الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 9

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي الْمَوْتِ، وَأَمَّا إِنْ شَرَطَ مَنْ لَهُ أَنَّهُ يَحِل بِمَوْتِهِ عَلَى الْمَدِينِ فَهَل يُعْمَل بِشَرْطِهِ، أَوْ لاَ؟ وَالظَّاهِرُ الأَْوَّل (أَيْ أَنَّهُ يُعْمَل بِشَرْطِهِ) حَيْثُ كَانَ الشَّرْطُ غَيْرَ وَاقِعٍ فِي صُلْبِ عَقْدِ الْبَيْعِ، فَإِنْ وَقَعَ فِي صُلْبِ عَقْدِ الْبَيْعِ فَالظَّاهِرُ فَسَادُ الْبَيْعِ؛ لأَِنَّهُ آل أَمْرُهُ إِلَى الْبَيْعِ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ، وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يَحِل الدَّيْنُ الْمُؤَجَّل بِمَوْتِ الدَّائِنِ، وَأَمَّا مَوْتُ الْمَدِينِ فَلَهُمْ رَأْيَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحِل بِمَوْتِ الْمَدِينِ كَمَا هُوَ رَأْيُ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَحِل بِمَوْتِهِ إِذَا وَثِقَ الْوَرَثَةُ، فَقَدْ جَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ (١): " أَنَّهُ إِذَا مَاتَ شَخْصٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يَحِل الدَّيْنُ بِمَوْتِهِ إِذَا وَثِقَ الْوَرَثَةُ، أَوْ وَثِقَ غَيْرُهُمْ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ، عَلَى أَقَل الأَْمْرَيْنِ: مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ أَوِ الدَّيْنِ "، وَهُوَ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ لأَِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فَوُرِثَ عَنْهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَكَمَا لاَ تَحِل الدُّيُونُ الَّتِي لَهُ بِمَوْتِهِ، فَتَخْتَصُّ أَرْبَابُ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ بِالْمَال، وَيَتَقَاسَمُونَهُ بِالْمُحَاصَّةِ، وَلاَ يُتْرَكُ مِنْهُ لِلْمُؤَجَّل شَيْءٌ، وَلاَ يَرْجِعُ رَبُّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ حُلُولِهِ بَل عَلَى مَنْ وَثَّقَهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ التَّوَثُّقُ لِعَدَمِ وَارِثٍ، بِأَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَارِثٍ، حَل، وَلَوْ ضَمِنَهُ الإِْمَامُ، أَوْ " تَعَذَّرَ التَّوَثُّقُ " لِغَيْرِ عَدَمِ وَارِثٍ، بِأَنْ خَلَفَ وَارِثًا لَكِنَّهُ لَمْ يُوثَقْ، حَل الدَّيْنُ لِغَلَبَةِ الضَّرَرِ، فَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ كُلَّهُ إِنِ اتَّسَعَتِ

_________

(١) كشاف القناع٣ / ٤٣٨ ط الرياض، والمغني المطبوع مع الشرح الكبير٤ / ٤٨٥ ط مطبعة المنار.

التَّرِكَةُ أَوْ يُحَاصِصْ بِهِ الْغُرَمَاءَ، وَلاَ يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي مُقَابَلَةِ الأَْجَل. وَإِنْ ضَمِنَهُ ضَامِنٌ وَحَل عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَحِل عَلَى الآْخَرِ. وَقَدِ اسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ عَلَى قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل لاَ يَحِل بِالْمَوْتِ إِذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةَ، فَقَالُوا: إِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْمَدِينِ فَلاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ؛ وَلأَِنَّ الْمَوْتَ مَا جُعِل مُبْطِلًا لِلْحُقُوقِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِيقَاتٌ لِلْخِلاَفَةِ وَعَلاَمَةٌ عَلَى الْوِرَاثَةِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ (١) وَمَا قِيل بِسُقُوطِهِ بِالْمَوْتِ هُوَ حُكْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَلاَ يَشْهَدُ لَهَا شَاهِدُ الشَّرْعِ بِاعْتِبَارٍ، وَلاَ خِلاَفَ فِي فَسَادِ هَذَا، فَعَلَى هَذَا يَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ كَمَا كَانَ وَيَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِهِ كَتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِمَال الْمُفْلِسِ عِنْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحَبَّ الْوَرَثَةُ أَدَاءَ الدَّيْنِ، وَالْتِزَامَهُ لِلْغَرِيمِ، عَلَى أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِي الْمَال، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الْغَرِيمُ، أَوْ يُوَثِّقُوا الْحَقَّ بِضَمِينٍ مَلِيءٍ، أَوْ رَهْنٍ يَثِقُ بِهِ لِوَفَاءِ حَقِّهِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ لاَ يَكُونُونَ أَمْلِيَاءَ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِمُ الْغَرِيمُ، فَيُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ الْحَقِّ (٢) .

وَيَرَى طَاوُسٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالزُّهْرِيُّ وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل لاَ يَحِل بِمَوْتِ الْمَدِينِ، وَيَبْقَى إِلَى أَجَلِهِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ (٣) .

_________

(١) حديث: " من ترك حقا أو مالا فلورثته ". ذكره صاحب المغني بهذا اللفظ ولم يخرجه٤ / ٤٦٨ ولم نجده بلفظه. ورواه بلفظ: " من ترك مالا فلورثته ومن ترك كلا فإلينا ". البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. (جامع الأصول ٩ / ٦٣٠) .

(٢) المغني المطبوع مع الشرح الكبير٤ / ٤٨٦

(٣) المغني المطبوع مع الشرح الكبير٤ / ٤٨٦، وسبق بيان أن رأيا للمالكية يتفق مع هذا الاتجاه.

ب - سُقُوطُ الأَْجَل بِالتَّفْلِيسِ (١):

٩٦ - إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْحَجْرِ عَلَى الْمَدِينِ لِلإِْفْلاَسِ، فَهَل تَحِل دُيُونُ الْمُفْلِسِ الْمُؤَجَّلَةُ؟ يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (فِي الأَْظْهَرِ) وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ تَحِل دُيُونُ الْمُفْلِسِ الْمُؤَجَّلَةُ؛ لأَِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْمُفْلِسِ، فَلاَ يَسْقُطُ بِفَلَسِهِ (٢) كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يُوجِبُ حُلُول مَالِهِ، فَلاَ يُوجِبُ حُلُول مَا عَلَيْهِ - كَالْجُنُونِ وَالإِْغْمَاءِ - وَلأَِنَّهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ عَلَى حَيٍّ، فَلَمْ يَحِل قَبْل أَجَلِهِ، كَغَيْرِ الْمُفْلِسِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ أَنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ خَرِبَتْ وَبَطَلَتْ بِخِلاَفِ الْمُفْلِسِ.

وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٣) وَرَأْيٍ لِلشَّافِعِيَّةِ (٤) أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل يَحِل بِالإِْفْلاَسِ الأَْخَصِّ (أَيِ الشَّخْصُ الَّذِي حَكَمَ الْحَاكِمُ بِخَلْعِ مَالِهِ لِلْغُرَمَاءِ) لِخَرَابِ ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ، مَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْمَدِينُ عَدَمَ حُلُولِهِ بِالتَّفْلِيسِ، وَمَا لَمْ يَتَّفِقِ الْغُرَمَاءُ جَمِيعًا عَلَى بَقَاءِ دُيُونِهِمْ مُؤَجَّلَةً. أَمَّا حُقُوقُ الْمُفْلِسِ الْمُؤَجَّلَةُ قِبَل الْغَيْرِ فَبِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ تَبْقَى عَلَى حَالِهَا؛ لأَِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْغَيْرِ، فَلَيْسَ لِغَيْرِ صَاحِبِهِ الْحَقُّ فِي إِسْقَاطِهِ.

_________

(١) انظر مصطلح " تفليس " أو " حجر ".

(٢) رد المحتار٥ / ١٣١، وهو قول أبي يوسف ومحمد المفتى به في المذهب، ومغني المحتاج٢ / ١٤٧، والمغني والشرح الكبير ٤ / ٤٨٥، وكشاف القناع ٣ / ٤٣٨

(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير٣ / ٢٦٥، والخرشي ٦ / ١٧٦

(٤) بينا آنفا أن الأظهر عند الشافعية أن الديون المؤجلة لا تحل بالتفليس، ومقابل الأظهر " والثاني يحل، لأن الحجر يوجب تعلق الدين بالمال فسقط الأجل كالموت ". مغني المحتاج ٢ / ١٤٧

ج - سُقُوطُ الأَْجَل بِالْجُنُونِ:

٩٧ - إِذَا جُنَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّل أَوْ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ، فَهَل يَسْقُطُ الأَْجَل بِجُنُونِهِ؟ يَرَى الْحَنَفِيَّةُ (١) وَالشَّافِعِيَّةُ (٢) وَالْحَنَابِلَةُ (٣) جُنُونَ الْمَدِينِ لاَ يُوجِبُ حُلُول الدَّيْنِ عَلَيْهِ لإِمْكَانِ التَّحْصِيل عِنْدَ حُلُول الأَْجَل بِوَاسِطَةِ وَلِيِّهِ، فَالأَْجَل بَاقٍ، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ عِنْدَ حُلُول الأَْجَل مُطَالَبَةُ وَلِيِّهِ بِمَالِهِ. وَلأَِنَّ الأَْجَل حَقٌّ لِلْمَجْنُونِ فَلاَ يَسْقُطُ بِجُنُونِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يُوجِبُ حُلُول مَا لَهُ قِبَل الْغَيْرِ، فَلاَ يُوجِبُ حُلُول مَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل يَحِل بِالْفَلَسِ وَالْمَوْتِ مَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْمَدِينُ عَدَمَ حُلُولِهِ بِهِمَا وَمَا لَمْ يَقْتُل الدَّائِنُ الْمَدِينَ عَمْدًا، وَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى الْجُنُونِ مَعَهُمَا مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ الْجُنُونَ عِنْدَهُمْ لاَ يُحِل الدَّيْنَ الْمُؤَجَّل (٤) .

د - سُقُوطُ الأَْجَل بِالأَْسْرِ أَوِ الْفَقْدِ (٥):

٩٨ - يَرَى الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الأَْسِيرَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ إِذَا عُلِمَ خَبَرُهُ وَمَكَانُهُ، كَانَ حُكْمُهُ كَالْغَائِبِ، وَالْغَائِبُ تَبْقَى دُيُونُهُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٥٧

(٢) مغني المحتاج ٢ / ١٤٧، وقد نقل لنا أنه قد وقع في أصل الروضة أن الدين المؤجل يحل بالجنون ثم علق على ذلك بأن ما وقع فيها سهو.

(٣) كشاف القناع ٣ / ٤٣٨، والمغني المطبوع مع الشرح الكبير ٤ / ٤٨٥

(٤) الدسوقي ٣ / ٢٦٥ ط عيسى الحلبي.

(٥) راجع مصطلح " أسير " وراجع مصطلح " غائب ".

تَأْجِيلٍ أَوْ حُلُولٍ، سَوَاءٌ كَانَ دَائِنًا أَمْ مَدِينًا. أَمَّا إِذَا لَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ وَلاَ مَكَانُهُ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَفْقُودِ (١) لأَِنَّهُ حَيٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، مَيِّتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ (٢) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ دُيُونَهُ تَبْقَى عَلَى حَالِهَا مِنْ تَأْجِيلٍ أَوْ حُلُولٍ، كَالْغَائِبِ - وَلاَ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمَفْقُودِ لأَِنَّهُ قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ أُسِرَ؛ لأَِنَّهُ إِذَا كَانَتْ أَمْوَال الْمَفْقُودِ تَبْقَى كَمَا هِيَ، فَهُوَ أَوْلَى بِهَذَا الْحُكْمِ (٣) .

أَمَّا إِذَا عُلِمَ مَوْتُ الأَْسِيرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمَيِّتِ، وَكَذَا إِذَا عُلِمَ رِدَّتُهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ، وَهُوَ مَوْتٌ حُكْمًا كَمَا سَبَقَ الإِْشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الآْجَال تَسْقُطُ بِمَوْتِ الْمَدِينِ مَوْتًا حَقِيقِيًّا أَوْ حُكْمِيًّا.

هـ - سُقُوطُ الأَْجَل بِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ (٤):

٩٩ - لَمَّا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الأَْجَل يُحَدِّدُ لَنَا الْمَدَى الزَّمَنِيَّ لاِسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، فَالْعَقْدُ أَوِ التَّصَرُّفُ الْمُقْتَرِنُ بِأَجَل التَّوْقِيتِ، أَوِ الْمُؤَقَّتِ، إِذَا انْقَضَى أَجَلُهُ انْتَهَى بِذَلِكَ الْعَقْدِ وَعَادَ الْحَقُّ إِلَى صَاحِبِهِ، كَمَا كَانَ أَوَّلًا، فَيَكُونُ عَلَى الْمُتَعَاقِدِ رَدُّ الْعَيْنِ إِلَى مَالِكِهَا إِذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ عَيْنًا، وَيَكُونُ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّصَرُّفِ إِذَا كَانَ الْعَقْدُ يُجِيزُ لِلشَّخْصِ تَصَرُّفًا مَا مِنَ التَّصَرُّفَاتِ (٥) .

_________

(١) راجع مصطلح " مفقود ".

(٢) الاختيار٢ / ١٠٠، ومغني المحتاج٣ / ٢٦، وكشاف القناع ٤ / ٤٦٤

(٣) المدونة الكبرى للإمام مالك١٥ / ١٣٨ ط مطبعة السعادة سنة ١٣٢٣ هـ، ومواهب الجليل للحطاب ٤ / ١٥٦ الطبعة الأولى سنة ١٣٢٩ هـ.

(٤) يراجع ما تقدم إيضاحه من قبول العقود للتوقيت وعدم قبولها.

(٥) الاختيار للموصلي١ / ٢٢٤، ورد المحتار٤ / ٥٢٨، والبدائع ٦ / ٢١٨، ومغني المحتاج٢ / ٢٦٧ و٤ / ٢٢٣، وكشاف القناع ٤ / ٦٦ ط الرياض، والمهذب١ / ٣٥٦، والمغني المطبوع مع الشرح الكبير٥ / ٢١٠، والخرشي٤ / ٢٨٩

وَالْعَقْدُ الْمُؤَقَّتُ - إِذَا لَمْ يَكُنْ مُضَافًا وَلاَ مُعَلَّقًا - هُوَ عَقْدٌ نَاجِزٌ يَتِمُّ تَرَتُّبُ آثَارِهِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ صُدُورِ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ لَهُ شَرْعًا أَوِ اتِّفَاقًا. فَإِنْ أُضِيفَ إِلَى زَمَنٍ - وَكَانَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَقْبَل الإِْضَافَةَ فَمُدَّةُ التَّوْقِيتِ تَبْدَأُ مِنْ وَقْتِ حُلُول أَجَل الإِْضَافَةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا عُلِّقَ عَلَى شَرْطٍ - وَكَانَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَقْبَل التَّعْلِيقَ - فَمُدَّةُ التَّوْقِيتِ تَبْدَأُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (١) .

وَبِالإِْضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الأَْجَل يَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ الْعَقْدِ نَفْسِهِ الَّذِي اقْتُرِنَ بِهِ الأَْجَل؛ لأَِنَّ الأَْجَل وَصْفٌ لِلْعَقْدِ وَشَرْطٌ لاِعْتِبَارِهِ شَرْعًا، فَإِذَا انْتَهَى الْمَوْصُوفُ انْتَهَى الْوَصْفُ.

اسْتِمْرَارُ الْعَمَل بِمُوجِبِ الْعَقْدِ الْمُنْقَضِي أَجَلُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ:

١٠٠ - قَدْ يَنْقَضِي الْعَقْدُ الْمُؤَقَّتُ. وَحِينَئِذٍ عَلَى الْمُنْتَفَعِ رَدُّ الْعَيْنِ إِلَى صَاحِبِهَا، وَلَكِنْ قَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى ضَرَرٍ، وَمِنْ ثَمَّ أَجَازَ الْفُقَهَاءُ تَأْخِيرَ الرَّدِّ إِلَى الْوَقْتِ الْمُلاَئِمِ، الَّذِي لاَ يُؤَدِّي إِلَى ضَرَرٍ، مَعَ ضَمَانِ حُقُوقِ الطَّرَفِ الآْخَرِ. وَلِذَلِكَ تَطْبِيقَاتٌ فِي الإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ تَنْظُرُ فِيهِمَا (٢) .

_________

(١) البدائع٤ / ٢٢٣، ومغني المحتاج٢ / ٢٠٧، والمهذب للشيرازي ١ / ٣٤١، والمغني المطبوع مع الشرح الكبير٥ / ٩٨، والدسوقي ٤ / ٧٩

(٢) الاختيار١ / ٢٢٤

إِجْمَاعٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْجْمَاعُ فِي اللُّغَةِ يُرَادُ بِهِ تَارَةً الْعَزْمُ، يُقَال: أَجْمَعَ فُلاَنٌ كَذَا، أَوْ أَجْمَعَ عَلَى كَذَا، إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَتَارَةً يُرَادُ بِهِ الاِتِّفَاقُ، فَيُقَال: أَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى كَذَا، أَيِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَعَنِ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ (١) . وَقِيل إِنَّ الْمَعْنَى الأَْصْلِيَّ لَهُ الْعَزْمُ، وَالاِتِّفَاقُ لاَزِمٌ ضَرُورِيٌّ إِذَا وَقَعَ مِنْ جَمَاعَةٍ، وَالإِْجْمَاعُ فِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: اتِّفَاقُ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي عَصْرٍ مَا بَعْدَ عَصْرِهِ ﷺ عَلَى أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، وَالْمُرَادُ بِالأَْمْرِ الشَّرْعِيِّ: مَا لاَ يُدْرَكُ لَوْلاَ خِطَابُ الشَّارِعِ، سَوَاءٌ أَكَانَ قَوْلًا أَمْ فِعْلًا أَمِ اعْتِقَادًا أَمْ تَقْرِيرًا.

بَيَانُ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِمُ الإِْجْمَاعُ:

٢ - جُمْهُورُ أَهْل السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ يَنْعَقِدُ بِاتِّفَاقِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الأُْمَّةِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِاتِّفَاقِ غَيْرِهِمْ مَهْمَا كَانَ مِقْدَارُ ثَقَافَتِهِمْ، وَلاَ بُدَّ مِنَ اتِّفَاقِ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَوْ كَانُوا أَصْحَابَ بِدْعَةٍ إِنْ لَمْ يَكْفُرُوا بِبِدْعَتِهِمْ، فَإِنْ كَفَرُوا بِهَا كَالرَّافِضَةِ الْغَالِينَ فَلاَ يُعْتَدُّ بِهِمْ، وَأَمَّا الْبِدْعَةُ غَيْرُ الْمُكَفِّرَةِ أَوِ الْفِسْقُ فَإِنَّ الاِعْتِدَادَ بِخِلاَفِهِمْ أَوْ عَدَمَ

_________

(١) المستصفى١ / ١٧٣ ط بولاق.

الاِعْتِدَادِ فِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ مَوْضِعُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.

وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِاتِّفَاقِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَقَطْ، لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ (١) . وَهَذَا خَبَرُ آحَادٍ لاَ يُفِيدُ الْيَقِينَ، وَعَلَى فَرْضِ التَّسْلِيمِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ رُجْحَانَ الاِقْتِدَاءِ بِهِمْ لاَ إِيجَابَهُ، وَقَال قَوْمٌ إِنَّ الإِْجْمَاعَ هُوَ إِجْمَاعُ أَهْل الْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَا كَانَ سَبِيلُهُ النَّقْل وَالتَّوَاتُرَ، كَبَعْضِ أَفْعَالِهِ ﷺ كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَتَحْدِيدِ الأَْوْقَاتِ وَتَقْدِيرِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَمِدُ عَلَى النَّقْل وَحْدَهُ لاَ عَلَى الاِجْتِهَادِ، وَمَا سَبِيلُهُ الاِجْتِهَادُ فَلاَ يُعْتَدُّ عِنْدَهُ بِإِجْمَاعِهِمْ.

إِمْكَانُ الإِْجْمَاعِ:

٣ - اتَّفَقَ الأُْصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّ الإِْجْمَاعَ مُمْكِنٌ عَقْلًا، وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مُمْكِنٌ عَادَةً، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ النَّظَّامُ وَغَيْرُهُ (٢) .

_________

(١) حديث: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء. . . " جزء من حديث مروي بالمعنى بعدة روايات، وفيه قصة، فقد رواه بمعناه أحمد ٤ / ١٢٦، ١٢٧، والدارمي ١ / ٤٤، ٤٥، وأبو داود ٤ / ٢٨٠، ٢٨١ ط الثانية التجارية، وابن ماجه١ / ١٥، ١٦ ط عيسى الحلبي ١٩٥٢، والترمذي عن العرباض بن سارية، وقال: حديث حسن صحيح (تحفة الأحوذي ٧ / ٤٣٨ - ٤٤٢ نشر السلفية بالمدينة المنورة) .

(٢) إرشاد الفحول للشوكاني ص ٧٣ ط مصطفى الحلبي.

وَخَالَفَ الْبَعْضُ فِي إِمْكَانِ نَقْلِهِ.

حُجِّيَّةُ الإِْجْمَاعِ:

٤ - الإِْجْمَاعُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَطْعِيًّا حَيْثُ اتَّفَقَ الْمُعْتَبِرُونَ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ، لاَ حَيْثُ اخْتَلَفُوا، كَمَا فِي الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ وَمَا نَدَرَ مُخَالِفُهُ (١) .

مَا يُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالإِْجْمَاعِ:

٥ - يُحْتَجُّ بِالإِْجْمَاعِ عَلَى الأُْمُورِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي لاَ تَتَوَقَّفُ حُجِّيَّةُ الإِْجْمَاعِ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ اعْتِقَادِيَّةً كَنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ عَمَلِيَّةً كَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ، وَقِيل لاَ أَثَرَ لِلإِْجْمَاعِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهَا الأَْدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ، فَإِذَا انْتَصَبَتْ لَمْ يُعَارِضْهَا شِقَاقٌ وَلَمْ يُعَضِّدْهَا وِفَاقٌ.

أَمَّا مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ حُجِّيَّةُ الإِْجْمَاعِ، كَوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى، وَرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلاَ يُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالإِْجْمَاعِ؛ لِئَلاَّ يَلْزَمَ الدَّوْرُ.

مُسْتَنَدُ الإِْجْمَاعِ:

٦ - لاَ بُدَّ لِلإِْجْمَاعِ مِنْ مُسْتَنَدٍ، نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ، وَقَدْ يَكُونُ النَّصُّ أَوِ الْقِيَاسُ خَفِيًّا. فَإِذَا أُجْمِعَ عَلَى مُقْتَضَاهُ سَقَطَ الْبَحْثُ عَنْهُ، وَحَرُمَتْ مُخَالَفَتُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، وَيُقْطَعُ بِحُكْمِهِ وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا (٢) .

_________

(١) شرح جمع الجوامع، وحاشية البناني ٣ / ٢٢٤ ط مصطفى الحلبي ١٣٥٦ هـ

(٢) شرح جمع الجوامع وتقرير الشربيني٢ / ١٩٥

إِنْكَارُ الإِْجْمَاعِ:

٧ - قِيل: يَكْفُرُ مُنْكِرُ حُكْمِ الإِْجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ، وَفَصَّل بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ دِينِ الإِْسْلاَمِ، وَهُوَ مَا يَعْرِفُهُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ، مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ لِلتَّشْكِيكِ، كَوُجُوبِ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، وَحُرْمَةِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ، فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، وَبَيْنَ مَا سِوَى ذَلِكَ، فَلاَ يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، كَالإِْجْمَاعِ عَلَى بَعْضِ دَقَائِقِ عِلْمِ الْمَوَارِيثِ الَّتِي قَدْ تَخْفَى عَلَى الْعَوَامِّ (١) .

وَفَرَّقَ فَخْرُ الإِْسْلاَمِ بَيْنَ الإِْجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ نَصًّا، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى قِتَال مَانِعِي الزَّكَاةِ، أَوْ مَعَ سُكُوتِ بَعْضِهِمْ، فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، وَبَيْنَ إِجْمَاعِ غَيْرِهِمْ فَيُضَلَّل.

الإِْجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ:

٨ - يَتَحَقَّقُ الإِْجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ إِذَا أَفْتَى بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ، أَوْ قَضَى، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْل عَصْرِهِ، وَعَرَفَهُ جَمِيعُ مَنْ سِوَاهُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَمْ يُخَالِفُوهُ، وَاسْتَمَرَّتِ الْحَال عَلَى هَذَا إِلَى مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّل، وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَهُوَ إِجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ إِجْمَاعًا عِنْدَهُمْ حَيْثُ لاَ يُحْمَل سُكُوتُهُمْ عَلَى التَّقِيَّةِ خَوْفًا. وَمَوْضِعُ اعْتِبَارِ سُكُوتِهِمْ إِجْمَاعًا إِنَّمَا هُوَ قَبْل اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ، وَأَمَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فَلاَ يُعْتَبَرُ السُّكُوتُ إِجْمَاعًا؛ لأَِنَّهُ لاَ وَجْهَ لِلإِْنْكَارِ عَلَى صَاحِبِ مَذْهَبٍ فِي

_________

(١) تيسير التحرير٣ / ٢٥٩ ط مصطفى الحلبي، وشرح جمع الجوامع ٢ / ٢٠١