الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١

مِنْ ثَمَنِهِ أَوَّلًا، فَإِذَا بَقِيَ شَيْءٌ فَهُوَ لِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ (١) .

حُكْمُ التَّوْثِيقِ بِالرَّهْنِ:

٥٦ - ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ تَوْثِيقَ الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَأَنَّ الأَْمْرَ بِهِ فِي الآْيَةِ لِلإِْرْشَادِ (٢) . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " وَالرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ، لاَ نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لأَِنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ كَالضَّمَانِ وَالْكِتَابَةِ، وَقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣) إِرْشَادٌ لَنَا لاَ إِيجَابٌ عَلَيْنَا، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٤)؛ وَلأَِنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ إِعْوَازِ الْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَكَذَا بَدَلُهَا (٥) ".

د - تَوْثِيقُ الدَّيْنِ بِالْكَفَالَةِ:

٥٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ كَفَالَةِ الدَّيْنِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

١ - فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا " ضَمُّ ذِمَّةِ

_________

(١) أحكام القرآن للجصاص ١ / ٥٢٣

(٢) أحكام القرآن لإلكيا الهراسي ١ / ٣٦٥، أحكام القرآن للجصاص ١ / ٤٨٢، البرهان للزركشي ٣ / ٣٩، الأم (ط. دار المعرفة) ٣ / ١٣٨، المحلى ٨ / ٨٠، كشاف القناع ٣ / ٣٠٧ (ط. مكة) .

(٣) سورة البقرة / ٢٨٣

(٤) سورة البقرة / ٢٨٣

(٥) المغني ٤ / ٣٦٢

الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الْمَكْفُول فِي الاِلْتِزَامِ بِالدَّيْنِ، فَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا (١) ". وَشَغْل الدَّيْنِ الْوَاحِدِ ذِمَّتَيْنِ عَلَى سَبِيل التَّعَلُّقِ وَالاِسْتِيثَاقِ، كَتَعَلُّقِ دَيْنِ الرَّهْنِ بِهِ وَبِذِمَّةِ الرَّاهِنِ (٢)، وَأَنَّهُ كَفَرْضِ الْكِفَايَةِ، يَتَعَلَّقُ بِالْكُل وَيَسْقُطُ بِفِعْل الْبَعْضِ. وَتَعَلُّقُهُ هَذَا لاَ يَعْنِي تَعَدُّدَهُ؛ لأَِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ. . وَمَا التَّعَدُّدُ إِلاَّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ تَعَلَّقَ بِهِمْ فَقَطْ (٣) . وَعَلَى هَذَا فَلاَ زِيَادَةَ فِي الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ الاِسْتِيفَاءَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٤) .

٢ - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا " ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الْمَكْفُول فِي الاِلْتِزَامِ بِالدَّيْنِ " إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ لِلْمَكْفُول لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْكَفِيل بِالدَّيْنِ إِلاَّ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الاِسْتِيفَاءُ مِنَ الأَْصِيل؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ وَثِيقَةٌ، فَلاَ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ مِنْهَا إِلاَّ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِيفَائِهِ مِنَ الْمَدِينِ، كَالرَّهْنِ (٥) .

_________

(١) الأم ٣ / ٢٢٩، المهذب ١ / ٣٤٨، نهاية المحتاج ٤ / ٤٤٣، كشاف القناع ٣ / ٣٥٠ وما بعدها، الشرح الكبير على المقنع ٥ / ٧٠، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٤٥، المغني ٤ / ٥٩٠

(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٤٦

(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٤٤٤

(٤) تبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ١٤٦

(٥) الخرشي على خليل وحاشية العدوي عليه ٦ / ٢١، ٢٨، القوانين الفقهية ص ٣٥٤، الزرقاني على خليل ٦ / ٢٢، ٢٩، منح الجليل ٣ / ٢٤٣، ٢٥٨

٣ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الأَْصِيل فِي وُجُوبِ الأَْدَاءِ، لاَ فِي وُجُوبِ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ اعْتِبَارٌ شَرْعِيٌّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ، وَلاَ دَلِيل عَلَى ثُبُوتِهِ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيل؛ لأَِنَّ التَّوْثِيقَ يَحْصُل بِالْمُشَارَكَةِ فِي وُجُوبِ الأَْدَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى إِيجَابِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ، كَالْوَكِيل بِالشِّرَاءِ يُطَالِبُ بِالثَّمَنِ، وَالثَّمَنُ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّل وَحْدَهُ، وَعَلَى هَذَا عَرَّفُوهَا بِأَنَّهَا " ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الأَْصِيل فِي الْمُطَالَبَةِ (١) ".

٤ - وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي يَعْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَنْتَقِل بِالْكَفَالَةِ إِلَى ذِمَّةِ الْكَفِيل - كَمَا فِي الْحَوَالَةِ - فَلاَ يَكُونُ لِلدَّائِنِ أَنْ يُطَالِبَ الأَْصِيل (٢) .

وَعَلَى أَيَّةِ حَالٍ، فَسَوَاءٌ أَكَانَتْ كَفَالَةُ الدَّيْنِ مَعْنَاهَا ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الْمَكْفُول فِي الاِلْتِزَامِ بِالدَّيْنِ، أَمْ فِي الْمُطَالَبَةِ فَقَطْ، أَمِ انْتِقَال الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةِ الْمَكْفُول إِلَى ذِمَّةِ الْكَفِيل فَإِنَّهَا تَقْتَضِي بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ الْتِزَامَ الْكَفِيل بِأَدَاءِ الدَّيْنِ إِلَى الدَّائِنِ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الأَْصِيل، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى التَّوْثِيقِ وَفَائِدَتُهُ وَثَمَرَتُهُ.

_________

(١) رد المحتار ٤ / ٢٤٩، تبيين الحقائق ٤ / ١٤٦، تعريفات الجرجاني (ط. تونس)، وانظر ٨٣٩ من مرشد الحيران، وم ٦١٢ من مجلة الأحكام العدلية

(٢) المحلى ٨ / ١١١، الشرح الكبير على المقنع ٥ / ٧١.

التَّصَرُّفُ فِي الدَّيْنِ:

التَّصَرُّفُ فِي الدَّيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الدَّائِنِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَدِينِ.

تَصَرُّفُ الدَّائِنِ:

يَنْحَصِرُ تَصَرُّفُ الدَّائِنِ فِي دَيْنِهِ بِتَمْلِيكِهِ لِلْمَدِينِ أَوْ لِغَيْرِهِ بِإِحْدَى طَرَائِقِ التَّمْلِيكِ الْمَشْرُوعَةِ، سَوَاءٌ بِعِوَضٍ أَمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ.

الْحَالَةُ الأُْولَى: (تَمْلِيكُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ):

يَخْتَلِفُ حُكْمُ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ بِحَسَبِ حَال الدَّيْنِ وَمَدَى اسْتِقْرَارِ مِلْكِ الدَّائِنِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الدُّيُونَ نَوْعَانِ:

٥٨ - (النَّوْعُ الأَْوَّل) مَا يَكُونُ الْمِلْكُ عَلَيْهِ مُسْتَقِرًّا: كَغَرَامَةِ الْمُتْلَفِ، وَبَدَل الْقَرْضِ، وَقِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَالأُْجْرَةِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَالْمَهْرِ بَعْدَ الدُّخُول، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الدُّيُونِ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَمْلِيكِهِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ (١) .

_________

(١) المجموع شرح المهذب ٩ / ٢٧٤، فتح العزيز ٨ / ٤٣٤ وما بعدها، المهذب ١ / ٢٦٩، ٢٧٠، نهاية المحتاج ٤ / ٨٨، أسنى المطالب ٢ / ٨٤، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٣١، رد المحتار ٤ / ١٦٦، ٢٤٤، تبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ٨٢، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٥٨، المغني لابن قدامة ٤ / ١٣٤، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٢، كشاف القناع ٣ / ٢٩٣، المبدع شرح المقنع ٤ / ١٩٨، بدائع الصنائع (مطبعة الإمام) ٧ / ٣١٠٣، وانظر م ٤٢٤ من مرشد الحيران.

غَيْرَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ اسْتَثْنَوْا مِنْ قَاعِدَةِ جَوَازِ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِمَنْ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ بَدَل الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَال السَّلَمِ، فَلَمْ يُجِيزُوا التَّصَرُّفَ فِي أَيٍّ مِنْهُمَا قَبْل قَبْضِهِ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ تَفْوِيتًا لِشَرْطِ الصِّحَّةِ، وَهُوَ الْقَبْضُ فِي بَدَلَيِ الصَّرْفِ وَرَأْسِ مَال السَّلَمِ قَبْل الاِفْتِرَاقِ (١) .

كَمَا اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِصِحَّةِ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُوَ الْعَقْدُ مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ، فَلَوْ بَاعَ الدَّائِنُ دَيْنَهُ مِنَ الْمَدِينِ بِمَا لاَ يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ أَوْ حِنْطَةٍ بِشَعِيرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ، فَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا قَبَضَ الدَّائِنُ الْعِوَضَ قَبْل التَّفَرُّقِ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كُنْتُ أَبِيعُ الإِْبِل بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَأَتَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا

_________

(١) تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٤ / ٨٢، ١١٨، ١٣٦، رد المحتار ٤ / ١٦٦، ٢٠٩، ٢٤٤، بدائع الصنائع ٧ / ٣١٠٢ وما بعدها، ٧ / ٣١٨٨، أسنى المطالب ٢ / ٨٥، القواعد لابن رجب ص ٨٢، وانظر م ٥٥٩ من مرشد الحيران

شَيْءٌ (١) . فَقَدْ شَرَطَ ﷺ الْقَبْضَ قَبْل التَّفَرُّقِ (٢) .

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا قَبَضَ الدَّائِنُ الْعِوَضَ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ الدَّيْنِ وَتَمْلِيكُهُ لاِنْتِفَاءِ الْمَانِعِ، إِذْ يَصْدُقُ عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّهُ تَقَابُضٌ، لِوُجُودِ الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ فِي الْعِوَضِ الْمَدْفُوعِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، وَالْحُكْمِيِّ فِيمَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ؛ لأَِنَّهُ كَأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْهُ وَرَدَّهُ إِلَيْهِ (٣) .

وَكَذَلِكَ اشْتَرَطَ جَمْعٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ انْتِفَاءَ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لِصِحَّةِ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ، حَيْثُ نَقَل أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ رُشْدٍ وَالسُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُمْ إِجْمَاعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ غَيْرُ جَائِزٍ (٤) .

وَعَلَى ذَلِكَ:

أ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ صَرْفِ مَا فِي الذِّمَّةِ. فَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ

_________

(١) حديث ابن عمر: " كنت أبيع الإبل بالبقيع. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٦٥٠ - ٦٥١ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، ونقل البيهقي عن شعبة أنه حكم عليه بالوقف، كذا في التلخيص الحبير (٣ / ٢٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٨٨، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٣١، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٢، المغني لابن قدامة ٤ / ٥٤، ١٣٤، المبدع ٤ / ١٩٨، الشرح الكبير على المقنع ٤ / ١٧٢، كشاف القناع ٣ / ٢٩٤، فتح العزيز ٨ / ٤٣٦، المجموع شرح المهذب (مطبعة التضامن الأخوي) ٩ / ٢٧٤

(٣) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٤ / ٨٩، كشاف القناع ٣ / ٢٥٧، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٠٠، المغني ٤ / ٥٤

(٤) تكملة المجموع للسبكي (مطبعة التضامن الأخوي) ١٠ / ١٠٧، المغني ٤ / ٥٣، بداية المجتهد ٢ / ١٦٢

دَنَانِيرُ، وَالآْخَرُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، فَاصْطَرَفَا بِمَا فِي ذِمَّتَيْهِمَا، فَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ (١) . قَال الشَّافِعِيُّ فِي " الأُْمِّ ": " وَمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ لِرَجُلٍ، وَلِلرَّجُل عَلَيْهِ دَنَانِيرُ، فَحَلَّتْ أَوْ لَمْ تَحِل، فَتَطَارَحَاهَا صَرْفًا فَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ بِدَيْنٍ (٢) ".

وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَتَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَتَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَقَالُوا: بِجَوَازِ صَرْفِ مَا فِي الذِّمَّةِ؛ لأَِنَّ الذِّمَّةَ الْحَاضِرَةَ كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنَانِ قَدْ حَلاَّ مَعًا، فَأَقَامُوا حُلُول الأَْجَلَيْنِ فِي ذَلِكَ مَقَامَ النَّاجِزِ بِالنَّاجِزِ (٣) .

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٠٠، المبدع ٤ / ١٥٦، المغني ٤ / ٥٣، تكملة المجموع للسبكي ١٠ / ١٠٧، كشاف القناع ٣ / ٢٥٧

(٢) الأم ٣ / ٣٣ (ط. دار المعرفة بلبنان ١٣٩٣ هـ) .

(٣) بداية المجتهد ٢ / ٢٢٤ (ط. دار الكتب الحديثة بمصر)، تبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ١٤٠، شرح الخرشي ٥ / ٢٣٤، الزرقاني على خليل ٥ / ٢٣٢، منح الجليل ٣ / ٥٣، اختلاف الفقهاء للطبري ص ٦٠، إيضاح المسالك للونشريسي ص ١٤١، ٣٢٨، طبقات الشافعية لابن السبكي (ط. الحلبي) ١٠ / ٢٣١، مواهب الجليل ٤ / ٣١٠، الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص ١٢٨، رد المحتار ٤ / ٢٣٩، تكملة المجموع للسبكي (مطبعة التضامن الأخوي) ١٠ / ١٠٧، القوانين الفقهية لابن جزي ص ٣٢٠، مجموع فتاوى ابن تيمية (ط. الرياض) ٢٠ / ٥١٢، نظرية العقد لابن تيمية ص ٢٣٥

ب - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ جَعْل الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ رَأْسَ مَال سَلَمٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (١) .

وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالاَ: بِجَوَازِهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ - وَهُوَ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، أَيِ الدَّيْنِ الْمُؤَخَّرِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَخَّرِ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (٢) .

ج - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ عَلَى أَنَّ الدَّائِنَ إِذَا بَاعَ الدَّيْنَ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ أَنْ يَقْبِضَ الدَّائِنُ الْعِوَضَ قَبْل التَّفَرُّقِ مِنَ الْمَجْلِسِ، كَيْ لاَ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (٣) .

أَمَّا إِذَا بَاعَ الدَّيْنَ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ قَبْضُ الْمُشْتَرِي،

_________

(١) رد المحتار ٤ / ٢٠٩، تبيين الحقائق ٤ / ١٤٠، فتح العزيز ٩ / ٢١٢، الشرح الكبير على المقنع ٤ / ٣٣٦، بدائع الصنائع ٧ / ٣١٥٥ (مطبعة الإمام)، نهاية المحتاج ٤ / ١٨٠، المغني / ٣٢٩، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢١

(٢) أعلام الموقعين ٢ / ٩

(٣) البدائع ٧ / ٣٢٣٠، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٢، كشاف القناع ٣ / ٢٩٤، المغني ٤ / ١٣٤، المبدع ٤ / ١٩٩، المجموع شرح المهذب (مطبعة التضامن الأخوي) ٩ / ٢٧٤، فتح العزيز ٨ / ٤٣٧

لاِنْتِفَاءِ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. قَال الْكَاسَانِيُّ: " إِنَّ الدَّيْنَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ فُلُوسًا أَوْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ قِيمَةَ الْمُسْتَهْلَكِ، فَإِنْ كَانَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَاشْتَرَى بِهِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ جَازَ الشِّرَاءُ، وَقَبْضُ الْمُشْتَرِي لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ افْتِرَاقًا عَنْ عَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ فِيمَا لاَ يَتَضَمَّنُ رِبَا النَّسَاءِ، وَلاَ يَتَضَمَّنُ هَاهُنَا. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ قِيمَةَ الْمُسْتَهْلَكِ لِمَا قُلْنَا (١) ".

٥٩ - (وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الدُّيُونِ) مَا لاَ يَكُونُ الْمِلْكُ عَلَيْهِ مُسْتَقِرًّا: كَالْمُسْلَمِ فِيهِ وَالأُْجْرَةِ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ مُضِيِّ زَمَانِهَا، وَالْمَهْرُ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ مُضِيِّ زَمَانِهَا وَالْمَهْرُ قَبْل الدُّخُول وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الدُّيُونِ يَجُوزُ تَمْلِيكُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ إِسْقَاطًا لِلدَّيْنِ عَنِ الْمَدِينِ، وَلاَ دَلِيل عَلَى مَنْعِهِ (٢) .

أَمَّا تَمْلِيكُهُ بِعِوَضٍ، فَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ دَيْنِ السَّلَمِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرَّةِ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ - دَيْنُ السَّلَمِ

٦٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْمُسْلِمِ الدَّيْنَ

_________

(١) البدائع ٧ / ٣٢٢٩

(٢) رد المحتار ٤ / ٢٠٩، البدائع ٧ / ٣١٧٨، كشاف القناع ٣ / ٢٩٣، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٢

الْمُسْلَمَ فِيهِ لِلْمَدِينِ، أَوِ الاِعْتِيَاضِ عَنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْل قَبْضِهِ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنْ فَسْخِ الْعَقْدِ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَامْتِنَاعِ الاِعْتِيَاضِ عَنْهُ، فَكَانَ كَالْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلاَ يَصْرِفْهُ فِي غَيْرِهِ. (١) قَالُوا: وَهَذَا يَقْتَضِي أَلاَّ يَبِيعَ الْمُسْلِمُ دَيْنَ السَّلَمِ لاَ مِنْ صَاحِبِهِ وَلاَ مِنْ غَيْرِهِ (٢) .

وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمُ، وَهُوَ جَوَازُ بَيْعِ الْعَرَضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْل قَبْضِهِ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ بِثَمَنِ الْمِثْل أَوْ دُونِهِ، لاَ أَكْثَرَ مِنْهُ (٣) .

_________

(١) حديث: " من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره " أخرجه أبو داود (٣ / ٧٤٤ - ٧٤٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والدارقطني (٣ / ٤٥ - ط دار المحاسن) من حديث أبي سعيد الخدري واللفظ للدارقطني، وضعفه ابن حجر ونقل عن غيره أنه أعله بالضعف والاضطراب، التلخيص الحبير (٣ / ٢٥ - شركة الطباعة الفنية) .

(٢) لأم ٣ / ١٣٣، رد المحتار ٤ / ١٦٦، ٢٠٩، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٤ / ١١٨، أسنى المطالب ٢ / ٨٤، نهاية المحتاج ٤ / ٨٧، المهذب ١ / ٢٧٠، فتح العزيز ٨ / ٤٣٢، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩ / ٥٠٠، ٥٠٣، ٥٠٦، المغني ٤ / ٣٣٤، المبدع ٤ / ١٩٧، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٢، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٢٦، ٣٣١، وانظر م ٥٥٩ من مرشد الحيران.

(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩ / ٥٠٣، ٥٠٤، ٥١٨، ٥١٩، تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته لابن القيم ٥ / ١١٧، القوانين الفقهية ص ٢٩٦، مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص ٣٤٥