الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
كَانَ مُتَبَرِّعًا (١) .
٣٣ - وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الْقِيَامِ بِعَمَلٍ نَافِعٍ لِلْغَيْرِ: أَنْ يَقُومَ بِعَمَلٍ يَحْتَاجُهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَلاَ يُتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلاَّ بِإِسْدَاءِ نَفْعٍ لِغَيْرِهِ يَحْتَاجُهُ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ. كَمَا إِذَا أَعَارَ شَخْصٌ لآِخَرَ عَيْنًا لِيَرْهَنَهَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ، وَلَمَّا أَرَادَ الْمُعِيرُ اسْتِرْدَادَهَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ فَفَعَل، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِالدَّيْنِ. وَبِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢)، وَعَلَيْهِ نَصَّتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ فِي (م ٧٣٢) مِنْهَا
أَقْسَامُ الدَّيْنِ:
٣٤ - يَنْقَسِمُ الدَّيْنُ بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أ - دَيْنٌ مُطْلَقٌ: وَهُوَ الدَّيْنُ الْمُرْسَل الْمُتَعَلِّقُ بِالذِّمَّةِ وَحْدَهَا.
ب - دَيْنٌ مُوَثَّقٌ: وَهُوَ الدَّيْنُ الْمُتَعَلِّقُ بِعَيْنٍ مَالِيَّةٍ لِتَكُونَ وَثِيقَةً لِجَانِبِ الاِسْتِيفَاءِ كَدَيْنِ الرَّهْنِ وَنَحْوِهِ. وَثَمَرَةُ هَذَا التَّقْسِيمِ تَئُول إِلَى أَمْرَيْنِ:
_________
(١) درر الحكام ٣ / ٦٤٢
(٢) تبيين الحقائق للزيلعي ٦ / ٨٩، رد المحتار ٥ / ٣٣١، القواعد لابن رجب ص ١٤٦ - ١٤٨، أعلام الموقعين ٢ / ٤١٧ وما بعدها، درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر ٢ / ١١٣، ١٣٠، ٣ / ٣٣١، ٣٤٢ وما بعدها، وانظر م ١٣١٠ - ١٣١٦ من مجلة الأحكام العدلية، وم ٧٦٥ - ٧٦٨، ٧٧٢ من مرشد الحيران.
أَحَدُهُمَا: تَقْدِيمُ حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ الْمُوَثَّقِ فِي اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنَ الْعَيْنِ الَّتِي تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهَا عَلَى سَائِرِ الدَّائِنِينَ فِي حَال حَيَاةِ الْمَدِينِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَالثَّانِي: تَقْدِيمُ الدُّيُونِ الْمُوَثَّقَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ فِي حَال وَفَاةِ الْمَدِينِ عَلَى تَجْهِيزِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (١) . " إِيثَارًا لِلأَْهَمِّ، كَمَا تُقَدَّمُ تِلْكَ الْحُقُوقُ عَلَى حَقِّهِ فِي الْحَيَاةِ (٢) ". أَمَّا الدُّيُونُ الْمُرْسَلَةُ فِي الذِّمَّةِ فَيُقَدَّمُ التَّجْهِيزُ عَلَيْهَا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: " فَإِذَا رَهَنَ شَيْئًا وَسَلَّمَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ، فَدَيْنُ الْمُرْتَهِنِ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّجْهِيزِ، فَإِنْ فَضَل بَعْدَهُ شَيْءٌ صُرِفَ إِلَيْهِ (٣) ". وَإِنَّمَا قُدِّمَتِ الدُّيُونُ الْمُوَثَّقَةُ عَلَى التَّجْهِيزِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْمَال قَبْل صَيْرُورَتِهِ تَرِكَةً، " وَالأَْصْل أَنَّ كُل حَقٍّ يُقَدَّمُ فِي الْحَيَاةِ يُقَدَّمُ فِي الْوَفَاةِ (٤) ".
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ وَقَالُوا بِتَقْدِيمِ حَقِّ الْمَيِّتِ فِي تَجْهِيزِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ عَلَى حُقُوقِ الدَّائِنِينَ، وَلَوْ كَانَتْ دُيُونُهُمْ مُتَعَلِّقَةً بِأَعْيَانِ التَّرِكَةِ " كَمَا يُقَدَّمُ الْمُفْلِسُ بِنَفَقَتِهِ عَلَى غُرَمَائِهِ؛ وَلأَِنَّ لِبَاسَ الْمُفْلِسِ
_________
(١) رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٥ / ٤٨٣ - ٤٨٤، ونهاية المحتاج ٦ / ٥، ٧، ٨، تحفة المحتاج ٦ / ٣٨٥، والزرقاني على خليل ٨ / ٢٠٣، ٢٠٤
(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٨
(٣) رد المحتار ٥ / ٤٨٣ (بولاق سنة ١٢٧٢ هـ) .
(٤) رد المحتار ٥ / ٤٨٤
مُقَدَّمٌ عَلَى قَضَاءِ دُيُونِهِ، فَكَذَلِكَ كَفَنُ الْمَيِّتِ، وَلأَِنَّ سُتْرَتَهُ وَاجِبَةٌ فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ (١) ".
-
٣٥ - وَيَنْقَسِمُ الدَّيْنُ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أ - دَيْنُ الصِّحَّةِ: وَهُوَ الدَّيْنُ الَّذِي شُغِلَتْ بِهِ ذِمَّةُ الإِْنْسَانِ حَال صِحَّتِهِ، سَوَاءٌ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ فِيهَا أَمْ بِالْبَيِّنَةِ، وَيَلْحَقُ بِهِ فِي الْحُكْمِ الدَّيْنُ الَّذِي لَزِمَهُ وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، وَكَانَ ثُبُوتُهُ بِالْبَيِّنَةِ.
ب - دَيْنُ الْمَرَضِ: وَهُوَ الدَّيْنُ الَّذِي لَزِمَ الإِْنْسَانَ بِإِقْرَارِهِ وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، وَلَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ لِثُبُوتِهِ غَيْرَ ذَلِكَ (٢) .
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِوَاءِ دَيْنِ الصِّحَّةِ وَدَيْنِ الْمَرَضِ فِي الاِسْتِيفَاءِ مِنَ التَّرِكَةِ إِذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ سَعَةٌ لَهُمَا (٣) .
٣٦ - أَمَّا إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ لاَ تَفِي بِكِلَيْهِمَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيمِ دَيْنِ الصِّحَّةِ عَلَى دَيْنِ الْمَرَضِ فِي الاِسْتِيفَاءِ مِنَ التَّرِكَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ
_________
(١) العذب الفائض شرح عمدة الفارض ١ / ١٣
(٢) البدائع ٧ / ٢٢٥، تكملة فتح القدير (ط. مصطفى محمد سنة ١٣٥٦ هـ) ٧ / ٢، تكملة رد المحتار (مصر سنة ١٣٣٠ هـ) ٢ / ١٣٠.
(٣) المغني (مطبعة المنار سنة ١٣٤٨هـ) ٥ / ٣٤٣، الشرح الكبير على المقنع ٥ / ٢٧٥، إعانة الطالبين ٣ / ١٩٤، جواهر العقود للأسيوطي (القاهرة ١٩٥٥ م) ١ / ١٨.
وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالتَّمِيمِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ دُيُونَ الصِّحَّةِ تَسْتَوِي مَعَ دُيُونِ الْمَرَضِ فِي الاِسْتِيفَاءِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢) . حَيْثُ لَمْ يُفَضَّل أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ عَلَى الآْخَرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الاِسْتِيفَاءِ؛ وَلأَِنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبُ قَضَاؤُهُمَا مِنْ رَأْسِ الْمَال لاِسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ وَفِي مَحَلِّهِ.
- أَمَّا السَّبَبُ: فَهُوَ الإِْقْرَارُ الصَّادِرُ عَنْ عَقْلٍ وَدِينٍ، مِنْ شَأْنِ الْعَقْل وَالدِّينِ أَنْ يَمْنَعَا مَنْ قَامَا بِهِ عَنِ الْكَذِبِ فِي الإِْخْبَارِ، إِذِ الإِْقْرَارُ إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاجِبِ فِي ذِمَّةِ الْمُقِرِّ، وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يَخْتَلِفُ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، بَل فِي حَالَةِ الْمَرَضِ يَزْدَادُ رُجْحَانُ جِهَةِ الصِّدْقِ؛ لأَِنَّ الْمَرَضَ سَبَبُ التَّوَرُّعِ عَنِ الْمَعَاصِي وَالإِْنَابَةِ عَمَّا جَرَى فِي الْمَاضِي لِكَوْنِهِ آخِرَ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا، وَأَوَّل عَهْدِهِ بِالآْخِرَةِ،
_________
(١) نهاية المحتاج ٥ / ٧١، مغني المحتاج ٢ / ٢٤٠، الأم (بولاق ١٣٢٢ هـ) ٧ / ١١٠، إعانة الطالبين ٣ / ١٩٤، البجيرمي على الخطيب ٣ / ١٣٦، المبسوط ١٨ / ٢٦، اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص ٦٣، المهذب ٢ / ٣٤٥، بدائع الصنائع ٧ / ٢٢٥، تبيين الحقائق ٥ / ٢٣، تكملة فتح القدير ٧ / ٣، الغرة المنيفة للغزنوي ص ١٠٨ (مطبعة السعادة بمصر ١٩٥٠ م)
(٢) سورة النساء / ١١.
فَيَكُونُ خَوْفُ الْمُقِرِّ أَكْثَرَ، كَمَا يَكُونُ أَبْعَدَ عَنِ الْكَذِبِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الإِْقْرَارُ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ أَوْلَى، فَلاَ أَقَل مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا.
- وَأَمَّا الْمَحَل: فَهُوَ الذِّمَّةُ، إِذْ هِيَ مَحَل الْوُجُوبِ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَلاَ فَرْقَ.
فَلَمَّا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ وَمَحَلِّهِ لَزِمَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الاِسْتِيفَاءِ.
وَالثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي غَيْرِ الأَْصَحِّ: هُوَ أَنَّ دُيُونَ الصِّحَّةِ وَمَا فِي حُكْمِهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى دُيُونِ الْمَرَضِ، وَإِذَا لَمْ تَفِ التَّرِكَةُ بِدُيُونِ الصِّحَّةِ قُسِمَتْ بَيْنَ دَائِنِي الصِّحَّةِ بِالْحِصَصِ. وَكَذَلِكَ الْحَال إِذَا لَمْ تَكُنْ دُيُونُ صِحَّةٍ، وَكَانَتْ هُنَاكَ دُيُونُ مَرَضٍ، وَضَاقَتْ عَنْهَا التَّرِكَةُ، فَإِنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَ الدَّائِنِينَ بِالْحِصَصِ، وَمِثْل ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ مَا لَوْ وُفِّيَتْ دُيُونٌ، وَلَمْ يَفِ مَا بَقِيَ مِنَ التَّرِكَةِ بِدُيُونِ الْمَرَضِ كُلِّهَا (١) .
وَدَلِيلُهُمْ عَلَى تَقْدِيمِ دُيُونِ الصِّحَّةِ عَلَى
_________
(١) جامع الفصولين (بولاق ١٣٠٠هـ) ٢ / ١٨٢ وما بعدها، المبسوط ١٨ / ٢٦، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٥ / ٢٢، البدائع ٧ / ٢٢٥، تكملة فتح القدير ٧ / ٢، المغني لابن قدامة (مطبوع مع الشرح الكبير) ٥ / ٣٤٣، نهاية المحتاج ٢ / ٢٤٠، مغني المحتاج ٥ / ٧١، الشرح الكبير على المقنع ٥ / ٢٧٥، الغرة المنيفة للغزنوي ص ١٠٨، وانظر م ١٦٠٢ من مجلة الأحكام العدلية وم ٥٦٩ من الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية
دُيُونِ الْمَرَضِ أَنَّ الْحُقُوقَ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِي مَال الْمَيِّتِ يُقَدَّمُ الأَْقْوَى، كَالدَّيْنِ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَالْوَصِيَّةُ تُقَدَّمُ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَدَيْنُ الصِّحَّةِ هُنَا أَقْوَى، لأَِنَّهُ ظَهَرَ بِإِقْرَارِهِ فِي وَقْتٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَالِهِ حَقٌّ أَصْلًا، وَلَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ نَوْعُ حَجْرٍ، وَلِهَذَا صَحَّ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَال، بِخِلاَفِ دَيْنِ الْمَرَضِ الَّذِي ثَبَتَ فِي حَالٍ تَعَلَّقَ بِأَمْوَالِهِ دَيْنُ صِحَّتِهِ، وَصَارَتْ هَذِهِ الأَْمْوَال مَحِلًّا لِلْوَفَاءِ بِهِ، وَضَمَانًا لَهُ، وَوَرَدَ عَلَيْهِ فِيهِ نَوْعُ حَجْرٍ، أَلاَ تَرَى أَنَّ تَبَرُّعَاتِهِ لاَ تَنْفُذُ إِلاَّ مِنَ الثُّلُثِ، فَكَانَ الأَْقْوَى أَوْلَى. وَسَبَبُ إِلْحَاقِ الدُّيُونِ الَّتِي لَزِمَتْهُ فِي حَال مَرَضِهِ بِالْبَيِّنَةِ بِدُيُونِ الصِّحَّةِ فِي الْحُكْمِ هُوَ انْتِفَاءُ التُّهْمَةِ فِي ثُبُوتِهَا، إِذِ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ لاَ مَرَدَّ لَهُ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُقَرِّ بِهِ فِي حَال الْمَرَضِ (١) .
٣٧ - وَيَنْقَسِمُ الدَّيْنُ بِاعْتِبَارِ الدَّائِنِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أ - دَيْنِ اللَّهِ: وَهُوَ كُل دَيْنٍ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْعِبَادِ مَنْ يُطَالِبُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ يَظْهَرُ فِيهِ وَجْهُ الْعِبَادَةِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَا لاَ مُقَابِل لَهُ مِنَ الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَفِدْيَةِ الصِّيَامِ، وَدُيُونِ النُّذُورِ،
_________
(١) قرة عيون الأخيار ٢ / ١٣٠، تكملة فتح القدير ٧ / ٥، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٥ / ٢٣، المبسوط ١٨ / ٢٧
وَالْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا عِبَادَاتٌ يُؤَدِّيهَا الْمُسْلِمُ امْتِثَالًا لأَِمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَرُّبًا إِلَيْهِ.
وَنَوْعٌ يُفْرَضُ لِتَمْكِينِ الدَّوْلَةِ مِنَ الْقِيَامِ بِأَعْبَاءِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلأُْمَّةِ، وَهُوَ مَا يُقَابَل - فِي الْغَالِبِ - بِمَنْفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ لِلْمُكَلَّفِ كَخُمُسِ الْغَنَائِمِ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَمَا يَفْرِضُهُ الإِْمَامُ عَلَى الْقَادِرِينَ مِنْ أَفْرَادِ الأُْمَّةِ لِلْوَفَاءِ بِالْمَصَالِحِ الَّتِي يَعْجِزُ بَيْتُ الْمَال عَنِ الْوَفَاءِ بِهَا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (دَيْنُ اللَّهِ) .
ب - وَدَيْنُ الْعَبْدِ: وَهُوَ كُل دَيْنٍ لَهُ مِنَ الْعِبَادِ مَنْ يُطَالِبُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ كَثَمَنِ مَبِيعٍ وَأُجْرَةِ دَارٍ وَبَدَل قَرْضٍ وَإِتْلاَفٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلِصَاحِبِ هَذَا الدَّيْنِ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ الْمَدِينَ، وَأَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ إِلَى الْقَاضِي إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الأَْدَاءِ لِيُجْبِرَهُ عَلَيْهِ بِالطُّرُقِ الْمَشْرُوعَةِ. (ر: حَبْس، حَجْر) .
٣٨ - وَيَنْقَسِمُ الدَّيْنُ بِاعْتِبَارِ السُّقُوطِ وَعَدَمِهِ إِلَى قِسْمَيْنِ: صَحِيحٍ وَغَيْرِ صَحِيحٍ (١) .
أ - فَالدَّيْنُ الصَّحِيحُ: هُوَ الدَّيْنُ الثَّابِتُ الَّذِي لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ كَدَيْنِ الْقَرْضِ
_________
(١) رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٤ / ٢٦٣، كشاف اصطلاحات الفنون ط كلكته ٢ / ٥٠٢ وما بعدها، التعريفات للجرجاني (الدار التونسية ١٩٧١ م) ص ٥٦، وانظر م ٨٥٢، ٨٥٣ من مرشد الحيران
وَدَيْنِ الْمَهْرِ وَدَيْنِ الاِسْتِهْلاَكِ وَنَحْوِهَا.
ب - وَالدَّيْنُ غَيْرُ الصَّحِيحِ: هُوَ الدَّيْنُ الَّذِي يَسْقُطُ بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ وَبِغَيْرِهِمَا مِنَ الأَْسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ سُقُوطَهُ مِثْل دَيْنِ بَدَل الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِعَجْزِ الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ عَنْ أَدَائِهِ.
٣٩ - وَيَنْقَسِمُ الدَّيْنُ بِاعْتِبَارِ الشَّرِكَةِ فِيهِ إِلَى قِسْمَيْنِ: مُشْتَرَكٍ وَغَيْرِ مُشْتَرَكٍ (١) .
أ - فَالدَّيْنُ الْمُشْتَرَكُ: هُوَ مَا كَانَ سَبَبُهُ مُتَّحِدًا، سَوَاءٌ أَكَانَ ثَمَنَ مَبِيعٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، بَيْعَ صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يُذْكَرْ عِنْدَ الْبَيْعِ مِقْدَارُ ثَمَنِ حِصَّةِ كُل وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ، أَمْ دَيْنًا آيِلًا بِالإِْرْثِ إِلَى عِدَّةِ وَرَثَةٍ، أَمْ قِيمَةَ مَالٍ مُسْتَهْلَكٍ مُشْتَرَكٍ، أَمْ بَدَل قَرْضٍ مُسْتَقْرَضٍ مِنْ مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.
ب - الدَّيْنُ غَيْرُ الْمُشْتَرَكِ: هُوَ مَا كَانَ سَبَبُهُ مُخْتَلِفًا لاَ مُتَّحِدًا، كَأَنْ أَقْرَضَ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ مَبْلَغًا لِشَخْصٍ أَوْ بَاعَاهُ مَالًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَسَمَّى حِينَ الْبَيْعِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَصِيبِهِ ثَمَنًا عَلَى حِدَتِهِ.
٤٠ - وَتَبْرُزُ ثَمَرَةُ هَذَا التَّقْسِيمِ فِي الْمَسَائِل التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: إِذَا كَانَتِ الدُّيُونُ الْمَطْلُوبَةُ مِنَ الْمَدِينِ
_________
(١) الدر المختار مع رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٤ / ٤٨٠، درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣ / ٥٣، وانظر م ١٦٩، ١٧٠ من مرشد الحيران وم ١٠٩١ من المجلة العدلية، والفتاوى الهندية ٢ / ٣٣٦
غَيْرَ مُشْتَرَكَةٍ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْ أَرْبَابِهَا اسْتِيفَاءُ دَيْنِهِ عَلَى حِدَةٍ مِنَ الْمَدِينِ، وَمَا يَقْبِضُهُ يُحْسَبُ مِنْ دَيْنِهِ خَاصَّةً، لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الدَّائِنِينَ الأُْخَرِ (١) .
أَمَّا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ الْمَطْلُوبُ مِنَ الْمَدِينِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَطْلُبَ حِصَّتَهُ مِنْهُ، وَلاَ يَخْتَصَّ الْقَابِضُ مِنْهُمْ بِمَا قَبَضَهُ، بَل يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقٌّ فِيهِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ (٢) .
ثَانِيًا: إِذَا قَبَضَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ مِنَ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ وَأَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ كَهِبَةٍ وَقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ أَوِ اسْتَهْلَكَهَا فَلِشَرِيكِهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ حِصَّتَهُ مِنْهَا.
فَلَوْ كَانَ مَبْلَغُ أَلْفِ دِينَارٍ دَيْنًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ مُنَاصَفَةً، فَقَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْمَدِينِ خَمْسَمِائَةٍ وَاسْتَهْلَكَهَا، فَلِلدَّائِنِ الآْخَرِ أَنْ يُضَمِّنَهُ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ. أَمَّا الْخَمْسُمِائَةِ الأُْخْرَى فَتَبْقَى بَيْنَ الاِثْنَيْنِ مُشْتَرَكَةً (٣) .
_________
(١) م ١٧٢ من مرشد الحيران، م ١٠٩٩ من المجلة العدلية، والفتاوى الهندية ٢ / ٣٣٧، ودرر الحكام ٣ / ٦٢.
(٢) الفتاوى الهندية بولاق ١٣١٠هـ ٢ / ٣٣٦، درر الحكام ٣ / ٦٣ وما بعدها، وانظر م ١١٠٠، ١١٠١من المجلة العدلية وم ١٧٣ من مرشد الحيران.
(٣) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٣٧، درر الحكام ٣ / ٦٦، وانظر م ١١٠٢، ١١٠٣ من المجلة العدلية، م ١٧٥ من مرشد الحيران.
ثَالِثًا: إِذَا قَبَضَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ مِنَ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ، وَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِدُونِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلاَ تَقْصِيرٍ، فَلاَ يَضْمَنُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ فِي الْمَقْبُوضِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا حِصَّةَ نَفْسِهِ، وَمَا بَقِيَ مِنَ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فَيَكُونُ حَقًّا لِلشَّرِيكِ الآْخَرِ (١) .
رَابِعًا: إِذَا أَخَذَ أَحَدُ الدَّائِنَيْنِ - دَيْنًا مُشْتَرَكًا - كَفِيلًا بِحِصَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ، أَوْ أَحَالَهُ الْمَدِينُ عَلَى آخَرَ، فَلِشَرِيكِهِ الآْخَرِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي الْمَبْلَغِ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنَ الْكَفِيل أَوِ الْمُحَال عَلَيْهِ (٢) .
٤١ - وَيَنْقَسِمُ الدَّيْنُ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ أَدَائِهِ إِلَى قِسْمَيْنِ: حَالٍّ وَمُؤَجَّلٍ (٣) .
أ - فَالدَّيْنُ الْحَال: هُوَ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ عِنْدَ طَلَبِ الدَّائِنِ، فَتَجُوزُ الْمُطَالَبَةُ بِأَدَائِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَالْمُخَاصَمَةُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ. وَيُقَال لَهُ " الدَّيْنُ الْمُعَجَّل " أَيْضًا.
ب - وَالدَّيْنُ الْمُؤَجَّل: هُوَ مَا لاَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ قَبْل حُلُول الأَْجَل. لَكِنْ لَوْ أُدِّيَ قَبْلَهُ يَصِحُّ، وَيَسْقُطُ عَنْ ذِمَّةِ الْمَدِينِ.
_________
(١) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٣٧، درر الحكام ٣ / ٧٣، وانظر م ١١٠٦ من المجلة العدلية وم ١٧٦ من مرشد الحيران
(٢) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٤٠، درر الحكام ٣ / ٧٥، وانظر م ١١٠٩ من المجلة العدلية وم ١٨١ من مرشد الحيران
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون ط كلكته ٢ / ٥٠٢