الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٠ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٠

الْبَاقِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، لأَِنَّهُ جُرْحٌ وَاحِدٌ فَلاَ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ.

ثُمَّ إِنَّ الْحُكْمَ بِثُلُثِ الدِّيَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا عَاشَ الْمَشْجُوجُ، أَمَّا إِذَا مَاتَ بِهَا فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَفِيهَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً فَفِيهَا دِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةً (١) .

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٧٢ - ٣٧٣، والبدائع ٧ / ٣١٦، وتكملة فتح القدير ٩ / ٢١٨، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٠، ٢٦٧، والدسوقي ٤ / ٢٧٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٦، ٥٨، والمهذب ٢ / ١٧٩، ٢٠٠، والمغني ٧ / ٧١٠ و٨ / ٤٧، وكشاف القناع ٦ / ٥٢.

دَامِيَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الدَّامِيَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ دَمِيَ الْجُرْحُ يَدْمَى دَمْيًا وَدَمًى: خَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ، وَالشَّجَّةُ الدَّامِيَةُ: هِيَ الَّتِي يَخْرُجُ دَمُهَا وَلاَ يَسِيل (١) .

وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى الدَّامِيَةِ.

فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يُسَايِرُونَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ، إِذْ يَقُول الْمَالِكِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تُضْعِفُ الْجِلْدَ فَيَرْشَحُ مِنْهُ دَمٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْشَقَّ الْجِلْدُ.

وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تَدْمَى مِنْ غَيْرِ سَيَلاَنِ الدَّمِ (٢) .

وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الدَّامِيَةَ هِيَ الَّتِي تُخْرِجُ الدَّمَ وَتُسِيلُهُ وَلاَ تُوضِحُ الْعَظْمَ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ الَّذِينَ يُسَمُّونَهَا أَيْضًا الْبَازِلَةَ وَالدَّامِغَةَ (٣) .

_________

(١) المغرب، والمصباح المنير، ولسان العرب: مادة: " دمى ".

(٢) منح الجليل ٤ / ٢٦٤، والدسوقي ٤ / ٢٥٠ - ٢٥١، ومغني المحتاج ٤ / ٢٦.

(٣) تكملة فتح القدير ٩ / ٢١٧ نشر دار إحياء التراث العربي، وابن عابدين ٥ / ٣٧٢ - ٣٧٣، والبدائع ٧ / ٢٩٦، والاختيار ٥ / ٤١، والمغني ٨ / ٥٥، وكشاف القناع ٦ / ٥١.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - حُكْمُ الدَّامِيَةِ هُوَ حُكْمُ الدَّامِعَةِ بِكُل تَفَاصِيلِهِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَمْدًا أَمْ خَطَأً.

(ر: دَامِعَةٌ) .

دِبَاغَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الدِّبَاغَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ دَبَغَ الْجِلْدَ يَدْبُغُهُ دَبْغًا وَدِبَاغَةً، أَيْ عَالَجَهُ وَلَيَّنَهُ بِالْقَرَظِ وَنَحْوِهِ لِيَزُول مَا بِهِ مِنْ نَتْنٍ وَفَسَادٍ وَرُطُوبَةٍ.

وَالدِّبَاغَةُ أَيْضًا اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى حِرْفَةِ الدَّبَّاغِ وَهُوَ صَاحِبُهَا.

أَمَّا الدِّبْغُ وَالدِّبَاغُ بِالْكَسْرِ فَهُمَا مَا يُدْبَغُ بِهِ الْجِلْدُ لِيَصْلُحَ. وَالْمَدْبَغَةُ مَوْضِعُ الدَّبْغِ (١) .

وَتُطْلَقُ الدِّبَاغَةُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ نَفْسِهِ (٢) .

قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: الدَّبْغُ نَزْعُ فُضُول الْجِلْدِ، وَهِيَ مَائِيَّتُهُ وَرُطُوبَاتُهُ الَّتِي يُفْسِدُهُ بَقَاؤُهَا، وَيُطَيِّبُهُ نَزْعُهَا بِحَيْثُ لَوْ نُقِعَ فِي الْمَاءِ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ النَّتْنُ وَالْفَسَادُ (٣) .

وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ الدَّبْغُ

_________

(١) المصباح المنير، ومتن اللغة، والمعجم الوسيط مادة: " دبغ ".

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٣٦، ونهاية المحتاج ١ / ٢٣٢، والخرشي ١ / ٨٨.

(٣) مغني المحتاج ١ / ٨٢، وانظر الخرشي ١ / ٨٨، والدسوقي ١ / ٥٣.

بِمَا يَحْرِفُ الْفَمَ، أَيْ يَلْذَعُ اللِّسَانَ بِحَرَافَتِهِ كَالْقَرَظِ وَالْعَفْصِ وَنَحْوِهِمَا (١)، كَمَا سَيَأْتِي: (ف ٧)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الصِّبَاغَةُ:

٢ - الصِّبَاغَةُ حِرْفَةُ الصَّبَّاغِ، وَالصِّبْغُ وَالصِّبْغَةُ وَالصِّبَاغُ بِالْكَسْرِ كُلُّهَا بِمَعْنًى، وَهُوَ مَا يُصْبَغُ بِهِ، وَالصَّبْغُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ، يُقَال: صَبَغَ الثَّوْبَ صَبْغًا: أَيْ لَوَّنَهُ بِالصِّبَاغِ، وَالأَْصْل فِي مَعْنَاهُ التَّغْيِيرُ، وَيَعْرِضُ لِلْجِلْدِ وَغَيْرِهِ (٢) .

ب - التَّشْمِيسُ:

٣ - التَّشْمِيسُ مَصْدَرُ شَمَّسْتُ الشَّيْءَ إِذَا وَضَعْتَهُ فِي الشَّمْسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يُبْسَطَ الْجِلْدُ فِي الشَّمْسِ لِتَجِفَّ مِنْهُ الرُّطُوبَةُ، وَتَزُول عَنْهُ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ. وَاعْتَبَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ دِبَاغًا حُكْمِيًّا (٣) كَمَا سَيَأْتِي.

ج - التَّتْرِيبُ:

٤ - التَّتْرِيبُ مَصْدَرُ تَرَّبَ، يُقَال: تَرَّبْتُ الإِْهَابَ تَتْرِيبًا، إِذَا نَثَرَ عَلَيْهِ التُّرَابَ لإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٨٢، ونهاية المحتاج ١ / ٢٣٣، وحاشية القليوبي ١ / ٧٣.

(٢) المصباح المنير، ومتن اللغة، مادة: " صبغ ".

(٣) البناية على الهداية ١ / ٤٧٢، وابن عابدين ١ / ١٣٦.

رُطُوبَةٍ وَرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، وَيُقَال أَيْضًا: تَرَّبْتُ الشَّيْءَ إِذَا وَضَعْتَ عَلَيْهِ التُّرَابَ. وَهُوَ أَيْضًا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الدِّبَاغِ الْحُكْمِيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ مَعَهُمْ (١) .

مَشْرُوعِيَّةُ الدِّبَاغَةِ:

٥ - الدِّبَاغَةُ مُبَاحَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْحِرَفِ الَّتِي فِيهَا مَصْلَحَةٌ لِلنَّاسِ.

وَقَدِ اسْتَدَلُّوا لِجَوَازِ الدِّبَاغَةِ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا:

قَوْلُهُ ﷺ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٢) وَلأَِنَّ الدِّبَاغَةَ وَسِيلَةٌ لِتَطْهِيرِ الْجُلُودِ بِإِزَالَةِ مَا بِهَا مِنْ نَتْنٍ وَفَسَادٍ فَيُنْتَفَعُ بِهَا، كَمَا يُنْتَفَعُ مِنْ سَائِرِ الأَْشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ (٣) .

مَا يَقْبَل الدِّبَاغَةَ:

٦ - الْجُلُودُ هِيَ الَّتِي تُدْبَغُ غَالِبًا وَتَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي بَيَانُهُ.

وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - مِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ - أَنَّ الْمَثَانَةَ وَالْكَرِشَ، مِثْل الإِْهَابِ فِي قَبُول الدِّبَاغِ وَالطَّهَارَةِ بِهِ، وَكَذَلِكَ الأَْمْعَاءُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ

_________

(١) المرجعان نفسهما.

(٢) حديث: " أيما إهاب دبغ فقد طهر " أخرجه النسائي (٧ / ١٧٣ - ط المكتبة التجارية) من حديث ابن عباس، وأصله في صحيح مسلم (١ / ٢٧٧ - ط الحلبي) .

(٣) ابن عابدين ١ / ١٣٦، ومواهب الجليل مع المواق ١ / ١٠١، ومغني المحتاج ١ / ٨٢ - ٨٣، وكشاف القناع ١ / ٥٤ - ٥٥.

الْبَحْرِ: فَلَوْ دُبِغَتِ الْمَثَانَةُ وَجُعِل فِيهَا لَبَنٌ جَازَ.

وَكَذَلِكَ الْكَرِشُ إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إِصْلاَحِهِ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنَّهُ لاَ يَطْهُرُ، لأَِنَّهُ كَاللَّحْمِ، وَإِذَا أَصْلَحَ أَمْعَاءَ شَاةٍ مَيِّتَةٍ فَصَلَّى وَهِيَ مَعَهُ جَازَ، لأَِنَّهُ يَتَّخِذُ مِنْهَا الأَْوْتَارَ وَهُوَ كَالدِّبَاغِ (١) .

وَقَال الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَجَعْل الْمُصْرَانِ وِتْرًا دِبَاغٌ، وَكَذَا جَعْل الْكَرِشِ، لأَِنَّهُ هُوَ الْمُعْتَادُ فِيهِ (٢) .

وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ مِنَ الْحَيَّةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَهَا دَمٌ، وَكَذَلِكَ الْفَأْرَةُ لاَ يَقْبَلاَنِ الدِّبَاغَ فَلاَ يَطْهُرَانِ بِالْعِلاَجِ (٣) .

مَا تَحْصُل بِهِ الدِّبَاغَةُ:

٧ - مَا يَحْصُل بِهِ الدِّبَاغَةُ يُسَمَّى دَبْغًا وَدِبَاغًا، وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الدِّبَاغِ أَنْ يَكُونَ مُنَشِّفًا لِلرُّطُوبَةِ مُنَقِّيًا لِلْخَبَثِ، مُزِيلًا لِلرِّيحِ، وَلاَ يُشْرَطُ أَنْ تَكُونَ الدِّبَاغَةُ بِفِعْل فَاعِلٍ، فَإِنْ وَقَعَ الْجِلْدُ فِي مَدْبَغَتِهِ بِنَحْوِ رِيحٍ، أَوْ أُلْقِيَ الدَّبْغُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ فَانْدَبَغَ بِهِ كَفَى. كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّابِغُ مُسْلِمًا.

وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدِّبَاغُ طَاهِرًا، فَإِنَّ حِكْمَةَ الدِّبَاغِ إِنَّمَا هِيَ بِأَنْ يُزِيل

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١٣٥.

(٢) كشاف القناع ١ / ٥٦.

(٣) ابن عابدين ١ / ١٣٦، والزيلعي ١ / ٢٥.

عُفُونَةَ الْجِلْدِ وَيُهَيِّئَهُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ. فَمَا أَفَادَ ذَلِكَ جَازَ بِهِ، طَاهِرًا كَانَ كَالْقَرَظِ وَالْعَفْصِ، أَوْ نَجِسًا كَزَرْقِ الطُّيُورِ (١) .

وَهَل يُشْتَرَطُ غَسْل الْجِلْدِ أَثْنَاءَ أَوْ بَعْدَ الدِّبَاغَةِ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي بَيَانُهُ.

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدِّبَاغُ طَاهِرًا، لأَِنَّهَا طَهَارَةٌ مِنْ نَجَاسَةٍ فَلَمْ تَحْصُل بِنَجِسٍ، كَالاِسْتِجْمَارِ وَالْغَسْل (٢) .

وَصَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) بِأَنَّهُ لاَ يَكْفِي فِي الدِّبَاغَةِ التَّشْمِيسُ، وَلاَ التَّتْرِيبُ (٣) . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُدْبَغُ بِهِ. فَنُقِل عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَا دُبِغَ بِهِ جِلْدُ الْمَيْتَةِ مِنْ دَقِيقٍ أَوْ مِلْحٍ أَوْ قَرَظٍ فَهُوَ طَهُورٌ، ثُمَّ قَال: وَهُوَ صَحِيحٌ، فَإِنَّ حِكْمَةَ الدِّبَاغِ إِنَّمَا هِيَ بِأَنْ يُزِيل عُفُونَةَ الْجِلْدِ وَيُهَيِّئَهُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ فَمَا أَفَادَ ذَلِكَ جَازَ بِهِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الدَّبْغُ نَزْعُ فُضُولِهِ، وَذَلِكَ يَحْصُل بِمَا يَحْرِفُ الْفَمَ أَيْ يَلْذَعُ اللِّسَانَ بِحَرَافَتِهِ، كَالْقَرَظِ وَالْعَفْصِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، وَالشَّثِّ وَالشَّبِّ (٤) . وَلَوْ بِإِلْقَائِهِ عَلَى الدِّبْغِ بِنَحْوِ رِيحٍ، أَوْ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١٣٦، والدسوقي ١ / ٥٥، ومغني المحتاج ١ / ٨٢، وكشاف القناع ١ / ٥٦، والمغني ١ / ٧٠.

(٢) المغني ١ / ٧٠، وكشاف القناع ١ / ٧٦.

(٣) الدسوقي ١ / ٥٥، والحطاب ١ / ١٠١، ومغني المحتاج ١ / ٨٢، وكشاف القناع ١ / ٥٦، والمغني ١ / ٧٠.

(٤) الشث: شجر مر الطعم طيب الريح يدبغ به، والشب: معدن يشبه الزاج يدبغ به.

إِلْقَاءِ الدِّبْغِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ. لاَ شَمْسٍ وَتُرَابٍ وَتَجْمِيدٍ وَتَمْلِيحٍ مِمَّا لاَ يَنْزِعُ الْفُضُول وَإِنْ جَفَّتْ وَطَابَتْ رَائِحَتُهُ، لأَِنَّ الْفَضَلاَتِ لَمْ تَزُل، وَإِنَّمَا جَمَدَتْ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ نُقِعَ فِي الْمَاءِ عَادَتْ إِلَيْهِ الْعُفُونَةُ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَحْصُل الدَّبْغُ بِنَجِسٍ، وَلاَ بِغَيْرِ مُنَشِّفٍ لِلرُّطُوبَةِ مُنَقٍّ لِلْخَبَثِ بِحَيْثُ لَوْ نُقِعَ الْجِلْدُ بَعْدَهُ فِي الْمَاءِ فَسَدَ، وَلاَ بِتَشْمِيسٍ وَلاَ بِتَتْرِيبٍ وَلاَ بِرِيحٍ (١) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَتَحْصُل الدِّبَاغَةُ عِنْدَهُمْ بِكُل مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَمَا يَمْنَعُ عَلَى نَوْعَيْنِ حَقِيقِيٍّ كَالْقَرَظِ وَالشَّبِّ وَالْعَفْصِ وَنَحْوِهِ، وَحُكْمِيٍّ كَالتَّتْرِيبِ وَالتَّشْمِيسِ وَالإِْلْقَاءِ فِي الرِّيحِ. وَلَوْ جَفَّ وَلَمْ يَسْتَحِل لَمْ يَطْهُرْ (٢) .

وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الدِّبَاغِ الْحَقِيقِيِّ وَالْحُكْمِيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ الْمَاءُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ الْحَقِيقِيِّ لاَ يَعُودُ نَجِسًا بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَهُمْ، وَفِيمَا بَعْدَ الدِّبَاغِ الْحُكْمِيِّ رِوَايَتَانِ (٣) .

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٥٦.

(٢) ابن عابدين ١ / ١٣٦.

(٣) المرجع السابق نفسه، وترى اللجنة أن الدباغ يحصل بالأشياء المعتادة في ذلك، ولا يشترط فيه مادة خاصة أو آلة، والمرجع في ذلك إلى أهل الصنعة، والحكمة في ذلك إنما هي زوال عفونة الجلد وفساده وتهيئته للانتفاع، فما أفاد ذلك جاز به (انظر البناية ١ / ٣٧٣، والحطاب ١ / ١٠١) .

أَثَرُ الدِّبَاغَةِ فِي تَطْهِيرِ الْجُلُودِ:

٨ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ جِلْدَ الآْدَمِيِّ طَاهِرٌ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلدِّبَاغَةِ أَصْلًا. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ جِلْدَ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول اللَّحْمِ كَالإِْبِل وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالظِّبَاءِ وَنَحْوِهَا طَاهِرٌ قَبْل الذَّبْحِ وَبَعْدَهُ، سَوَاءٌ أَدُبِغَ أَمْ لَمْ يُدْبَغْ.

وَكَذَلِكَ مَيْتَةُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لاَ نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً.

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَجَاسَةِ جُلُودِ مَيْتَةِ الْحَيَوَانَاتِ قَبْل الدِّبَاغِ، وَعَرَّفُوا الْمَيْتَةَ بِأَنَّهَا الْمَيِّتُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، مَأْكُولَةُ اللَّحْمِ أَوْ غَيْرُهُ، مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِذَكَاةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ، كَمُذَكَّى الْمَجُوسِيِّ أَوِ الْكِتَابِيِّ لِصَنَمِهِ، أَوِ الْمُحْرِمِ لِصَيْدٍ، أَوِ الْمُرْتَدِّ أَوْ نَحْوِهِ (١) .

(ر: مَيْتَةٌ) .

٩ - وَاخْتَلَفُوا فِي طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي جِلْدِ مَيْتَةِ مَأْكُول اللَّحْمِ - إِلَى أَنَّ الدِّبَاغَةَ وَسِيلَةٌ لِتَطْهِيرِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ أَمْ غَيْرَ مَأْكُولَةِ اللَّحْمِ، فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ جِلْدُ مَيْتَةِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ إِلاَّ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ الْجَمِيعِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَإِلاَّ جِلْدَ الآْدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ

_________

(١) الخرشي ١ / ١٨٨، ومغني المحتاج ١ / ٧٨، وكشاف القناع ١ / ٥٤.