الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١

يَفْقَهْ حُدُودَهُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الأَْمْرَ كَانَ فِي الْخَوَارِجِ فَاشِيًا، كَمَا قَال أَبُو حَمْزَةَ الشَّارِي يَمْدَحُ أَصْحَابَهُ مِنَ الشُّرَاةِ " كُلَّمَا مَرُّوا بِآيَةِ خَوْفٍ شَهِقُوا خَوْفًا مِنَ النَّارِ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةِ رَحْمَةٍ شَهِقُوا شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ (١) ".

وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَال: جِئْتُ أَبِي، فَقَال: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: وَجَدْتُ أَقْوَامًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، فَيُرْعَدُ أَحَدُهُمْ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَقَعَدْتُ مَعَهُمْ. فَقَال: لاَ تَقْعُدْ بَعْدَهَا. فَرَآنِي كَأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ فِيَّ. فَقَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتْلُو الْقُرْآنَ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَتْلُوَانِ الْقُرْآنَ، فَلاَ يُصِيبُهُمْ هَذَا، أَفَتَرَاهُمْ أَخْشَعَ لِلَّهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ فَرَأَيْتُ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَتَرَكْتُهُمْ (٢) .

الرَّقْصُ وَالدَّوَرَانُ وَالطَّبْل وَالزَّمْرُ عِنْدَ الذِّكْرِ:

٤٣ - يَزِيدُ بَعْضُ أَهْل الْبِدَعِ عِنْدَ الذِّكْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أُمُورًا أُخْرَى، قَال الشَّاطِبِيُّ: يَا لَيْتَهُمْ وَقَفُوا عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ الْمَذْمُومِ، وَلَكِنَّهُمْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ الرَّقْصَ وَالزَّمْرَ وَالدَّوَرَانَ وَالضَّرْبَ عَلَى الصُّدُورِ، وَبَعْضُهُمْ يَضْرِبُ عَلَى رَأْسِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعَمَل الْمُضْحِكِ لِلْحَمْقَى، لِكَوْنِهِ مِنْ أَعْمَال الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ، الْمُبْكِي

_________

(١) البداية والنهاية لابن كثير ١٠ / ٣٦ (٣٨) في حوادث سنة ١٣٠ هـ.

(٢) المدخل لابن الحاج ٢ / ٦.

لِلْعُقَلاَءِ، رَحْمَةً لَهُمْ، إِذْ لَمْ يُتَّخَذْ مِثْل هَذَا طَرِيقًا إِلَى اللَّهِ وَتَشَبُّهًا بِالصَّالِحِينَ (١) .

وَقَال الآْجُرِّيُّ: يُقَال لِمَنْ فَعَل هَذَا: اعْلَمْ أَنَّ أَصْدَقَ النَّاسِ مَوْعِظَةً، وَأَنْصَحَ النَّاسِ لأُِمَّتِهِ، وَأَرَقَّ النَّاسِ قَلْبًا، وَخَيْرَ النَّاسِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ - أَيْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لاَ يَشُكُّ فِي ذَلِكَ عَاقِلٌ، مَا صَرَخُوا عِنْدَ مَوْعِظَةٍ، وَلاَ زَعَقُوا، وَلاَ رَقَصُوا، وَلاَ زَفَنُوا، وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَكَانُوا أَحَقَّ بِهِ أَنْ يَفْعَلُوهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنَّهُ بِدْعَةٌ وَبَاطِلٌ وَمُنْكَرٌ (٢) . اهـ.

وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَفِي الْمُلْتَقَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَرِهَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْجِنَازَةِ وَالزَّحْفِ وَالتَّذْكِيرِ، فَمَا ظَنُّكَ عِنْدَ الْغِنَاءِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ وَجْدًا وَمَحَبَّةً فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لاَ أَصْل لَهُ فِي الدِّينِ (٣) .

قَسْوَةُ الْقَلْبِ عِنْدَ الذِّكْرِ:

٤٤ - هَذِهِ حَالٌ مُقَابِلَةٌ لِحَال الْمُؤْمِنِينَ، وَمُشَابِهَةٌ لِحَال الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٤) فَكَانَ وَجَل الْقُلُوبِ عِنْدَ

_________

(١) الاعتصام للشاطبي ١ / ٢٢٣ - ٢٢٥، وتفسير القرطبي ١٥ / ٢٤٩.

(٢) الاعتصام للشاطبي ١ / ٢٢٦.

(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٥٥.

(٤) سورة الأنفال / ٢.

الذِّكْرِ عَلاَمَةً عَلَى صِدْقِ إِيمَانِهِمْ وَإِنَابَتِهِمْ، وَقَال فِي شَأْنِ الْكُفَّارِ ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآْخِرَةِ﴾ (١) وَفِي شَأْنِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (٢) .

وَقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الذِّكْرِ بِسَبَبِ طُول الأَْمَدِ وَالاِنْشِغَال بِمَا يَصْرِفُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالاِتِّعَاظِ بِهِ فَقَال: ﴿رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ. . .﴾ (٣) وَقَال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَل مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْل فَطَال عَلَيْهِمُ الأَْمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤) .

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَال: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلاَمِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الآْيَةِ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إِلاَّ أَرْبَعَ سِنِينَ (٥) .

وَعَنْ أَنَسٍ قَال: اسْتَبْطَأَ اللَّهُ قُلُوبَ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ نُزُول الْقُرْآنِ فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿

_________

(١) سورة الزمر / ٤٥.

(٢) سورة الزمر / ٢٢.

(٣) سورة النور / ٣٧.

(٤) سورة الحديد / ١٦.

(٥) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم (٤ / ٢٣١٩ - ط الحلبي) .

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) .

الإِْكْثَارُ مِنَ الذِّكْرِ:

٤٥ - الإِْكْثَارُ مِنَ الذِّكْرِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لِقَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٢) وَقَوْلِهِ: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ (٤) . وَقَال رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ شَرَائِعَ الإِْسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ؟ فَقَال: لاَ يَزَال لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (٥) .

وَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّهُمْ: ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٦) وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي

_________

(١) حديث أنس: أورده السيوطي في الدر المنثور (٦ / ٥٧ - ط دار الفكر) وعزاه لابن مردويه.

(٢) سورة الأحزاب / ٤١، ٤٢.

(٣) سورة الأحزاب / ٣٥.

(٤) الحديث تقدم تخريجه في ف / ٣.

(٥) حديث: " لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله " أخرجه الترمذي (٥ / ٤٥٨ - ط الحلبي) وقال: " حديث حسن غريب ".

(٦) سورة النساء / ١٤٢.

الذِّكْرِ الْكَثِيرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الآْيَةِ، فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ وَغُدُوًّا وَعَشِيًّا وَفِي الْمَضَاجِعِ وَكُلَّمَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ وَكُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى. وَيُوَضِّحُهُ مَا قَالَهُ أَبُو عَمْرِو بْنِ الصَّلاَحِ عَمَّا يَصِيرُ بِهِ الْعَبْدُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ، قَال: إِذَا وَاظَبَ عَلَى الأَْذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ الْمُثْبَتَةِ صَبَاحًا وَمَسَاءً فِي الأَْوْقَاتِ وَالأَْحْوَال الْمُخْتَلِفَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا كَانَ مِنْهُمْ. أَيْ لأَِنَّهُ إِنْ وَاظَبَ عَلَيْهَا فَهِيَ تَشْمَل الأَْوْقَاتَ وَالأَْحْوَال. وَقَال عَطَاءٌ: مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِحُقُوقِهَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الآْيَةِ (١) .

وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُل أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْل فَصَلَّيَا، أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ (٢) .

وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: صِدْقُ كَثْرَةِ الذِّكْرِ عَلَى مَنْ وَاظَبَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَلَوْ قَلِيلًا أَكْمَل مِنْ صِدْقِهِ عَلَى مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ مُوَاظَبَةٍ (٣) . وَفِي

_________

(١) الأذكار النووية والفتوحات الربانية ١١٤ - ١٢٦، ونزل الأبرار ص٩.

(٢) حديث: " إذا أيقظ الرجل أهله من الليل " أخرجه أبو داود (٢ / ٧٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (٢ / ٤١٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٣) نزل الأبرار ص ٩، وعدة الحصن الحصين ص ٣٣.

الْحَدِيثِ: أَحَبُّ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَل (١) .

وَيَتَعَلَّقُ بِالإِْكْثَارِ مِنَ الذِّكْرِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ أُمُورٌ مِنْهَا:

أ - التَّحْزِيبُ وَالأَْوْرَادُ وَقَضَاءُ مَا يَفُوتُ:

٤٦ - قَال ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْحِزْبُ مِنَ الْقُرْآنِ الْوِرْدُ، وَهُوَ شَيْءٌ يَفْرِضُهُ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ يَقْرَؤُهُ كُل يَوْمٍ. اهـ. وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يُرَتِّبُهُ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الأَْذْكَارِ. وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْل (٢) . وَهَذَا وَارِدٌ فِي الْحِزْبِ مِنَ الْقُرْآنِ، لَكِنْ قَال النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ لَهُ وَظِيفَةٌ مِنَ الذِّكْرِ فِي وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، أَوْ عَقِبَ صَلاَةٍ، أَوْ حَالَةً مِنَ الأَْحْوَال، فَفَاتَتْهُ، أَنْ يَتَدَارَكَهَا وَيَأْتِيَ بِهَا إِذَا تَمَكَّنَ مِنْهَا وَلاَ يُهْمِلُهَا، فَإِنَّهُ إِذَا اعْتَادَ عَلَيْهَا لَمْ يُعَرِّضْهَا لِلتَّفْوِيتِ وَإِذَا تَسَاهَل فِي قَضَائِهَا سَهُل عَلَيْهِ تَضْيِيعُهَا فِي وَقْتِهَا. قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَقَدْ كَانَ

_________

(١) حديث: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٢٩٤ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ٢١٧١ - ط الحلبي) من حديث عائشة.

(٢) حديث: " من نام عن حزبه أو عن شيء منه " أخرجه مسلم (١ / ٥١٥ - ط الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب.

الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَقْضُونَ مَا فَاتَهُمْ مِنْ أَذْكَارِهِمُ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ.

وَقَال ابْنُ عَلاَّنَ: الْمُرَادُ بِالأَْحْوَال: الأَْحْوَال الْمُتَعَلِّقَةُ بِالأَْوْقَاتِ، لاَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالأَْسْبَابِ كَالذِّكْرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلاَل وَسَمَاعِ الرَّعْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلاَ يُنْدَبُ تَدَارُكُهُ عِنْدَ فَوَاتِ سَبَبِهِ. وَمَنْ تَرَكَ الأَْوْرَادَ بَعْدَ اعْتِيَادِهَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ (١) .

ب - تَكْرَارُ الأَْذْكَارِ وَعَدُّهَا:

٤٧ - تَكْرَارُ الذِّكْرِ مَشْرُوعٌ. وَقَدْ وَرَدَتِ الأَْحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ بِتَرْتِيبِ الأَْجْرِ عَلَى أَذْكَارٍ تُكَرَّرُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ مَنْ قَال لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْل عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ رَجُلٌ عَمِل أَكْثَرَ مِنْهُ (٢) .

وَالتَّكْرَارُ لِعَدَدٍ مَحْدُودٍ يَقْتَضِي عَدَّ الذِّكْرِ بِشَيْءٍ يَحْسِبُهُ بِهِ، وَوَرَدَ عَنْ يَسِيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيل وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ

_________

(١) الفتوحات الربانية والأذكار النووية ١ / ١٤٩ وما بعدها، وعدة الحصن الحصين ص ٣٣، ونزل الأبرار ص ١٠.

(٢) حديث: " من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٢٠١ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢٠٧١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

بِالأَْنَامِل فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولاَتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ (١) يَعْنِي أَنَّ الأَْنَامِل تَشْهَدُ لِلذَّاكِرِ، فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَعْقِدْنَ عَدَدَ التَّسْبِيحِ مُسْتَعِينَاتٍ بِالأَْنَامِل.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ. وَفِي رِوَايَةٍ قَال: يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ بِيَمِينِهِ (٢) .

قَال ابْنُ عَلاَّنَ: يُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَادَ الْعَقْدُ بِنَفْسِ الأَْنَامِل، أَوْ بِجُمْلَةِ الأَْصَابِعِ. قَال: وَالْعَقْدُ بِالْمَفَاصِل أَنْ يَضَعَ إِبْهَامَهُ فِي كُل ذِكْرٍ عَلَى مِفْصَلٍ، وَالْعَقْدُ بِالأَْصَابِعِ أَنْ يَعْقِدَهَا ثُمَّ يَفْتَحَهَا. وَفِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ: الْعَقْدُ هُنَا بِمَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ (٣) .

وَيَجُوزُ التَّسْبِيحُ بِالْحَصَى وَالنَّوَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَقَدَ أَبُو دَاوُدَ بَابًا بِعِنْوَانِ: بَابُ التَّسْبِيحِ بِالْحَصَى (٤) . أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ، فَقَال: أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَل،

_________

(١) حديث: " عليكن بالتسبيح. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٥٧١ - ط الحلبي)، وقال: " هذا حديث غريب ".

(٢) حديث عبد الله بن عمرو: " رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح " أخرجه أبو داود (٢ / ١٧٠ - ١٧١ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والحاكم (١ / ٥٤٧ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وصححه الذهبي.

(٣) الفتوحات الربانية ٣ / ٢٥٠.

(٤) عون المعبود ٤ / ٣٦٦ نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.

فَقَال: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الأَْرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْل ذَلِكَ، وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ مِثْل ذَلِكَ. (١)

اسْتِخْدَامُ السُّبْحَةِ فِي عَدَدِ الأَْذْكَارِ:

٤٨ - السُّبْحَةُ كَمَا قَال ابْنُ مَنْظُورٍ هِيَ الْخَرَزَاتُ الَّتِي يَعُدُّ بِهَا الْمُسَبِّحُ تَسْبِيحَهُ قَال: وَهِيَ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ، وَقَدْ قَال: الْمِسْبَحَةُ.

قَال الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ شَمْسُ الْحَقِّ شَارِحُ السُّنَنِ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ حَدِيثَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ السَّابِقِ ذِكْرُهُ: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ عَدِّ التَّسْبِيحِ بِالنَّوَى وَالْحَصَى، وَكَذَا بِالسُّبْحَةِ لِعَدَمِ الْفَارِقِ، لِتَقْرِيرِهِ ﷺ لِلْمَرْأَةِ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمِ إِنْكَارِهِ، وَالإِْرْشَادُ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَل مِنْهُ لاَ يُنَافِي الْجَوَازَ. قَال: وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ آثَارٌ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ قَال إِنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ (٢) . وَجَرَى صَاحِبُ الْحِرْزِ عَلَى أَنَّهَا بِدْعَةٌ إِلاَّ أَنَّهُ قَال: إِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَنَقَل

_________

(١) حديث: " دخل على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به " أخرجه أبو داود (٢ / ١٦٩ - ١٧٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وقال الذهبي عن راويه " خزيمة " في الميزان (١ / ٦٥٣ - ط الحلبي): " لا يعرف ". وألمح إلى روايته لهذا الحديث.

(٢) عون المعبود ٤ / ٣٦٧ نشر دار الفكر بالتصوير عن طبعة السلفية بالمدينة.

ابْنُ عَلاَّنَ عَنْ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ لاِبْنِ حَجَرٍ قَوْلَهُ: فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ نَدْبُ اتِّخَاذِ السُّبْحَةِ، وَزَعْمُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِلاَّ أَنْ يُحْمَل عَلَى تِلْكَ الْكَيْفِيَّاتِ الَّتِي اخْتَرَعَهَا بَعْضُ السُّفَهَاءِ، مِمَّا يُمَحِّضُهَا لِلزِّينَةِ أَوِ الرِّيَاءِ أَوِ اللَّعِبِ (١) . اهـ.

وَرَدَّ ابْنُ عَلاَّنَ الْقَوْل بِأَنَّهَا بِدْعَةٌ بِأَنَّ إِقْرَارَ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ الْمَرْأَةَ عَلَى الْعَدِّ بِالْحَصَى أَوِ النَّوَى يَنْفِي أَنَّهَا بِدْعَةٌ فَإِنَّ الإِْقْرَارَ هُوَ مِنَ السُّنَّةِ، وَالسُّبْحَةُ فِي مَعْنَى الْعَدِّ بِالْحَصَى، إِذْ لاَ يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ مِنْ كَوْنِهَا مَنْظُومَةً - أَيْ مَنْظُومَةً بِخَيْطٍ - أَوْ مَنْثُورَةً. قَال: وَقَدْ أَفْرَدْتُ السُّبْحَةَ بِجُزْءٍ لَطِيفٍ سَمَّيْتُهُ " إِيقَادُ الْمَصَابِيحِ لِمَشْرُوعِيَّةِ اتِّخَاذِ الْمَسَابِيحِ " أَوْرَدْتُ فِيهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الأَْخْبَارِ وَالآْثَارِ وَالاِخْتِلاَفِ فِي تَفَاضُل الاِشْتِغَال بِهَا أَوْ بِعَقْدِ الأَْصَابِعِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَقْدَ بِالأَْنَامِل أَفْضَل لاَ سِيَّمَا مَعَ الأَْذْكَارِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، أَمَّا فِي الأَْعْدَادِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي يُلْهِي الاِشْتِغَال بِعَدِّهَا عَنِ التَّوَجُّهِ لِلذِّكْرِ فَالأَْفْضَل اسْتِعْمَال السُّبْحَةِ (٢) .

الْحِرْصُ عَلَى جَوَامِعِ الذِّكْرِ:

٤٩ - الْمُرَادُ بِجَوَامِعِ الذِّكْرِ مَا يُقَيِّدُ فِيهِ الذَّاكِرُ لَفْظَ

_________

(١) في جعله اتخاذ السبحة للزينة أو اللعب بدعة نظر، لأن البدعة في الدين واتخاذها للزينة أو للعب أمر دنيوي لا حرج فيه لقوله تعالى: (قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) الآية.

(٢) الفتوحات الربانية ١ / ٢٥١، ٢٥٢.