الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
الذِّكْرِ بِعَدَدٍ كَبِيرٍ أَوْ مِقْدَارٍ عَظِيمٍ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الإِْرْشَادِ إِلَى ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الْمُتَقَدِّمُ، وَمِنْهَا حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَمَا أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَال: مَا زِلْتُ عَلَى الْحَال الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَال: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ (١) .
وَنَحْوُ مَا وَرَدَ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلاَل وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ (٢) . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى (٣) .
_________
(١) حديث جويرية: " أن النبي ﷺ خرج من عندها " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٩٠ - ط الحلبي) .
(٢) حديث: " ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك " أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٢٤٩ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٢٦١ - ط دار الجنان): " هذا إسناد فيه مقال، وقدامة بن إبراهيم ذكره ابن حبان في الثقات، وصدقة ابن بشير لم أر من جرحه ولا من وثقه، وبقية رجال الإسناد ثقات ".
(٣) حديث: " الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا " أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٢٨٩ - ط مؤسسة الرسالة) من حديث أنس، وصححه ابن حبان (الإحسان ٢ / ١٠٤ - ط دار الكتب العلمية) .
قَال الأَْبِيُّ: يَدُل الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ الْجَامِعَ يَحْصُل بِهِ مِنَ الثَّوَابِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ (١) . ثُمَّ قَال: وَالأَْظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ الْكَثْرَةِ لاَ أَنَّهَا مِثْل كَلِمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَدَدِ؛ لأَِنَّ كَلِمَاتِهِ تَعَالَى غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَال: عَدَدَ كَذَا، وَزِنَةَ كَذَا كُتِبَ لَهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَفَضْل اللَّهِ يَمُنُّ بِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. قَال: وَلاَ يُتَّجَهُ هُنَا أَنْ يُقَال إِنَّ مَشَقَّةَ مَنْ قَال هَذَا أَخَفُّ مِنْ مَشَقَّةِ مَنْ كَرَّرَ اللَّفْظَ كَثِيرًا، فَإِنَّ هَذَا بَابٌ مَنَحَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِعِبَادِ اللَّهِ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ، وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ، تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ، وَتَكْثِيرًا لأُِجُورِهِمْ دُونَ تَعَبٍ وَلاَ نَصَبٍ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَنَقَل ابْنُ عَلاَّنَ عَنِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ النُّوَيْرِيِّ قَوْلَهُ: قَدْ يَكُونُ الْعَمَل الْقَلِيل أَفْضَل مِنَ الْعَمَل الْكَثِيرِ كَقَصْرِ الصَّلاَةِ فِي السَّفَرِ أَفْضَل مِنَ الإِْتْمَامِ، لَكِنْ لَوْ نَذَرَ إِنْسَانٌ أَنْ يَقُول: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَشْرَ مَرَّاتٍ، فَقَال سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ
_________
(١) حديث: " كان النبي ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك " أخرجه أبو داود (٢ / ١٦٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عائشة، وجود إسناده النووي في الأذكار (ص ٥٩٦ - ط دار ابن كثير) .
عَنْ عُهْدَةِ نَذْرِهِ لأَِنَّ الْعَدَدَ هُنَا مَقْصُودٌ. وَجَعَل إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ نَظِيرَ ذَلِكَ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَلْفَ صَلاَةٍ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ صَلاَةً وَاحِدَةً، أَوْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَقَرَأَ سُورَةَ الإِْخْلاَصِ (١) .
كِتَابَةُ ذِكْرِ اللَّهِ وَأَحْكَامُ الذِّكْرِ الْمَكْتُوبِ:
٥٠ - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ كِتَابَةُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِشَيْءٍ نَجَسٍ أَوْ عَلَى شَيْءٍ نَجَسٍ، فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ قَصْدًا لِلإِْهَانَةِ اسْتَحَقَّ الْقَتْل؛ لأَِنَّهُ رِدَّةٌ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا.
وَحَيْثُ كُتِبَ بِنَجَسٍ وَجَبَ غَسْلُهُ بِطَاهِرٍ أَوْ حَرْقُهُ لِصِيَانَتِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ طَاهِرًا فَتَنَجَّسَ، أَمَّا إِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلاَّ مَاءٌ نَجَسٌ أَوْ نَارٌ نَجِسَةٌ فَلاَ يَجُوزُ الْغَسْل وَالتَّحْرِيقُ بِهِمَا وَيُعْدَل إِلَى دَفْنِ الذِّكْرِ فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ لاَ تَطَؤُهُ الأَْقْدَامُ. وَلاَ تُكْرَهُ فِي الذِّكْرِ كِتَابَتُهُ فِي السُّتُورِ أَوْ غَيْرِهَا بِغَيْرِ مَسْجِدٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ تُدَاسُ، فَإِنْ كَانَتْ تُدَاسُ كُرِهَ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَيَحْرُمُ دَوْسُ الذِّكْرِ. قَالُوا: وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى حِيطَانِ الْمَسَاجِدِ ذِكْرٌ أَوْ غَيْرُهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُلْهِي الْمُصَلِّي.
وَكَرِهَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ شِرَاءَ ثَوْبٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ يُجْلَسُ عَلَيْهِ وَيُدَاسُ (٢)، وَكَرِهَ بَيْعَ
_________
(١) عدة الحصن الحصين ص ٢٤٠، والفتوحات الربانية ١ / ١٩٥ - ١٩٩، ٣ / ٢٩٨، وشرح الأبي على صحيح مسلم ٧ / ١٤٢، ١٤٣.
(٢) كشاف القناع ١ / ١٣٧، ومطالب أولي النهى ١ / ١٥٥، ١٥٦، ١٥٩.
الثِّيَابِ الَّتِي عَلَيْهَا ذِكْرُ اللَّهِ لأَِهْل الذِّمَّةِ (١) . وَفِي الْفُرُوعِ: يَحْرُمُ مَسُّ ذِكْرِ اللَّهِ بِنَجَسٍ. وَلاَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ الذِّكْرُ أَوْ مَسُّ مَا فِيهِ ذِكْرٌ بِخِلاَفِ الْقُرْآنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَدَثُ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ لَوْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ (٢) .
وَفِي تَعْلِيقِ الذِّكْرِ الْمَكْتُوبِ لِدَفْعِ ضَرَرٍ وَاقِعٍ خِلاَفٌ. (ر: تَعْوِيذ ف ٢٣) .
الأَْذْكَارُ الَّتِي رَتَّبَهَا الشَّارِعُ:
٥١ - رَتَّبَ الشَّارِعُ كَثِيرًا مِنَ الأَْذْكَارِ، فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ.
فَمِنْهَا أَذْكَارٌ مُرَتَّبَةٌ بِحَسَبِ الزَّمَانِ كَأَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالظَّهِيرَةِ وَدُخُول الشَّهْرِ وَرُؤْيَةِ الْهِلاَل.
وَمِنْهَا أَذْكَارٌ بِحَسَبِ الْمَكَانِ.
وَمِنْهَا أَذْكَارٌ فِي الْعِبَادَاتِ، كَأَذْكَارِ الصَّلاَةِ وَمَا قَبْلَهَا، وَأَذْكَارُ الصَّوْمِ وَالإِْفْطَارِ مِنْهُ وَالْحَجِّ. وَمِنْهَا أَذْكَارٌ مُرَتَّبَةٌ لِلأَْفْعَال وَالأَْحْوَال، كَأَذْكَارِ النَّوْمِ وَالاِسْتِيقَاظِ مِنْهُ، وَأَذْكَارِ الْمَلْبَسِ وَالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالذَّبْحِ. وَأَذْكَارِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْمُعَاشَرَةِ، وَأَذْكَارِ الْعُطَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَأَذْكَارٍ تُقَال عِنْدَ التَّطَيُّرِ وَالتَّشَاؤُمِ، وَعِنْدَ الْكَرْبِ وَالشِّدَّةِ، وَعِنْدَ السَّفَرِ وَالنُّزُول، وَالرُّكُوبِ وَالْعَوْدَةِ، وَأَذْكَارِ
_________
(١) المغني ٨ / ٥٣٥.
(٢) مطالب أولي النهى ١ / ١٥٥، ١٥٦.
الْمَجَالِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ أَلَّفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ تَآلِيفَ مَشْهُورَةً. وَيُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا بِالرُّجُوعِ إِلَى مَوَاضِعِهَا فِي هَذِهِ الْمَوْسُوعَةِ أَوْ فِي الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي الأَْذْكَارِ.
أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى الذِّكْرِ:
٥٢ - مَا كَانَ مِنَ الأَْذْكَارِ وَاجِبًا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهِ.
قَال الْقَلْيُوبِيُّ: مَا كَانَ عَلَى مَسْنُونٍ كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ الْقُرْآنِ تَجُوزُ الإِْجَارَةُ عَلَيْهَا وَأَخْذُ الأُْجْرَةِ حَيْثُ كَانَ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ (١) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ أَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَى الأَْذَانِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي عَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى الأَْذَانِ (٢) .
ثَانِيًا: الذِّكْرُ بِمَعْنَى النُّطْقِ بِاسْمِ الشَّخْصِ أَوِ الشَّيْءِ:
٥٣ - وَهُوَ بِمَعْنَى الْقَوْل أَوِ الْحِكَايَةِ.
وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِحَسَبِ الشَّيْءِ الْمَذْكُورِ أَوِ الشَّخْصِ الْمَذْكُورِ، وَبِحَسَبِ مَا يَقُولُهُ عَنْهُ. وَالأَْصْل أَنَّ الذِّكْرَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُبَاحٌ، وَتَعْرِضُ لَهُ
_________
(١) القليوبي ٣ / ٧٤.
(٢) المغني ١ / ٤١٥.
الأَْحْكَامُ الأُْخْرَى: فَمِنْهُ مَا يَكُونُ وَاجِبًا كَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِحَقٍّ. فَإِنَّهَا ذِكْرٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ.
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، كَذِكْرِ مَا يَكُونُ فِيهِ الْخَيْرُ، كَإِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَدَلاَلَتِهِمْ عَلَى الْمَعْرُوفِ، وَكَذِكْرِ الْفَاسِقِ الْمُجَاهِرِ بِمَا فِيهِ لِيُعْرَفَ، وَذِكْرِ أَهْل الْبِدَعِ لِئَلاَّ يُغْتَرَّ بِهِمْ.
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مَكْرُوهًا كَالنُّطْقِ بِأَمْرٍ فِيهِ شُبْهَةُ التَّحْرِيمِ أَوِ الدَّلاَلَةُ عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مُحَرَّمًا كَالْغِيبَةِ (١)، وَهِيَ كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيل: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُول؟ قَال: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُول فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ. وَقَدْ يَكُونُ مُكَفِّرًا كَمَنْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ أَوْ كِتَابَهُ بِاسْتِهْزَاءٍ أَوِ اسْتِخْفَافٍ فَيَسْتَحِقُّ قَائِلُهُ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الرِّدَّةِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا. وَانْظُرْ: (غِيبَة، رِدَّة، اسْتِخْفَاف) .
ثَالِثًا: الذِّكْرُ بِمَعْنَى اسْتِحْضَارِ الشَّيْءِ فِي الْقَلْبِ:
٥٤ - وَهُوَ يُقَابِل النِّسْيَانَ. وَالذَّاكِرُ فِي حَال الْمُخَالَفَةِ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ فِعْل الْمُحَرَّمِ مُسْتَحِقٌّ لِلإِْثْمِ، وَتَلْزَمُهُ الأَْحْكَامُ
_________
(١) حديث: " ذكرك أخاك بما يكره " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٠١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ سَوَاءٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ.
أَمَّا النِّسْيَانُ فَهُوَ مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ، وَهُوَ عَدَمُ الاِسْتِحْضَارِ وَقْتَ الْحَاجَةِ. قَال شَارِحُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: النِّسْيَانُ عُذْرٌ فِي حَقِّ الإِْثْمِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ. وَأَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ مَعَ مُذَكِّرٍ فَلاَ عُذْرَ، كَأَكْل النَّاسِي فِي الصَّلاَةِ مُطْلَقًا إِذْ هَيْئَاتُهَا مُذَكِّرَةٌ، وَصَيْدِ الْمُحْرِمِ نَاسِيًا إِذِ الإِْحْرَامُ مُذَكِّرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُذَكِّرٌ فَيَكُونُ عُذْرًا، كَالأَْكْل فِي نَهَارِ رَمَضَانَ نَاسِيًا، وَسَلاَمِ الْمُصَلِّي فِي الْقَعْدَةِ الأُْولَى نَاسِيًا وَتَرْكِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ نَاسِيًا (١) .
وَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ تَفْصِيل ذَلِكَ وَالْخِلاَفِ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (نِسْيَان) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّذَكُّرِ:
٥٥ - الذِّكْرُ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا يَطْرَأُ فِي الْغَالِبِ عَلَى الإِْنْسَانِ دُونَ إِرَادَتِهِ، لَكِنْ قَدْ يَتَكَلَّفُ التَّذَكُّرَ فَيَتَذَكَّرُ، وَمِنْ هُنَا فَقَدْ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَذَكُّرِ نِعَمِهِ لِيُشْكَرَ وَلِيَعْرِفَ الإِْنْسَانُ حَقَّ رَبِّهِ تَعَالَى مِنْ تَوْحِيدِهِ وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَل مِنْ
_________
(١) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ١ / ١٧٠.
خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَْرْضِ﴾ (١) وَأَمَرَ تَعَالَى بِذِكْرِ الآْخِرَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْهَوْل وَالْحِسَابِ وَنَعِيمِ الْجَنَّةِ وَعَذَابِ النَّارِ وَمَصَارِعِ الظَّالِمِينَ مِمَّنْ سَاقَ ذِكْرَهُمْ فِي كِتَابِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ. (٢)
وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآْخِرَةَ (٣) . وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِكُل إِنْسَانٍ صَحِيحًا كَانَ أَوْ مَرِيضًا ذِكْرُ الْمَوْتِ، بِأَنْ يَجْعَلَهُ نَصْبَ عَيْنَيْهِ؛ لأَِنَّهُ أَزْجَرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَأَدْعَى لِلطَّاعَةِ (٤) .
رَابِعًا: الذِّكْرُ بِمَعْنَى الصِّيتِ وَالشَّرَفِ:
٥٦ - امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٥) وَامْتَنَّ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ
_________
(١) سورة فاطر / ٣.
(٢) حديث: " أكثروا ذكر هاذم اللذات " أخرجه الترمذي (٤ / ٥٥٣ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة. وقال: " هذا حديث حسن غريب ".
(٣) حديث: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٥٤ - ط الحلبي) من حديث بريدة، وقوله: (فإنها تذكر الآخرة) أخرجه أحمد (٥ / ٣٥٥ - ط الحلبي) .
(٤) نهاية المحتاج ٢ / ٤٢٢، والمغني ٢ / ٤٤٨.
(٥) سورة الشرح / ٤.
تَعْقِلُونَ﴾ (١) وَقَال: ﴿بَل أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢) قَال الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُنَا الشَّرَفُ (٣) . وَأَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﷺ أَنَّهُ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى فَقَال: ﴿وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآْخِرِينَ﴾ (٤) قَال مُجَاهِدٌ: هُوَ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، وَقَال ابْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ الثَّنَاءُ وَخُلْدُ الْمَكَانَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَدْ أَجَابَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ فَكُل أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وَتُعَظِّمُهُ.
قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَمِنْ هُنَا رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُل أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ صَالِحًا، وَيُرَى فِي عَمَل الصَّالِحِينَ إِذَا قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَل لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٥) أَيْ حُبًّا فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَثَنَاءً حَسَنًا (٦) . فَنَبَّهَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآْخِرِينَ﴾ (٧) عَلَى اسْتِحْبَابِ اكْتِسَابِ مَا يُورِثُ الذِّكْرَ الْجَمِيل.
قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَال الْمُحَقِّقُونَ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْعَمَل الصَّالِحِ الَّذِي يُكْسِبُ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ.
_________
(١) سورة الأنبياء / ١٠.
(٢) سورة المؤمنون / ٧١.
(٣) تفسير القرطبي ١١ / ٢٧٣.
(٤) سورة الشعراء / ٨٤.
(٥) سورة مريم / ٩٦.
(٦) تفسير القرطبي ١٣ / ١١٣.
(٧) سورة الشعراء / ٨٤.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُثْنِي عَلَى مَنْ تَمَيَّزَ بِفِعْلٍ أَوْ فَضْلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَحْمَدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانُوا يُظْهِرُونَ سُرُورَهُمْ بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: إِنِّي أَكِل قَوْمًا إِلَى مَا جَعَل اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْغِنَى مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ قَال عَمْرٌو: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ. (١) وَقَال ﷺ: مُلِئَ عَمَّارٌ إِيمَانًا إِلَى مُشَاشِهِ (٢) .
لَكِنْ عَلَى الْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَتَجَنَّبَ أُمُورًا:
الأَْوَّل: لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ بِمَا لَيْسَ حَقًّا وَمَا لَمْ يَفْعَل، بِأَنْ يُرَائِيَ فَيُظْهِرَ لِلنَّاسِ مَا لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْفَضَائِل، أَوْ يَدَّعِيَ بِأَفْعَال خَيْرٍ لَمْ يَفْعَلْهَا، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا
_________
(١) حديث: " إني أكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٢٥٠ - ط السلفية) من حديث عمرو بن تغلب.
(٢) حديث: " ملئ عمار إيمانًا إلى مشاشه " أخرجه النسائي (٨ / ١١١ - ط المكتبة التجارية)، والحاكم (٣ / ٣٩٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. والمشاش رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها. ومفرده مشاشة وهو ما أشرف من عظم المنكب. (لسان العرب والنهاية لابن الأثير) .
(٣) سورة آل عمران / ١٨٨.