الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ فِيمَا ذُكِرَ مَا يُخَالِفُ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، فَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لاَ يَأْكُل خُبْزًا أَوْ لاَ يَشْرَبُ لَبَنًا، ثُمَّ قَال: أَرَدْتُ نَوْعًا خَاصًّا مِنَ الْخُبْزِ وَاللَّبَنِ، فَلاَ يُقْبَل مِنْهُ قَضَاءً لأَِنَّهُ خِلاَفُ الطَّاهِرِ وَيُقْبَل دِيَانَةً؛ لأَِنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ بِالنِّيَّةِ جَائِزٌ وَالاِحْتِمَال قَائِمٌ، فَيُوَكَّل إِلَى دِينِهِ بَاطِنًا، أَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَيُحْكَمُ بِحِنْثِهِ؛ لأَِنَّهُ يَدَّعِي خِلاَفَ الظَّاهِرِ (١) .
وَنَحْنُ نُحَكِّمُ الظَّوَاهِرَ وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ.
وَفِي الإِْيلاَءِ: إِنْ قَال: وَاللَّهِ لاَ وَطِئْتُكِ، أَوْ وَاللَّهِ لاَ جَامَعْتُكِ، أَوْ لاَ أَصَبْتُكِ، أَوْ لاَ بَاشَرْتُكِ، ثُمَّ قَال: أَرَدْتُ بِالْوَطْءِ: بِالْقَدَمِ، وَبِالْجِمَاعِ: اجْتِمَاعَ الأَْجْسَامِ، وَبِالإِْصَابَةِ: الإِْصَابَةَ بِالْيَدِ، لَمْ يُقْبَل مِنْهُ فِي الْحُكْمِ؛ لأَِنَّهُ خِلاَفُ الظَّاهِرِ وَالْعُرْفِ، وَيُقْبَل مِنْهُ دِيَانَةً لأَِنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ.
وَتُنْظَرُ الأَْمْثِلَةُ وَالتَّطْبِيقَاتُ فِي أَبْوَابِ الطَّلاَقِ وَالأَْيْمَانِ، وَالإِْيلاَءِ، وَالظِّهَارِ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ تَعَرَّضَ الْمَالِكِيَّةُ لِهَذَا فِي مَسْأَلَةِ نُفُوذِ حُكْمِ الْحَكَمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِمَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلنِّيَّةِ وَلِعِلْمِ الشَّخْصِ، لاَ لِلْحُكْمِ الظَّاهِرِ فِيمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ فِعْل الْحَرَامِ، وَقَال الْقَرَافِيُّ يُؤْخَذُ النَّاسُ بِأَلْفَاظِهِمْ وَلاَ تَنْفَعُهُمْ نِيَّتُهُمْ إِلاَّ أَنْ
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ٦٨
تَكُونَ قَرِينَةٌ مُصَدِّقَةٌ. وَنُقِل فِيمَنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى مِنْ وَثَاقٍ، أَنَّهُ قِيل: يُدَيَّنُ، وَقِيل: لاَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا (١) .
_________
(١) الفروق للقرافي ١ / ١٦٤، الشرح الصغير ٤ / ٢٢٣، القوانين الفقهية ١٥٣، القليوبي ٤ / ١٠، المغني ٧ / ٣١٧
دِيبَاجٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدِّيبَاجُ ضَرْبٌ مِنَ الثِّيَابِ سَدَاهُ وَلُحْمَتُهُ مِنَ الإِْبْرَيْسَمِ (الْحَرِيرِ الطَّبِيعِيِّ) (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - يَتَّصِل بِلَفْظِ دِيبَاجٍ عَدَدٌ مِنَ الأَْلْفَاظِ وَهِيَ: إِبْرَيْسَمٌ - إِسْتَبْرَقٌ - خَزٌّ - دِمَقْسٌ - سُنْدُسٌ - قَزٌّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ فِيهَا مُفَصَّلًا فِي مُصْطَلَحِ: (حَرِير) فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ.
الأَْحْكَامُ الإِْجْمَالِيَّةُ:
٣ - أَحْكَامُ الدِّيبَاجِ فِي الْجُمْلَةِ هِيَ الأَْحْكَامُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي مُصْطَلَحِ حَرِيرٍ، إِذِ الدِّيبَاجُ لاَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ حَرِيرًا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامًا خَاصَّةً بِالدِّيبَاجِ إِلاَّ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ.
_________
(١) اللسان والمصباح والصحاح مادة: " دبج "، والمغرب / ١٥٩ - ١٦٠ - ط. العربي، والمصباح مادة: " سد "، ومادة: " لحم "، وفي معنى: الإبريسم. راجع تاج العروس باب الميم فصل الباء مادة: " برسم ".
أ - الاِسْتِجْمَارُ بِهِ:
٤ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ الاِسْتِجْمَارُ بِخِرْقَةِ الدِّيبَاجِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِفْسَادِ الْمَال مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
وَجَوَّزَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ حَتَّى لِلرِّجَال؛ لأَِنَّ الاِسْتِجْمَارَ بِهِ، لاَ يُعَدُّ اسْتِعْمَالًا لَهُ فِي الْعُرْفِ. وَلِمَزِيدٍ مِنَ التَّفْصِيل يُنْظَرُ: (حَرِير) .
دَيْرٌ
انْظُرْ: مَعَابِد
دَيْنٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - أ - الدَّيْنُ فِي اللُّغَةِ: يُقَال دَانَ الرَّجُل يَدِينُ دَيْنًا مِنْ الْمُدَايَنَةِ. وَيُقَال: دَايَنْتُ فُلاَنًا إِذَا عَامَلْتَهُ دَيْنًا، إِمَّا أَخْذًا أَوْ عَطَاءً. مِنْ أَدَنْتُ: أَقْرَضْتُ وَأَعْطَيْتُ دَيْنًا (١) .
ب - مَعْنَى الدَّيْنِ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ:
٢ - قِيل فِي مَعْنَاهُ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ أَوْضَحُهَا مَا قَالَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ: " الدَّيْنُ لُزُومُ حَقٍّ فِي الذِّمَّةِ ".
فَيَشْمَل الْمَال وَالْحُقُوقَ غَيْرَ الْمَالِيَّةِ كَصَلاَةٍ فَائِتَةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا يَشْمَل مَا ثَبَتَ بِسَبَبِ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ إِتْلاَفٍ أَوْ جِنَايَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (٢) .
_________
(١) لسان العرب، معجم مقاييس اللغة
(٢) فتح الغفار شرح المنار (ط. مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٥٥ هـ) ٣ / ٢٠، والعناية شرح الهداية (مطبعة الميمنية بمصر سنة ١٣٠٦هـ) ٦ / ٣٤٦، وانظر الفروق للقرافي ٢ / ١٣٤، منح الجليل ١ / ٣٦٢، وما بعدها، نهاية المحتاج ٣ / ١٣٠، وما بعدها، أسنى المطالب ١ / ٣٥٦، ٥٨٥، العذب الفائض شرح عمدة الفارض ١ / ١٥، والزرقاني على خليل ٢ / ١٦٤، ١٧٨، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٣٦٨، والقواعد لابن رجب ص ١٤٤
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَيْنُ:
٣ - يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ فِي اصْطِلاَحِهِمْ كَلِمَةَ " الْعَيْنِ " فِي مُقَابِل " الدَّيْنِ " بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدَّيْنَ هُوَ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا مُشَخَّصًا، سَوَاءٌ أَكَانَ نَقْدًا أَمْ غَيْرَهُ (١) . أَمَّا الْعَيْنُ " فَهِيَ الشَّيْءُ الْمُعَيَّنُ الْمُشَخَّصُ كَبَيْتٍ (٢) ".
ب - الْكَالِئُ:
٤ - الْكَالِئُ فِي اللُّغَةِ مَعْنَاهُ الْمُؤَخِّرُ (٣) . وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ (٤) . وَالْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بَيْعُ النَّسِيئَةِ بِالنَّسِيئَةِ، أَوِ الدَّيْنِ الْمُؤَخَّرِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَخَّرِ (٥) .
_________
(١) انظر رد المحتار (بولاق سنة ١٢٧٢ هـ) ٤ / ٢٥، والمادة (١٥٨) من مجلة الأحكام العدلية
(٢) انظر م ١٥٩ من مجلة الأحكام العدلية
(٣) لسان العرب، معجم مقاييس اللغة، الصحاح
(٤) حديث: " نهى عن بيع الكالئ بالكالئ. . . " أخرجه الدارقطني (٣ / ٧١ - ط دار المحاسن) من حديث ابن عمر، ونقل ابن حجر عن الشافعي أنه قال: (أهل الحديث يوهنون هذا الحديث) . وذكر ابن حجر سبب ضعفه، كما في التلخيص الحبير (٣ / ٢٦ - ٢٧ - ط شركة الطباعة الفنية) . غير أن الأمة تلقته بالقبول، كما انعقد الإجماع على عدم جواز بيع الكالئ بالكالئ. وهذا يؤيد قبوله
و(٥) انظر الموطأ ٢ / ٦٢٨، الأم ٣ / ٣٣، المهذب ١ / ٢٧٨، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٠٠، المبدع ٤ / ١٥٠، البناية على الهداية ٦ / ٥٥٠، المغني ٤ / ٥٣، نظرية العقد لابن تيمية ص ٢٣٥، تكملة المجموع (المنيرية) ١٠ / ١٠٧، بداية المجتهد ٢ / ١٦٢، الإجماع لابن المنذر ص ١١٧
ج - الْقَرْضُ:
٥ - الْقَرْضُ عَقْدٌ مَخْصُوصٌ يَرِدُ عَلَى دَفْعِ مَالٍ مِثْلِيٍّ لآِخَرَ لِيَرُدَّ مِثْلَهُ (١) . وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ أَحْيَانًا اسْمُ " دَيْنٍ " فَيُقَال: دَانَ فُلاَنٌ يَدِينُ دَيْنًا: اسْتَقْرَضَ. وَدِنْتُ الرَّجُل: أَقْرَضْتُهُ (٢) . وَالْقَرْضُ أَخَصُّ مِنَ الدَّيْنِ.
مَا يَقْبَل الثُّبُوتَ فِي الذِّمَّةِ دَيْنًا مِنَ الأَْمْوَال:
٦ - عَرَّفَ الْحَنَفِيَّةُ الدَّيْنَ بِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ " مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ مَالٍ فِي مُعَاوَضَةٍ، أَوْ إِتْلاَفٍ، أَوْ قَرْضٍ " وَهُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عِبَارَةٌ عَنْ " مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ مَالٍ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ ". وَهَذَا الْخِلاَفُ فِي حَقِيقَةِ الدَّيْنِ - بِالنَّظَرِ إِلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ - لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ عَلَى قَضِيَّةِ: أَيُّ الأَْمْوَال يَصِحُّ أَنْ تَثْبُتَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَأَيُّهَا لاَ تَقْبَل ذَلِكَ؟ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَال يَنْقَسِمُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى قِسْمَيْنِ: أَعْيَانٍ وَمَنَافِعَ. أَوَّلًا: أَمَّا الأَْعْيَانُ فَهِيَ نَوْعَانِ: مِثْلِيٌّ، وَقِيَمِيٌّ.
أ - أَمَّا الْمِثْلِيُّ:
٧ - فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ أَنْ
_________
(١) رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٤ / ١٧١
(٢) الصحاح للجوهري والمصباح المنير مادة: " دين "، كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي (ط. كلكته) ٢ / ٥٠٢
يَكُونَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَمِنْ هُنَا جَازَ إِقْرَاضُهُ وَالسَّلَمُ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. فَإِذَا وَجَبَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي الذِّمَّةِ كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ غَيْرِ مُشَخَّصَةٍ، وَكُل عَيْنٍ تَتَحَقَّقُ فِيهَا تِلْكَ الصِّفَاتُ الْمُعَيَّنَةُ يَصِحُّ لِلْمَدِينِ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا دَيْنَهُ، وَلَيْسَ لِلدَّائِنِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ قَبُولِهَا (١) .
ب - وَأَمَّا الْقِيَمِيُّ: فَلَهُ حَالَتَانِ:
٨ - الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُضْبَطُ بِالْوَصْفِ.
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الاِسْتِصْنَاعِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْقَرْضِ وَالسَّلَمِ (٢) . وَجَاءَ فِي " الْمُهَذَّبِ " لِلشِّيرَازِيِّ: " يَجُوزُ قَرْضُ كُل مَالٍ يُمْلَكُ بِالْبَيْعِ وَيُضْبَطُ بِالْوَصْفِ؛ لأَِنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ يَثْبُتُ الْعِوَضُ فِيهِ فِي الذِّمَّةِ، فَجَازَ فِيمَا يُمْلَكُ وَيُضْبَطُ بِالْوَصْفِ كَالسَّلَمِ ". وَقَال: " وَيَجُوزُ السَّلَمُ فِي كُل
_________
(١) انظر م ٥٢٢، وم ٧٩٨ من مرشد الحيران
(٢) انظر رد المحتار ٤ / ٢١٢، فتح العزيز ٩ / ٢٦٨، اختلاف الفقهاء للطبري (ط. فريدريك كرن) ص ١٠١، وما بعدها ١٠٩، الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب (ط. يونس) ١ / ٢٨١ - ٢٨٢، القوانين الفقهية ص ٢٩٥، ٣١٥، شرح الخرشي ٥ / ٢١٢ وما بعدها، الزرقاني على خليل ٥ / ٢١٣ وما بعدها، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٤، كشاف القناع ٣ / ٢٧٧، وما بعدها ٣ / ٣٠٠، وانظر م ٣٨٨ - ٣٩٢ من مجلة الأحكام العدلية وم ٥٧١ من مرشد الحيران.
مَالٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَتُضْبَطُ صِفَاتُهُ كَالأَْثْمَانِ وَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالثِّيَابِ (١) ".
٩ - وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ لِلْقِيَمِيِّ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لاَ يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ، كَالْجَوَاهِرِ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَعَقِيقٍ وَفَيْرُوزٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَخْتَلِفُ آحَادُهُ وَتَتَفَاوَتُ أَفْرَادُهُ وَلاَ يَقْبَل الاِنْضِبَاطَ بِالأَْوْصَافِ.
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ كَوْنِ هَذَا الْمَال دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ جَعْلُهُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ صَحَّ انْشِغَال ذِمَّةِ الْمُلْتَزِمِ بِذَلِكَ الْمَال لَكَانَ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ، وَلَوَجَبَ عِنْدَئِذٍ أَنْ تَفْرُغَ الذِّمَّةُ وَيُوَفَّى الاِلْتِزَامُ بِأَدَاءِ أَيِّ فَرْدٍ كَانَ مِنْ أَمْثَالِهِ، وَلاَ مِثْل لَهُ.
وَعَلَى هَذَا شَرَطُوا فِي صِحَّةِ الْقَرْضِ وَالسَّلَمِ وَالاِسْتِصْنَاعِ أَنْ يَكُونَ الْمَال الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ مُنْضَبِطًا بِالصِّفَةِ بِالْقُوَّةِ وَالْفِعْل؛ لأَِنَّ مَا لاَ تَنْضَبِطُ صِفَاتُهُ تَخْتَلِفُ آحَادُهُ كَثِيرًا، وَذَلِكَ يُؤَدِّي فِي الْغَالِبِ إِلَى الْمُنَازَعَةِ وَالْخُصُومَةِ عِنْدَ الْوَفَاءِ، وَعَدَمُهَا مَطْلُوبٌ شَرْعًا (٢) .
_________
(١) المهذب ١ / ٣١٠
(٢) رد المحتار ٤ / ١٧١، ٢٠٣، كشاف القناع ٣ / ٢٧٦، ٢٧٨، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٤، ٢٢٥، شرح الخرشي ٥ / ٢١٢، ٢٢٩، الزرقاني على خليل ٥ / ٢١٣، القوانين الفقهية ص ٢٩٥، ٣١٥، المهذب ١ / ٣١٠، التنبيه للشيرازي (ط. مصطفى الحلبي) ص ٦٨، ٧٠، نهاية المحتاج ٢ / ١٩٤، ٢٢٢، أسنى المطالب ٢ / ١٤١، اختلاف الفقهاء للطبري ص ١٠١، ١١٤، وانظر م ٣٨١ من مجلة الأحكام العدلية وم ٥٥٢ من مرشد الحيران
وَقَدِ اسْتَثْنَى مَالِكٌ وَالْحَنَفِيَّةُ مِنْ هَذَا الأَْصْل دَيْنَ الْمَهْرِ، فَأَجَازُوا أَنْ يَكُونَ قِيَمِيًّا مَعْلُومَ الْجِنْسِ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُول الصِّفَةِ، وَجَعَل مَالِكٌ لَهَا الْوَسَطَ مِمَّا سُمِّيَ إِنْ وَقَعَ النِّكَاحُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلزَّوْجِ الْخِيَارُ فِي أَدَاءِ الْوَسَطِ مِنْهُ أَوْ قِيمَتِهِ. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ لاَ تَضُرُّ، إِذِ الْمَال غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي الزَّوَاجِ، فَيُتَسَامَحُ فِيهِ بِمَا لاَ يُتَسَامَحُ بِهِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ الأُْخْرَى؛ لأَِنَّ الْمُعَاوَضَاتِ تُبْنَى عَلَى الْمُشَاحَّةِ وَالْمُكَايَسَةِ، فَكَانَ الْجَهْل بِأَوْصَافِ الْعِوَضِ فِيهَا مُخِلًّا بِالْمَقْصُودِ مِنْهَا، بِخِلاَفِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الصَّدَاقِ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا مُمَاثِلًا، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ الشَّارِعُ نِحْلَةً فَهُوَ كَالْهِبَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يَضُرُّ الْجَهْل بِهِ كَمَا لاَ يَضُرُّ بِالْهِبَةِ (١) .
(وَالْقَوْل الثَّانِي) لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ الأَْصَحِّ، أَنَّهُ يَصِحُّ كَوْنُهُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ إِذَا كَانَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ (٢) . وَفِيمَا يَكُونُ بِهِ الْوَفَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَجْهَانِ:
_________
(١) رد المحتار ٢ / ٣٤٧، الكافي لابن عبد البر ١ / ٤٥٣، بداية المجتهد ٢ / ١٩، المبسوط ٥ / ٦٧ - ٦٨
(٢) فتح العزيز ٩ / ٣٤٥، وما بعدها، ٣٦٣ وما بعدها، المهذب ١ / ٣١٠، ٣١١، نهاية المحتاج ٤ / ٢٢٢