الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٠
يَجْرِي فِيهَا مَا يَتَعَامَل بِهِ النَّاسُ، وَلِذَلِكَ يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا أُطْلِقَ الدِّرْهَمُ فِي الْعَقْدِ انْصَرَفَ إِلَى الْمُتَعَارَفِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَطْلَقَ الْوَاقِفُ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهَا.
مَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالدَّرَاهِمِ وَمَا لاَ يَجُوزُ:
١٨ - يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ، هَل يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالدَّرَاهِمِ أَوْ لاَ يَجُوزُ؟ وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلًا: إِجَارَةُ الدَّرَاهِمِ، أَوْ رَهْنُهَا، أَوْ وَقْفُهَا عَلَى الإِْقْرَاضِ، أَوْ عَلَى الْقِرَاضِ (الْمُضَارَبَةِ) أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَفِي الْوَقْفِ مَثَلًا يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: مَا لاَ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لاَ يَصِحُّ وَقْفُهُ فِي قَوْل عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْل الْعِلْمِ.
وَأَجَازَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَقْفَهَا (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهَا.
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٣٠
(٢) المغني ٥ / ٦٤٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٣٠٥، والمهذب ١ / ٤٤٧
دُرْدِيُّ الْخَمْرِ
انْظُرْ: أَشْرِبَةٌ
دَرَكٌ
انْظُرْ: ضَمَانُ الدَّرَكِ
دُعَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدُّعَاءُ لُغَةً مَصْدَرُ دَعَوْتُ اللَّهَ أَدْعُوهُ دُعَاءً وَدَعْوَى، أَيِ ابْتَهَلْتُ إِلَيْهِ بِالسُّؤَال وَرَغِبْتُ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ. وَهُوَ بِمَعْنَى النِّدَاءِ يُقَال: دَعَا الرَّجُل دَعْوًا وَدُعَاءً أَيْ: نَادَاهُ، وَدَعَوْتُ فُلاَنًا صِحْتُ بِهِ وَاسْتَدْعَيْتُهُ، وَدَعَوْتُ زَيْدًا نَادَيْتُهُ وَطَلَبْتُ إِقْبَالَهُ. وَدَعَا الْمُؤَذِّنُ النَّاسَ إِلَى الصَّلاَةِ فَهُوَ دَاعِي اللَّهِ، وَالْجَمْعُ: دُعَاةٌ وَدَاعُونَ. وَدَعَاهُ يَدْعُوهُ دُعَاءً وَدَعْوَى: أَيْ: رَغِبَ إِلَيْهِ، وَدَعَا زَيْدًا: اسْتَعَانَهُ، وَدَعَا إِلَى الأَْمْرِ: سَاقَهُ إِلَيْهِ. (١)
وَالدُّعَاءُ فِي الاِصْطِلاَحِ: الْكَلاَمُ الإِْنْشَائِيُّ الدَّال عَلَى الطَّلَبِ مَعَ الْخُضُوعِ، وَيُسَمَّى أَيْضًا سُؤَالًا. (٢)
وَقَدْ قَال الْخَطَّابِيُّ: حَقِيقَةُ الدُّعَاءِ اسْتِدْعَاءُ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ الْعِنَايَةَ وَاسْتِمْدَادُهُ إِيَّاهُ الْمَعُونَةَ، وَحَقِيقَتُهُ إِظْهَارُ الاِفْتِقَارِ إِلَيْهِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَوْل وَالْقُوَّةِ الَّتِي لَهُ، وَهُوَ سِمَةُ الْعُبُودِيَّةِ وَإِظْهَارُ الذِّلَّةِ
_________
(١) لسان العرب المحيط، وتاج العروس، والمصباح المنير.
(٢) قواعد الفقه للبركتي.
الْبَشَرِيَّةِ، وَفِيهِ مَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، وَإِضَافَةُ الْجُودِ وَالْكَرَمِ إِلَيْهِ. (١)
٢ - وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِمَعَانٍ مِنْهَا:
أ - الاِسْتِغَاثَةُ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَل إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ . (٢)
ب - الْعِبَادَةُ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ . (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ . (٤) وقَوْله تَعَالَى ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ . (٥)
ج - النِّدَاءُ: وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ . (٦) وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ . (٧)
د - الطَّلَبُ وَالسُّؤَال مِنَ اللَّهِ: وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي
_________
(١) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٥ / ٢٧ - ٢٨ دار الفكر.
(٢) سورة الأنعام ٤٠ - ٤١
(٣) سورة الأعراف / ١٩٤
(٤) سورة الكهف / ٢٨
(٥) سورة الكهف / ١٤
(٦) سورة الإسراء / ٥٢
(٧) سورة القصص / ٢٥
قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ . (١) وقَوْله تَعَالَى
: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . (٢)
وَيُوَافِقُ هَذَا الْمَعْنَى مَا يُقَال: دَعَوْتُ اللَّهَ أَدْعُوهُ دُعَاءً، أَيِ ابْتَهَلْتُ إِلَيْهِ بِالسُّؤَال، وَرَغِبْتُ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَالدَّاعِي اسْمُ الْفَاعِل مِنَ الدُّعَاءِ، وَالْجَمْعُ دُعَاةٌ، وَدَاعُونَ، مِثْل قَاضٍ وَقُضَاةٌ وَقَاضُونَ. (٣)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِغْفَارُ:
٣ - الاِسْتِغْفَارُ فِي اللُّغَةِ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ بِالْقَوْل وَالْفِعْل، وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا يُسْتَعْمَل فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَالْمَغْفِرَةُ فِي الأَْصْل السَّتْرُ، وَالْمُرَادُ بِالاِسْتِغْفَارِ طَلَبُ التَّجَاوُزِ عَنِ الذَّنْبِ، فَالْمُسْتَغْفِرُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْمَغْفِرَةَ، أَيْ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالذَّنْبِ وَالتَّجَاوُزَ عَنْهُ. (٤) قَال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ . (٥)
وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الاِسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ الْعُمُومُ
_________
(١) سورة البقرة / ١٨٦
(٢) سورة غافر / ٦٠
(٣) لسان العرب المحيط، والمصباح المنير
(٤) البحر المحيط ٥ / ٣٠١ طبع مطبعة السعادة.
(٥) سور ة آل عمران / ١٣٥
وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ، فَكُل اسْتِغْفَارٍ دُعَاءٌ، وَلَيْسَ كُل دُعَاءٍ اسْتِغْفَارًا. (١)
ب - الذِّكْرُ:
٤ - الذِّكْرُ هُوَ التَّلَفُّظُ بِالشَّيْءِ وَإِحْضَارُهُ فِي الذِّهْنِ بِحَيْثُ لاَ يَغِيبُ عَنْهُ. (٢)
وَذِكْرُ اللَّهِ بِالْمَعْنَى الأَْعَمِّ شَامِلٌ لِلدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ. وَبِالْمَعْنَى الأَْخَصِّ الَّذِي هُوَ تَمْجِيدُ اللَّهِ وَتَقْدِيسُهُ وَذِكْرُ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا مُبَايِنٌ لِلدُّعَاءِ، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (ذِكْرٌ) .
حُكْمُ الدُّعَاءِ:
٥ - قَال النَّوَوِيُّ: إِنَّ الْمَذْهَبَ الْمُخْتَارَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَالْمُحَدِّثُونَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَحَبٌّ. (٣)
وَقَدْ يَكُونُ الدُّعَاءُ وَاجِبًا كَالدُّعَاءِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ. وَكَالدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَكَالدُّعَاءِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ. ر: (صَلاَةٌ، صَلاَةُ الْجِنَازَةِ، خُطْبَةٌ) .
_________
(١) مدارج السالكين ١ / ٣٠٨ طبع السنة المحمدية، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٣ / ٤٦٠، وشرح ثلاثيات مسند أحمد ٣ / ٩٠٢
(٢) قواعد الفقه للبركتي
(٣) الأذكار ص ٦٠٨ تحقيق محيي الدين.
ثُمَّ هَل الأَْفْضَل الدُّعَاءُ أَمِ السُّكُوتُ وَالرِّضَا بِمَا سَبَقَ بِهِ الْقَدَرُ؟
نَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْقُشَيْرِيِّ قَوْلَهُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَنَّ الأَْفْضَل الدُّعَاءُ أَمِ السُّكُوتُ وَالرِّضَا؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: الدُّعَاءُ عِبَادَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ. (١) وَلأَِنَّ الدُّعَاءَ إِظْهَارُ الاِفْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: السُّكُوتُ تَحْتَ جَرَيَانِ الْحُكْمِ أَتَمُّ، وَالرِّضَا بِمَا سَبَقَ بِهِ الْقَدَرُ أَوْلَى.
وَقَال قَوْمٌ: يَكُونُ صَاحِبَ دُعَاءٍ بِلِسَانِهِ وَرِضًا بِقَلْبِهِ لِيَأْتِيَ بِالأَْمْرَيْنِ جَمِيعًا. (٢)
فَضْل الدُّعَاءِ:
٦ - وَرَدَ فِي فَضْل الدُّعَاءِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نُورِدُ بَعْضَهَا فِيمَا يَلِي:
قَال تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ . (٣)
وَمَعْنَى الْقُرْبِ هُنَا كَمَا نُقِل عَنِ الزَّرْكَشِيِّ، أَنَّهُ إِذَا أَخْلَصَ فِي الدُّعَاءِ، وَاسْتَغْرَقَ فِي
_________
(١) حديث: " الدعاء هو العبادة " أخرجه أبو داود (٢ / ١٦١ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، والترمذي (٥ / ٤٥٦ - ط الحلبي) من حديث النعمان بن بشير، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
(٢) الأذكار ص ٦٠٩
(٣) سورة البقرة / ١٨٦
مَعْرِفَةِ اللَّهِ، امْتَنَعَ أَنْ يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِّ وَاسِطَةٌ، وَذَلِكَ هُوَ الْقُرْبُ. (١)
وَقَال تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . (٢)
وَقَال تَعَالَى: ﴿قُل ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَْسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ . (٣)
وَقَال تَعَالَى: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . (٤)
وَرَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ. (٥) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآْيَةَ.
وَقَال ﷺ: الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ (٦)
وَقَال ﷺ: إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُل إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ. (٧)
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَال: لَيْسَ شَيْءٌ
_________
(١) إتحاف السادة المتقين ٥ / ٢٨
(٢) سورة الأعراف / ٥٥
(٣) سورة الإسراء / ١١٠
(٤) سورة غافر / ٦٠
(٥) حديث: " إن الدعاء هو العبادة ". سبق تخريجه ف / ٥
(٦) حديث " الدعاء مخ العبادة ". أخرجه الترمذي (٥ / ٤٥٦ ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك، وقال: " هذا حديث غريب ".
(٧) حديث: " إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٥٥٧ - ط الحلبي) من حديث سلمان، وقال: " حديث حسن غريب ".
أَكْرَم عَلَى اللَّهِ ﷿ مِنَ الدُّعَاءِ. (١)
وَقَال ﷺ: مَا عَلَى الأَْرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ. (٢)
وَقَال ﷺ: سَلُوا اللَّهَ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُسْأَل، وَأَفْضَل الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ. (٣)
أَثَرُ الدُّعَاءِ:
٧ - الدُّعَاءُ عِبَادَةٌ، وَلَهُ أَثَرٌ بَالِغٌ وَفَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْنَا الْحَقُّ ﷿ بِالدُّعَاءِ وَلَمْ يَرْغَبِ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ، فَكَمْ رُفِعَتْ مِحْنَةٌ بِالدُّعَاءِ، وَكَمْ مِنْ مُصِيبَةٍ أَوْ كَارِثَةٍ كَشَفَهَا اللَّهُ بِالدُّعَاءِ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ جُمْلَةً مِنَ الأَْدْعِيَةِ اسْتَجَابَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ النَّصْرِ فِي بَدْرٍ دُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ
_________
(١) حديث: " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ". أخرجه الترمذي (٥ / ٤٥٥ - ط الحلبي) وقال ابن القطان: " رواته كلهم ثقات، وما موضع في إسناده ينظر فيه إلا عمران، وفيه خلاف " كذا في فيض القدير (٥ / ٣٦٦ ط المكتبة التجارية) .
(٢) حديث: " ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة " أخرجه الترمذي (٥ / ٥٦٦ - ط الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت، وقال: " حسن صحيح ".
(٣) حديث: " سلوا الله تعالى من فضله " أخرجه الترمذي (٥ / ٥٦٥ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود، وقال الترمذي: " هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث، وليس بالحافظ " وانظر إتحاف السادة المتقين مع الإحياء ٥ / ٣٠
وَالدُّعَاءُ سَبَبٌ أَكِيدٌ لِغُفْرَانِ الْمَعَاصِي، وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَلِجَلْبِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ.
وَمَنْ تَرَكَ الدُّعَاءَ فَقَدْ سَدَّ عَلَى نَفْسِهِ أَبْوَابًا كَثِيرَةً مِنَ الْخَيْرِ.
وَقَال الْغَزَالِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا فَائِدَةُ الدُّعَاءِ وَالْقَضَاءُ لاَ مَرَدَّ لَهُ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْقَضَاءِ رَدُّ الْبَلاَءِ بِالدُّعَاءِ، فَالدُّعَاءُ سَبَبٌ لِرَدِّ الْبَلاَءِ وَاسْتِجْلاَبِ الرَّحْمَةِ، كَمَا أَنَّ التُّرْسَ سَبَبٌ لِرَدِّ السِّهَامِ، وَالْمَاءُ سَبَبٌ لِخُرُوجِ النَّبَاتِ مِنَ الأَْرْضِ، فَكَمَا أَنَّ التُّرْسَ يَدْفَعُ السَّهْمَ فَيَتَدَافَعَانِ، فَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ وَالْبَلاَءُ يَتَعَالَجَانِ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الاِعْتِرَافِ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لاَ يُحْمَل السِّلاَحُ، وَقَدْ قَال تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١)، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لاَ يَسْقِيَ الأَْرْضَ بَعْدَ بَثِّ الْبَذْرِ، فَيُقَال: إِنْ سَبَقَ الْقَضَاءُ بِالنَّبَاتِ نَبَتَ الْبَذْرُ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ لَمْ يَنْبُتْ، بَل رَبْطُ الأَْسْبَابِ بِالْمُسَبَّبَاتِ هُوَ الْقَضَاءُ الأَْوَّل الَّذِي هُوَ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، وَتَرْتِيبُ تَفْصِيل الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى تَفَاصِيل الأَْسْبَابِ عَلَى التَّدْرِيجِ وَالتَّقْدِيرُ هُوَ الْقَدَرُ، وَالَّذِي قَدَّرَ الْخَيْرَ قَدَّرَهُ بِسَبَبٍ، وَالَّذِي قَدَّرَ الشَّرَّ قَدَّرَ لِرَفْعِهِ سَبَبًا، فَلاَ تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الأُْمُورِ عِنْدَ مَنِ انْفَتَحَتْ بَصِيرَتُهُ.
_________
(١) سورة النساء / ١٠٢