الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٠
ثُمَّ فِي الدُّعَاءِ مِنَ الْفَائِدَةِ أَنَّهُ يَسْتَدْعِي حُضُورَ الْقَلْبِ مَعَ اللَّهِ وَهُوَ مُنْتَهَى الْعِبَادَاتِ، وَلِذَلِكَ قَال ﷺ: الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ. (١)
وَالْغَالِبُ عَلَى الْخَلْقِ أَنْ لاَ تَنْصَرِفَ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﷿ إِلاَّ عِنْدَ إِلْمَامِ حَاجَةٍ وَإِرْهَاقِ مُلِمَّةٍ، فَإِنَّ الإِْنْسَانَ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ.
فَالْحَاجَةُ تُحْوِجُ إِلَى الدُّعَاءِ، وَالدُّعَاءُ يَرُدُّ الْقَلْبَ إِلَى اللَّهِ ﷿ بِالتَّضَرُّعِ وَالاِسْتِكَانَةِ، فَيَحْصُل بِهِ الذِّكْرُ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْعِبَادَاتِ.
وَلِذَلِكَ صَارَ الْبَلاَءُ مُوَكَّلًا بِالأَْنْبِيَاءِ ﵈، ثُمَّ الأَْوْلِيَاءِ، ثُمَّ الأَْمْثَل فَالأَْمْثَل، لأَِنَّهُ يَرُدُّ الْقَلْبَ بِالاِفْتِقَارِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ ﷿، وَيَمْنَعُ مِنْ نِسْيَانِهِ، وَأَمَّا الْغِنَى فَسَبَبٌ لِلْبَطَرِ فِي غَالِبِ الأُْمُورِ، فَإِنَّ الإِْنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى. (٢)
وَقَال الْخَطَّابِيُّ: فَإِنْ قِيل فَمَا تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣) وَهُوَ وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلاَ يَجُوزُ وُقُوعُ الْخُلْفِ فِيهِ؟ قِيل هَذَا مُضْمَرٌ فِيهِ الْمَشِيئَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَل إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (٤)
_________
(١) حديث: " الدعاء مخ العبادة ". سبق تخريجه ف / ٦
(٢) إحياء علوم الدين ١ / ٣٣٦ - ٣٣٧، ٣٣٩ ط الاستقامة بالقاهرة.
(٣) سورة غافر / ٦٠
(٤) سورة الأنعام / ٤١
وَقَدْ يَرِدُ الْكَلاَمُ بِلَفْظٍ عَامٍّ مُرَادُهُ خَاصٌّ، وَإِنَّمَا يُسْتَجَابُ مِنَ الدُّعَاءِ مَا وَافَقَ الْقَضَاءَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لاَ تَظْهَرُ لِكُل دَاعٍ اسْتِجَابَةُ دُعَائِهِ، فَعَلِمْتَ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْهُ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ. وَقَدْ قِيل: مَعْنَى الاِسْتِجَابَةِ: أَنَّ الدَّاعِيَ يُعَوَّضُ مِنْ دُعَائِهِ عِوَضًا مَا، فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِسْعَافًا بِطَلَبَتِهِ الَّتِي دَعَا لَهَا، وَذَلِكَ إِذَا وَافَقَ الْقَضَاءَ، فَإِنْ لَمْ يُسَاعِدْهُ الْقَضَاءُ، فَإِنَّهُ يُعْطَى سَكِينَةً فِي نَفْسِهِ، وَانْشِرَاحًا فِي صَدْرِهِ، وَصَبْرًا يَسْهُل مَعَهُ احْتِمَال ثِقَل الْوَارِدَاتِ عَلَيْهِ، وَعَلَى كُل حَالٍ فَلاَ يَعْدَمُ فَائِدَةَ دُعَائِهِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الاِسْتِجَابَةِ. (١)
آدَابُ الدُّعَاءِ:
٨ - أ - أَنْ يَكُونَ مَطْعَمُ الدَّاعِي وَمَسْكَنُهُ وَمَلْبَسُهُ وَكُل مَا مَعَهُ حَلاَلًا. (٢) بِدَلِيل مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ:
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لاَ يَقْبَل إِلاَّ طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُل كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (٣) وَقَال تَعَالَى:
_________
(١) شأن الدعاء للخطابي ص ١٢ - ١٣ دمشق دار المأمون للتراث.
(٢) إحياء علوم الدين للغزالي ١ / ٣١٢ وما بعدها والبركة في فضل السعي والحركة ٣ / ٤ وما بعدها، تحفة الذاكرين ص ٣٤ وما بعدها
(٣) سورة المؤمنون / ٥١
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (١) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُل يُطِيل السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ. (٢)
ب - أَنْ يَتَرَصَّدَ لِدُعَائِهِ الأَْوْقَاتَ الشَّرِيفَةَ كَيَوْمِ عَرَفَةَ مِنَ السَّنَةِ، وَرَمَضَانَ مِنَ الأَْشْهُرِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنَ الأُْسْبُوعِ، وَوَقْتَ السَّحَرِ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْل. قَال تَعَالَى: ﴿وَبِالأَْسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣) وَقَال ﷺ: يَنْزِل اللَّهُ تَعَالَى كُل لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل الآْخِرُ يَقُول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ. (٤)
ج - أَنْ يَغْتَنِمَ الأَْحْوَال الشَّرِيفَةَ. قَال أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ عِنْدَ زَحْفِ الصُّفُوفِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى، وَعِنْدَ نُزُول الْغَيْثِ، وَعِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، فَاغْتَنِمُوا الدُّعَاءَ فِيهَا. وَقَال مُجَاهِدٌ: إِنَّ الصَّلاَةَ جُعِلَتْ فِي خَيْرِ السَّاعَاتِ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ خَلْفَ
_________
(١) سورة البقرة / ١٧٢
(٢) حديث: " أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا ". أخرجه مسلم (٢ / ٧٠٣ - ط الحلبي) .
(٣) سورة الذاريات / ١٨
(٤) حديث: " ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٩ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٥٢١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
الصَّلَوَاتِ. وَقَال ﷺ: لاَ يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ. (١) وَقَال ﷺ أَيْضًا: الصَّائِمُ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُ (٢)
وَبِالْحَقِيقَةِ يَرْجِعُ شَرَفُ الأَْوْقَاتِ إِلَى شَرَفِ الْحَالاَتِ أَيْضًا، إِذْ وَقْتُ السَّحَرِ وَقْتُ صَفَاءِ الْقَلْبِ وَإِخْلاَصِهِ وَفَرَاغِهِ مِنَ الْمُشَوِّشَاتِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقْتُ اجْتِمَاعِ الْهِمَمِ وَتَعَاوُنِ الْقُلُوبِ عَلَى اسْتِدْرَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ ﷿، فَهَذَا أَحَدُ أَسْبَابِ شَرَفِ الأَْوْقَاتِ سِوَى مَا فِيهَا مِنْ أَسْرَارٍ لاَ يَطَّلِعُ الْبَشَرُ عَلَيْهَا. وَحَالَةُ السُّجُودِ أَيْضًا أَجْدَرُ بِالإِْجَابَةِ، قَال أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَال النَّبِيُّ ﷺ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ ﷿ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ (٣)
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ تَعَالَى، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ
_________
(١) حديث: " لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة " أخرجه أبو داود (١ / ٣٥٨ - ٣٥٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أنس بن مالك، وحسنه ابن حجر كما في الفتوحات الربانية (٢ / ١٣٥ - ط المنيرية) .
(٢) حديث: " الصائم لا ترد دعوته " أخرجه الترمذي (٥ / ٥٧٨ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال: " حديث حسن ".
(٣) حديث: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". أخرجه مسلم (١ / ٣٥٠ - ط الحلبي) .
أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ. (١)
د - أَنْ يَدْعُوَ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ وَيَرْفَعَ يَدَيْهِ بِحَيْثُ يُرَى بَيَاضُ إِبِطَيْهِ. رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَوْقِفَ بِعَرَفَةَ وَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ وَلَمْ يَزَل يَدْعُو حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. (٢) وَقَال سَلْمَانُ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا (٣) وَرَوَى أَنَسٌ أَنَّهُ رَأَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطَيْهِ. (٤)
هـ - أَنْ يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ فِي آخِرِ الدُّعَاءِ. قَال عُمَرُ ﵁: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. (٥) وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ ﷺ إِذَا دَعَا
_________
(١) حديث: " إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا " أخرجه مسلم (١ / ٣٤٨ - ط الحلبي) .
(٢) حديث جابر: " أن رسول الله ﷺ أتى الموقف بعرفة ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٩٠ - ط الحلبي) دون قوله: " يدعو " فقد أخرجه من حديث أسامة بن زيد؛ النسائيُّ (٥ / ٢٥٤ - ط المكتبة التجارية)، وقال العراقي: " رجاله ثقات ". كذا في تخريجه لأحاديث إحياء علوم الدين (١ / ٣١٣ - ط الحلبي) .
(٣) حديث: " إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه. . . . " سبق تخريجه ف / ٦
(٤) حديث أنس: " أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء ". أخرجه مسلم (٢ / ٦١٢ - ط الحلبي) .
(٥) حديث: " كان رسول الله ﷺ إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما ". أخرجه الترمذي (٥ / ٤٦٤ - ط الحلبي)، وضعفه العراقي في تخريج إحياء علوم الدين (١ / ٣١٣) .
ضَمَّ كَفَّيْهِ وَجَعَل بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ. (١)
فَهَذِهِ هَيْئَاتُ الْيَدِ، وَلاَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ. قَال ﷺ: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاَةِ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ. (٢)
وخَفْضُ الصَّوْتِ بَيْنَ الْمُخَافَتَةِ وَالْجَهْرِ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، (٣)
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَْشْعَرِيَّ قَال: قَدِمْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ كَبَّرَ، وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَالَّذِي تَدْعُونَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ (٤) وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ فِي قَوْلِهِ ﷿:
_________
(١) حديث: " كان ﷺ إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما. . . . " أخرجه الطبراني (١١ / ٤٣٥ - ط وزارة الأوقاف العراقية) وضعف إسناده العراقي في تخريجه لإحياء علوم الدين (١ / ٣١٣ - ط الحلبي) ولكن له شواهد تقويه.
(٢) حديث: " لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم " أخرجه مسلم (١ / ٣٢١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) سورة الأعراف / ٥٥
(٤) حديث: " يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم؛ إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، والذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١٣٥ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢٠٧٦ - ٢٠٧٧ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ (١) أَيْ بِدُعَائِك، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ زَكَرِيَّا ﵇ حَيْثُ قَال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٢)
ز - أَنْ لاَ يَتَكَلَّفَ السَّجْعَ فِي الدُّعَاءِ فَإِنَّ حَال الدَّاعِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَال مُتَضَرِّعٍ، وَالتَّكَلُّفُ لاَ يُنَاسِبُهُ. قَال ﷺ: سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ، (٣) وَقَدْ قَال ﷿: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وَقِيل مَعْنَاهُ التَّكَلُّفُ لِلأَْسْجَاعِ، وَالأَْوْلَى أَنْ لاَ يُجَاوِزَ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةَ، فَإِنَّهُ قَدْ يَعْتَدِي فِي دُعَائِهِ فَيَسْأَل مَا لاَ تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَتُهُ، فَمَا كُل أَحَدٍ يُحْسِنُ الدُّعَاءَ، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يَفْعَلُونَ إِلاَّ ذَلِكَ. (٤)
ح - التَّضَرُّعُ وَالْخُشُوعُ وَالرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
_________
(١) سورة الإسراء / ١١٠
(٢) سورة مريم / ٣
(٣) حديث: " سيكون قوم يعتدون في الدعاء ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٢٧١ - ط الحلبي) والحاكم (١ / ٥٤٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن مغفل، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٤) حديث ابن عباس: " انظر السجع في الدعاء فاجتنبه ". أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ١٣٨ - ط السلفية) .
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (١) وَقَال ﷿: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ .
ط - أَنْ يَجْزِمَ الدُّعَاءَ وَيُوقِنَ بِالإِْجَابَةِ. قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ. (٢) وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ. (٣) وَقَال ﷺ: ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِْجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ﷿ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ. (٤) وَقَال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ أَجَابَ دُعَاءَ شَرِّ الْخَلْقِ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ إِذْ ﴿قَال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ . (٥)
_________
(١) سورة الأنبياء / ٩٠
(٢) حديث: " لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ١٣٩ - ط السلفية)، ومسلم (٤ / ٢٠٦٣ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) حديث: " إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء " أخرجه ابن حبان (الإحسان ٢ / ١٢٧ - ط دار الكتب العلمية) من حديث أبي هريرة، وأصله في صحيح مسلم (٤ / ٢٠٦٣ - ط الحلبي) .
(٤) حديث: " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة " أخرجه الترمذي (٥ / ٥١٧ - ط الحلبي) والحاكم (١ / ٤٩٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة، وضعف الذهبي إسناده لضعف أحد رواته.
(٥) سورة الحجر / ٣٦
ي - أَنْ يُلِحَّ فِي الدُّعَاءِ وَيُكَرِّرَهُ ثَلاَثًا. قَال ابْنُ مَسْعُودٍ: كَانَ ﵊ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاَثًا، وَإِذَا سَأَل سَأَل ثَلاَثًا. (١)
ك - أَنْ لاَ يَسْتَبْطِئَ الإِْجَابَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ: يُسْتَجَابُ لأَِحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَل، يَقُول قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي. فَإِذَا دَعَوْتَ فَاسْأَل اللَّهَ كَثِيرًا فَإِنَّكَ تَدْعُو كَرِيمًا. (٢)
ل - أَنْ يَفْتَتِحَ الدُّعَاءَ بِذِكْرِ اللَّهِ ﷿ وَبِالصَّلاَةِ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَيَخْتِمَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ أَيْضًا، لِمَا وَرَدَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَال: سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلاَتِهِ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ وَلَمْ يُصَل عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال ﷺ: عَجِل هَذَا ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَال لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ. (٣) وَدَلِيل خَتْمِهِ بِذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى:
_________
(١) حديث: " كان ﵇ إذا دعا دعا ثلاثًا ". أخرجه مسلم (٣ / ١٤١٨ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٢) حديث: " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ". أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ١٤٠ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢٠٩٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) حديث: " إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله. . . . " أخرجه أبو داود (٢ / ١٦٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه ابن حجر كما في الفتوحات الربانية (٣ / ٦٢ - ط المنيرية) .
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١)
وَأَمَّا الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ فَلِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ يَجْعَل مَاءَهُ فِي قَدَحِهِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ شَرِبَهُ، وَإِلاَّ صَبَّهُ، اجْعَلُونِي فِي أَوَّل كَلاَمِكُمْ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ. (٢)
م - وَهُوَ الأَْدَبُ الْبَاطِنُ، وَهُوَ الأَْصْل فِي الإِْجَابَةِ:
التَّوْبَةُ وَرَدُّ الْمَظَالِمِ وَالإِْقْبَال عَلَى اللَّهِ ﷿ بِكُنْهِ الْهِمَّةِ، فَذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ الْقَرِيبُ فِي الإِْجَابَةِ.
الدُّعَاءُ مَعَ التَّوَسُّل بِصَالِحِ الْعَمَل:
٩ - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَقَعَ فِي شِدَّةٍ أَنْ يَدْعُوَ بِصَالِحِ عَمَلِهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَل فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. قَال رَجُلٌ مِنْهُمْ. . . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَهُوَ مَذْكُورٌ ضِمْنَ بَحْثِ (تَوَسُّلٌ - ف ٧) (٣)
_________
(١) سورة يونس / ١٠
(٢) حديث: " لا تجعلوني كقدح الراكب. . . . " أخرجه ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد كما في كنز العمال (١ / ٥٠٩ - ط الرسالة) من حديث جابر بن عبد الله.
(٣) حديث: " انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٤٩ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢٠٩٩ - ط الحلبي) . وانظر الأذكار ص ٦١٢ دار ابن كثير بدمشق.