الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١ الصفحة 21

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١

(أَحَدُهُمَا): أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ الْمَالِيَّةِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ لِشَخْصٍ عَيْنًا مَالِيَّةً قِيَمِيَّةً، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا. قَال الشِّيرَازِيُّ: " لأَِنَّ مَا ضُمِنَ بِالْمِثْل إِذَا كَانَ لَهُ مِثْلٌ، ضُمِنَ بِالْقِيمَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ كَالْمُتْلَفَاتِ (١) ".

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِرَدِّ مِثْلِهِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَالْخِلْقَةُ مَعَ التَّغَاضِي عَنِ التَّفَاوُتِ الْيَسِيرِ فِي الْقِيمَةِ.

ثَانِيًا: أَمَّا الْمَنَافِعُ، وَمَدَى قَبُولِهَا لِلثُّبُوتِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ:

١٠ - فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ تُعْتَبَرُ أَمْوَالًا بِحَدِّ ذَاتِهَا، وَأَنَّهَا تُحَازُ بِحِيَازَةِ أُصُولِهَا وَمَصَادِرِهَا، وَهِيَ الأَْعْيَانُ الْمُنْتَفَعُ بِهَا، وَلِهَذَا جَازَتْ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهَا بِالْمَال فِي الإِْجَارَةِ بِشَتَّى صُوَرِهَا. كَمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ تُعْتَبَرُ صَالِحَةً لأَنْ تَثْبُتَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ إِذَا كَانَتْ مِثْلِيَّةً أَوْ قَابِلَةً لأَنْ تُضْبَطَ بِالْوَصْفِ، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الأَْعْيَانِ وَلاَ فَرْقَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مَنَافِعَ أَعْيَانٍ أَمْ مَنَافِعَ أَشْخَاصٍ.

وَعَلَى هَذَا نَصُّوا فِي بَابِ الإِْجَارَةِ عَلَى جَوَازِ التَّعَاقُدِ عَلَى مَنْفَعَةٍ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ بِالذَّاتِ، وَسَمَّوْهَا " إِجَارَةَ الذِّمَّةِ " نَظَرًا لِتَعَلُّقِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِذِمَّةِ الْمُؤَجِّرِ، لاَ بِأَشْيَاءَ

_________

(١) المهذب ١ / ٣١١.

مُعَيَّنَةٍ. كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ شَخْصٌ دَابَّةً مَوْصُوفَةً لِتَحْمِلَهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُسْتَحَقَّةَ بِالْعَقْدِ تَثْبُتُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُؤَجِّرِ أَوِ الْمُكَارِي، وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَهُ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى الْمَكَانِ الْمَطْلُوبِ عَلَى أَيَّةِ دَابَّةٍ يُحْضِرُهَا إِلَيْهِ. وَلِهَذَا لاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ إِذَا هَلَكَتِ الدَّابَّةُ الَّتِي عَيَّنَهَا الْمُؤَجِّرُ أَوِ اسْتُحِقَّتْ، بَل يَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ فَيُطَالِبُهُ بِغَيْرِهَا؛ لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، بَل مُتَعَلِّقٌ فِي الذِّمَّةِ، وَعَلَى الْمُؤَجِّرِ الْوَفَاءُ بِتِلْكَ الْمَنْفَعَةِ بِأَيَّةِ دَابَّةٍ أُخْرَى يُحْضِرُهَا لَهُ.

وَقَدِ اعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ " إِجَارَةَ الذِّمَّةِ " سَلَمًا فِي الْمَنَافِعِ، وَلِهَذَا اشْتَرَطُوا فِي صِحَّتِهَا تَعْجِيل الأُْجْرَةِ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي السَّلَمِ، سَوَاءٌ عُقِدَتْ بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ أَوِ السَّلَمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ الْحَنَابِلَةُ إِذَا عُقِدَتْ بِلَفْظِ السَّلَمِ، أَمَّا إِذَا عُقِدَتْ بِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَشْتَرِطُوا تَعْجِيل الأُْجْرَةِ (١) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ، فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لاَ

_________

(١) فتح العزيز ١٢ / ٢٠٥، المهذب ١ / ٤٠٦، مغني المحتاج ٢ / ٣٣٤، روضة الطالبين ٥ / ١٧٦، نهاية المحتاج ٤ / ٢٠٨، ٣٠١، ٥ / ٢٦٢، حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٤ / ٤١٨، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٦٠، كشاف القناع ٣ / ٥٥٦، الفروق للقرافي ٢ / ١٣٣، ميارة على تحفة ابن عاصم ٢ / ٩٨، القوانين الفقهية ص ٣٠٢، شرح الخرشي ٧ / ٣، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨١، شرح الأبي على صحيح مسلم ٤ / ٢٤٥.

تُعْتَبَرُ أَمْوَالًا؛ لأَِنَّ الْمَال عِنْدَهُمْ هُوَ: " مَا يَمِيل إِلَيْهِ طَبْعُ الإِْنْسَانِ، وَيُمْكِنُ ادِّخَارُهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ (١) ". وَالْمَنَافِعُ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلإِْحْرَازِ وَالاِدِّخَارِ، إِذْ هِيَ أَعْرَاضٌ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَآنًا فَآنًا، وَتَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا غَيْرُ مَا يَنْتَهِي. . . وَبِنَاءً عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِمُ الْمَنَافِعَ أَمْوَالًا، وَقَصْرِهِمُ الدَّيْنَ عَلَى الْمَال، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ لاَ تَقْبَل الثُّبُوتَ فِي الذِّمَّةِ دَيْنًا وَفْقَ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِمْ، وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ لَمْ يُجِيزُوا فِي بَابِ الإِْجَارَةِ أَنْ يَرِدَ الْعَقْدُ عَلَى مَنْفَعَةٍ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ، وَشَرَطُوا لِصِحَّةِ عَقْدِ الإِْجَارَةِ كَوْنَ الْمُؤَجَّرِ مُعَيَّنًا (٢) .

مَحَل تَعَلُّقِ الدَّيْنِ وَاسْتِثْنَاءَاتُهُ:

١١ - تَقَدَّمَ أَنَّ الدَّيْنَ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ، هُوَ " مَا وَجَبَ مِنْ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ. . . " وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ تَعَلُّقُهُ بِذِمَّةِ الْمَدِينِ، وَلاَ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ عِنْدَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ أَمْ مَلَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَكُونُ جَمِيعُ أَمْوَالِهِ صَالِحَةً لِوَفَاءِ أَيِّ دَيْنٍ ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَكُونُ الدَّيْنُ مَانِعًا لَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِ بِأَيِّ نَوْعٍ

_________

(١) م ١٢٦ من مجلة الأحكام العدلية.

(٢) جاء في م ٤٤٩ من مجلة الأحكام العدلية: " يلزم تعيين المأجور، بناء على ذلك لا يصح إيجار أحد الحانوتين من دون تعيين أو تمييز " وجاء في م ٥٨٠ من مرشد الحيران: " يشترط لصحة الإجارة رضا العاقدين وتعيين المؤجر ".

مِنْ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ، هَذَا هُوَ الأَْصْل فِي جَمِيعِ الدُّيُونِ، وَلَكِنْ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ اسْتِثْنَاءَاتٌ، حَيْثُ إِنَّ بَعْضَ الدُّيُونِ تَتَعَلَّقُ بِأَعْيَانِ الْمَدِينِ الْمَالِيَّةِ تَأْكِيدًا لِحَقِّ الدَّائِنِ وَتَوْثِيقًا لَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ:

١٢ - أ - الدَّيْنُ الَّذِي اسْتَوْثَقَ لَهُ صَاحِبُهُ بِرَهْنٍ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ. . وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَكُونُ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَيُقَدَّمُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْهَا عَلَى مَنْ عَدَاهُ مِنَ الدَّائِنِينَ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ. (ر: رَهْن، تَرِكَة، إِفْلاَس) .

١٣ - ب - الدَّيْنُ الَّذِي حُجِرَ عَلَى الْمَدِينِ بِسَبَبِهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِأَمْوَالِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ (١)، لأَِنَّ حَجْرَ الْمُفْلِسِ يَعْنِي " خَلْعَ الرَّجُل مِنْ مَالِهِ لِغُرَمَائِهِ (٢) " وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقُّ الْغُرَمَاءِ مُتَعَلِّقًا بِمَالِهِ لَمَا كَانَ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ " وَلأَِنَّهُ يُبَاعُ مَالُهُ فِي دُيُونِهِمْ، فَكَانَتْ حُقُوقُهُمْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ كَالرَّهْنِ (٣) ". وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الدَّيْنَ هَاهُنَا إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِيَّةِ الأَْعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ بِذَوَاتِهَا، بِمَعْنَى أَنَّ الْمَدِينَ لَيْسَ

_________

(١) الهداية (مع فتح القدير مطبعة الميمنية) ٨ / ٢٠٧، مع ملاحظة أن أبا حنيفة يمنع الحجر على المفلس، شرح الخرشي ٥ / ٢٦٢، فتح العزيز ١٠ / ١٩٦، كشاف القناع ٣ / ٤١١ (مطبعة الحكومة بمكة المكرمة)، نهاية المحتاج ٤ / ٣٠٥

(٢) شرح الخرشي ٥ / ٢٦٢

(٣) كشاف القناع ٣ / ٤١١

لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفًا يَنْقُصُ مِنْ قِيمَتِهَا الْمَالِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلاَ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَيْهَا بِغَبْنٍ يَلْحَقُهُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِْضْرَارِ بِحُقُوقِ الدَّائِنِينَ. . . وَتَصِحُّ فِيهِ الْمُبَادَلاَتُ الْمَالِيَّةُ الَّتِي لاَ غَبْنَ عَلَيْهِ فِيهَا؛ لأَِنَّهَا إِذَا أَخْرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ شَيْئًا فَقَدْ أَدْخَلَتْ فِيهِ مَا يُعَادِلُهُ، فَبَقِيَتْ قِيمَةُ الأَْمْوَال ثَابِتَةً (١) . . .

١٤ - ج - حُقُوقُ الدَّائِنِينَ وَالْوَرَثَةِ فِي مَال الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ، حَيْثُ إِنَّهَا تَتَعَلَّقُ فِيهِ بِمَال الْمَرِيضِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِذِمَّتِهِ فِي حَال الصِّحَّةِ. وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ مَرَضَ الْمَوْتِ مَرْحَلَةٌ تَتَهَيَّأُ فِيهَا شَخْصِيَّةُ الإِْنْسَانِ وَأَهْلِيَّتُهُ لِلزَّوَال، كَمَا أَنَّهُ مُقَدَّمَةٌ لِثُبُوتِ الْحُقُوقِ فِي أَمْوَال الْمَرِيضِ لِمَنْ سَتَنْتَقِل إِلَيْهِمْ هَذِهِ الأَْمْوَال بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ دَائِنِينَ وَوَرَثَةٍ. فَيَنْتُجُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ تُصْبِحَ الدُّيُونُ مُتَعَلِّقَةً بِمَال الْمَرِيضِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِذِمَّتِهِ قَبْل الْمَرَضِ؛ لأَِنَّ الذِّمَّةَ تَضْعُفُ بِالْمَرَضِ لِعَجْزِ صَاحِبِهَا عَنِ السَّعْيِ وَالاِكْتِسَابِ، فَيَتَحَوَّل التَّعَلُّقُ مِنْ ذِمَّتِهِ - مَعَ بَقَائِهَا - إِلَى مَالِهِ تَوْثِيقًا لِلدَّيْنِ، وَتَتَقَيَّدُ تَصَرُّفَاتُهُ بِمَا لاَ يَضُرُّ بِحُقُوقِ الدَّائِنِينَ. كَمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ لِيَخْلُصَ لَهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ تَمَلُّكُ الثُّلُثَيْنِ مِمَّا يَبْقَى بَعْدَ سَدَادِ الدُّيُونِ إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ دُيُونٌ،

_________

(١) الهداية (مطبعة الميمنية) ٨ / ٢٠٦

فَتَتَقَيَّدُ تَصَرُّفَاتُهُ أَيْضًا بِمَا لاَ يَضُرُّ بِحُقُوقِ الْوَرَثَةِ.

أَمَّا الثُّلُثُ فَقَدْ جَعَلَهُ الشَّارِعُ حَقًّا لِلْمَرِيضِ يُنْفِقُهُ فِيمَا يَرَى مِنْ سُبُل الْخَيْرِ وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ بِالتَّبَرُّعِ الْمُنْجَزِ حَال الْمَرَضِ، أَوْ بِالْوَصِيَّةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (١) .

١٥ - عَلَى أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ تَعَلُّقِ حَقِّ الدَّائِنِينَ وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِمَال الْمَرِيضِ، وَهَذَا الْفَرْقُ يَئُول إِلَى أَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَقَّ الدَّائِنِينَ يَتَعَلَّقُ بِمَال الْمَرِيضِ مَعْنًى لاَ صُورَةً، أَيْ أَنَّهُ لاَ يَتَعَلَّقُ بِذَاتِ الأَْشْيَاءِ الَّتِي يَمْلِكُهَا، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمِقْدَارِ مَا فِيهَا مِنْ مَالِيَّةٍ؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِمَالِهِ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنِ اسْتِيفَاءِ دُيُونِهِمْ (٢) .

أَمَّا تَعَلُّقُ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِمَال الْمَرِيضِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ هَل يَتَعَلَّقُ بِمَالِيَّتِهِ أَمْ بِعَيْنِهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: - فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَابْنُ أَبِي يَعْلَى وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ كَحَقِّ الْغُرَمَاءِ يَتَعَلَّقُ بِمَال الْمَرِيضِ مَعْنًى لاَ صُورَةً، فَيَصِحُّ بَيْعُ الْمَرِيضِ بِمِثْل الْقِيمَةِ

_________

(١) انظر قرة عيون الأخيار ٢ / ١٢٧، مغني المحتاج ٢ / ١٦٥، شرح الخرشي ٥ / ٣٠٥، المغني ٤ / ٥٠٨ (ط. المنار ١٣٤٨ هـ)، كشف الأسرار على أصول البزدوي ٤ / ١٤٢٧ (استانبول ١٣٠٧ هـ)، فواتح الرحموت ١ / ١٧٤، بدائع الصنائع ٧ / ٢٢٤.

(٢) انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٣٠٧

لِلأَْجْنَبِيِّ وَلِلْوَارِثِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي تَصَرُّفِهِ إِبْطَالٌ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُمْ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ، فَكَانَ الْوَارِثُ وَالأَْجْنَبِيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءً (١) .

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ تَارَةً بِالصُّورَةِ وَالْمَعْنَى، وَتَارَةً أُخْرَى بِالْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ، فَإِذَا كَانَ تَصَرُّفُ الْمَرِيضِ مَعَ غَيْرِ وَارِثٍ كَانَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِالْمَالِيَّةِ، فَيَصِحُّ بَيْعُهُ لِلأَْجْنَبِيِّ بِمِثْل الْقِيمَةِ لاَ بِأَقَل. وَإِذَا كَانَ تَصَرُّفُهُ مَعَ وَارِثٍ كَانَ حَقُّهُمْ مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ، فَلَيْسَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يُؤْثِرَ أَحَدًا مِنْ وَرَثَتِهِ بِعَيْنٍ مِنْ مَالِهِ وَلَوْ بِالْبَيْعِ لَهُ بِمِثْل الْقِيمَةِ، إِذِ الإِْيثَارُ كَمَا يَكُونُ بِالتَّبَرُّعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، يَكُونُ بِأَنْ يَخُصَّهُ بِأَعْيَانٍ يَخْتَارُهَا لَهُ مِنْ مَالِهِ، وَلَوْ كَانَ الْبَدَل مِثْل قِيمَتِهَا (٢) .

وَالْفَرْقُ الثَّانِي بَيْنَ تَعَلُّقِ حَقِّ الدَّائِنِينَ بِمَال الْمَرِيضِ وَبَيْنَ تَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ أَنَّ حَقَّ الدَّائِنِينَ

_________

(١) كشف الأسرار ٤ / ١٤٣١ وما بعدها، المبسوط ١٤ / ١٥٠، اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص ٢٩، رد المحتار ٤ / ١٩٣ (بولاق ١٢٩٩ هـ)، المهذب ١ / ٤٦٠، نهاية المحتاج ٥ / ٤٠٨، ٤١٧، المدونة ٣ / ٢٢٢ (المطبعة الخيرية ١٣٢٤ هـ)، المغني (ط. المنار ١٣٤٨ هـ) ٦ / ٤٢١، الإنصاف ٧ / ١٧٢

(٢) كشف الأسرار ٤ / ١٤٣٢، المبسوط ١٤ / ١٥٠، رد المحتار (بولاق ١٢٩٩ هـ) ٤ / ١٩٣، العقود الدرية لابن عابدين ٢ / ٢٦٨، فتاوى قاضيخان ٢ / ١٧٧، الإنصاف للمرداوي ٧ / ١٧٢

فِي التَّعَلُّقِ بِمَال الْمَرِيضِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْوَرَثَةِ؛ لأَِنَّ وَفَاءَ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى تَوْزِيعِ الْمِيرَاثِ، فَيَتَعَلَّقُ حَقُّ الدَّائِنِينَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِنْ كَانَتْ دُيُونُهُمْ مُسْتَغْرَقَةً، فِي حِينِ لاَ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثَيِ التَّرِكَةِ بَعْدَ وَفَاءِ الدُّيُونِ؛ لأَِنَّ لِلْمَرِيضِ حَقَّ التَّصَرُّفِ فِي ثُلُثِ مَالِهِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُنْجَزًا أَمْ مُضَافًا إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيَأْخُذُ تَبَرُّعُهُ هَذَا حُكْمَ الْوَصِيَّةِ.

١٦ - د - مَا يُنْفَقُ فِي سَبِيل تَسْدِيدِ الدُّيُونِ الْمُحِيطَةِ بِأَمْوَال الْمَدِينِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عِنْدَ بَيْعِ أَمْوَالِهِ لِلْوَفَاءِ بِدُيُونِهِ كَأُجْرَةِ الْمُنَادِي وَالْكَيَّال وَالْحَمَّال وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُؤَنِ، فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِأَمْوَال الْمَدِينِ، وَيُقَدَّمُ الْوَفَاءُ بِهَا عَلَى سَائِرِ الدُّيُونِ الْمُطْلَقَةِ (١) .

١٧ - هـ - دَيْنُ مُشْتَرِي الْمَتَاعِ الَّذِي بَاعَهُ الْحَاكِمُ مِنْ أَمْوَال الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ إِذَا ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا وَتَلِفَ الثَّمَنُ الْمَقْبُوضُ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَال الْمَدِينِ، وَيُقَدَّمُ بَدَل الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ عَلَى بَاقِي الْغُرَمَاءِ، وَلاَ يُضَارِبُ بِهِ مَعَهُمْ لِئَلاَّ يَرْغَبَ النَّاسُ عَنْ شِرَاءِ مَال الْمُفْلِسِ (٢) .

١٨ - و- الدَّيْنُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الصَّانِعُ كَصَائِغٍ وَنَسَّاجٍ وَخَيَّاطٍ أُجْرَةً عَلَى عَمَلِهِ إِذَا أَفْلَسَ

_________

(١) نهاية المحتاج ٤ / ٣١٧، كشاف القناع ٣ / ٤٢٤، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٥ / ١٣٥، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٨٤

(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٣١٧، تحفة المحتاج ٥ / ١٣٥

صَاحِبُهُ، وَالْعَيْنُ بِيَدِ الصَّانِعِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ مَتَاعِهِ، وَيُقَدَّمُ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ (١) .

جَاءَ فِي " الْمُدَوَّنَةِ ": " إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُل وَلَهُ حُلِيٌّ عِنْدَ صَائِغٍ قَدْ صَاغَهُ لَهُ، كَانَ هُوَ أَوْلَى بِأَجْرِهِ، وَلَمْ يُحَاصَّهُ الْغُرَمَاءُ، بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ فِي يَدَيْهِ (٢) "، " وَكُل ذِي صَنْعَةٍ مِثْل الْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ وَالصَّائِغِ وَمَا أَشْبَهَهُمْ مِنْهُمْ أَحَقُّ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالتَّفْلِيسِ جَمِيعًا، وَكُل مَنْ تُكُورِيَ عَلَى حَمْل مَتَاعٍ فَحَمَلَهُ إِلَى بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ، فَالْمُكْرَى أَحَقُّ بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالتَّفْلِيسِ جَمِيعًا (٣) ".

١٩ - ز - دَيْنُ الْكِرَاءِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ صَاحِبُ الأَْرْضِ الْمُؤَجَّرَةِ إِذَا أَفْلَسَ الْمُسْتَأْجِرُ بَعْدَمَا زَرَعَهَا، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّرْعِ، وَيُقَدَّمُ بِهِ عَلَى سَائِرِ غُرَمَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ (٤) . قَال التَّسَوُّلِيُّ: " لأَِنَّ الزَّرْعَ كَرَهْنٍ بِيَدِهِ فِي كِرَائِهَا، فَيُبَاعُ وَيُؤْخَذُ الْكِرَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ (٥) ". وَكَذَا " كُل مَنِ اسْتُؤْجِرَ فِي زَرْعٍ أَوْ نَخْلٍ أَوْ أَصْلٍ يَسْقِيهِ، فَسَقَاهُ ثُمَّ فَلَّسَ صَاحِبُهُ،

_________

(١) القوانين الفقهية ص ٣٤٧، البهجة شرح التحفة للتسولي ٢ / ٣٣٣، شرح ميارة على تحفة ابن عاصم ٢ / ٢٤٢

(٢) المدونة ١٣ / ٢٣٩ (مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٢٣ هـ)

(٣) المدونة ١٣ / ٢٣٩ (مطبعة السعادة سنة ١٣٢٣ هـ) .

(٤) شرح ميارة على التحفة ٢ / ٢٤٢، والقوانين الفقهية ص ٣٤٧.

(٥) البهجة شرح التحفة ٢ / ٣٣٣

فَسَاقِيهِ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ (١) ".

٢٠ - ح - الدَّيْنُ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالًا، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ كَتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالْمَرْهُونِ.

وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّارِعُ هَذَا التَّعَلُّقَ لِمَصْلَحَةِ الْمَيِّتِ كَيْ تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ " فَاللاَّئِقُ بِهِ أَلاَّ يُسَلَّطَ الْوَارِثُ عَلَيْهِ (٢) ".

٢١ - ط - الدَّيْنُ الَّذِي يَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الَّذِي عَجَّل الأُْجْرَةَ وَتَسَلَّمَ الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ، إِذَا فُسِخَتْ الإِْجَارَةُ قَبْل انْتِهَاءِ مُدَّتِهَا لِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ، فَإِنَّ مَا يُقَابِل الْمُدَّةَ الْبَاقِيَةَ مِنَ الأُْجْرَةِ يَكُونُ دَيْنًا مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، فَإِذَا بِيعَتِ الدُّيُونُ عَلَى مَالِكِهَا الْمُتَوَفَّى كَانَ دَيْنُ الْمُسْتَأْجِرِ مُقَدَّمًا عَلَى دُيُونِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِانْفِسَاخِ الإِْجَارَةِ بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: " فَإِنَّهُ إِذَا أَعْطَى الأُْجْرَةَ أَوَّلًا ثُمَّ مَاتَ الآْجِرُ صَارَتِ الدَّارُ هُنَا بِالأُْجْرَةِ (٣) ".

أَسْبَابُ ثُبُوتِ الدَّيْنِ:

٢٢ - الأَْصْل بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الإِْنْسَانِ مِنْ كُل دَيْنٍ أَوِ

_________

(١) المدونة ١٣ / ٢٣٨

(٢) الهداية للمرغيناني (مطبعة الميمنية سنة ١٣١٩ هـ) ٩ / ٤٣٦، روضة الطالبين ٤ / ٨٤، المهذب ١ / ٣٣٤، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٨٦، كشاف القناع ٣ / ٤٢٧، الزرقاني على خليل ٨ / ٢٠٣، منح الجليل ٤ / ٦٩٧.

(٣) رد المحتار ٥ / ٤٨٤ (بولاق ١٢٧٢ هـ)