالِدَيْهِ. (١)
فِي الْجِزْيَةِ:
٧ - قَال الْفُقَهَاءُ: لاَ تُضْرَبُ الْجِزْيَةُ إِلاَّ عَلَى الرِّجَال فَلاَ جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ، وَلاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ. (٢) . لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ أَنِ اضْرِبُوا الْجِزْيَةَ وَلاَ تَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. (٣)
_________
(١) البدائع (٧ / ٩٨)، والفواكه الدواني (١ / ٤٦٣)، ومغني المحتاج (٤ / ٢١٦)، والمغني لابن قدامة (٨ / ٣٤٧) .
(٢) البدائع (٧ / ١١١)، ومغني المحتاج (٤ / ٢٤٥)، والمغني لابن قدامة (٨ / ٥٠٧)، والقوانين الفقهية (ص ١٦١) .
(٣) أثر عمر: " ألا يضربوا الجزية على النساء ولا على الصبيان " أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠ / ٣٣١ - ط المجلس العلمي)، والبيهقي (٩ / ١٩٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) .
فِي الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ:
أ - الإِْمَامَةُ الْعُظْمَى:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الإِْمَامِ الأَْعْظَمِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا فَلاَ تَصِحُّ وِلاَيَةُ امْرَأَةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً (١) . وَلِكَيْ يَتَمَكَّنَ مِنْ مُخَالَطَةِ الرِّجَال وَيَتَفَرَّغَ لِتَصْرِيفِ شُئُونِ الْحُكْمِ؛ وَلأَِنَّ هَذَا الْمَنْصِبَ تُنَاطُ بِهِ أَعْمَالٌ خَطِيرَةٌ، وَأَعْبَاءٌ جَسِيمَةٌ تُلاَئِمُ الذُّكُورَةَ. (٢)
ب - الْقَضَاءُ:
٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ فِي الْقَضَاءِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ فِي الْقَاضِي، فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ تَتَوَلَّى الْمَرْأَةُ وَظِيفَةَ الْقَضَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً (٣) . وَلَمْ يُوَل النَّبِيُّ ﷺ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ وَلاَ مَنْ بَعْدَهُمُ امْرَأَةً قَضَاءً وَلاَ وِلاَيَةَ بَلَدٍ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَخْل مِنْهُ جَمِيعُ الزَّمَانِ غَالِبًا.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ جَوَازَ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ قَاضِيَةً فِي
_________
(١) حديث: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " سبق تخريجه (ف / ٣) .
(٢) حاشية ابن عابدين (١ / ٣٦٨)، والقوانين الفقهية (ص٢٢)، ومغني المحتاج (٤ / ١٣٠)، وكشاف القناع (٦ / ١٥٩) .
(٣) حديث: " لن يفلح قوم ولوا. . . . " سبق تخريجه (ف / ٣) .
غَيْرِ الْحُدُودِ؛ لأَِنَّ شَهَادَتَهَا تُقْبَل فِي ذَلِكَ، وَأَهْلِيَّةُ الْقَضَاءِ - عِنْدَهُمْ - تَدُورُ مَعَ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ فَمَا يُقْبَل شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ فِيهِ يَجُوزُ أَنْ تَتَوَلَّى الْقَضَاءَ فِيهِ، وَمَا لاَ فَلاَ. قَال الْكَاسَانِيُّ: أَمَّا الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، بَل يَجُوزُ أَنْ تَتَوَلَّى الْمَرْأَةُ الْقَضَاءَ فِيمَا لاَ حُدُودَ فِيهِ وَلاَ قِصَاصَ. وَذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ إِلَى جَوَازِ تَوَلِّي الْمَرْأَةِ الْقَضَاءَ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُفْتِيَةً، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَاضِيَةً. (١)
وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: قَضَاء.
١٠ - وَهُنَاكَ أَحْكَامٌ أُخْرَى تَخْتَصُّ بِالذُّكُورَةِ مِنْهَا: فِي الْعَقِيقَةِ، وَالْمِيرَاثِ، وَتَطْهِيرِ بَوْل الرَّضِيعِ، وَفِي الْعَوْرَةِ، وَلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ، وَالشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَفِي الشَّهَادَاتِ عَامَّةً، وَفِي زَكَاةِ الأَْنْعَامِ، وَفِي الدِّيَاتِ. وَتُنْظَرُ هَذِهِ كُلُّهَا وَغَيْرُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (أُنُوثَة) .
_________
(١) البدائع (٧ / ٣)، والقوانين الفقهية (ص٢٩٩)، ومغني المحتاج (٤ / ٣٧٥)، والمغني لابن قدامة (٩ / ٣٩) .