الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
ذَمٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الذَّمُّ فِي اللُّغَةِ: خِلاَفُ الْمَدْحِ، قَال فِي الْمِصْبَاحِ: ذَمَمْتُهُ أَذُمُّهُ ذَمًّا خِلاَفُ مَدَحْتُهُ فَهُوَ ذَمِيمٌ وَمَذْمُومٌ أَيْ: غَيْرُ مَحْمُودٍ، وَالذِّمَامُ بِالْكَسْرِ مَا يُذَمُّ الرَّجُل عَلَى إِضَاعَتِهِ مِنَ الْعَهْدِ، وَالْمَذَمَّةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتُفْتَحُ الذَّال وَتُكْسَرُ مِثْلُهُ، وَالذَّمَامُ أَيْضًا: الْحُرْمَةُ. (١)
وَالذَّمُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ خِلاَفَ الْمَدْحِ، وَإِلْحَاقَ الأَْذَى بِالْغَيْرِ، كَأَنْ يَقْذِفَهُ أَوْ يَسُبَّهُ أَوْ يُعَيِّرَهُ بِحِرْفَتِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ كَالْقَذْفِ، أَوِ التَّعْزِيرِ كَغَيْرِ الْقَذْفِ مِنَ الأَْلْفَاظِ الَّتِي لاَ حَدَّ عَلَى قَائِلِهَا وَالَّتِي مَحَلُّهَا مُصْطَلَحُ: (قَذْف) وَمُصْطَلَحُ: (تَعْزِير) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الشَّتْمُ:
٢ - الشَّتْمُ فِي اللُّغَةِ: السَّبُّ، وَالاِسْمُ الشَّتِيمَةُ.
_________
(١) المصباح، والمغرب مادة (ذمم) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يُتَكَلَّمَ أَمَامَ إِنْسَانٍ بِمَا فِيهِ أَوْ بِمَا لَيْسَ فِيهِ (١) .
ب - الْبُهْتَانُ:
٣ - الْبُهْتَانُ فِي اللُّغَةِ: الْقَذْفُ بِالْبَاطِل وَافْتِرَاءُ الْكَذِبِ، وَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ، فِعْلُهُ بَهَتَ مِنْ بَابِ نَفَعَ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَتَكَلَّمَ خَلْفَ إِنْسَانٍ مَسْتُورٍ بِمَا لَيْسَ فِيهِ (٢) .
ج - الْغِيبَةُ:
٤ - الْغِيبَةُ فِي اللُّغَةِ: ذِكْرُ الْغَيْرِ بِمَا يَكْرَهُ مِنَ الْعُيُوبِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَتَكَلَّمَ خَلْفَ إِنْسَانٍ بِمَا هُوَ فِيهِ (٣) .
د - الْقَذْفُ:
٥ - مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ، وَالرَّمْيُ بِالْفَاحِشَةِ، وَالْقَذِيفَةُ الْقَبِيحَةُ وَهِيَ الشَّتْمُ.
وَفِي الشَّرْعِ: رَمْيٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا صَرِيحًا وَهُوَ الْقَذْفُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ. (٤)
_________
(١) الصحاح مادة: " (شتم ")، والكليات، والتعريفات للجرجاني.
(٢) المصباح، مادة: (بهت)، والكليات، والتعريفات.
(٣) المصباح، مادة: (غيب)، والكليات، والتعريفات.
(٤) المصباح، مادة: (قذف)، تبيين الحقائق (٣ / ١٩٩ - ط بولاق)، الدسوقي (٤ / ٣٢٤ ط الفكر)، حاشية القليوبي (٤ / ١٨٤ - ط الحلبي)، وكشاف القناع (٦ / ١٠٤ - ط النصر) .
هـ - اللَّعْنُ:
٦ - مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرْدُ وَالإِْبْعَادُ عَلَى سَبِيل السُّخْطِ، وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ فِي الآْخِرَةِ عُقُوبَةٌ، وَفِي الدُّنْيَا انْقِطَاعٌ مِنْ قَبُول رَحْمَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَمِنَ الإِْنْسَانِ دُعَاءٌ عَلَى غَيْرِهِ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ الاِصْطِلاَحُ الْفِقْهِيُّ عَنْ ذَلِكَ.
و الْمَدْحُ:
٧ - وَهُوَ خِلاَفُ الذَّمِّ وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الثَّنَاءُ عَلَى الْغَيْرِ لِمَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ خِلْقِيَّةً أَمِ اخْتِيَارِيَّةً وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيل الاِخْتِيَارِيِّ قَصْدًا. (٢)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أ - ذَمُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَذَمُّ الْمُؤْمِنِينَ:
٨ - التَّجَرُّؤُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِأَيِّ لَوْنٍ مِنْ أَلْوَانِ الإِْيذَاءِ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الإِْيذَاءِ حُرْمَةً بَل هُوَ كُفْرٌ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا
_________
(١) مفردان الراغب الأصفهاني، مادة: (لعن) .
(٢) المصباح، مادة: (مدح)، التعريفات.
مُهِينًا﴾ . (١) وَذَمُّ الْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ وَإِيذَاؤُهُمَا بِالأَْقْوَال الْقَبِيحَةِ، كَالْبُهْتَانِ، وَالتَّكْذِيبِ الْفَاحِشِ الْمُخْتَلَقِ، وَالتَّعْيِيرِ بِحَسَبٍ مَذْمُومٍ، أَوْ حِرْفَةٍ مَذْمُومَةٍ، أَوْ بِشَيْءٍ يَثْقُل عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَمِعَهُ حَرَامٌ فِي الْجُمْلَةِ، قَال الْقُرْطُبِيُّ: بَل هُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ . (٢) وَإِيذَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مِنْهُ مَا يَكُونُ بِحَقٍّ، كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِغَيْرِ حَقٍّ، كَالْغِيبَةِ وَالْقَذْفِ وَالْكَذِبِ وَغَيْرِهِ. (٣)
٩ - وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ ﷾ نَهَى عَنْ أَنْ يَسْخَرَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٌ مِنِ امْرَأَةٍ، وَنَهَى عَنِ اللَّمْزِ أَيِ الْعَيْبِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِالْيَدِ، أَمْ بِالْعَيْنِ، أَمْ بِاللِّسَانِ، أَمْ بِالإِْشَارَةِ، وَنَهَى عَنِ التَّنَابُزِ بِالأَْلْقَابِ الَّتِي تُغْضِبُ مَنْ لُقِّبَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ﴾ . (٤)
قَال الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهُ يَنْبَغِي مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ أَلاَّ يَجْتَرِئَ أَحَدٌ عَلَى الاِسْتِهْزَاءِ عَلَى مَنْ
_________
(١) سورة الأحزاب / ٥٧.
(٢) سورة الأحزاب / ٥٨.
(٣) تفسير القرطبي (١٤ / ٢٤٠ - ط الثانية)، روح المعاني (٢٢ / ٨٧ - ٨٨ - ط المنيرية) .
(٤) سورة الحجرات / ١١.
يَقْتَحِمُهُ بِعَيْنِهِ إِذَا رَآهُ رَثَّ الْحَال أَوْ ذَا عَاهَةٍ فِي بَدَنِهِ، أَوْ غَيْرَ لَبِقٍ فِي مُحَادَثَتِهِ، فَلَعَلَّهُ أَخْلَصُ ضَمِيرًا وَأَنْقَى قَلْبًا مِمَّنْ هُوَ عَلَى ضِدِّ صِفَتِهِ، فَيَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَنْ وَقَّرَهُ اللَّهُ، وَالاِسْتِهْزَاءُ بِمَنْ عَظَّمَهُ اللَّهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ تَلْقِيبُ الشَّخْصِ بِمَا يَغْلِبُ فِيهِ الاِسْتِعْمَال وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ كَسْبٌ وَلاَ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ كَالأَْعْرَجِ وَالأَْحْدَبِ، وَقَدْ سُئِل عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الرَّجُل يَقُول: حُمَيْدُ الطَّوِيل، وَسُلَيْمَانُ الأَْعْمَشُ، وَحُمَيْدٌ الأَْعْرَجُ، وَمَرْوَانُ الأَْصْغَرُ، فَقَال: إِذَا أَرَدْتَ صِفَتَهُ وَلَمْ تُرِدْ عَيْبَهُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ. (١)
١٠ - وَأَمَّا سَبُّ الْمُسْلِمِ بِشَتْمِهِ وَالتَّكَلُّمِ فِي عِرْضِهِ بِمَا يَعِيبُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ وَفَاعِلُهُ فَاسِقٌ، وَأَمَّا قِتَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلاَ يَكْفُرُ بِهِ عِنْدَ أَهْل الْحَقِّ كُفْرًا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الْمِلَّةِ إِلاَّ إِذَا اسْتَحَلَّهُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ (٢) .
ب - ذَمُّ الْمُبْتَدَعِينَ وَبِدَعِهِمْ:
١١ - ذَمُّ الْمُبْتَدَعِينَ وَالْبِدَعِ مَطْلُوبٌ وَارِدٌ فِي الشَّرْعِ يَدُل عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂
_________
(١) تفسير القرطبي (١٦ / ٣٢٩ - ٣٣٠ - ط الأولى) .
(٢) حديث: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٦٤ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٨١ - ط الحلبي) .
قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ - وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مَا لَيْسَ فِيهِ - فَهُوَ رَدٌّ. (١)
وَمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ. (٢)
ج - ذَمُّ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ:
١٢ - ذَكَرَ اللَّهُ ﷾ ذَمَّ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِنْ تِلْكَ الآْيَاتِ قَوْله تَعَالَى فِي ذَمِّ الْكُفَّارِ ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ . (٣)
وَالْمَعْنَى كَمَا فِي رُوحِ الْمَعَانِي أَنَّ شَرَّ مَنْ يَدِبُّ عَلَى الأَْرْضِ أَوْ شَرَّ الْبَهَائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ فِي حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ الصُّمُّ الَّذِينَ لاَ يَسْمَعُونَ الْحَقَّ، الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَنْطِقُونَ بِهِ، وَوُصِفُوا بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ مَا خُلِقَ لَهُ الْحَاسَّتَانِ سَمَاعُ الْحَقِّ وَالنُّطْقُ بِهِ، وَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ صَارُوا كَأَنَّهُمْ فَاقِدُونَ لَهُمَا رَأْسًا. ثُمَّ وُصِفُوا بِعَدَمِ التَّعَقُّل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾، تَحْقِيقًا
_________
(١) حديث: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣٠١ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٣٤٣ - ط الحلبي)، واللفظ لمسلم، والرواية الأخرى للبخاري.
(٢) حديث: " من عمل عملًا ليس عليه أمرنا. . . . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٤٤ - ط الحلبي) .
(٣) سورة الأنفال / ٢٢.
لِكَمَال سُوءِ حَالِهِمْ، فَإِنَّ الأَْصَمَّ الأَْبْكَمَ إِذَا كَانَ لَهُ عَقْلٌ رُبَّمَا يَفْهَمُ بَعْضَ الأُْمُورِ وَيُفْهِمُهُ غَيْرَهُ وَيَهْتَدِي إِلَى بَعْضِ مَطَالِبِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ فَاقِدًا لِلْعَقْل أَيْضًا فَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الشَّرِّيَّةِ وَسُوءِ الْحَال وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ كَوْنُهُمْ شَرَّ الدَّوَابِّ حَيْثُ أَبْطَلُوا مَا بِهِ يَمْتَازُونَ عَنْهَا. (١)
وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ ﷾ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبْكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ. . .﴾ (٢)
١٣ - هَذَا وَأَمَّا سَبُّ الْكُفَّارِ وَمَعْبُودَاتِهِمْ فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . (٣) فَإِنَّ اللَّهَ ﷾ نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ سَبِّ أَوْثَانِ الْكُفَّارِ وَأَصْنَامِهِمْ لِعِلْمِهِ ﷾ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا سَبُّوهَا ازْدَادَ هَؤُلاَءِ الْكُفَّارُ كُفْرًا وَنُفُورًا فَيَسُبُّوا الْمُؤْمِنِينَ بِمِثْل مَا سَبُّوهُمْ بِهِ، وَحُكْمُ هَذِهِ الآْيَةِ كَمَا قَال الْعُلَمَاءُ بَاقٍ فِي هَذِهِ الأُْمَّةِ عَلَى كُل حَالٍ، فَمَتَى كَانَ الْكَافِرُ فِي مَنَعَةٍ وَخِيفَ أَنْ يَسُبَّ الإِْسْلاَمَ أَوِ النَّبِيَّ ﵊، أَوِ اللَّهَ ﷿، فَلاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسُبَّ صُلْبَانَهُمْ وَلاَ دِينَهُمْ وَلاَ
_________
(١) روح المعاني (٩ / ١٨٨ - ١٨٩ - ط المنيرية) .
(٢) سورة المنافقين الآية / ٤.
(٣) سورة الأنعام / ١٠٨.
كَنَائِسَهُمْ، وَلاَ يَتَعَرَّضَ إِلَى مَا يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْثِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (١) .
د - ذَمُّ الْمَعَاصِي وَمُرْتَكِبِيهَا:
١٤ - ذَمَّ اللَّهُ ﷾ الْمَعَاصِيَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الآْيَاتِ وَحَذَّرَ مِنْهَا؛ لأَِنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلْهَلاَكِ وَمُبْعِدَةٌ عَنْ دَارِ السَّلاَمِ، وَتُلْحِقُ بِمُرْتَكِبِيهَا الْخِزْيَ وَالْهَوَانَ وَالذُّل. وَقَدْ وَرَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَعْنُ الظَّالِمِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَلَعْنُ أَصْحَابِ السَّبْتِ، وَلَعْنُ مَنْ نَقَضَ مِيثَاقَهُ، وَلَعْنُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾، (٢) وَقَال تَعَالَى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ . (٣) وَتُنْظَرُ سَائِرُ أَحْكَامِ الذَّمِّ فِي مُصْطَلَحِ: (سَبّ) .
ذِمِّيٌّ
انْظُرْ: أَهْل الذِّمَّةِ
ذَنْبٌ
انْظُرْ: تَوْبَة
_________
(١) تفسير القرطبي (٧ / ٦١ - ط الأولى) .
(٢) سورة الأحزاب / ٦٤.
(٣) سورة النساء / ٤٧.
ذِمَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الذِّمَّةُ فِي اللُّغَةِ تُفَسَّرُ بِالْعَهْدِ وَبِالأَْمَانِ كَتَسْمِيَةِ الْمُعَاهَدِ بِالذِّمِّيِّ، وَفُسِّرَ قَوْلُهُ ﷺ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ (١) بِالأَْمَانِ، وَالذِّمَّةُ أَيْضًا الضَّمَانُ، فَإِذَا قُلْتَ فِي ذِمَّتِي كَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى فِي ضَمَانِي، وَتُجْمَعُ عَلَى ذِمَمٍ، كَسِدْرَةٍ وَسِدَرٍ.
وَأَمَّا الذِّمَّةُ فِي الشَّرْعِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهَا كَمَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْكُلِّيَّاتِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا وَصْفًا، وَعَرَّفَهَا: بِأَنَّهَا وَصْفٌ يَصِيرُ الشَّخْصُ بِهِ أَهْلًا لِلإِْيجَابِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَبِي زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّمَّةِ الْعَقْل، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا ذَاتًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وَلِهَذَا عَرَّفَهَا بِأَنَّهَا نَفْسٌ لَهَا عَهْدٌ، فَإِنَّ الإِْنْسَانَ يُولَدُ وَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَمِلْكُ
_________
(١) حديث: " ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٤٢ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٩٨ - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب.
النِّكَاحِ، وَيَلْزَمُهُ عُشْرُ أَرْضِهِ وَخَرَاجُهَا بِالإِْجْمَاعِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَهَا الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى الْعَهْدِ، وَاسْتَعْمَلَهَا بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ بِمَعْنَى أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ، وَجَاءَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الذِّمَّةَ تُطْلَقُ عَلَى مَحَل الاِلْتِزَامِ كَقَوْلِهِمْ: ثَبَتَ فِي ذِمَّتِي، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُول: هِيَ مَحَل الضَّمَانِ وَالْوُجُوبِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُول: هِيَ مَعْنًى يَصِيرُ بِسَبَبِهِ الآْدَمِيُّ عَلَى الْخُصُوصِ أَهْلًا لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ لَهُ وَعَلَيْهِ. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِلْتِزَامُ:
٢ - أَصْل الاِلْتِزَامِ اللُّزُومُ، وَمَعْنَى اللُّزُومِ فِي اللُّغَةِ الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ، يُقَال لَزِمَ الشَّيْءُ يَلْزَمُ لُزُومًا أَيْ ثَبَتَ وَدَامَ، وَلَزِمَهُ الْمَال وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ: وَجَبَ حُكْمُهُ، وَأَلْزَمْتُهُ الْمَال وَالْعَمَل فَالْتَزَمَهُ، وَالاِلْتِزَامُ أَيْضًا الاِعْتِنَاقُ.
وَالاِلْتِزَامُ أَيْضًا: إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لاَزِمًا لَهُ، أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ قَبْل، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى شَامِلٌ لِلْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ.
_________
(١) الصحاح، والمصباح، والمغرب مادة: (ذمم)، التعريفات للجرجاني / ١٤٣ ط. دار الكتاب العربي، والكليات (٢ / ٣٤٦ ط. دمشق)، التلويح على التوضيح (٣ / ١٥٣ ط الأولى)، وكشف الأسرار للبزدوي (٤ / ٢٣٩ ط. دار الكتاب العربي)، وحاشية الجمل على المنهج (٥ / ٢٠٥ ط. إحياء التراث)، ونهاية المحتاج (٨ / ٧٥ - ٧٦ ط. المكتبة الإسلامية) .