الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٠
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (١) وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا جِلْدَ الْكَلْبِ، كَمَا اسْتَثْنَى مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ جِلْدَ الْفِيل (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا لِطَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ بِأَحَادِيثَ، مِنْهَا:
أ - قَوْلُهُ ﷺ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ. (٣)
ب - وَبِمَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبِّقِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ، قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلاَّ فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ. قَال: أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ قَالَتْ: بَلَى. قَال: فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا. (٤)
ج - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: تَصَدَّقَ عَلَى مَوْلاَةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَال: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا. (٥)
_________
(١) سورة الإسراء / ٧٠.
(٢) ابن عابدين ١ / ١٣٦، والبدائع ١ / ٨٥، ومغني المحتاج ١ / ٧٨، والمغني لابن قدامة ١ / ٦٦، ٦٧.
(٣) الإهاب هو الجلد قبل الدبغ، فإذا دبغ يسمى أديمًا (المصباح) والحديث تقدم تخريجه (ف / ٥) .
(٤) أخرجه النسائي (٧ / ١٧٣ - ١٧٤ - ط المكتبة التجارية) وصححه ابن حجر في التلخيص (١ / ٤٩ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٥) حديث: " هلا أخذتم إهابها فدبغتموه " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤١٣ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٢٧٦ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس.
وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الدَّبْغَ يُزِيل سَبَبَ النَّجَاسَةِ وَهُوَ الرُّطُوبَةُ وَالدَّمُ، فَصَارَ الدَّبْغُ لِلْجِلْدِ كَالْغَسْل لِلثَّوْبِ، وَلأَِنَّ الدِّبَاغَ يَحْفَظُ الصِّحَّةَ لِلْجِلْدِ وَيُصْلِحُهُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ كَالْحَيَاةِ، ثُمَّ الْحَيَاةُ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْجُلُودِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ (١) .
أَمَّا اسْتِثْنَاءُ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ فَلأَِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، أَيْ أَنَّ ذَاتَهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا نَجِسَةٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَلَيْسَتْ نَجَاسَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّمِ أَوِ الرُّطُوبَةِ كَنَجَاسَةِ غَيْرِهِ مِنْ مَيْتَةِ الْحَيَوَانَاتِ، فَلِذَا لَمْ يَقْبَل التَّطْهِيرَ (٢) .
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ لاِسْتِثْنَاءِ الْكَلْبِ بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ. (٣)
وَالطَّهَارَةُ تَكُونُ لِحَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ، وَلاَ حَدَثَ عَلَى الإِْنَاءِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْوُلُوغَ سَبَبٌ لِلْخَبَثِ بِسَبَبِ نَجَاسَةِ فَمِ الْكَلْبِ، فَبَقِيَّةُ أَجْزَاءِ الْكَلْبِ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ١٣٦، والبدائع ١ / ٨٥، والبناية ١ / ٢٣٦، ٣٦٢، والمجموع ١ / ٢١٦ وما بعدها، ومغني المحتاج ١ / ٧٨، وكشاف القناع ١ / ٥٤، والمغني ١ / ٦٧.
(٢) روي عن أبي يوسف وسحنون من المالكية طهارة جلد الخنزير أيضًا بالدباغ (ابن عابدين ١ / ١٣٦، والدسوقي ١ / ٥٤، والمجموع ١ / ٢١٤) .
(٣) حديث: " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب. . . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٣٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
أَوْلَى بِالنَّجَاسَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الْحَيَاةُ لاَ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْكَلْبِ فَالدِّبَاغُ أَوْلَى، لأَِنَّ الْحَيَاةَ أَقْوَى مِنَ الدِّبَاغِ بِدَلِيل أَنَّهَا سَبَبٌ لِطَهَارَةِ الْجُمْلَةِ، وَالدِّبَاغُ وَسِيلَةٌ لِطَهَارَةِ الْجِلْدِ فَقَطْ (١) .
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ لِطَهَارَةِ جِلْدِ الْكَلْبِ بِالدِّبَاغَةِ بِعُمُومِ الأَْحَادِيثِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ (٢) .
وَالْكَلْبُ لَيْسَ نَجِسَ الْعَيْنِ عِنْدَهُمْ فِي الأَْصَحِّ، وَكَذَلِكَ الْفِيل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْتَشِطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ (٣)، وَفَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ بِعَظْمِ الْفِيل.
١٠ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ بِعَدَمِ طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ قَال: أَتَانَا كِتَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَبْل وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ: أَلاَّ تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ ﷺ قَال: كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ. (٤)
_________
(١) المجموع ١ / ٢١١، ٢١٤، ٢٢٠، ومغني المحتاج ١ / ٧٨.
(٢) المراجع السابقة للحنفية.
(٣) حديث: " كان يمتشط بمشط من عاج " أخرجه البيهقي (١ / ٢٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أنس، وضعف إسناده. وانظر ابن عابدين ١ / ١٣٦.
(٤) حديث عبد الله بن عكيم بروايتيه: " أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل وفاته " أخرجه الترمذي (٤ / ٢٢٢ - ط الحلبي)، وأبو داود (٤ / ٣٧٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) بألفاظ متقاربة، وحسنه الترمذي.
وَأَجَابَ الْمَالِكِيَّةُ عَنِ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي طَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ بِأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَيِ النَّظَافَةِ، وَلِذَا جَازَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي حَالاَتٍ خَاصَّةٍ كَمَا سَيَأْتِي.
وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُونَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلُهُمَا: بِطَهَارَةِ جِلْدِ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ بِالدِّبَاغَةِ حَتَّى الْخِنْزِيرِ (١) .
١١ - وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغَةِ جِلْدُ مَيْتَةِ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ، مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَظِبَاءٍ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَأْكُول اللَّحْمِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٢) فَيَتَنَاوَل الْمَأْكُول وَغَيْرَهُ، وَخَرَجَ مِنْهُ مَا كَانَ نَجِسًا فِي حَال الْحَيَاةِ لِكَوْنِ الدَّبْغِ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي دَفْعِ نَجَاسَةٍ حَادِثَةٍ بِالْمَوْتِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ.
كَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ قَوْلُهُ: بِطَهَارَةِ جُلُودِ مَيْتَةِ مَأْكُول اللَّحْمِ فَقَطْ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ذَكَاةُ الأَْدِيمِ دِبَاغُهُ (٣) وَالذَّكَاةُ إِنَّمَا تَعْمَل فِيمَا يُؤْكَل لَحْمُهُ،
_________
(١) الدسوقي مع الشرح الكبير ١ / ٥٤، والمحلى ٩ / ٣٢ م ١٥٤٩، والمغني ١ / ٦٦، ٦٧، وكشاف القناع ١ / ٥٤.
(٢) تقدم تخريج الحديث ف / ٥.
(٣) حديث: " ذكاة الأديم دباغه ". أخرجه أحمد (٣ / ٤٧٦ - ط الميمنية) من حديث سلمة بن المحبق، وفي إسناده جهالة، ولكن له شاهد من حديث عائشة أخرجه النسائي (٧ / ١٧٤ - ط المكتبة التجارية) وإسناده صحيح.
فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ (١)
غَسْل الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ:
١٢ - لَمْ يَذْكُرِ الْحَنَفِيَّةُ ضَرُورَةَ غَسْل الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ أَثْنَاءَ الدِّبَاغَةِ وَلاَ بَعْدَهَا، فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ طَهَارَةُ الْجِلْدِ بِمُجَرَّدِ الدَّبْغِ قَبْل الْغَسْل، كَمَا هُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٢) وَلأَِنَّهُ طَهُرَ بِانْقِلاَبِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى اسْتِعْمَال الْمَاءِ كَالْخَمْرَةِ إِذَا انْقَلَبَتْ خَلًّا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الطَّهَارَةَ لاَ تَحْصُل بِمُجَرَّدِ الدَّبْغِ بَل تَحْتَاجُ إِلَى الْغَسْل لِقَوْلِهِ ﷺ فِي جِلْدِ الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ. (٣)
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ غَسْل الْجِلْدِ أَثْنَاءَ الدِّبَاغَةِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الإِْحَالَةِ، وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ. إِذَا دُبِغَ الإِْهَابُ فَقَدْ طَهُرَ (٤) وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْغَسْل.
_________
(١) المغني ١ / ٦٨، ٦٩، وكشاف القناع ١ / ٥٤، ٥٥.
(٢) تقدم تخريج الحديث (ف / ٥) .
(٣) البدائع ١ / ١٨٥، وابن عابدين ١ / ١٣٦، والزيلعي ١ / ٢٥، والمغني ١ / ٧٠، ٧١، وكشاف القناع ١ / ٥٤، ٥٥، وانظر المجموع ١ / ٢٢٦، والحديث: " يطهرها الماء والقرظ ". أخرجه أبو داود (٤ / ٣٦٩، ٣٧٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والنسائي (٧ / ١٧٤ - ط المكتبة التجارية) من حديث ميمونة، وفي إسناده جهالة.
(٤) حديث: " إذا دبغ الإهاب فقد طهر " أخرجه مسلم (١ / ٢٧٧ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ يُشْتَرَطُ غَسْلُهُ أَثْنَاءَ الدِّبَاغَةِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الإِْزَالَةِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الآْخَرِ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ وَحُمِل الأَْوَّل عَلَى النَّدْبِ، أَمَّا بَعْدَ الدِّبَاغَةِ فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ وُجُوبُ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ، لأَِنَّ الْمَدْبُوغَ يَصِيرُ كَثَوْبٍ نَجِسٍ أَيْ مُتَنَجِّسٍ لِمُلاَقَاتِهِ لِلأَْدْوِيَةِ النَّجِسَةِ. أَوِ الَّتِي تَنَجَّسَتْ بِهِ قَبْل طُهْرِهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ لِذَلِكَ (١) .
طُرُقُ الاِنْتِفَاعِ بِالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ:
أ - أَكْل جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ:
١٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جَوَازِ أَكْل جِلْدِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُول اللَّحْمِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْل الدَّبْغِ أَمْ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ فِي جِلْدِ مَيْتَةِ مَأْكُول اللَّحْمِ قَبْل دَبْغِهِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ اتِّفَاقًا، أَمَّا بَعْدَ دَبْغِهِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) عَلَى عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِهِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢) وَالْجِلْدُ جُزْءٌ مِنْهَا.
وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْمَيْتَةِ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا. (٣)
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَامِدٍ، وَهُوَ وَجْهٌ لأَِصْحَابِ
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٨٢، ٨٣، والمجموع ١ / ٢٢٥، ٢٢٦.
(٢) سورة المائدة / ٣.
(٣) حديث: " إنما حرم أكلها ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤١٣ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٢٧٦ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
الشَّافِعِيِّ جَوَازُ أَكْلِهِ بَعْدَ الدَّبْغِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: ذَكَاةُ الأَْدِيمِ دِبَاغُهُ. (١) وَلأَِنَّهُ جِلْدٌ طَاهِرٌ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُول اللَّحْمِ فَأَشْبَهَ الْمُذَكَّى (٢) .
ب - اسْتِعْمَال الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ وَالتَّعَامُل بِهِ:
١٤ - إِذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ - غَيْرِ جِلْدِ السِّبَاعِ - فَيَصِحُّ بَيْعُهُ، وَإِجَارَتُهُ، وَاسْتِعْمَالُهُ، وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي كُل مَا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ سِوَى الأَْكْل.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ جَوَازَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسَاتِ فَقَطْ، حَيْثُ قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ بِأَنْ يُوعَى فِيهِ الْعَدَسُ وَالْفُول وَنَحْوُهُمَا، وَيُغَرْبَل عَلَيْهَا، وَلاَ يُطْحَنُ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَحْلِيل بَعْضِ أَجْزَائِهِ فَتَخْتَلِطُ بِالدَّقِيقِ. لاَ فِي نَحْوِ عَسَلٍ وَلَبَنٍ وَسَمْنٍ وَمَاءِ زَهْرٍ. وَيَجُوزُ لُبْسُهَا فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ لاَ فِيهَا.
كَمَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَاءِ أَيْضًا، لأَِنَّ لَهُ قُوَّةَ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ لِطَهُورِيَّتِهِ فَلاَ يَضُرُّهُ إِلاَّ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ (٣) .
أَمَّا جُلُودُ السِّبَاعِ فَفِيهَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (جِلْدٌ ف / ١٤) .
_________
(١) تقدم تخريجه (ف / ١١) .
(٢) ابن عابدين ١ / ١٣٦، جواهر الإكليل ١ / ١٠، والمجموع ١ / ٢٢٩، ٢٣٠، والمغني ١ / ٧٠.
(٣) الدسوقي ١ / ٥٥، والخرشي ١ / ٨٨، ٨٩، والمغني ١ / ٧٠، وكشاف القناع ١ / ٥٤.
دُبَّاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدُّبَّاءُ فِي اللُّغَةِ: الْقَرْعُ، قِيل: الدُّبَّاءُ الْمُسْتَدِيرُ مِنْهُ وَقِيل: الْيَابِسُ، وَوَاحِدُهُ الدُّبَّاءَةُ (١) .
وَالْمُرَادُ بِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي مَوْضُوعِ الأَْشْرِبَةِ الْقُرْعَةُ الْيَابِسَةُ الْمُتَّخَذَةُ وِعَاءً لِلاِنْتِبَاذِ فِيهِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحَنْتَمُ:
٢ - الْحَنْتَمُ جِرَارٌ مَدْهُونَةٌ خُضْرٌ، كَانَتْ تُحْمَل الْخَمْرُ فِيهَا إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْل التَّحْرِيمِ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهَا فَقِيل لِلْخَزَفِ كُلِّهِ: حَنْتَمٌ، وَوَاحِدَتُهَا حَنْتَمَةٌ (٣) .
_________
(١) تاج العروس، مادة: " دبب "، والصحاح مادة: " دبى "، والنهاية لابن الأثير ٢ / ٩٦.
(٢) كشاف القناع ٦ / ١٢٠، وصحيح مسلم بشرح النووي ١ / ١٨٥، والموسوعة الفقهية ٥ / ٢١.
(٣) النهاية لابن الأثير ١ / ٤٤٨، والعناية بهامش فتح القدير ٩ / ٣٨ نشر دار إحياء التراث العربي، وكشاف القناع ٦ / ١٢٠، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٣٩٠ نشر دار المعرفة.
ب - الْمُزَفَّتُ:
٣ - الْمُزَفَّتُ هُوَ الإِْنَاءُ الَّذِي طُلِيَ بِالزِّفْتِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْقَارِ، وَيُقَال لَهُ أَيْضًا: الْمُقَيَّرُ (١) .
ج - النَّقِيرُ.
٤ - النَّقِيرُ هُوَ جِذْعُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ وَيُجْعَل ظَرْفًا كَالْقَصْعَةِ (٢) .
وَهَذِهِ الأَْوْعِيَةُ كُلُّهَا تَشْتَرِكُ فِي أَنَّ مَا يُوضَعُ مِنَ الشَّرَابِ فِيهَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ التَّخَمُّرُ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
الاِنْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ) إِلَى جَوَازِ الاِنْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِيهَا إِنَّمَا كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ (٤)،
_________
(١) النهاية لابن الأثير ٢ / ٣٠٤، والعناية ٩ / ٣٨، وكشاف القناع ٩ / ٣٨، وعمدة القاري ٢١ / ١٧١.
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٣٩٠، وعمدة القاري ٢١ / ١٧١، وصحيح مسلم بشرح النووي ١ / ١٨٥، والموسوعة الفقهية ٥ / ٢١.
(٣) الموسوعة الفقهية ١ / ١٢٢، والمنتقى ٣ / ١٤٩، صحيح مسلم بشرح النووي ١ / ١٨٥
(٤) الزيلعي ٦ / ٤٨، والبناية ٩ / ٥٥٣ - ٥٥٤، وعمدة القاري ٢١ / ١٧٨، وصحيح مسلم بشرح النووي ١ / ١٨٥ - ١٨٦، ١٣ / ١٥٨ - ١٥٩، والمجموع ٢ / ٥٦٦ نشر السلفية، والمغني لابن قدامة ٨ / ٣١٨، ونيل الأوطار ٨ / ١٨٤ ط العثمانية، والموسوعة الفقهية ٥ / ٢١.
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَال: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَْشْرِبَةِ فِي ظُرُوفِ الأَْدَمِ فَاشْرَبُوا فِي كُل وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَيْتُكُمْ مِنَ الظُّرُوفِ وَإِنَّ الظُّرُوفَ - أَوْ ظَرْفًا - لاَ يُحِل شَيْئًا وَلاَ يُحَرِّمُهُ وَكُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ. (١)
قَال النَّوَوِيُّ: كَانَ الاِنْتِبَاذُ فِي الْمُزَفَّتِ وَالدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا فِيهَا، وَلاَ يُعْلَمُ بِهِ لِكَثَافَتِهَا فَتَتْلَفُ مَالِيَّتُهُ، وَرُبَّمَا شَرِبَهُ الإِْنْسَانُ ظَانًّا أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا، فَيَصِيرُ شَارِبًا لِلْمُسْكِرِ، وَكَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا بِإِبَاحَةِ الْمُسْكِرِ فَلَمَّا طَال الزَّمَانُ وَاشْتَهَرَ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ، وَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ، نُسِخَ النَّهْيُ وَأُبِيحَ لَهُمُ الاِنْتِبَاذُ فِي كُل وِعَاءٍ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَشْرَبُوا مُسْكِرًا، وَهَذَا صَرِيحُ قَوْلِهِ ﷺ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ (٢) .
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ إِلَى كَرَاهَةِ الاِنْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ (٣)، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِي
_________
(١) حديث بريدة: " كنت نهيتكم عن الأشربة " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٨٥ - ط الحلبي) بروايتيه.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٣ / ١٥٩ ط المطبعة المصرية بالأزهر.
(٣) بداية المجتهد ١ / ٤٠٧، ٤٠٨ ط المكتبة التجارية، ونيل الأوطار ٨ / ١٨٤، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٣٩٠، والمغني ٨ / ٣١٨، والبناية ٩ / ٥٥٤.