الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٠
يَدْخُل فِيهِ الأَْرْضُ وَالْبِنَاءُ وَكُل مَا هُوَ مُثَبَّتٌ فِيهَا كَالأَْجْنِحَةِ وَالرَّوَاشِنِ، وَالدَّرَجِ وَالْمَرَاقِي الْمَعْقُودَةِ، وَالسُّقُفِ، وَالْجُسُورِ، وَالْبَلاَطِ الْمَفْرُوشِ الْمُثَبَّتِ فِي الأَْرْضِ، وَالأَْبْوَابِ الْمَنْصُوبَةِ وَغَلْقِهَا الْمُثَبَّتِ، وَالْخَوَابِي، وَمَعَاجِنِ الْخَبَّازِينَ وَخَشَبِ الْقَصَّارِينَ، وَالإِْجَّانَاتِ الْمُثَبَّتَةِ (وَهِيَ آنِيَةٌ تُغْسَل فِيهَا الثِّيَابُ) وَالرُّفُوفِ، وَالسَّلاَلِمِ، وَالسُّرُرِ عَلَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الثَّلاَثَةُ مُسَمَّرَةً.
كَمَا يَدْخُل فِي هَذَا الْعَقْدِ الأَْشْجَارُ الرَّطْبَةُ الْمَغْرُوسَةُ فِي الدَّارِ، وَالْبِئْرُ الْمَحْفُورَةُ، وَالأَْوْتَادُ الْمَغْرُوزَةُ فِيهَا، لأَِنَّ اسْمَ الدَّارِ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ عُرْفًا.
وَكَذَلِكَ يَدْخُل فِي هَذَا الْعَقْدِ حَجَرُ الرَّحَى إِذَا كَانَ الأَْسْفَل مِنْهُمَا مُثَبَّتًا (١) .
وَفِي قَوْلٍ لِكُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ يَدْخُل الْحَجَرُ الأَْعْلَى إِذَا كَانَ مُنْفَصِلًا.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَنْقُولاَتِ الْمُنْفَصِلَةَ وَغَيْرَ الْمُثَبَّتَةِ لاَ تَدْخُل فِي الْعَقْدِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، وَذَلِكَ كَالسَّرِيرِ، وَالْفُرُشِ، وَالسَّتَائِرِ، وَالرُّفُوفِ الْمَوْضُوعَةِ بِغَيْرِ تَسْمِيرٍ وَلاَ غَرْزٍ فِي الْحَائِطِ، وَكَذَلِكَ الأَْقْفَال وَالْحِبَال، وَالدَّلْوُ، وَالْبَكَرَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُرَكَّبَةً بِالْبِئْرِ بِأَنْ كَانَتْ مَشْدُودَةً بِحَبْلٍ أَوْ مَوْضُوعَةً.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٧٣، ٤ / ٣٣، جواهر الإكليل ٢ / ٥٩، مغني المحتاج ٢ / ٨٤، ٣٤٦، المغني لابن قدامة ٤ / ٨٨، ٥ / ٤٥٨.
وَكَذَلِكَ السَّلاَلِمُ الْمَوْضُوعَةُ غَيْرُ الْمُرَكَّبَةِ. وَكُل مَا لاَ يَكُونُ مِنْ بِنَاءِ الدَّارِ وَلاَ مُتَّصِلًا بِهَا مِنْ خَشَبٍ وَحَجَرٍ، وَحَيَوَانٍ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَنْقُولاَتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الدَّارِ.
وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ.
أَمَّا إِذَا اتَّفَقَ الطَّرَفَانِ عَلَى أَنْ يَشْمَل الْعَقْدُ جَمِيعَ الْمَنْقُولاَتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الدَّارِ أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ قَال: وَقَفْتُ الدَّارَ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا، فَإِنَّ الْمَنْقُولاَتِ الْمَوْجُودَةَ تَدْخُل فِي الْعَقْدِ تَبَعًا لِلدَّارِ أَوْ حَسْبَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الطَّرَفَانِ (١) .
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ، وَقْفٌ)
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْفِ عُلْوِ الدَّارِ دُونَ سُفْلِهَا، أَوْ سُفْلِهَا دُونَ عُلْوِهَا، أَوْ جَعْل وَسَطِ دَارِهِ مَسْجِدًا وَلَمْ يَذْكُرِ الاِسْتِطْرَاقَ (٢) .
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ؛ لأَِنَّهُ كَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فَكَذَلِكَ يَصِحُّ وَقْفُهُ، كَوَقْفِ الدَّارِ جَمِيعًا، وَلأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ يُزِيل الْمِلْكَ إِلَى مَنْ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الاِسْتِقْرَارِ وَالتَّصَرُّفِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ (٣) .
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْفٌ) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٧٣، مغني المحتاج ٢ / ٣٤٦، جواهر الإكليل ٢ / ٥٩.
(٢) الاستطراق كما في المغرب، هو استفعال من الطريق، وهو اتخاذ المكان طريقًا. مادة: (طرق) .
(٣) روضة الطالبين ٥ / ٣١٥، والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٠٧.
دَارُ الإِْسْلاَمِ
التَّعْرِيفُ:
١ - دَارُ الإِْسْلاَمِ هِيَ: كُل بُقْعَةٍ تَكُونُ فِيهَا أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ ظَاهِرَةً (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هِيَ كُل أَرْضٍ تَظْهَرُ فِيهَا أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ - وَيُرَادُ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ: كُل حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ غَيْرِ نَحْوِ الْعِبَادَاتِ كَتَحْرِيمِ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ - أَوْ يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ فِيهَا أَهْل ذِمَّةٍ، أَوْ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَأَقَرُّوهَا بِيَدِ الْكُفَّارِ، أَوْ كَانُوا يَسْكُنُونَهَا، ثُمَّ أَجَلاَهُمُ الْكُفَّارُ عَنْهَا (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - دَارُ الْحَرْبِ:
٢ - دَارُ الْحَرْبِ هِيَ: كُل بُقْعَةٍ تَكُونُ فِيهَا أَحْكَامُ الْكُفْرِ ظَاهِرَةً (٣) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٣٠ - ١٣١، ابن عابدين ٣ / ٢٥٣، المبسوط ١٠ / ١١٤، كشاف القناع ٣ / ٤٣، الإنصاف ٤ / ١٢١، المدونة ٢ / ٢٢.
(٢) حاشية البجيرمي ٤ / ٢٢٠ وهو ما يفهم من نهاية المحتاج ٨ / ٨١ وما بعدها.
(٣) المصادر السابقة.
ب - دَارُ الْعَهْدِ:
٣ - دَارُ الْعَهْدِ: وَتُسَمَّى دَارَ الْمُوَادَعَةِ وَدَارَ الصُّلْحِ وَهِيَ: كُل نَاحِيَةٍ صَالَحَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَهَا بِتَرْكِ الْقِتَال عَلَى أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ لأَِهْلِهَا (١) .
ج - دَارُ الْبَغْيِ:
٤ - دَارُ الْبَغْيِ هِيَ: نَاحِيَةٌ مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ تَحَيَّزَ إِلَيْهَا مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ شَوْكَةٌ خَرَجَتْ عَلَى طَاعَةِ الإِْمَامِ بِتَأْوِيلٍ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - إِذَا اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى بُقْعَةٍ مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ النَّاحِيَةِ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ، رِجَالًا وَنِسَاءً، صِغَارًا وَكِبَارًا، أَصِحَّاءَ وَمَرْضَى، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَهْل النَّاحِيَةِ دَفْعَ الْعَدُوِّ عَنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ، صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ أَهْل النَّوَاحِي الأُْخْرَى مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَهَكَذَا حَتَّى يَكُونَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يَجُوزُ تَمْكِينُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ. وَيَأْثَمُ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧٨، وفتح القدير ٥ / ٣٣٤.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٣٨، فتح القدير ٥ / ٣٣٤، بدائع الصنائع ٧ / ١٣٠ - ١٣١، أسنى المطالب ٤ / ١١١.
إِذَا تَرَكُوا غَيْرَهُمْ يَسْتَوْلِي عَلَى شَيْءٍ مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ. (ر: جِهَادٌ) .
وَيَجِبُ عَلَى أَهْل بُلْدَانِ دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَقُرَاهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِقَامَةُ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، وَإِظْهَارُهَا فِيهَا كَالْجُمُعَةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ، وَالأَْذَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ تَرَكَ أَهْل بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ إِقَامَةَ هَذِهِ الشَّعَائِرِ أَوْ إِظْهَارَهَا قُوتِلُوا وَإِنْ أَقَامُوهَا سِرًّا (١) .
وَلاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ دُخُول دَارِ الإِْسْلاَمِ إِلاَّ بِإِذْنٍ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ أَمَانٍ فِي مُسْلِمٍ. وَلاَ يَجُوزُ لَهُمْ إِحْدَاثُ دُورِ عِبَادَةٍ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ: كَالْكَنَائِسِ، وَالصَّوَامِعِ، وَبَيْتِ النَّارِ، عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي.
تَحَوُّل دَارِ الإِْسْلاَمِ إِلَى دَارِ كُفْرٍ:
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحَوُّل دَارِ الإِْسْلاَمِ إِلَى دَارٍ لِلْكُفْرِ.
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تَصِيرُ دَارُ الإِْسْلاَمِ دَارَ كُفْرٍ بِحَالٍ مِنَ الأَْحْوَال، وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ، وَأَجْلَوُا الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا، وَأَظْهَرُوا فِيهَا أَحْكَامَهُمْ (٢) . لِخَبَرِ: الإِْسْلاَمُ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى عَلَيْهِ (٣)
_________
(١) أسنى المطالب ٤ / ١٧٤، روضة الطالبين ١٠ / ٢١٧، بدائع الصنائع ١ / ٢٣٢، و٧ / ٩٨، وكشاف القناع ١ / ١٣٤، ونهاية المحتاج ٢ / ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٨٢، وأسنى المطالب ٤ / ٢٠٤.
(٣) حديث: " الإسلام يعلو ولا يعلى عليه " أخرجه الدارقطني (٣ / ٢٥٢ - ط دار المحاسن) من حديث عائذ بن عمرو المزني، وحسنه ابن حجر في الفتح (٣ / ٢٢٠ - ط السلفية) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ): تَصِيرُ دَارُ الإِْسْلاَمِ دَارَ كُفْرٍ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا (١) . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِيرُ دَارَ كُفْرٍ إِلاَّ بِثَلاَثِ شَرَائِطَ:
١ - ظُهُورُ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا.
٢ - أَنْ تَكُونَ مُتَاخِمَةً لِدَارِ الْكُفْرِ.
٣ - أَنْ لاَ يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ، وَلاَ ذِمِّيٌّ آمِنًا بِالأَْمَانِ الأَْوَّل، وَهُوَ أَمَانُ الْمُسْلِمِينَ.
وَوَجْهُ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ وَمَنْ مَعَهُمَا أَنَّ دَارَ الإِْسْلاَمِ وَدَارَ الْكُفْرِ: أُضِيفَتَا إِلَى الإِْسْلاَمِ وَإِلَى الْكُفْرِ لِظُهُورِ الإِْسْلاَمِ أَوِ الْكُفْرِ فِيهِمَا، كَمَا تُسَمَّى الْجَنَّةُ دَارَ السَّلاَمِ، وَالنَّارُ دَارَ الْبَوَارِ، لِوُجُودِ السَّلاَمَةِ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَوَارِ فِي النَّارِ، وَظُهُورُ الإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ إِنَّمَا هُوَ بِظُهُورِ أَحْكَامِهِمَا، فَإِذَا ظَهَرَتْ أَحْكَامُ الْكُفْرِ فِي دَارٍ فَقَدْ صَارَتْ دَارَ كُفْرٍ، فَصَحَّتِ الإِْضَافَةُ، وَلِهَذَا صَارَتِ الدَّارُ دَارَ إِسْلاَمٍ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ شَرِيطَةٍ أُخْرَى، فَكَذَا تَصِيرُ دَارَ كُفْرٍ بِظُهُورِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ فِيهَا.
وَوَجْهُ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٣٠ - ١٣١، وابن عابدين ٣ / ٢٥٣، وكشاف القناع ٣ / ٤٣، والإنصاف ٤ / ١٢١، والمدونة ٢ / ٢٢.
إِضَافَةِ الدَّارِ إِلَى الإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ لَيْسَ هُوَ عَيْنُ الإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ: الأَْمْنُ، وَالْخَوْفُ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الأَْمْنَ إِنْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الدَّارِ عَلَى الإِْطْلاَقِ وَالْخَوْفَ لِغَيْرِهِمْ عَلَى الإِْطْلاَقِ فَهِيَ دَارُ إِسْلاَمٍ، وَإِنْ كَانَ الأَْمْنُ فِيهَا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الإِْطْلاَقِ وَالْخَوْفُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الإِْطْلاَقِ فَهِيَ دَارُ كُفْرٍ، فَالأَْحْكَامُ عِنْدَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الأَْمَانِ وَالْخَوْفِ، لاَ عَلَى الإِْسْلاَمِ وَالْكُفْرِ، فَكَانَ اعْتِبَارُ الأَْمْنِ وَالْخَوْفِ أَوْلَى (١) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (دَارُ الْحَرْبِ) .
دُخُول الْحَرْبِيِّ دَارَ الإِْسْلاَمِ:
٧ - لَيْسَ لِلْحَرْبِيِّ دُخُول دَارِ الإِْسْلاَمِ إِلاَّ بِإِذْنٍ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، فَإِنِ اسْتَأْذَنَ فِي دُخُولِهَا فَإِنْ كَانَ فِي دُخُولِهِ مَصْلَحَةٌ، كَإِبْلاَغِ رِسَالَةٍ، أَوْ سَمَاعِ كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ حَمْل مِيرَةٍ أَوْ مَتَاعٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِمَا الْمُسْلِمُونَ، جَازَ الإِْذْنُ لَهُ بِدُخُول دَارِ الإِْسْلاَمِ إِلاَّ الْحَرَمَ، وَلاَ يُقِيمُ فِي الْحِجَازِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، لأَِنَّ مَا زَادَ عَلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ فِي حُكْمِ الإِْقَامَةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَفِي غَيْرِ الْحِجَازِ يُقِيمُ قَدْرَ الْحَاجَةِ. أَمَّا الْحَرَمُ فَلاَ يَجُوزُ دُخُول كَافِرٍ فِيهِ وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا بِحَالٍ مِنَ الأَْحْوَال عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٢) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
_________
(١) المصادر السابقة.
(٢) الأم للشافعي ٤ / ١٧٧، ونهاية المحتاج ٨ / ٩١، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٨٤، وكشاف القناع ٣ / ١١٨ - ١٣٤، وروضة الطالبين ١٠ / ٣٠٩، وأسنى المطالب ٤ / ٢١٤ وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٧٥، وبدائع الصنائع ٧ / ١١٤.
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ: (أَرْضُ الْعَرَبِ، حَرَمٌ) .
مَال الْمُسْتَأْمَنِ وَأَهْلُهُ:
٨ - إِذَا دَخَل الْحَرْبِيُّ دَارَ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ مِنَ الإِْمَامِ كَانَ مَا مَعَهُ مِنْ مَالٍ، وَزَوْجَةٍ، وَأَوْلاَدٍ صِغَارٍ فِي أَمَانٍ، أَمَّا مَا خَلَّفَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلاَ يَدْخُل فِي الأَْمَانِ، إِلاَّ بِالشَّرْطِ فِي عَقْدِ الأَْمَانِ.
وَإِنْ نَقَضَ الْعَهْدَ وَالْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَقِيَ الأَْمَانُ لِمَا تَرَكَهُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلَهُ أَنْ يَدْخُل فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ لِتَحْصِيل مَا تَرَكَهُ مِنْ دَيْنٍ وَوَدِيعَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَتَرِكَتُهُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ لِوَرَثَتِهِ (٢) .
وَإِنْ دَخَل لِتِجَارَةٍ جَازَ لِلإِْمَامِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عُشْرَ مَا مَعَهُ مِنْ مَال التِّجَارَةِ، وَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ (٣) .
_________
(١) سورة التوبة / ٢٨.
(٢) روضة الطالبين ١٠ / ٢٨٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٨٠، ٨٩، وأسنى المطالب ٤ / ٢٠٦، ومواهب الجليل ٣ / ٣٦٢، وابن عابدين ٣ / ٢٤٩، وكشاف القناع ٣ / ١٠٨.
(٣) روضة الطالبين ١٠ / ٣١٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٩١، وكشاف القناع ٣ / ١٣٧.
اسْتِيطَانُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ دَارَ الإِْسْلاَمِ:
٩ - قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ دَارَ الإِْسْلاَمِ إِلَى قِسْمَيْنِ: جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا: فَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ لاَ يُمَكَّنُ غَيْرُ الْمُسْلِمِ مِنَ الاِسْتِيطَانِ فِيهَا، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا بِخَبَرِ: لاَ يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ (٢) .
وَخَبَرِ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ (٣) .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الْمُرَادُ بِالْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْحِجَازُ، فَتَجُوزُ إِقَامَتُهُمْ فِي غَيْرِ الْحِجَازِ مِنَ الْجَزِيرَةِ، لأَِنَّ أَحَدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ لَمْ يُخْرِجِ الْكُفَّارَ مِنَ الْيَمَنِ، وَتَيْمَاءَ، وَنَجْرَانَ. وَقَال غَيْرُهُمْ: الْمُرَادُ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ كُلُّهَا مِنْ عَدَنِ أَبْيَنَ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ (٤) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (أَرْضُ الْعَرَبِ) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١١٤، ومواهب الجليل ٣ / ٣٨١.
(٢) حديث: " لا يترك بجزيرة العرب دينان " أخرجه أحمد (٦ / ٢٧٥ - ط الميمنية) من حديث عائشة، وقال الهيثمي في المجمع (٥ / ٣٢٥ - ط القدسي): " رواه أحمد بإسنادين، ورجال طريقين منها ثقات متصل إسنادهما ".
(٣) حديث: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٢٧١ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٢٥٨ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس.
(٤) نهاية المحتاج ٨ ٩٠، وأسنى المطالب ٤ / ١١٤، وروضة الطالبين ١٠ / ٣٠٩، وكشاف القناع ٣ / ١٣٦.
إِحْدَاثُ دُورِ عِبَادَةٍ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ:
١٠ - لاَ يَجُوزُ إِحْدَاثُ كَنِيسَةٍ، أَوْ صَوْمَعَةٍ، أَوْ بَيْتِ نَارٍ لِلْمَجُوسِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، بِتَفْصِيلٍ يُرْجَعُ: إِلَى مُصْطَلَحِ: (مَعَابِدُ) .
اللَّقِيطُ وَأَثَرُ الدَّارِ فِي دِينِهِ:
١١ - إِذَا وُجِدَ طِفْلٌ مَنْبُوذٌ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ حُكِمَ بِإِسْلاَمِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مُسْلِمِينَ (انْظُرْ: لَقِيطٌ) .
إِحْيَاءُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مَوَاتَ دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَحَفْرُ مَعَادِنِهِ
١٢ - لَيْسَ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ إِحْيَاءُ مَوَاتٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ لاَ يَمْلِكُهُ بِالإِْحْيَاءِ، وَلاَ حَفْرُ مَعَادِنِهَا، وَلاَ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ، وَزَكَاةُ الْمَعَادِنِ) .