الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٠
فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانُوا كُفَّارًا، وَقَال: لَيْسَ عَلَى الأَْرْضِ مِنْ نَجَسِهِمْ شَيْءٌ (١) وَكَرِهَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مُطْلَقًا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، كَعِمَارَةٍ لَمْ تُمْكِنْ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ كَانَتْ مِنَ الْكَافِرِ أَتْقَنَ (٢) .
دُخُول الْحَمَّامِ:
٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ دُخُول الْحَمَّامِ مَشْرُوعٌ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ، لِمَا رُوِيَ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَل الْحَمَّامَ وَتَنَوَّرَ (٣) (اسْتَخْدَمَ النُّوْرَةَ)، وَدَخَل خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَمَّامَ حِمْصَ، وَكَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَدْخُلاَنِ الْحَمَّامَ، وَلَكِنَّ إِبَاحَةَ الدُّخُول مُقَيَّدَةٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ كَوْنِ الدَّاخِل رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً (٤) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " حَمَّامٌ ".
_________
(١) حديث: " ليس على الأرض من نجسهم شيء " أورده الجصاص في أحكام القرآن (٣ / ٨٨ - نشر دار الكتاب العربي) بلفظ مقارب من حديث عثمان بن أبي العاص معلقًا، ورواه أبو داود في المراسيل (ص ٨٠ - ط الرسالة) من حديث الحسن مرسلا بلفظ: " إن الأرض لا تنجس إنما ينجس ابن آدم ".
(٢) الاختيار ٤ / ١٦٦، وابن عابدين ١ / ١١٥، و٥ / ٢٤٨، وجواهر الإكليل ١ / ٢٣، و١ / ٣٨٣ - ط مكة المكرمة، والمجموع ٢ / ١٧٤، وروضة الطالبين ١ / ٢٩٦، ٢٩٧، ونهاية المحتاج ١ / ٢١٨، ٢١٩، والمغني ٨ / ٥٣٢
(٣) حديث: " دخل الحمام وتنور " أخرجه البيهقي (١ / ١٥٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ثوبان، وضعفه بقوله: " ليس بالمعروف بعض رجاله ".
(٤) الفتاوى الهندية ١ / ١٣، والاختيار ٤ / ١٦٨، وابن عابدين ٥ / ٣١، والقوانين الفقهية / ٤٣٣، ٤٤٤، وحاشية البناني على هامش الزرقاني ٧ / ٤٥، وأسنى المطالب ١ / ٧٢، والمغني ١ / ٢٣٠، ٢٣١، والآداب الشرعية ٣ / ٣٣٧
دُخُول الْخَلاَءِ:
١٠ - يُسَنُّ لِدَاخِل الْخَلاَءِ تَقْدِيمُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَيَقُول عِنْدَ الدُّخُول: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ. لأَِنَّ التَّسْمِيَةَ يَبْدَأُ بِهَا لِلتَّبَرُّكِ، ثُمَّ يَسْتَعِيذُ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " قَضَاءُ الْحَاجَةِ ".
دُخُول مَكَانٍ فِيهِ مُنْكَرٌ:
١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الدُّخُول بِقَصْدِ الْمُكْثِ وَالْجُلُوسِ إِلَى مَحَلٍّ فِيهِ مُنْكَرٌ.
وَيَجِبُ الدُّخُول إِذَا كَانَ الْمُنْكَرُ يَزُول بِدُخُولِهِ لِنَحْوِ عِلْمٍ أَوْ جَاهٍ، لإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ (٢) .
دُخُول الْمُسْلِمِ الْكَنِيسَةَ وَالْبِيعَةَ:
١٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ دُخُول الْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ، لأَِنَّهُ مَجْمَعُ الشَّيَاطِينِ، لاَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الدُّخُول. وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي رَأْيٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ دُخُولُهَا
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٢٣٠، وجواهر الإكليل ١ / ١٨، والقليوبي ١ / ٣٨، ٤١، ٤٢، ونيل المآرب ١ / ٥١
(٢) الاختيار ٤ / ١٦٦، جواهر الإكليل ١ / ٣٢٦، وقليوبي ٤ / ٢٣٥، الآداب الشرعية ٣ / ٤٤٠ - ٤٤١
إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ، وَذَهَبَ الْبَعْضُ الآْخَرُ فِي رَأْيٍ آخَرَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْمُسْلِمِ دُخُول بِيعَةٍ وَكَنِيسَةٍ وَنَحْوِهِمَا وَالصَّلاَةَ فِي ذَلِكَ، وَعَنْ أَحْمَدَ يُكْرَهُ إِنْ كَانَ ثَمَّ صُورَةٌ، وَقِيل مُطْلَقًا، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَال فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَتَصِحُّ صَلاَةُ الْفَرْضِ فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَال ابْنُ تَمِيمٍ. لاَ بَأْسَ بِدُخُول الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ الَّتِي لاَ صُوَرَ فِيهَا، وَالصَّلاَةِ فِيهَا. وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ كَالَّتِي فِيهَا صُوَرٌ، وَحَكَى فِي الْكَرَاهَةِ رِوَايَتَيْنِ. وَقَال فِي الشَّرْحِ. لاَ بَأْسَ بِالصَّلاَةِ فِي الْكَنِيسَةِ النَّظِيفَةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ الصَّلاَةَ فِي الْكَنَائِسِ لأَِجْل الصُّوَرِ، وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ: تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِيهَا لأَِنَّهُ كَالتَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيل لَهَا، وَقِيل: لأَِنَّهُ يَضُرُّ بِهِمْ (١) .
وَيُكْرَهُ دُخُول كَنَائِسِهِمْ يَوْمَ نَيْرُوزِهِمْ وَمَهْرَجَانِهِمْ. قَال عُمَرُ ﵁: لاَ تَدْخُلُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كَنَائِسِهِمْ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَإِنَّ السَّخْطَةَ تَنْزِل عَلَيْهِمْ (٢)
دُخُول الْبُيُوتِ:
١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمَرْءِ دُخُول
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٤٨، وجواهر الإكليل ١ / ٣٨٣، والقليوبي ٤ / ٢٣٥، والآداب الشرعية ٣ / ٤٤٠ - ٤٤١
(٢) الآداب الشرعية ٣ / ٤٤٢
بَيْتٍ مَسْكُونٍ غَيْرِ بَيْتِهِ إِلاَّ بَعْدَ الاِسْتِئْذَانِ وَالإِْذْنِ لَهُ بِالدُّخُول، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِئْذَانٌ) .
ثَانِيًا: أَحْكَامُ الدُّخُول بِالإِْطْلاَقِ الثَّانِي (الْوَطْءُ):
أَثَرُ الدُّخُول فِي الْمَهْرِ:
١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ سَمَّى مَهْرًا لَزِمَهُ بِالدُّخُول، لأَِنَّهُ تَحَقَّقَ بِهِ تَسْلِيمُ الْمُبْدَل، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول لَزِمَهُ نِصْفُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ . (١)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (مَهْرٌ) .
أَثَرُ الدُّخُول فِي الْعِدَّةِ:
١٥ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الطَّلاَقَ إِذَا كَانَ بَعْدَ الدُّخُول، فَالْعِدَّةُ لِغَيْرِ الْحَامِل ثَلاَثَةُ قُرُوءٍ، أَوْ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ عَلَى حَسَبِ الأَْحْوَال، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٣٧ وانظر فتح القدير ٣ / ٢٣٤ ط دار إحياء التراث العربي، والاختيار ٣ / ١٠٢، والقوانين الفقهية / ٢٠٦، والقليوبي ٣ / ٢٢٠، ونيل المآرب ٢ / ١٩٣، ١٩٥، ١٩٦
(٢) سورة البقرة / ٢٢٨
نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ . (١)
وَعِدَّةُ الْحَامِل وَضْعُ حَمْلِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولاَتُ الأَْحْمَال أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) وَعِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ . (٣)
وَإِذَا كَانَ الطَّلاَقُ قَبْل الدُّخُول فَلاَ عِدَّةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ . (٤) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (عِدَّةٌ (٥» .
دَرْءُ الْحَدِّ
انْظُرْ: (شُبْهَةٌ، حُدُودٌ) .
_________
(١) سورة الطلاق / ٤
(٢) سورة الطلاق / ٤
(٣) سورة البقرة / ٢٣٤
(٤) سورة الأحزاب / ٤٩
(٥) الاختيار ٣ / ١٧٢ - ١٧٣، والقوانين الفقهية ٢٣٤، ٢٣٥، والقليوبي ٤ / ٣٩، ونيل المآرب ٢ / ٢٧٢، ٢٧٣
دَرَاهِمُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدَّرَاهِمُ جَمْعُ دِرْهَمٍ، وَهُوَ لَفْظٌ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ النَّقْدِ ضُرِبَ مِنَ الْفِضَّةِ كَوَسِيلَةٍ لِلتَّعَامُل، وَتَخْتَلِفُ أَنْوَاعُهُ وَأَوْزَانُهُ بِاخْتِلاَفِ الْبِلاَدِ الَّتِي تَتَدَاوَلُهُ وَتَتَعَامَل بِهِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدَّنَانِيرُ:
٢ - الدَّنَانِيرُ جَمْعُ دِينَارٍ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ، قَال أَبُو مَنْصُورٍ: دِينَارٌ أَصْلُهُ أَعْجَمِيٌّ غَيْرَ أَنَّ الْعَرَبَ تَكَلَّمَتْ بِهِ فَصَارَ عَرَبِيًّا.
وَالدِّينَارُ اسْمٌ لِلْقِطْعَةِ مِنَ الذَّهَبِ الْمَضْرُوبَةِ الْمُقَدَّرَةِ بِالْمِثْقَال (٢) . فَهِيَ تَخْتَلِفُ عَنِ الدَّرَاهِمِ فِي أَنَّهَا مِنَ الذَّهَبِ فِي حِينِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ.
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير والمعجم الوسيط والمغرب مادة: " دره ".
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والأموال لأبي عبيد / ٦٢٩، وفتوح البلدان / ٤٥١، ومقدمة ابن خلدون / ١٨٣
ب - النَّقْدُ.
٣ - لِلنَّقْدِ ثَلاَثَةُ مَعَانٍ فَيُطْلَقُ عَلَى الْحُلُول أَيْ خِلاَفِ النَّسِيئَةِ، وَعَلَى إِعْطَاءِ النَّقْدِ، وَعَلَى تَمَيُّزِ الدَّرَاهِمِ وَإِخْرَاجِ الزَّيْفِ مِنْهَا، وَمُطْلَقِ النَّقْدِ وَيُرَادُ بِهِ مَا ضُرِبَ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي يَتَعَامَل بِهَا النَّاسُ (١) .
ج - الْفُلُوسُ:
٤ - الْفُلُوسُ جَمْعُ فَلْسٍ، وَتُطْلَقُ الْفُلُوسُ وَيُرَادُ بِهَا مَا ضُرِبَ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَصَارَتْ عُرْفًا فِي التَّعَامُل وَثَمَنًا بِاصْطِلاَحِ النَّاسِ (٢) .
د - سِكَّةٌ:
٥ - السَّكُّ: تَضْبِيبُ الْبَابِ أَوِ الْخَشَبِ بِالْحَدِيدِ. وَالسِّكَّةُ: حَدِيدَةٌ قَدْ كُتِبَ عَلَيْهَا، وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمُ، وَهِيَ الْمَنْقُوشَةُ ثُمَّ نُقِل إِلَى أَثَرِهَا وَهِيَ النُّقُوشُ الْمَاثِلَةُ عَلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ نُقِل إِلَى الْقِيَامِ عَلَى ذَلِكَ، وَهِيَ الْوَظِيفَةُ فَصَارَ
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير ومغني المحتاج ١ / ٣٨٩، والمغني ٤ / ٥٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٧٩
(٢) لسان العرب والمصباح المنير والبدائع ٥ / ٢٣٦، والشرح الصغير ١ / ٢١٨ ط الحلبي، والأحكام السلطانية لأبي يعلى / ١٧٩
عَلَمًا عَلَيْهَا فِي عُرْفِ الدُّوَل، وَتُسَمَّى الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ سِكَّةً (١) .
الدِّرْهَمُ الإِْسْلاَمِيُّ وَكَيْفِيَّةُ تَحْدِيدِهِ وَتَقْدِيرِهِ:
٦ - كَانَتِ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ قَبْل الإِْسْلاَمِ مُتَعَدِّدَةً مُخْتَلِفَةَ الأَْوْزَانِ، وَكَانَتْ تَرِدُ إِلَى الْعَرَبِ مِنَ الأُْمَمِ الْمُجَاوِرَةِ فَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا، لاَ بِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ بَل بِأَوْزَانٍ اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا، وَجَاءَ الإِْسْلاَمُ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى هَذِهِ الأَْوْزَانِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْل مَكَّةَ، وَالْمِكْيَال مِكْيَال أَهْل الْمَدِينَةِ. (٢)
وَلَمَّا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى تَقْدِيرِ الدِّرْهَمِ فِي الزَّكَاةِ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ وَزْنٍ مُحَدَّدٍ لِلدِّرْهَمِ يُقَدَّرُ النِّصَابُ عَلَى أَسَاسِهِ، فَجُمِعَتِ الدَّرَاهِمُ الْمُخْتَلِفَةُ الْوَزْنِ وَأُخِذَ الْوَسَطُ مِنْهَا، وَاعْتُبِرَ هُوَ الدِّرْهَمُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَزِنُ الْعَشَرَةُ مِنْهُ سَبْعَةَ مَثَاقِيل مِنَ الذَّهَبِ، فَضُرِبَتِ الدَّرَاهِمُ الإِْسْلاَمِيَّةُ عَلَى هَذَا الأَْسَاسِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فُقَهَاءَ وَمُؤَرِّخِينَ،
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٨٣، وللماوردي ص ١٥٥، ومقدمة ابن خلدون / ١٨٣
(٢) حديث: " الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة ". أخرجه أبو داود (٣ / ٦٣٣ - ٦٣٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث ابن عمر، وصححه الدارقطني والنووي كما في التلخيص لابن حجر (٢ / ١٧٥) - ط شركة الطباعة الفنية) .
لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْعَهْدِ الَّذِي تَمَّ فِيهِ هَذَا التَّحْدِيدُ، فَقِيل إِنَّ ذَلِكَ تَمَّ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقِيل إِنَّ ذَلِكَ تَمَّ فِي عَهْدِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ تَمَّ فِي عَهْدِ عُمَرَ أَمْ فِي عَهْدِ بَنِي أُمَيَّةَ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ الشَّرْعِيَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ الأَْمْرُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي ضُرِبَ فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَكَانَ هُوَ أَسَاسَ التَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ.
لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ وَالْمُؤَرِّخِينَ أَثْبَتُوا أَنَّ الدِّرْهَمَ الشَّرْعِيَّ لَمْ يَبْقَ عَلَى الْوَضْعِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الإِْجْمَاعُ فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ، بَل أَصَابَهُ تَغْيِيرٌ كَبِيرٌ فِي الْوَزْنِ وَالْعِيَارِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَصَارَ أَهْل كُل بَلَدٍ يَسْتَخْرِجُونَ الْحُقُوقَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ نَقْدِهِمْ بِمَعْرِفَةِ النِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَقَادِيرِهَا الشَّرْعِيَّةِ إِلَى أَنْ قِيل: يُفْتَى فِي كُل بَلَدٍ بِوَزْنِهِمْ (١) .
وَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ اضْطِرَابٌ فِي مَعْرِفَةِ الأَْنْصِبَةِ، وَهَل تُقَدَّرُ بِالْوَزْنِ أَوْ بِالْعَدَدِ؟ وَأَصْبَحَ الْوُصُول
_________
(١) فتوح البلدان للبلاذري / ٤٥١ إلى ٤٥٤، وهامش الأحكام السلطانية لأبي يعلى ١٧٥ - ١٧٨ والأحكام السلطانية للماوردي / ١٥٣ - ١٥٤، ومقدمة ابن خلدون / ١٨٣ - ١٨٤، والأموال لأبي عبيد / ٦٢٩ - ٦٣٠، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٨ - ٣٠، وبدائع الصنائع ٢ / ١٦، والأبيّ شرح صحيح مسلم ٣ / ١٠٩، والمجموع ٥ / ٤٧٤ - ٤٧٦ تحقيق المطيعي، ومغني المحتاج ١ / ٣٨٩، ونهاية المحتاج ٣ / ٨٤، والمغني ٣ / ٤ ط الرياض.
إِلَى مَعْرِفَةِ الدِّينَارِ الشَّرْعِيِّ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ غَايَةً تَمْنَعُ هَذَا الاِضْطِرَابَ. وَإِلَى عَهْدٍ قَرِيبٍ لَمْ يَصِل الْفُقَهَاءُ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حَتَّى أَثْبَتَ الْمُؤَرِّخُ عَلِيُّ بَاشَا مُبَارَكٌ - بِوَاسِطَةِ اسْتِقْرَاءِ النُّقُودِ الإِْسْلاَمِيَّةِ الْمَحْفُوظَةِ فِي دُورِ الآْثَارِ بِالدُّوَل الأَْجْنَبِيَّةِ - أَنَّ دِينَارَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَزِنُ ٤، ٢٥. جِرَامٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ وَزْنُ الدِّرْهَمِ. ٢، ٩٧٥ جِرَامًا مِنَ الْفِضَّةِ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْتَبَرُ مِعْيَارًا فِي اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ زَكَاةٍ، وَدِيَةٍ، وَتَحْدِيدِ صَدَاقٍ، وَنِصَابِ سَرِقَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (١) .
مَنْ يَتَوَلَّى ضَرْبَ الدَّرَاهِمِ:
٧ - ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ وَظِيفَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لِلدَّوْلَةِ، إِذْ بِهَا يَتَمَيَّزُ الْخَالِصُ مِنَ الْمَغْشُوشِ بَيْنَ النَّاسِ فِي النُّقُودِ عِنْدَ الْمُعَامَلاَتِ، وَيُتَّقَى الْغِشُّ بِخَتْمِ السُّلْطَانِ عَلَيْهَا بِالنُّقُوشِ الْمَعْرُوفَةِ (٢) . وَقَدْ قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لاَ يَصْلُحُ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ إِلاَّ فِي دَارِ الضَّرْبِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ، لأَِنَّ النَّاسَ إِنْ رُخِّصَ لَهُمْ رَكِبُوا الْعَظَائِمَ، فَقَدْ مَنَعَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ مِنَ الضَّرْبِ بِغَيْرِ إِذْنِ السُّلْطَانِ لِمَا فِيهِ مِنَ الاِفْتِيَاتِ عَلَيْهِ (٣) .
_________
(١) فقه الزكاة ١ / ٢٥٣، والخراج للدكتور الريس / ٣٥٢ - ٣٥٤
(٢) مقدمة ابن خلدون / ١٨٣
(٣) الأحكام السلطانية لأبي يعلى / ١٨١