الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
وَفِي هَذَا الْمَقَامِ تَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَى أَنَّ مِنَ الدُّيُونِ مَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ حَالًّا، بِحَيْثُ لاَ يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ، فَإِنْ تَأَجَّل فَسَدَ الْعَقْدُ. مِثْل رَأْسِ مَال السَّلَمِ (ر: السَّلَمُ) وَالْبَدَلَيْنِ فِي الصَّرْفِ (ر: الصَّرْفُ) بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَرَأْسِ مَال الْمُضَارَبَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (ر: مُضَارَبَة) وَالأُْجْرَةِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (ر: إِجَارَة) وَمُصْطَلَحَ: (أَجَل) .
تَوْثِيقُ الدَّيْنِ:
مَعْنَى تَوْثِيقِ الدَّيْنِ:
٤٢ - التَّوْثِيقُ فِي اللُّغَةِ مَعْنَاهُ الإِْحْكَامُ. وَمِنْ هُنَا سُمِّيَ الْعَهْدُ مِيثَاقًا وَمَوْثِقًا لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْحْكَامِ وَالثُّبُوتِ (١) .
أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ:
فَذَكَرَ إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي كِتَابِهِ: " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " أَنَّ الْوَثِيقَةَ هِيَ " مَا يَزْدَادُ بِهَا الدَّيْنُ وَكَادَةً (٢) ".
وَبِتَتَبُّعِ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِمُصْطَلَحِ: " تَوْثِيقُ الدَّيْنِ " نَجِدُ أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَهُ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَقْوِيَةُ وَتَأْكِيدُ حَقِّ الدَّائِنِ فِيمَا يَكُونُ
_________
(١) لسان العرب، معجم مقاييس اللغة، المصباح المنير م: (وثق) والمطلع للبعلي ص ٢٤٧
(٢) أحكام القرآن لإلكيا الهراسي (ط. دار الكتب الحديثة بمصر) ١ / ٤٢١.
لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ مِنْ مَالٍ بِشَيْءٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ - كَالْكِتَابَةِ وَالشَّهَادَةِ - لِمَنْعِ الْمَدِينِ مِنَ الإِْنْكَارِ، وَتَذْكِيرِهِ عِنْدَ النِّسْيَانِ؛ وَلِلْحَيْلُولَةِ دُونَ ادِّعَائِهِ أَقَل مِنَ الدَّيْنِ، أَوِ ادِّعَاءِ الدَّائِنِ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ حُلُولِهِ أَوِ انْقِضَاءِ الأَْجَل وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِحَيْثُ إِذَا حَصَل نِزَاعٌ أَوْ خِلاَفٌ بَيْنَ الْمُتَدَايِنَيْنِ، فَيُعْتَبَرُ هَذَا التَّوْثِيقُ وَسِيلَةً يُحْتَجُّ بِهَا لإِثْبَاتِ الدَّيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ أَمَامَ الْقَضَاءِ.
وَالأَْمْرُ الثَّانِي: تَثْبِيتُ حَقِّ الدَّائِنِ فِيمَا يَكُونُ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ مِنْ مَالٍ وَإِحْكَامُهُ، بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ عِنْدَ امْتِنَاعِ الْمَدِينِ عَنِ الْوَفَاءِ - لأَِيِّ سَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ - مِنِ اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ شَخْصٍ ثَالِثٍ يَكْفُل الْمَدِينَ بِمَالِهِ، أَوْ مِنْ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الدَّائِنِ وَتَكُونُ رَهِينَةً بِدَيْنِهِ.
طُرُقُ تَوْثِيقِ الدَّيْنِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ طُرُقَ تَوْثِيقِ الدَّيْنِ أَرْبَعَةٌ:
أ - تَوْثِيقُ الدَّيْنِ بِالْكِتَابَةِ:
٤٣ - دَلَّتْ آيَةُ الدَّيْنِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. . .﴾ (١) إِلَى آخِرِ الآْيَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٢.
تَوْثِيقِ الدَّيْنِ بِالْكِتَابَةِ الْمُبَيِّنَةِ لَهُ الْمُعْرِبَةِ عَنْهُ الْمُعَرِّفَةِ لِلْحَاكِمِ بِمَا يَحْكُمُ عِنْدَ التَّرَافُعِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي صَكٍّ مُوَضِّحٍ لِلدَّيْنِ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ (١) .
غَيْرَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حُجِّيَّةِ الْكِتَابَةِ فِي تَوْثِيقِ الدَّيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أ - فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى صِحَّةِ تَوْثِيقِ الدَّيْنِ بِالْكِتَابَةِ، وَأَنَّهَا بَيِّنَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي الإِْثْبَاتِ إِذَا كَانَتْ صَحِيحَةَ النِّسْبَةِ إِلَى كَاتِبِهَا (٢) .
ب - وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُعْتَمَدُ عَلَى الْخَطِّ الْمُجَرَّدِ إِذَا لَمْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْخُطُوطَ تَشْتَبِهُ وَالتَّزْوِيرَ فِيهَا مُمْكِنٌ، وَقَدْ تُكْتَبُ لِلتَّجْرِبَةِ أَوِ اللَّهْوِ. . وَمَعَ قِيَامِ هَذِهِ الاِحْتِمَالاَتِ وَالشُّبُهَاتِ لاَ يَبْقَى لِلْخَطِّ الْمُجَرَّدِ حُجِّيَّةٌ، وَلاَ يَصْلُحُ لِلاِعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ. أَمَّا إِذَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ
_________
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٤٨
(٢) شرح أدب القاضي للجصاص ص ٢٥٤، مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص ٦٠١، تبصرة الحكام لابن فرحون (بهامش فتاوى عليش) ١ / ٣٦٣، كشاف القناع ٤ / ٣٧٣، ظفر اللاضي فيما يجب في القضاء على القاضي لصديق حسن خان (لاهور) ص ١٣٠، ١٣١، الطرق الحكمية ص ٢٠٥، كشف الأسرار ٣ / ٥٢، ٥٣، معين الحكام ص ١٢٥، فتح العلي المالك لعليش ٢ / ٣١١، درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٤ / ١٣٧
وَثِيقَةً وَحُجَّةً؛ لأَِنَّ الشَّهَادَةَ تَرْفَعُ الشَّكَّ وَتُزِيل الاِحْتِمَال (١) .
وَمِنْ أَهَمِّ صُوَرِ التَّوْثِيقِ بِالْكِتَابَةِ:
٤٤ - أَوَّلًا: إِذَا أَمَرَ شَخْصٌ آخَرَ بِأَنْ يَكْتُبَ إِقْرَارَهُ، فَيَكُونَ هَذَا الأَْمْرُ إِقْرَارًا حُكْمًا. جَاءَ فِي " الدُّرِّ الْمُخْتَارِ ": " الأَْمْرُ بِكِتَابَةِ الإِْقْرَارِ إِقْرَارٌ حُكْمًا (٢)، فَإِنَّهُ كَمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ يَكُونُ بِالْبَنَانِ، فَلَوْ قَال لِلصَّكَّاكِ: اكْتُبْ خَطَّ إِقْرَارِي بِأَلْفٍ عَلَيَّ، أَوِ اكْتُبْ بَيْعَ دَارِي، أَوْ طَلاَقَ امْرَأَتِي صَحَّ (٣) ".
٤٥ - ثَانِيًا: إِنَّ قُيُودَ التُّجَّارِ - كَالصَّرَّافِ وَالْبَيَّاعِ وَالسِّمْسَارِ - الَّتِي تَكُونُ فِي دَفَاتِرِهِمُ الْمُعْتَدِّ بِهَا، وَتُبَيِّنُ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ دُيُونٍ تُعْتَبَرُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي شَكْل صَكٍّ أَوْ سَنَدٍ رَسْمِيٍّ، وَذَلِكَ
_________
(١) طرح التثريب ٦ / ١٩١، الأبي على صحيح مسلم ٤ / ٣٣٨، أدب القاضي للماوردي ٢ / ٩٨، أصول السرخسي ١ / ٣٥٨، كشف الأسرار للبخاري ٣ / ٥٢، المهذب ٢ / ٣٠٥، رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٤ / ٣٥٢، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢١٧، معين الحكام للطرابلسي (ط. الحلبي) ص ١٢٥، الطرق الحكمية (ط. السنة المحمدية) ص ٢٠٤ وما بعدها، مرقاة المفاتيح للملا علي القاري ٣ / ٣٩٧، الإشراف للقاضي عبد الوهاب ٢ / ٢٨٠، كشاف القناع ٤ / ٣٧٣، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٣٩
(٢) قرة عيون الأخيار (الميمنية ١٣٢١ هـ) ٢ / ٩٧، الفتاوى الهندية (بولاق ١٣١٠ هـ) ٤ / ١٦٧، درر الحكام ٤ / ١٣٨، وانظر م ١٦٠٧ من المجلة العدلية
(٣) رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٤ / ٤٥٥
لأَِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ أَنَّ التَّاجِرَ يَكْتُبُ دَيْنَهُ وَمَطْلُوبَهُ فِي دَفْتَرِهِ صِيَانَةً لَهُ مِنْ النِّسْيَانِ، وَلاَ يَكْتُبُهُ لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ. أَمَّا مَا يُكْتَبُ فِيهَا مِنْ دُيُونٍ لَهُمْ عَلَى النَّاسِ فَلاَ يُعْتَبَرُ وَثِيقَةً وَحُجَّةً، وَيَحْتَاجُ فِي إِثْبَاتِهَا إِلَى وَجْهٍ آخَرَ (١) .
٤٦ - ثَالِثًا: السَّنَدَاتُ وَالْوُصُولاَتُ الرَّسْمِيَّةُ تُعْتَبَرُ حُجَجًا مُعْتَمَدَةً فِي تَوْثِيقِ الدَّيْنِ وَإِثْبَاتِهِ (٢) .
جَاءَ فِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ: " إِذَا كَتَبَ عَلَى وَجْهِ الصُّكُوكِ يَلْزَمُهُ الْمَال، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ: يَقُول فُلاَنٌ الْفُلاَنِيُّ إِنَّ فِي ذِمَّتِي لِفُلاَنٍ الْفُلاَنِيِّ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ إِقْرَارٌ يَلْزَمُ (٣) ".
٤٧ - رَابِعًا: إِذَا أَنْكَرَ مَنْ كَتَبَ أَوِ اسْتَكْتَبَ سَنَدًا رَسْمِيًّا مَمْضِيًّا بِإِمْضَائِهِ أَوْ مَخْتُومًا بِخَتْمِهِ الدَّيْنَ الَّذِي يَحْتَوِيهِ ذَلِكَ السَّنَدُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِخَطِّهِ وَخَتْمِهِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ إِنْكَارُهُ، وَيَلْزَمُهُ أَدَاءُ ذَلِكَ الدَّيْنِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى إِثْبَاتٍ بِوَجْهٍ آخَرَ (٤) .
_________
(١) فتح العلي المالك ٢ / ٣١١، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢١٨، نشر العرف لابن عابدين (ضمن رسائل ابن عابدين - استانبول) ٢ / ١٤٤، معين الحكام ص ١٢٦، قرة عيون الأخيار ١ / ٦٠، ٢ / ٩٧، الفتاوى الهندية ٤ / ١٦٧، درر الحكام ٤ / ١٣٨، وانظر م ١٦٠٨ من المجلة العدلية، رد المحتار ٤ / ٣٥٣ وما بعدها
(٢) رد المحتار ٤ / ٣٥٤، درر الحكام ٤ / ١٣٩، ١٤٠، وانظر م ١٦٠٩ من المجلة العدلية
(٣) رد المحتار ٤ / ٣٥٤
(٤) قرة عيون الأخيار ١ / ٥٩، رد المحتار ٤ / ٣٥٤، ٣٧٤، درر الحكام ٤ / ١٤١، وانظر م ١٦١٠ من المجلة العدلية
أَمَّا إِذَا أَنْكَرَ خَطَّ السَّنَدِ الَّذِي أَعْطَاهُ مَرْسُومًا أَيْضًا وَقَال: إِنَّهُ لَيْسَ خَطِّي، فَيُنْظَرُ: -
فَإِنْ كَانَ خَطُّهُ مَشْهُورًا وَمُتَعَارَفًا بَيْنَ الْجَارِ وَأَهْل الْبَلَدِ وَثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّهُ، فَلاَ يُعْتَبَرُ إِنْكَارُهُ، وَيُعْمَل بِذَلِكَ السَّنَدِ بِدُونِ حَاجَةٍ لإِثْبَاتِ مَضْمُونِهِ (١) .
- أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ خَطُّهُ مَشْهُورًا وَمُتَعَارَفًا فَيُسْتَكْتَبُ، وَيُعْرَضُ خَطُّهُ عَلَى الْخُبَرَاءِ، فَإِذَا أَفَادُوا أَنَّ الْخَطَّيْنِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، فَيُؤْمَرُ ذَلِكَ الشَّخْصُ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ الْمَذْكُورِ، وَإِلاَّ فَلاَ (٢) .
٤٨ - خَامِسًا: إِذَا أَعْطَى شَخْصٌ لآِخَرَ سَنَدًا رَسْمِيًّا يُفِيدُ أَنَّهُ مَدِينٌ لَهُ بِمَبْلَغٍ مِنَ الْمَال، ثُمَّ تُوُفِّيَ، فَيُلْزَمُ وَرَثَتُهُ بِإِيفَائِهِ مِنَ التَّرِكَةِ إِذَا اعْتَرَفُوا بِكَوْنِ السَّنَدِ لِلْمُتَوَفَّى وَلَوْ أَنْكَرُوا الدَّيْنَ.
أَمَّا إِذَا أَنْكَرُوا السَّنَدَ فَيُنْظَرُ: إِنْ كَانَ خَطُّ الْمُتَوَفَّى وَخَتْمُهُ مَشْهُورًا وَمُتَعَارَفًا، وَثَبَتَ أَنَّ الْخَطَّ خَطُّهُ وَالْخَتْمَ خَتْمُهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَدَاءُ الدَّيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَلاَ عِبْرَةَ لإِنْكَارِهِمْ، وَإِنْ كَانَ خِلاَفَ ذَلِكَ فَلاَ يُعْمَل بِالسَّنَدِ لِوُجُودِ شُبْهَةِ التَّزْوِيرِ فِيهِ (٣) .
_________
(١) رد المحتار ٤ / ٣٥٤
(٢) قرة عيون الأخيار ٢ / ٩٧، ٩٨، درر الحكام ٤ / ١٤١، ١٤٢، معين الحكام للطرابلسي ص ١٢٥، تبصرة الحكام لابن فرحون (بهامش فتاوى عليش)، ١ / ٣٦٣، وانظر م ١٦١٠ من المجلة العدلية
(٣) رد المحتار ٤ / ٣٥٤، درر الحكام ٤ / ١٤٢، وانظر م ١٦١١ من المجلة العدلية. ترى اللجنة أنه قد وجدت في هذا العصر وسائل يثبت بها من الخطوط - المزور منها وغير المزور - فينبغي النظر إليها بعين الاعتبار؛ لأنها تكاد تكون يقينية
٤٩ - سَادِسًا: إِذَا وَجَدَ الْوَارِثُ خَطًّا لِمُوَرِّثِهِ يُفِيدُ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا قَدْرُهُ كَذَا وَكَذَا لِفُلاَنٍ، فَيَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ الْعَمَل بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ وَدَفْعُ الدَّيْنِ إِلَى مَنْ هُوَ مَكْتُوبٌ بِاسْمِهِ مِنَ التَّرِكَةِ (١) .
حُكْمُ التَّوْثِيقِ بِالْكِتَابَةِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْثِيقِ الدَّيْنِ بِالْكِتَابَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
٥٠ - أَحَدُهُمَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ أَنَّ كِتَابَةَ الدَّيْنِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً (٢) .
إِذِ الأَْمْرُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ لِلإِْرْشَادِ لِمَنْ يَخْشَى ضَيَاعَ دَيْنِهِ بِالنِّسْيَانِ أَوِ الإِْنْكَارِ، حَيْثُ لاَ يَكُونُ الْمَدِينُ مَوْضِعَ ثِقَةٍ كَامِلَةٍ مِنْ دَائِنِهِ، يَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٣) وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْكِتَابَةَ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ إِذَا تَوَافَرَتِ الأَْمَانَةُ وَالثِّقَةُ بَيْنَ
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٥٧، رد المحتار ٤ / ٣٥٤، مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص ٤١٧، الإفصاح لابن هبيرة (ط. الرياض) ٢ / ٢٧، كشاف القناع ٤ / ٢٠٣
(٢) أحكام القرآن للجصاص (استانبول) ١ / ٤٨٢، أحكام القرآن للشافعي ١ / ١٣٧، الأم (دار المعرفة ١٣٩٣ هـ) ٣ / ٨٩ وما بعدها، المغني لابن قدامة ٤ / ٣٦٢، جامع البيان للطبري ٣ / ٧٧، تفسير القرطبي ٣ / ٣٨٣
(٣) سورة البقرة / ٢٨٣
الْمُتَعَامِلِينَ، وَقَدْ دَرَجَ النَّاسُ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى عَدَمِ كِتَابَةِ الدُّيُونِ مَا دَامَتِ الثِّقَةُ قَائِمَةً بَيْنَ الْمُتَدَايِنَيْنِ، وَلَمْ يُنْقَل عَنْ فُقَهَائِهِمْ نَكِيرٌ مَعَ اشْتِهَارِ ذَلِكَ.
٥١ - وَالثَّانِي: لاِبْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَبَعْضِ السَّلَفِ: وَهُوَ أَنَّ كِتَابَةَ الدَّيْنِ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ إِذِ الأَْصْل فِي الأَْمْرِ إِفَادَةُ الْوُجُوبِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ دَلاَلَةَ هَذَا الأَْمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ اهْتِمَامُ الآْيَةِ بِبَيَانِ مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْمْلاَءِ وَصِفَةِ الْكَاتِبِ، وَحَثِّهِ عَلَى الاِسْتِجَابَةِ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَالْحَثِّ عَلَى كِتَابَةِ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، ثُمَّ التَّعْبِيرِ عَنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْكِتَابَةِ فِي الْمُبَادَلاَتِ النَّاجِزَةِ بِنَفْيِ الْجُنَاحِ، حَيْثُ إِنَّهُ يُشْعِرُ بِلَوْمِ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَةَ عِنْدَ تَعَامُلِهِ بِالدَّيْنِ (١) .
ب - تَوْثِيقُ الدَّيْنِ بِالشَّهَادَةِ:
٥٢ - دَل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ. . .﴾ (٢) إِلَى آخِرِ الآْيَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَوْثِيقِ الدَّيْنِ بِالشَّهَادَةِ وَأَنَّهَا وَثِيقَةٌ وَاحْتِيَاطٌ لِلدَّائِنِ؛ لأَِنَّ اسْتِشْهَادَ الشُّهُودِ أَنْفَى لِلرَّيْبِ وَأَبْقَى لِلْحَقِّ وَأَدْعَى إِلَى رَفْعِ
_________
(١) المحلى لابن حزم ٨ / ٨٠، تفسير الطبري (بولاق) ٣ / ٧٧، ٧٩، تفسير القرطبي (دار الكتب) ٣ / ٣٨٣.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٢
التَّنَازُعِ وَالاِخْتِلاَفِ، وَفِي ذَلِكَ صَلاَحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَعًا.
وَبَيَّنَتِ الآْيَةُ أَنَّ نِصَابَ الشَّهَادَةِ عَلَى الدَّيْنِ هُوَ: إِمَّا رَجُلاَنِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ يُرْتَضَى مِنَ الْعُدُول الثِّقَاتِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ كَانَ وَثِيقَةً مُعْتَبَرَةً وَحُجَّةً شَرْعِيَّةً فِي إِثْبَاتِ الدَّيْنِ، وَبَيِّنَةً قَوِيَّةً يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْقَاضِي فِي الْحُكْمِ بِهِ لِطَالِبِهِ.
حُكْمُ التَّوْثِيقِ بِالشَّهَادَةِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْثِيقِ الدَّيْنِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
٥٣ - أَحَدُهُمَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى الدَّيْنِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، وَقَال إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: " وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الأَْمْنَ لاَ يَقَعُ إِلاَّ بِحَسَبِ الظَّنِّ وَالتَّوَهُّمِ لاَ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا أَمَرَ بِهَا لِطُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ لاَ لِحَقِّ الشَّرْعِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِحَقِّ الشَّرْعِ لَمَا قَال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وَلاَ ثِقَةَ بِأَمْنِ الْعِبَادِ، إِنَّمَا الاِعْتِمَادُ عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّرْعُ
_________
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٦٢، أحكام القرآن للجصاص ١ / ٤٨٢، أحكام القرآن لإلكيا الهراسي ١ / ٣٦٥
مَصْلَحَةً، فَالشَّهَادَةُ مَتَى شُرِعَتْ فِي النِّكَاحِ لَمْ تَسْقُطْ بِتَرَاضِيهِمَا وَأَمْنِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَدَل ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ (فِي غَيْرِ النِّكَاحِ) شُرِعَتْ لِلطُّمَأْنِينَةِ؛ وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل لِتَوْثِيقِ الدُّيُونِ طُرُقًا مِنْهَا: الْكِتَابُ، وَمِنْهَا الرَّهْنُ، وَمِنْهَا الإِْشْهَادُ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الأَْمْصَارِ أَنَّ الرَّهْنَ مَشْرُوعٌ بِطَرِيقِ النَّدْبِ لاَ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ، فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُهُ فِي الإِْشْهَادِ (١) ".
٥٤ - وَالثَّانِي: لِبَعْضِ السَّلَفِ: وَهُوَ أَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى الدَّيْنِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الدَّيْنِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ . الآْيَةَ (٢)
ج - تَوْثِيقُ الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ:
٥٥ - الْمُرَادُ بِالرَّهْنِ " الْمَال الَّذِي يُجْعَل وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ (٣) . . ". وَبِهَذِهِ الْوَثِيقَةِ يَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِالرَّهْنِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، فَإِذَا كَانَ عَلَى الرَّاهِنِ دُيُونٌ أُخْرَى لاَ تَفِي بِهَا أَمْوَالُهُ، وَبِيعَ الرَّهْنُ لِسَدَادِ مَا عَلَيْهِ، كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ
_________
(١) أحكام القرآن لإلكيا الهراسي ١ / ٣٦٥
(٢) المحلى ٨ / ٨٠، أحكام القرآن للجصاص ١ / ٤٨١، ٤٨٢.
(٣) المغني ٤ / ٣٦١، وانظر رد المحتار ٥ / ٣٠٧، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٨.