الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٠
دُخَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - دُخَانُ النَّارِ مَعْرُوفٌ، وَجَمْعُهُ أَدْخِنَةٌ، وَدَوَاخِنُ، وَدَوَاخِينُ، يُقَال: دَخَنَتِ النَّارُ: ارْتَفَعَ دُخَانُهَا، وَدَخَنَتْ: إِذَا فَسَدَتْ بِإِلْقَاءِ الْحَطَبِ عَلَيْهَا حَتَّى هَاجَ دُخَانُهَا، وَقَدْ يَضَعُ الْعَرَبُ الدُّخَانَ مَوْضِعَ الشَّرِّ إِذَا عَلاَ، فَيَقُولُونَ: كَانَ بَيْنَنَا أَمْرٌ ارْتَفَعَ لَهُ دُخَانٌ. وَقَدْ قِيل: إِنَّ الدُّخَانَ قَدْ مَضَى (١) .
وَمِنْ إِطْلاَقَاتِهِ أَيْضًا: التَّبَغُ وَالْبُخَارُ (٢)، وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيل أَحْكَامِهِمَا فِي مُصْطَلَحَيْ: " بُخَارٌ " " وَتَبَغٌ ".
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالدُّخَانِ:
دُخَانُ النَّجَاسَةِ:
٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي طَهَارَةِ الدُّخَانِ الْمُتَصَاعِدِ
_________
(١) مختار الصحاح، ولسان العرب المحيط، والصحاح في اللغة والعلوم مادة: " دخن ".
(٢) لسان العرب المحيط، والصحاح في اللغة والعلوم مادة: " بخر " و" تبغ ".
مِنَ النَّجَاسَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْسَانِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَلِلضَّرُورَةِ وَتَعَذُّرِ التَّحَرُّزِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ كَأَصْلِهَا، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الرَّمْلِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ قَلِيلَهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَعَلَى هَذَا فَمَنِ اسْتَصْبَحَ بِدُهْنٍ نَجِسٍ، يُعْفَى عَمَّا يُصِيبُهُ مِنْ دُخَانِ الْمِصْبَاحِ لِقِلَّتِهِ.
وَأَمَّا عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُغَلَّظٍ، وَإِلاَّ فَلاَ يُعْفَى عَنْهُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (١) .
فَسَادُ الصَّوْمِ بِالدُّخَانِ:
٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الصَّائِمَ لَوْ أَدْخَل فِي حَلْقِهِ الدُّخَانَ أَفْطَرَ، سَوَاءٌ كَانَ دُخَانَ تَبَغٍ، أَوْ عُودٍ، أَوْ عَنْبَرٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ. إِذْ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. وَأَمَّا إِذَا وَصَل
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٤٧، وابن عابدين ١ / ٢١٦ ط دار إحياء التراث العربي، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٧ - ٥٨، ومواهب الجليل ١ / ١٠٦ - ١٠٧ ط دار الفكر، والإقناع للخطيب الشربيني ١ / ٢٢، وحاشية الجمل ١ / ١٧٩ ط دار إحياء التراث العربي، ونهاية المحتاج ١ / ٢٤٧ ط مصطفى البابي الحلبي، وأسنى المطالب ١ / ٢٧٨، والمغني ١ / ٧٢، وكشاف القناع ١ / ١٨٦.
إِلَى حَلْقِهِ دُونَ قَصْدٍ، فَلاَ يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ، لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، لأَِنَّهُ إِذَا أَطْبَقَ الْفَمَ، دَخَل مِنَ الأَْنْفِ.
وَفِي اسْتِنْشَاقِ الدُّخَانِ عَمْدًا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: " صَوْمٌ (١) ".
الْقَتْل بِالدُّخَانِ:
٤ - مَنْ حَبَسَ شَخْصًا فِي بَيْتٍ وَسَدَّ مَنَافِذَهُ فَاجْتَمَعَ فِيهِ الدُّخَانُ وَضَاقَ نَفَسُهُ فَمَاتَ، فَفِيهِ الْقِصَاصُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ مَوْتَهُ، أَمَّا إِنْ قَصَدَ مُجَرَّدَ التَّعْذِيبِ فَالدِّيَةُ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَوَاعِدُهُمْ تَأْبَى وُجُوبَ الْقِصَاصِ (٢)، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاصٌ، وَدِيَةٌ) .
إِيذَاءُ الْجَارِ بِالدُّخَانِ:
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ فِي دَارِهِ تَنُّورًا لِلْخَبْزِ الدَّائِمِ كَمَا يَكُونُ فِي الدَّكَاكِينِ، يُمْنَعُ،
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٩٧، و٥ / ٢٩٥، وفتح القدير ٢ / ٢٥٨ ط دار إحياء التراث العربي، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٠٤ ط دار الفكر، والدسوقي ١ / ٥٢٥، والقليوبي ٢ / ٥٦، ونهاية المحتاج ٣ / ١٦٩، وكشاف القناع ٢ / ٣٢١.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٤٨ - ٣٤٩ وما بعدها، والشرح الصغير ٤ / ٣٣٩، وروضة الطالبين ٩ / ٢٥٤، ومطالب أولي النهى ٦ / ٨.
لأَِنَّهُ يَضُرُّ بِجِيرَانِهِ ضَرَرًا فَاحِشًا لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، إِذْ يَأْتِي مِنْهُ الدُّخَانُ الْكَثِيرُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَال بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ، لأَِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَمَا لَوْ طَبَخَ فِي دَارِهِ أَوْ خَبَزَ فِيهَا.
أَمَّا دُخَانُ التَّنُّورِ الْمُعْتَادِ فِي الْبُيُوتِ، وَدُخَانُ الْخَبْزِ وَالطَّبِيخِ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ، لأَِنَّ ضَرَرَهُ يَسِيرٌ، وَلاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَتَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ (١) .
وَإِذَا طَبَخَ الْجَارُ مَا يَصِل دُخَانُهُ أَوْ رَائِحَتُهُ إِلَى جَارِهِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُهْدِيَهُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي ذِكْرِ حُقُوقِ الْجَارِ، ذَكَرَ مِنْهَا: وَلاَ تُؤْذِهِ بِقُتَارِ رِيحِ قِدْرِكَ إِلاَّ أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا. (٢)
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٣٦١، جواهر الإكليل ٢ / ١٢٢، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٣٧، والقليوبي ٣ / ٩٠.
(٢) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: " ولا تؤذه بقتار ريح قدرك إلا أن تغرف له منها " ذكره المنذري في الترغيب (٣ / ٣٥٧ - ط الحلبي) وعزاه إلى مكارم الأخلاق للخرائطي، وصدره بصيغة التضعيف.
دُخُولٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الدُّخُول فِي اللُّغَةِ نَقِيضُ الْخُرُوجِ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الاِنْفِصَال مِنَ الْخَارِجِ إِلَى الدَّاخِل (٢) . وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْوَطْءِ عَلَى سَبِيل الْكِنَايَةِ. قَال الْمُطَرِّزِيُّ: سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَطْءُ مُبَاحًا أَوْ مَحْظُورًا (٣) .
وَقَال الْفَيُّومِيُّ: " دَخَل بِامْرَأَتِهِ دُخُولًا، كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ أَوَّل مَرَّةٍ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْوَطْءِ الْمُبَاحِ " وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ . (٤)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْخُرُوجُ:
٢ - الْخُرُوجُ فِي اللُّغَةِ نَقِيضُ الدُّخُول. وَالْخُرُوجُ
_________
(١) لسان العرب المحيط مادة: " دخل ".
(٢) الاختيار ٤ / ٥٤.
(٣) كشاف القناع ٥ / ٧٢، والمغرب للمطرزي والمصباح للفيومي والمعجم الوسيط مادة: " دخل ".
(٤) سورة النساء / ٢٣.
أَيْضًا: أَوَّل مَا يَنْشَأُ مِنَ السَّحَابِ، قَال الأَْخْفَشُ: يُقَال لِلْمَاءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ السَّحَابِ: خُرُوجٌ (١) . فَالدُّخُول، وَالْخُرُوجُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل ضِدَّانِ، وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي مُتَبَايِنَانِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - لِلدُّخُول بِإِطْلاَقَيْهِ أَحْكَامٌ تَعْتَرِيهِ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِهَا، وَاخْتِلاَفِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الدُّخُول. وَنُجْمِل أَهَمَّهَا فِيمَا يَلِي:
أَوَّلًا: أَحْكَامُ الدُّخُول بِالإِْطْلاَقِ الأَْوَّل:
دُخُول الْمَسْجِدِ:
٤ - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُول الْمَسْجِدِ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَيُؤَخِّرَ الْيُسْرَى عِنْدَ الدُّخُول، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ (٢) وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يُقَال: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣) وَبِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ صَل
_________
(١) لسان العرب المحيط، ومتن اللغة مادة " خرج ".
(٢) دليل قوله: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. حديث أبي حميد أو أبي أسيد أخرجه مسلم (١ / ٤٩٤ - ط الحلبي) .
(٣) حديث: " أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم ". أخرجه أبو داود (١ / ٣١٨ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الله بن عمر، وجوّد إسناده النووي في الأذكار (ص ٨٥ - ط دار ابن كثير) .
عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. (١) وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ صَلاَةُ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " مَسْجِدٌ ".
دُخُول مَكَّةَ:
٥ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ دُخُول مَكَّةَ بِاخْتِلاَفِ الدَّاخِل: فَالآْفَاقِيُّ لاَ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُهَا إِلاَّ مُحْرِمًا، سَوَاءٌ أَدَخَلَهَا حَاجًّا أَمْ مُعْتَمِرًا، وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا دَخَلَهَا لِغَيْرِ النُّسُكِ.
وَمَنْ كَانَ دَاخِل الْمِيقَاتِ فَلَهُ أَنْ يَدْخُل مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِحَاجَتِهِ، لأَِنَّهُ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ لِحَاجَتِهِ، وَأَمَّا لِلْحَجِّ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُهَا مِنْ غَيْرِ إِحْرَامٍ، لأَِنَّهُ لاَ يَتَكَرَّرُ، وَكَذَا لأَِدَاءِ الْعُمْرَةِ، لأَِنَّهُ الْتَزَمَهَا بِنَفْسِهِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " إِحْرَامٌ ".
وَلاَ بَأْسَ بِدُخُول مَكَّةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ نَهَارًا.
_________
(١) حديث: " بسم الله، اللهم صل على محمد " أخرجه الترمذي (٢ / ١٢٨ - ط الحلبي) من حديث فاطمة، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ٢٥ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وإسناداهما متكلم فيهما، إلا أنه يقوي أحدهما الآخر، وانظر: القوانين الفقهية / ٥٥، والمجموع ٢ / ١٧٩، والأذكار للنووي ٣٢ - ٣٣، والمغني ١ / ٤٥٥.
وَيُسْتَحَبُّ الدُّخُول مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ عِنْدَ دُخُول مَكَّةَ اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ ﷺ (١) كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول عِنْدَ الدُّخُول الأَْدْعِيَةَ الْمَأْثُورَةَ (٢)،
وَتَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ) (وَإِحْرَامٌ) .
دُخُول الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ الْمَسْجِدَ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ دُخُول الْمَسْجِدِ، وَالْمُكْثُ فِيهِ وَلَوْ بِوُضُوءٍ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْجُنُبِ سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلًا أَمِ امْرَأَةً، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبُيُوتُ أَصْحَابِهِ شَارِعَةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقَال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ، فَإِنِّي لاَ أُحِل الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ. (٣)
وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ الدُّخُول فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ كَالْخَوْفِ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ
_________
(١) حديث: " الدخول من باب بني شيبة عند دخول مكة " عزاه ابن حجر في التلخيص (٢ / ٢٤٣ - ط شركة الطباعة الفنية) إلى الطبراني من حديث عبد الله بن عمر، وأعله براو ضعيف في إسناده.
(٢) الاختيار (١ / ١٤١، ١٤٢، ١٤٥ ط دار المعرفة، وجواهر الإكليل ١ / ١٧٠، ١٧٩ ط مكة المكرمة، والقليوبي ٢ / ١٠١، ١٠٢ ط دار إحياء الكتب العربية، والمغني ٣ / ٣٦٨ - ط الرياض.
(٣) حديث: " وجهوا هذه البيوت. . . " أخرجه أبو داود (١ / ١٥٨ - ١٥٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والبيهقي (٢ / ٤٤٢ - ط دائرة المعارف العثمانية)، ولمح البيهقي إلى تضعيفه.
كَأَنْ يَكُونَ بَابُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَلاَ يُمْكِنُهُ تَحْوِيلُهُ وَلاَ السُّكْنَى فِي غَيْرِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي دُخُولِهِ مَارًّا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ دُخُولُهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَلَوْ مَارًّا مِنْ بَابٍ لِبَابٍ. إِلاَّ أَنْ لاَ يَجِدَ بُدًّا فَيَتَيَمَّمُ وَيَدْخُل. وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنَ الْعُبُورِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْحَائِضَ إِذَا أَرَادَتْ الْعُبُورَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ حَرُمَ الْعُبُورُ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَمِنَتِ التَّلْوِيثَ جَازَ الْعُبُورُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تُمْنَعُ الْحَائِضُ مِنَ الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ (١) .
دُخُول الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ الْمَسْجِدَ:
٧ - قَال النَّوَوِيُّ: يَجُوزُ إِدْخَال الصَّبِيِّ الْمَسْجِدَ وَإِنْ كَانَ الأَْوْلَى تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَمَّنْ لاَ يُؤْمَنُ مِنْهُ تَنْجِيسُهُ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِ إِدْخَالِهِ الْمَسْجِدَ إِنْ
_________
(١) الاختيار ١ / ١٣، وابن عابدين ١ / ١١٥، ١٩٤ ط دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير ١ / ١١٤، ١١٥ ط الأميرية، وجواهر الإكليل ١ / ٣٢ و١ / ٢٣، ونهاية المحتاج ١ / ٢١٨ ط مصطفى الحلبي، وروضة الطالبين ١ / ١٣٥ ط المكتب الإسلامي، ونيل المآرب ١ / ١٠٦، والمغني ١ / ١٤٠
كَانَ لاَ يَكُفُّ عَنِ الْعَبَثِ إِذَا نُهِيَ عَنْهُ، وَإِلاَّ فَيُكْرَهُ. وَكَذَلِكَ الْمَجَانِينُ (١)، لِمَا وَرَدَ مَرْفُوعًا: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ، وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَل سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ. (٢)
دُخُول الْكَافِرِ الْمَسْجِدَ:
٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ دُخُول الْكَافِرِ الْمَسْجِدَ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَلاَ يُكْرَهُ دُخُولُهُ غَيْرَهُ. إِلاَّ أَنَّ جَوَازَ الدُّخُول مُقَيَّدٌ بِالإِْذْنِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ جُنُبًا أَمْ لاَ، لأَِنَّهُ لاَ يَعْتَقِدُ حُرْمَتَهُ. فَلَوْ جَلَسَ الْحَاكِمُ فِيهِ لِلْحُكْمِ، فَلِلذِّمِّيِّ دُخُولُهُ لِلْمُحَاكَمَةِ، وَيُنَزَّل جُلُوسُهُ مَنْزِلَةَ إِذْنِهِ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ جَوَازَهُ مُطْلَقًا إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ أَنْزَل وَفْدَ ثَقِيفٍ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٤٤١، وجواهر الإكليل ١ / ٨٠، والمجموع ٢ / ١٧٦، وروضة الطالبين ١ / ٢٩٧، وتحفة الراكع والساجد للجراعي ٢٠٤
(٢) حديث: " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم " أخرجه ابن ماجه (١ / ٢٤٧ - ط الحلبي) من حديث واثلة بن الأسقع، وضعفه البوصيري في الزوائد (١ / ١٦٢ - ط دار الجنان) .