الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢١
أُخْرَى أَوِ النَّفْسِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ)، وَعَلَى ذَلِكَ فَالْجَانِي ضَامِنٌ لِلْجِنَايَةِ وَمَا تَسْرِي إِلَيْهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ. حَتَّى إِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا بِالْقِصَاصِ بَعْدَ الْقَسَامَةِ إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا.
وَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ لِعَدَمِ شُمُول الْعَفْوِ لِمَا يَسْرِي مِنْهُ مِنْ إِتْلاَفِ الأَْعْضَاءِ أَوِ النَّفْسِ بِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ تَحَقَّقَ وَهُوَ قَتْل النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ (أَوْ إِتْلاَفُ الْعُضْوِ)، وَالْعَفْوُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ بِصَرِيحِهِ؛ لأَِنَّهُ عَفَا عَنِ الْقَطْعِ، وَهُوَ غَيْرُ الْقَتْل، وَبِالسِّرَايَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاقِعَ قَتْلٌ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ إِلاَّ أَنَّهُ تَجِبُ الدِّيَةُ؛ لأَِنَّ صُورَةَ الْعَفْوِ أَوْرَثَتْ شُبْهَةً وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقَوَدِ، بِخِلاَفِ الْعَفْوِ عَنِ الْقَطْعِ بِلَفْظِ الْجِنَايَةِ؛ لأَِنَّهَا اسْمُ جِنْسٍ وَبِخِلاَفِ الْعَفْوِ عَنِ الْقَطْعِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ لأَِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْعَفْوِ عَنِ السِّرَايَةِ وَالْقَتْل (١) .
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَصِحُّ الْعَفْوُ، وَيَتَنَاوَل مَا يَسْرِي عَنِ الْقَطْعِ مِنْ إِتْلاَفِ عُضْوٍ آخَرَ أَوِ النَّفْسِ، فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْقَاتِل، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعَفْوَ عَنِ الْقَطْعِ عَفْوٌ عَنْ مُوجَبِهِ، وَمُوجَبُهُ الْقَطْعُ
_________
(١) فتح القدير مع الهداية ٨ / ٢٨٤، ٢٨٥، والبدائع ٧ / ٢٤٩، ومواهب الجليل مع المواق ٥ / ٨٦، ٨٧ و٦ / ٢٥٥، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧٦، وحاشية الجمل على المنهج ٥ / ٥٤، ٥٦، والمغني ٧ / ٧٤٨، وما بعدها
لَوِ اقْتَصَرَ، أَوِ الْقَتْل إِذَا سَرَى، فَكَانَ الْعَفْوُ عَنْهُ عَفْوًا عَنْ مُوجَبِهِ أَيُّهُمَا كَانَ. وَلأَِنَّ اسْمَ الْقَطْعِ يَتَنَاوَل السَّارِيَ وَالْمُقْتَصِرَ، فَيَكُونُ الْعَفْوُ عَنِ الْقَطْعِ عَفْوًا عَنْ نَوْعَيْهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَ الْعَفْوُ عَنِ الْجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَل الْجِنَايَةَ السَّارِيَةَ وَالْمُقْتَصِرَةَ فَكَذَا هَذَا.
وَعَلَى ذَلِكَ فَتَسْقُطُ بِعَفْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَنِ الْقَطْعِ وَلَوْ سَرَتِ الْجِنَايَةُ إِلَى النَّفْسِ عِنْدَهُمْ (١) .
وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحَاتِ: (قَتْل، قِصَاص، سِرَايَة) .
_________
(١) المراجع السابقة
دِيَاثَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدِّيَاثَةُ لُغَةً: الاِلْتِوَاءُ فِي اللِّسَانِ، وَلَعَلَّهُ مِنَ التَّذْلِيل وَالتَّلْيِينِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ دَاثَ الشَّيْءُ دَيْثًا مِنْ بَابِ بَاعَ لاَنَ وَسَهُل، وَيُعَدَّى بِالتَّثْقِيل فَيُقَال دَيَّثَ غَيْرَهُ. وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ الدَّيُّوثِ، وَهُوَ الرَّجُل الَّذِي لاَ غَيْرَةَ لَهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَالدِّيَاثَةُ بِالْكَسْرِ: فِعْلُهُ (١) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ عُرِّفَتِ الدِّيَاثَةُ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ يَجْمَعُهَا مَعْنًى وَاحِدٌ لاَ تَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ عَدَمُ الْغَيْرَةِ عَلَى الأَْهْل وَالْمَحَارِمِ (٢) .
وَمِثْل الدَّيُّوثِ عِنْدَهُمُ الْقَرْطَبَانُ (٣) - بِفَتْحِ
_________
(١) الصحاح والقاموس واللسان والمصباح مادة: " ديث "، والمغرب / ١٧٢ ط العربي
(٢) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٣ / ١٨٤ ط المصرية، وأسنى المطالب ٣ / ٣٢٧ ط. الميمنية، روضة الطالبين ٨ / ١٨٥ - ١٨٦ط. المكتب الإسلامي، كشاف القناع ٦ / ١١٢ ط. النصر، المغني ٨ / ٢٢٣ ط الرياض
(٣) المصباح مادة: " قرط "، حاشية ابن عابدين ٣ / ١٨٤ ط. المصرية، تبيين الحقائق ٣ / ٢٠٨ ط. بولاق، الفتاوى الهندية ٢ / ١٦٨ ط. المكتبة الإسلامية، أسنى المطالب ٣ / ٣٢٧ ط الميمنية، روضة الطالبين ٨ / ١٨٥ - ١٨٦ ط. المكتب الإسلامي، مغني المحتاج ٣ / ٣٣٤ ط. التراث، نهاية المحتاج ٧ / ٥١ - ٥٢ ط. المكتبة الإسلامية، حاشية القليوبي ٣ / ٣٦٤ ط الحلبي، كشاف القناع ٦ / ١١٢ ط النصر، المغني ٨ / ٢٢٣ ط. الرياض.
الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - وَالْقَرْنَانُ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - قِيَادَةٌ
٢ - الْقِيَادَةُ ذَاتُ الصِّلَةِ بِالدِّيَاثَةِ هِيَ: السَّعْيُ بَيْنَ الرَّحْل وَالْمَرْأَةِ بِالْفُجُورِ، وَهِيَ فِعْل الْقَوَّادِ، كَمَا أَنَّ الدِّيَاثَةَ فِعْل الدَّيُّوثِ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - الدِّيَاثَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ لِقَوْلِهِ ﷺ: ثَلاَثَةٌ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالدَّيُّوثُ، وَرَجُلَةُ النِّسَاءِ (٣) .
فَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً يُمْكِنُ احْتِسَابُهَا مِنَ الإِْفْسَادِ فِي الأَْرْضِ. قَال الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ:
_________
(١) المصباح مادة: " قرن "، الدسوقي ٤ / ٣٢٩ ط. الفكر، جواهر الإكليل ٢ / ٢٨٨ ط. المعرفة، الزرقاني ٨ / ٨٩ ط. الفكر، التاج والإكليل ٦ / ٣٠١ ط. النجاح، الخرشي ٨ / ٨٨ - ٨٩ ط بولاق، المغني ٨ / ٢٣٣ ط. الرياض.
(٢) لسان العرب، والمعجم الوسيط
(٣) حديث: " ثلاثة لا يدخلون الجنة ". أخرجه الحاكم (١ / ٧٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عمر، وصححه، ووافقه الذهبي
إِنَّ الْحِرَابَةَ فِي الْفُرُوجِ أَفْحَشُ مِنْهَا فِي الأَْمْوَال، وَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَيَرْضَوْنَ أَنْ تَذْهَبَ أَمْوَالُهُمْ وَتُحْرَبَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَلاَ يُحْرَبَ الْمَرْءُ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ بِنْتِهِ، وَلَوْ كَانَ فَوْقَ مَا قَال اللَّهُ عُقُوبَةٌ، لَكَانَتْ لِمَنْ يَسْلُبُ الْفُرُوجَ (١» .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّيَاثَةِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أ - الطَّلاَقُ:
٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الدِّيَاثَةَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الطَّلاَقِ وَأَسْبَابِهَا، عَلَى اخْتِلاَفٍ فِي الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ أَوِ النَّدْبُ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (طَلاَق) .
ب - الْقَذْفُ وَالتَّعْزِيرُ:
٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ شَتَمَ آخَرَ بِأَنْ قَال لَهُ: يَا دَيُّوثُ، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَلاَ يُحَدُّ؛ لأَِنَّهُ آذَاهُ بِإِلْحَاقِ الشَّيْنِ بِهِ، وَلاَ مَدْخَل لِلْقِيَاسِ فِي بَابِ الْحُدُودِ فَوَجَبَ التَّعْزِيرُ (٣) .
_________
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٥٩٤، الشرح الصغير للدردير ٤ / ٤٩١، الكبائر للذهبي ص١٠٠، كبيرة ٢٧٠
(٢) أسنى المطالب ٣ / ٣٢٧ ط الميمنية، وروضة الطالبين ٨ / ١٨٥ - ١٨٦ط. المكتب الإسلامي، مغني المحتاج ٣ / ٣٣٤ ط التراث، ونهاية المحتاج ٧ / ٥١ - ٥٢ ط المكتبة الإسلامية، وحاشية القليوبي ٣ / ٣٦٤ ط الحلبي، كشاف القناع ٥ / ٢٣٣ ط. النصر، المغني ٧ / ٩٧ ط الرياض
(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٨٤ ط المصرية، تبيين الحقائق ٣ / ٢٠٨ ط. بولاق، الفتاوى الهندية ٢ / ١٦٨ ط. المكتبة الإسلامية، الدسوقي ٤ / ٣٢٩ ط. الفكر، جواهر الإكليل ٢ / ٢٨٨ ط. المعرفة، الزرقاني ٨ / ٨٩ ط. الفكر، التاج والإكليل ٦ / ٣٠١ ط. النجاح، الخرشي ٨ / ٨٨ - ٨٩ ط. بولاق، روضة الطالبين ٨ / ٣١٣ ط. المكتب الإسلامي، كشاف القناع ٦ / ١١٢ ط. النصر، المغني ٨ / ٢٢٣ ط. الرياض.
ج - الشَّهَادَاتُ:
٦ - ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الدِّيَاثَةَ مِنَ الأُْمُورِ الْمُسْقِطَةِ لِلْعَدَالَةِ (١) وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (شَهَادَة) .
_________
(١) حاشية الدرر على الغرر / ٤٢٩ ط. العثمانية، حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٧٧ ط. المصرية، فتح القدير ٦ / ٣٨ ط. الأميرية، مواهب الجليل ٦ / ١٥١ ط. النجاح، الدسوقي ٤ / ١٦٥ ط. الفكر، الخرشي ٧ / ١٧٧ ط. بولاق، الزرقاني ٧ / ١٥٨ ط. الفكر، جواهر الإكليل ٢ / ٢٣٣ ط. المعرفة، أسنى المطالب ٤ / ٣٤١ ط. الميمنية، روضة الطالبين ١١ / ٢٢٣ ط. المكتب الإسلامي، كشاف القناع ٥ / ٤٢١ ط النصر.
دِيَانَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدِّيَانَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ دَانَ يَدِينُ بِالدِّينِ دِيَانَةً: إِذَا تَعَبَّدَ بِهِ. وَتَدَيَّنَ بِهِ كَذَلِكَ، فَهُوَ دَيِّنٌ، مِثْل سَادَ فَهُوَ سَيِّدٌ، وَدَيَّنْتُهُ (بِالتَّشْدِيدِ) وَكَّلْتُهُ إِلَى دِينِهِ، وَتَرَكْتُهُ وَمَا يَدِينُ: لَمْ أَعْتَرِضْ عَلَيْهِ فِيمَا يَرَاهُ سَائِغًا فِي اعْتِقَادِهِ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: هِيَ قَبُول دَعْوَى الْحَالِفِ، أَوِ الْمُطَلِّقِ وَنَحْوِهِمَا بِلَفْظٍ صَرِيحٍ بِالنِّيَّةِ، لاَ قَضَاءَ إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ قَصَدَ بِاللَّفْظِ مَا يُخَالِفُ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ عُرْفًا، وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، احْتِمَالًا بَعِيدًا (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقَضَاءُ:
٢ - الْقَضَاءُ لُغَةً: الْحُكْمُ، وَاصْطِلاَحًا: هُوَ الإِْخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيل الإِْلْزَامِ (٣) .
_________
(١) المصباح المنير وتاج العروس مادة: " دين ".
(٢) معين الحكام ص ٦، نهاية المحتاج ٨ / ٢٣٥.
(٣) معين الحكام ص ٦، نهاية المحتاج ٨ / ٢٣٥
ب - الإِْفْتَاءُ:
٣ - الإِْفْتَاءُ لُغَةً: إِبَانَةُ الْحُكْمِ، وَاصْطِلاَحًا: هُوَ إِظْهَارُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي الْوَاقِعَةِ لاَ عَلَى سَبِيل الإِْلْزَامِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إِذَا تَلَفَّظَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ بِالطَّلاَقِ كَأَنْ يَقُول مُخَاطِبًا زَوْجَتَهُ: أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ يَقُول: أَرَدْتُ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ مِنْ قَيْدٍ حِسِّيٍّ أَوْ مِنْ دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهَا، أَوْ يَقُول: أَرَدْتُ أَنْ أَقُول: أَنْتِ حَائِضٌ مَثَلًا فَسَبَقَ لِسَانِي إِلَى أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ أَقْصِدْ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَل قَضَاءً لأَِنَّهُ خِلاَفُ الظَّاهِرِ، وَيُقْبَل دِيَانَةً؛ لأَِنَّهُ صَرْفُ اللَّفْظِ إِلَى مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ. وَيُتْرَكُ وَشَأْنَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ سَأَلَتْهُ الطَّلاَقَ وَكَانَتْ مُوَثَّقَةً، فَقَال: أَنْتِ طَالِقٌ، وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الطَّلاَقَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنَ الْوَثَاقِ، أَوْ كَانَتْ مُوثَقَةً لَمْ تَسْأَلْهُ، فَقَال: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ لَمْ تَكُنْ مُوثَقَةً وَقَال لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، فَالْحُكْمُ فِي الأَْوَّل يُدَيَّنُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَفِي الثَّالِثِ لاَ يُدَيَّنُ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ، أَمَّا الثَّانِي فَقِيل: يُدَيَّنُ وَقِيل: لاَ يُدَيَّنُ (٢) .
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٤٣١، المغني ٧ / ١٢٢، روضة الطالبين ٨ / ١٨.
(٢) الدسوقي ٢ / ٣٧٨
وَمَعْنَى الدِّيَانَةِ هُنَا مَعَ نَفْيِ الْقَبُول ظَاهِرًا، أَنْ يُقَال لِلْمَرْأَةِ: أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَكِ تَمْكِينُهُ مِنْ نَفْسِكِ إِلاَّ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّكِ صِدْقُهُ بِقَرِينَةٍ. وَيُقَال لِلزَّوْجِ: لاَ نُمَكِّنُكَ مِنْ تَتَبُّعِهَا، وَلَكَ أَنْ تَتْبَعَهَا، وَالطَّلَبُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، وَتَحِل لَكَ إِذَا رَاجَعْتَهَا (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَعْنَى الدِّيَانَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَهُ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاَقِ. أَمَّا الْقَاضِي فَلاَ يَجُوزُ لَهُ تَصْدِيقُهُ، وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالْوُقُوعِ؛ لأَِنَّهُ خِلاَفُ الظَّاهِرِ، بِلاَ قَرِينَةٍ، وَالْمَرْأَةُ كَالْقَاضِي، لاَ يَحِل لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْ نَفْسِهَا، وَلَيْسَ لَهَا دَفْعُهُ عَنْهَا بِقَتْلِهِ، بَل تَفْدِي نَفْسَهَا بِمَالٍ أَوْ تَهْرُبُ مِنْهُ (٢) .
ضَابِطُ مَا يُدَيَّنُ فِيهِ، وَمَا يُقْبَل ظَاهِرًا:
٥ - قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: مَا يَدَّعِيهِ الشَّخْصُ مِنَ النِّيَّةِ: أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: أَحَدُهَا: أَنْ يَرْفَعَ مَا صَرَّحَ بِهِ بِأَنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَال: أَرَدْتُ طَلاَقًا لاَ يَقَعُ عَلَيْكِ، أَوْ لَمْ أُرِدْ إِيقَاعَ الطَّلاَقِ، فَلاَ تُؤَثِّرُ دَعْوَاهُ ظَاهِرًا، وَلاَ يُدَيَّنُ بَاطِنًا؛ لأَِنَّهُ خِلاَفُ الظَّاهِرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ.
ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ مَا يَدَّعِيهِ مُقَيِّدًا لِمَا تَلَفَّظَ بِهِ
_________
(١) روضة الطالبين ٨ / ١٨ - ٢٠
(٢) ابن عابدين ٢ / ٤٣٢، وفيه تفصيل لا بد من الرجوع إليه لضبط المسألة
مُطْلَقًا، بِأَنْ يَقُول: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ يَقُول: أَرَدْتُ عِنْدَ دُخُول الدَّارِ، فَلاَ يُقْبَل ظَاهِرًا، وَفِي التَّدْيِينِ خِلاَفٌ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَرْجِعَ مَا يَدَّعِيهِ إِلَى تَخْصِيصِ عُمُومٍ فَيُدَيَّنُ، وَفِي الْقَبُول ظَاهِرًا خِلاَفٌ.
رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلطَّلاَقِ مِنْ غَيْرِ شُيُوعٍ وَظُهُورٍ، وَفِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ تَقَعُ الْكِنَايَاتُ، وَيُعْمَل فِيهَا بِالنِّيَّةِ (أَيْ قَضَاءً وَدِيَانَةً) .
وَلِلشَّافِعِيَّةِ ضَابِطٌ آخَرُ: قَالُوا: يُنْظَرُ فِي التَّفْسِيرِ بِخِلاَفِ الظَّاهِرِ، فَإِنْ كَانَ لَوْ وَصَل بِاللَّفْظِ لاَ يَنْتَظِمُ الْكَلاَمُ وَلاَ يَسْتَقِيمُ مَعْنَاهُ لَمْ يُقْبَل قَضَاءً، وَلاَ دِيَانَةً، كَأَنْ يَقُول: أَرَدْتُ طَلاَقًا لاَ يَقَعُ، وَإِنْ كَانَ الْكَلاَمُ يَنْتَظِمُ وَيَسْتَقِيمُ مَعْنَاهُ بِالْوَصْل، فَلاَ يُقْبَل ظَاهِرًا، وَيُقْبَل دِيَانَةً.
كَأَنْ يَقُول: أَرَدْتُ طَلاَقًا فِي وَثَاقٍ، أَوْ: أَرَدْتُ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ؛ لأَِنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ (١) . وَاسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا نِيَّةَ التَّعْلِيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالُوا: لاَ يُدَيَّنُ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
٦ - وَالْيَمِينُ، وَالإِْيلاَءُ، وَالظِّهَارُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كَالطَّلاَقِ، فَلاَ يُقْبَل مِنْهُ قَضَاءً إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ
_________
(١) روضة الطالبين ٨ / ١٩ و٢٠