الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢٠
دَارُ الْبَغْيِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدَّارُ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْعَرْصَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْمَحَلَّةِ، وَكُل مَوْضِعٍ حَل بِهِ قَوْمٌ فَهُوَ دَارُهُمْ.
وَالْبَغْيُ لُغَةً: مَصْدَرُ بَغَى يَبْغِي بَغْيًا إِذَا ظَلَمَ وَتَعَدَّى، وَيُقَال: بَغَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا طَلَبْتَهُ.
وَأَصْل الْبَغْيِ الظُّلْمُ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَبَغَى الْجُرْحُ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي فَسَادِهِ. وَبَغَتِ الْمَرْأَةُ بَغْيًا، وَبَاغَتَ مُبَاغَاةً، وَتَبْغِي بِغَاءً فَهِيَ بَغِيٌّ، إِذَا فَجَرَتْ، وَذَلِكَ لِتَجَاوُزِهَا إِلَى مَا لَيْسَ لَهَا.
وَبَغَتِ السَّمَاءُ تَجَاوَزَتْ فِي الْمَطَرِ الْحَدَّ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ. وَبَغَى تَكَبَّرَ وَاسْتَطَال وَعَدَل عَنِ الْحَقِّ وَقَصَدَ الْفَسَادَ (١) .
وَالْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ هِيَ الظَّالِمَةُ الْخَارِجَةُ عَنْ طَاعَةِ الإِْمَامِ الْعَادِل، وَمِنْهُ قَوْل الرَّسُول ﷺ لِعَمَّارِ بْنِ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة " دار "، ولسان العرب مادة " بغي "، ومغني المحتاج ٤ / ١٢٣، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٨.
يَاسِرٍ ﵁: وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ (١) .
وَهَذَا هُوَ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ، فَالْبَاغِي هُوَ الْمُخَالِفُ لإِمَامِ الْعَدْل الْخَارِجُ عَنْ طَاعَتِهِ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ أَدَاءِ وَاجِبٍ عَلَيْهِ كَزَكَاةٍ وَخَرَاجِ أَرْضٍ وَغَيْرِهِمَا (٢) .
٢ - وَدَارُ الْبَغْيِ فِي الاِصْطِلاَحِ: جُزْءٌ مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ تَفَرَّدَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَرَجُوا عَلَى طَاعَةِ الإِْمَامِ الْحَقِّ بِحُجَّةٍ تَأَوَّلُوهَا مُبَرِّرَةٍ لِخُرُوجِهِمْ، وَامْتَنَعُوا وَتَحَصَّنُوا بِتِلْكَ الأَْرْضِ الَّتِي أَصْبَحَتْ فِي حَوْزَتِهِمْ، وَأَقَامُوا عَلَيْهِمْ حَاكِمًا مِنْهُمْ، وَصَارَ لَهُمْ جَيْشٌ وَمَنَعَةٌ (٣) .
أَحْكَامُ دَارِ الْبَغْيِ:
٣ - إِذَا اسْتَوْلَى الْبُغَاةُ عَلَى بَلَدٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَنَصَّبُوا لَهُمْ إِمَامًا، وَأَحْدَثَ إِمَامُهُمْ تَصَرُّفَاتٍ بِاعْتِبَارِهِ حَاكِمًا كَالْجِبَايَةِ، مِنْ جَمْعِ الزَّكَاةِ، وَالْعُشُورِ، وَالْجِزْيَةِ، وَالْخَرَاجِ، وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ، وَالتَّعَازِيرِ، وَإِقَامَةِ الْقُضَاةِ، فَفِي نَفَاذِ هَذِهِ
_________
(١) حديث: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٤١ - ط السلفية) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) لسان العرب مادة: " بغا " حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٨، جواهر الإكليل ٢ / ٢٧٧، مغني المحتاج ٤ / ١٢٣، روضة الطالبين ١٠ / ٥٠.
(٣) فتح القدير ٤ / ٤٠٨، وما بعدها، البدائع ٧ / ١٤٠، والدر المختار والحاشية ٣ / ٣٣٨، والمغني ٨ / ١٠٧.
التَّصَرُّفَاتِ وَتَرَتُّبِ آثَارِهَا عَلَيْهَا فِي حَقِّ أَهْل الْعَدْل تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ، يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (بُغَاةٌ) (١) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٤٠ - ١٤١، حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٠٨، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧٧، روضة الطالبين ١٠ / ٥٠، مغني المحتاج ٤ / ١٢٣.
دَارُ الْحَرْبِ
التَّعْرِيفُ:
١ - دَارُ الْحَرْبِ: هِيَ كُل بُقْعَةٍ تَكُونُ أَحْكَامُ الْكُفْرِ فِيهَا ظَاهِرَةً (١) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِدَارِ الْحَرْبِ:
الْهِجْرَةُ:
٢ - قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ النَّاسَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ:
أ - مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ، وَهُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَلاَ يُمْكِنُهُ إِظْهَارُ دِينِهِ مَعَ الْمُقَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى لاَ تَجِدُ مَحْرَمًا، إِنْ كَانَتْ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا فِي الطَّرِيقِ، أَوْ كَانَ خَوْفُ الطَّرِيقِ أَقَل مِنْ خَوْفِ الْمُقَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ (٢) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٠ - ٣١، كشاف القناع ٣ / ٤٣، الإنصاف ٤ / ١٢١، المدونة ٢ / ٢٢.
(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٨٢، كشاف القناع ٣ / ٤٣، أسنى المطالب ٤ / ٢٠٤، المغني ٨ / ٤٥٦، عمدة القاري ١ / ٣٥، الإنصاف ٤ / ١٢١، فتح العلي المالك ١ / ٣١٣ مطبعة مصطفى محمد.
أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَْرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) .
وَفِي الآْيَةِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ، وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ وَتَرْكِ الْوَاجِبِ.
وَلِحَدِيثِ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُل مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ لاَ تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا (٢) وَحَدِيثِ: لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتِل (٣) أَمَّا حَدِيثُ: لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ (٤) فَمَعْنَاهُ لاَ هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ فَتْحِهَا، لِصَيْرُورَةِ مَكَّةَ دَارَ إِسْلاَمٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ب - مَنْ لاَ هِجْرَةَ عَلَيْهِ: وَهُوَ مَنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، إِمَّا لِمَرَضٍ، أَوْ إِكْرَاهٍ عَلَى الإِْقَامَةِ فِي دَارِ الْكُفْرِ، أَوْ ضَعْفٍ كَالنِّسَاءِ، وَالْوِلْدَانِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ
_________
(١) سورة النساء / ٩٧.
(٢) حديث: " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى ناراهما " أخرجه الترمذي (٤ / ١٥٥ - ط الحلبي) من حديث جرير بن عبد الله، وإسناده صحيح.
(٣) حديث: " لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل ". أخرجه أحمد (١ / ١٩٢ - ط الميمنية) من حديث عبد الله بن السعدي، وقال الهيثمي في المجمع (٥ / ٢٥١ - ط السعادة): " رجاله ثقات ".
(٤) حديث: " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٣ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٤٨٧ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس.
لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (١) .
ج - مَنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ الْهِجْرَةُ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ: مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْهِجْرَةُ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْجِهَادِ، وَتَكْثِيرِ الْمُسْلِمِينَ (٢) .
د - وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ قِسْمًا رَابِعًا: وَهُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَيَقْدِرُ عَلَى الاِعْتِزَال فِي مَكَانٍ خَاصٍّ، وَالاِمْتِنَاعِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَهَذَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ، لأَِنَّ مَكَانَ اعْتِزَالِهِ صَارَ دَارَ إِسْلاَمٍ بِامْتِنَاعِهِ، فَيَعُودُ بِهِجْرَتِهِ إِلَى حَوْزَةِ الْكُفَّارِ، وَهُوَ أَمْرٌ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّ كُل مَحَلٍّ قَدَرَ أَهْلُهُ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنَ الْكُفَّارِ صَارَ دَارَ إِسْلاَمٍ (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ تَجِبُ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لِخَبَرِ: لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ (٤) .
أَمَّا حَدِيثُ: ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّل مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ (٥) . فَمَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ: لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ.
التَّزَوُّجُ فِي دَارِ الْحَرْبِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّزَوُّجِ فِي دَارِ
_________
(١) سورة النساء / ٩٨.
(٢) المصادر الفقهية السابقة.
(٣) روضة الطالبين ١٠ / ٢٨٢، نهاية المحتاج ٨ / ٨٢.
(٤) المبسوط م ٥ ج ١٠ / ٦، والحديث تقدم تخريجه.
(٥) حديث: " ادعهم إلى التحول من دارهم. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٥٧ - ط الحلبي) من حديث بريدة بن الحصيب.
الْحَرْبِ لِمَنْ دَخَل فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَمَانٍ، لِتِجَارَةٍ، أَوْ لِغَيْرِهَا، وَلَوْ بِمُسْلِمَةٍ، وَتَشْتَدُّ الْكَرَاهَةُ إِذَا كَانَتْ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةٌ فِي الْحَرْبِيَّةِ لاِفْتِتَاحِ بَابِ الْفِتْنَةِ، وَتَنْزِيهِيَّةٌ فِي غَيْرِهَا، لأَِنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِلذُّرِّيَّةِ لِفَسَادٍ عَظِيمٍ، إِذْ أَنَّ الْوَلَدَ إِذَا نَشَأَ فِي دَارِهِمْ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَنْشَأَ عَلَى دِينِهِمْ، وَإِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مِنْهُمْ فَقَدْ تَغْلِبُ عَلَى وَلَدِهَا فَيَتْبَعُهَا عَلَى دِينِهَا (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلاَ يَحِل لَهُ التَّزَوُّجُ مَا دَامَ أَسِيرًا، لأَِنَّهُ إِذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ كَانَ لَهُمْ رَقِيقًا (٢)
الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى أَنَّ الرِّبَا حَرَامٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَحُرْمَتِهِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَمَا كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، سَوَاءٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْل الْحَرْبِ، أَوْ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ لَمْ يُهَاجِرَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالُوا: إِنَّ النُّصُوصَ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا عَامَّةٌ، وَلَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ دَارٍ وَدَارٍ، وَلاَ بَيْنَ مُسْلِمٍ
_________
(١) المغني ٨ / ٤٥٥، أسنى المطالب / ١٦١، الخرشي ٣ / ٢٢٦، المبسوط م ٥ ج ١٠ / ٩٦، ورد المحتار ٢ / ٢٨٩.
(٢) المغني ٨ / ٤٥٥.
وَغَيْرِهِ (١) . (رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: رِبًا) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ يَحْرُمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَأَهْل الْحَرْبِ، وَلاَ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ لَمْ يُهَاجِرَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ (٢) . لِحَدِيثِ: لاَ رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ (٣) وَلأَِنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ فِي دَارِهِمْ، فَبِأَيِّ طَرِيقٍ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ أَخَذَ مَالًا مُبَاحًا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَدْرٌ، وَلأَِنَّ مَال أَهْل الْحَرْبِ مُبَاحٌ بِغَيْرِ عَقْدٍ، فَبِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ أَوْلَى.
وَلأَِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ خَاطَرَ قُرَيْشًا قَبْل الْهِجْرَةِ حِينَ أَنْزَل اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَْرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٤) وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: أَتَرَوْنَ أَنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ؟ قَال: نَعَمْ. فَقَالُوا: هَل لَكَ أَنْ تُخَاطِرَنَا فِي ذَلِكَ؟ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال ﵊: اذْهَبْ إِلَيْهِمْ فَزِدْ فِي الْخَطَرِ وَزِدْ فِي الأَْجَل فَفَعَل، وَغَلَبَتِ الرُّومُ فَارِسًا فَأَخَذَ
_________
(١) المجموع شرح المهذب ٩ / ١٩١، المغني ٤ / ٤٥، ٨ / ٤٥٨، المدونة ٤ / ٢٧١.
(٢) شرح فتح القدير ٦ / ١٧٧.
(٣) حديث: " لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب " قال الزيلعي في نصب الراية (٤ / ٤٤ - ط المجلس العلمي): " غريب " يعني أنه لا أصل له. ثم ذكر أن الشافعي قال عن رواية مرفوعة ذكرها مكحول بلفظ: " لا ربا بين أهل الحرب " قال الشافعي: هذا ليس بثابت، ولا حجة
(٤) سورة الروم / ١.
أَبُو بَكْرٍ خَطَرَهُ، فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ الْقِمَارُ بِعَيْنِهِ (١) .
وَكَانَتْ مَكَّةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دَارَ حَرْبٍ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْمُسْلِمِ أَخْذَ مَال الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَا لَمْ يَكُنْ غَدْرًا (٢) .
إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ سَرَقَ، أَوْ قَذَفَ مُسْلِمًا، أَوْ شَرِبَ خَمْرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ.
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، لأَِنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ فَرْضٌ كَالصَّلاَةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَلاَ تُسْقِطُ دَارُ الْحَرْبِ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
إِذَا قَتَل مُسْلِمٌ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ يَسْتَوْفِي مِنْهُ الْقِصَاصَ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَانُوا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ (٣) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَوْ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ﴿
_________
(١) حديث أبي بكر في نزول سورة الروم. أورده الزمخشري في الكشاف (٣ / ٤٦٦ - ٤٦٧ - ط دار الكتاب العربي) وقال ابن حجر في تخريجه: " قصة أبي بكر في المراهنة رواها الترمذي وغيره من حديث نيار بن مكرم الأسلمي وسياقها مخالف لسياق هذه القصة ".
(٢) حاشية الطحطاوي ٣ / ١١٢، بدائع الصنائع ٥ / ١٩٢.
(٣) الخرشي ٣ / ١١١، والأم ٤ / ٢٤٨.
لاَ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ (١) . وَقَوْلِهِ: مَنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَصَابَ بِهَا حَدًّا ثُمَّ هَرَبَ فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَإِنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ (٢) وَلأَِنَّ الإِْمَامَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِعَدَمِ الْوِلاَيَةِ، وَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ الْفِعْل لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا أَصْلًا، وَكَذَلِكَ إِذَا قَتَل مُسْلِمًا فِيهَا لاَ يُؤْخَذُ بِالْقِصَاصِ وَإِنْ كَانَ الْقَتْل عَمْدًا لِتَعَذُّرِ الاِسْتِيفَاءِ، وَلأَِنَّ كَوْنَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْرَثَ شُبْهَةً فِي الْوُجُوبِ، وَالْقِصَاصُ لاَ يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَيَضْمَنُ الدِّيَةَ وَتَكُونُ فِي مَالِهِ لاَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، لأَِنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِل ابْتِدَاءً، ثُمَّ الْعَاقِلَةُ تَتَحَمَّل عَنْهُ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّنَاصُرِ، وَلاَ تَنَاصُرَ عِنْدَ اخْتِلاَفِ الدَّارِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: تَجِبُ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ، وَلَكِنَّهَا لاَ تُقَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَتُقَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ، أَنَّ عُمَرَ ﵁
_________
(١) حديث: " لا تقام الحدود في دار الحرب ". قال الزيلعي في نصب الراية (٣ / ٣٤٣ - ط المجلس العلمي): " غريب " يعني أنه لا أصله له. ثم ذكر أنه ورد من قول زيد بن ثابت: لا تقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو.
(٢) حديث: " من زنى أو سرق في دار الحرب. . . " لم نهتد إليه في المصادر الحديثية التي بين أيدينا.
(٣) بدائع الصنائع ٧ / ١٣١، وابن عابدين ٣ / ١٥٦، وفتح القدير ٤ / ١٥٣، ونصب الراية ٣ / ٣٤٣.