الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 10

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

الْعَمَل عَلَى مُوجِبِ مَذْهَبِهِ، وَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ الْجُبَّائِيُّ إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ إِجْمَاعًا.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَضْلًا أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا، وَبِهِ قَال ابْنُ أَبَانَ وَالْبَاقِلاَّنِيُّ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .

التَّعَارُضُ بَيْنَ الإِْجْمَاعِ وَغَيْرِهِ:

٩ - الإِْجْمَاعُ لاَ يَنْسَخُ وَلاَ يُنْسَخُ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لأَِنَّ الإِْجْمَاعَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّسْخُ لاَ يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَلاَ يَنْسَخُ الإِْجْمَاعُ الإِْجْمَاعَ، وَإِذَا جَاءَ الإِْجْمَاعُ مُخَالِفًا لِشَيْءٍ مِنَ النُّصُوصِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ النَّصَّ مَنْسُوخٌ. فَيَكُونُ الإِْجْمَاعُ دَلِيل النَّسْخِ وَلَيْسَ هُوَ النَّاسِخَ (٢) .

رُتْبَةُ الإِْجْمَاعِ بَيْنَ الأَْدِلَّةِ:

١ - بَنَى بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ تَقْدِيمَ الإِْجْمَاعِ عَلَى غَيْرِهِ. قَال الْغَزَالِيُّ: " يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي كُل مَسْأَلَةٍ أَنْ يَرُدَّ نَظَرَهُ إِلَى النَّفْيِ الأَْصْلِيِّ قَبْل وُرُودِ الشَّرْعِ. ثُمَّ يَبْحَثَ عَنِ الأَْدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، فَيَنْظُرَ أَوَّل شَيْءٍ فِي الإِْجْمَاعِ، فَإِنْ وَجَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِجْمَاعًا، تَرَكَ النَّظَرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُمَا يَقْبَلاَنِ النَّسْخَ، وَالإِْجْمَاعُ لاَ يَقْبَلُهُ. فَالإِْجْمَاعُ عَلَى خِلاَفِ مَا

_________

(١) شرح مسلم الثبوت٢ / ٢٣٢

(٢) إرشاد الفحول ص ١٩٣

فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى النَّسْخِ، إِذْ لاَ تَجْتَمِعُ الأُْمَّةُ عَلَى الْخَطَأِ (١) ". وَقَدْ حَرَّرَ ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَقَال " كُل مَنْ عَارَضَ نَصًّا بِإِجْمَاعٍ، وَادَّعَى نَسْخَهُ، مِنْ غَيْرِ نَصٍّ يُعَارِضُ ذَلِكَ النَّصَّ، فَإِنَّهُ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ النُّصُوصَ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ إِلاَّ بِنَصٍّ بَاقٍ مَحْفُوظٍ لَدَى الأُْمَّةِ (٢) . " وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَال " لاَ رَيْبَ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ الإِْجْمَاعُ كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، فَإِنَّ الأُْمَّةَ لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلاَلَةٍ، وَلَكِنْ لاَ يُعْرَفُ إِجْمَاعٌ عَلَى تَرْكِ نَصٍّ إِلاَّ وَقَدْ عُرِفَ النَّصُّ النَّاسِخُ لَهُ، وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَدَّعِي نَسْخَ النُّصُوصِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الإِْجْمَاعِ إِذَا حَقَّقَ الأَْمْرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنِ الإِْجْمَاعُ الَّذِي ادَّعَاهُ صَحِيحًا، بَل غَايَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ نِزَاعًا. " (٣) وَفِي الإِْجْمَاعِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ أَوْسَعُ مِمَّا ذُكِرَ، مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.

إِجْمَالٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْجْمَال مَصْدَرُ أَجْمَل، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. وَلِلأُْصُولِيِّينَ فِي الإِْجْمَال اصْطِلاَحَانِ، تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْمُجْمَل:

_________

(١) المستصفى مع مسلم الثبوت٢ / ٣٩٢

(٢) مجموع الفتاوى ٣٢ / ١١٥

(٣) مجموع الفتاوى ٢٨ / ١١٢

الأَْوَّل: اصْطِلاَحُ الأُْصُولِيِّينَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ (الْمُتَكَلِّمِينَ)، وَهُوَ أَنَّ الْمُجْمَل مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلاَلَتُهُ (١) . فَيَكُونُ عَامًّا فِي كُل مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلاَلَتُهُ (٢) . وَمَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ خَرَجَ مِنَ الإِْجْمَال بِالاِتِّفَاقِ (ر: بَيَانٌ)، وَكَمَا يَكُونُ الإِْجْمَال عِنْدَهُمْ فِي الأَْقْوَال، يَكُونُ فِي الأَْفْعَال. وَقَدْ مَثَّل لَهُ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ بِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَّمَ فِي صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَدَارَ فِعْلُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ سَلَّمَ سَهْوًا، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصَّلاَةُ قَدْ قُصِرَتْ. فَاسْتَفْسَرَ مِنْهُ ذُو الْيَدَيْنِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ سَهَا (٣) .

الثَّانِي: اصْطِلاَحُ الأُْصُولِيِّينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُجْمَل مَا لاَ يُعْرَفُ الْمُرَادُ مِنْهُ إِلاَّ بِبَيَانٍ يُرْجَى مِنْ جِهَةِ الْمُجْمَل، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ خَفَاءَهُ لاَ يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ التَّأَمُّل، وَمَثَّلُوا لَهُ بِالأَْمْرِ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا، قَبْل بَيَانِ مُرَادِ الشَّارِعِ مِنْهَا.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْمُشْكِل:

٢ - إِنْ كَانَ الْمَعْنَى مِمَّا يُدْرَكُ بِالتَّأَمُّل فَلَيْسَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُجْمَلًا، بَل يُسَمَّى " مُشْكِلًا "، وَمَثَّلُوا لَهُ

_________

(١) جمع الجوامع بشرح المحلى٢ / ٥٨

(٢) تيسير التحرير١ / ٢٢٤

(٣) اللمع للشيرازي ص ٢٧، ٢٨، والحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة، ورواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي. وقد جمع طرفه الحافظ صلاح الدين العلائي. وتكلم عليه كلاما شافيا في جزء مفرد. (تلخيص الحبير ٢ / ٣، وجامع الأصول٥ / ٥٣٧ وما بعدها) .

بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١)، فَإِنَّ " أَنَّى " دَائِرَةٌ بَيْنَ مَعْنَى " أَيْنَ " وَمَعْنَى " كَيْفَ "، وَبِالتَّأَمُّل يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي، بِقَرِينَةِ الْحَرْثِ، وَتَحْرِيمِ الأَْذَى (٢) .

ب - الْمُتَشَابِهُ:

٣ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ لاَ يُرْجَى مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ عِنْدَهُمْ " مُتَشَابِهٌ "، وَهُوَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ، كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِل السُّوَرِ.

ج - الْخَفِيُّ:

٤ - وَهُوَ مَا كَانَ خَفَاؤُهُ فِي انْطِبَاقِهِ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ لِعَارِضٍ هُوَ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ الْفَرْدِ بِاسْمٍ آخَرَ، كَلَفْظِ " السَّارِقِ "، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي مَفْهُومِهِ الشَّرْعِيِّ، وَلَكِنَّهُ خَفِيٌّ فِي الطَّرَّارِ وَالنَّبَّاشِ (٣) .

حُكْمُ الْمُجْمَل:

٥ - ذَهَبَ أُصُولِيُّو الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُجْمَل التَّوَقُّفُ فِيهِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ بِهِ، بِالاِسْتِفْسَارِ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْمُجْمَل.

وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُجْمَل التَّوَقُّفُ فِيهِ إِلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْ جِهَةِ الْمُجْمِل، أَوْ بِالْقَرَائِنِ، أَوْ بِالْعُرْفِ، أَوْ بِالاِجْتِهَادِ (٤) .

وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.

_________

(١) سورة البقرة / ٢٢٣

(٢) تيسير التحرير١ / ٢٢٨ - ٢٣٠

(٣) الطرار هو من يأخذ المال من اليقظان في غفلة منه. والنباش هو من ينبش القبر ويأخذ الكفن خفية.

(٤) إرشاد الفحول للشوكاني ص ١٦٨ ط مصطفى الحلبي.

أَجْنَبِيٌّ

التَّعْرِيفُ:

١ - الأَْجْنَبِيُّ فِي اللُّغَةِ الْغَرِيبُ، وَيُقَال لِلْغَرِيبِ أَيْضًا جَنْبٌ، وَأَجْنَبُ، وَمِنْ مَعَانِي الْجَنَابَةِ: الْغُرْبَةُ. وَاجْتَنَبَ فُلاَنٌ فُلاَنًا إِذَا تَجَنَّبَهُ وَابْتَعَدَ عَنْهُ، وَنَقَل فِي التَّاجِ عَنِ الأَْسَاسِ: " وَمِنَ الْمَجَازِ: هُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ كَذَا، أَيْ لاَ تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ وَلاَ مَعْرِفَةَ " يَعْنِي كَمَا تَقُول: فُلاَنٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ، أَوْ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ. فَيُطْلَقُ الأَْجْنَبِيُّ عَلَى مَنْ هُوَ غَرِيبٌ حِسًّا أَوْ مَعْنًى.

٢ - وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ عَرَّفَ هَذَا الْمُصْطَلَحَ، وَلَكِنْ بِاسْتِقْرَاءِ. مَوَاضِعِ وُرُودِهِ فِي كَلاَمِهِمْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَفْظٌ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى وَاحِدٌ، بَل يُفَسَّرُ فِي كُل مَقَامٍ بِحَسَبِهِ (١) . فَمِنْ مَعَانِيهِ مَا يَلِي:

أ - الأَْجْنَبِيُّ الْبَعِيدُ عَنْكَ فِي الْقَرَابَةِ، وَهُوَ الَّذِي لاَ تَصِلُهُ بِكَ رَابِطَةُ النَّسَبِ، كَقَوْل الْمَحَلِّيِّ فِي شَرْحِ مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ (٢): " الأَْجْنَبِيُّ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيِّتِ حَجَّةَ الإِْسْلاَمِ بِغَيْرِ إِذْنٍ ". قَال عَمِيرَةُ فِي حَاشِيَتِهِ: " الْمُرَادُ بِالأَْجْنَبِيِّ غَيْرُ الْوَارِثِ. قَالَهُ شَيْخُنَا. وَقِيَاسُ الصَّوْمِ أَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُ الْقَرِيبِ ".

ب - وَالأَْجْنَبِيُّ الْغَرِيبُ عَنِ الأَْمْرِ مِنْ عَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِمْ: " لَوْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ أَجْنَبِيٌّ قَبْل قَبْضِهِ

_________

(١) انظر مثلا: حاشية عميرة ٣ / ١٧٤، والمبسوط ٢ / ٧٠، والمحلي ١٠ / ٢٣

(٢) بحاشية عميرة ٣ / ١٧٤ ط الحلبي.

فَسَدَ الْعَقْدُ " أَيْ شَخْصٌ غَرِيبٌ عَنِ الْعَقْدِ، لَيْسَ هُوَ الْبَائِعُ وَلاَ الْمُشْتَرِي. وَكَقَوْلِهِمْ: " هَل يَصِحُّ شَرْطُ الْخِيَارِ لأَِجْنَبِيٍّ " وَيُسَمَّى الأَْجْنَبِيُّ إِذَا تَصَرَّفَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ: " فُضُولِيًّا "

ج - وَالأَْجْنَبِيُّ: الْغَرِيبُ عَنِ الْوَطَنِ، وَدَارُ الإِْسْلاَمِ كُلُّهَا وَطَنٌ لِلْمُسْلِمِ. فَالأَْجْنَبِيُّ عَنْهَا مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَلاَ ذِمِّيٍّ.

د - وَالأَْجْنَبِيُّ عَنِ الْمَرْأَةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا لَهَا. وَالْمَحْرَمُ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ وَقِيل بِمُطْلَقِ سَبَبٍ، وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا كَابْنِ عَمِّهَا وَابْنِ خَالِهَا.

انْقِلاَبُ الأَْجْنَبِيِّ إِلَى ذِي عَلاَقَةٍ، وَعَكْسُهُ:

٣ - يَنْقَلِبُ الأَْجْنَبِيُّ إِلَى ذِي عَلاَقَةٍ فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا:

أ - بِالْعَقْدِ، كَعَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ تَنْقَلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الأَْجْنَبِيَّةُ إِلَى زَوْجَةٍ، وَكَعَقْدِ الشَّرِكَةِ، وَعَقْدِ الْوَكَالَةِ وَنَحْوِهِمَا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ مِنَ الْفِقْهِ.

ب - بِالإِْذْنِ وَالتَّفْوِيضِ وَنَحْوِهِمَا (١)، كَتَفْوِيضِ الطَّلاَقِ إِلَى الْمَرْأَةِ أَوْ إِلَى غَيْرِهَا، وَكَالتَّوْكِيل وَالإِْيصَاءِ.

ج - بِالاِضْطِرَارِ، كَأَخْذِ مَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ مِنَ الطَّعَامِ فَائِضًا عَنْ ضَرُورَتِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ (٢) .

د - حُكْمُ الْقَضَاءِ، كَنَصْبِ الأَْجْنَبِيِّ وَصِيًّا أَوْ

_________

(١) انظر ابن عابدين٢ / ٤٧٥ و٥ / ١٠٠ وغيرها، والقليوبي ٣ / ٢٢١، والمغني٦ / ٤٧١

(٢) جواهر الإكليل٤ / ٢٠٤، والقليوبي٤ / ٢٦٣، والمغني ٨ / ٦٠٢ وما بعدها.

نَاظِرًا عَلَى الْوَقْفِ.

٤ - وَيَنْقَلِبُ ذُو الْعَلاَقَةِ إِلَى أَجْنَبِيٍّ فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا:

أ - ارْتِفَاعُ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ صَارَ الأَْجْنَبِيُّ ذَا عَلاَقَةٍ، كَطَلاَقِ الْمَرْأَةِ، وَفَسْخِ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

ب - قِيَامُ الْمَانِعِ الَّذِي يَحُول دُونَ كَوْنِ السَّبَبِ مُؤَثِّرًا، وَذَلِكَ كَرِدَّةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، يُصْبِحُ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَجْنَبِيًّا عَنِ الآْخَرِ، فَلاَ عِشْرَةَ وَلاَ مِيرَاثَ.

ج - حُكْمُ الْقَضَاءِ، كَالْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ، وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُولِي وَزَوْجَتِهِ عِنْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالتَّفْرِيقِ لِلضَّرَرِ، وَالْحُكْمِ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ لِغَيْرِ ذِي الْيَدِ.

اجْتِمَاعُ ذِي الْعَلاَقَةِ وَالأَْجْنَبِيِّ:

٥ - إِذَا اجْتَمَعَ ذُو عَلاَقَةٍ وَأَجْنَبِيٌّ، فَذُو الْعَلاَقَةِ هُوَ الأَْوْلَى (١)، كَمَا يَلِي.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لِلأَْجْنَبِيِّ بِحَسَبِ مَعَانِيهِ الْمُخْتَلِفَةِ:

أَوَّلًا: الأَْجْنَبِيُّ الَّذِي هُوَ خِلاَفُ الْقَرِيبِ:

٦ - لِلْقَرِيبِ حُقُوقٌ وَمِيزَاتٌ يَنْفَرِدُ بِهَا عَنِ

_________

(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٢٣ ط المطبعة العامرة العثمانية ١٣٠٤، وحاشية البيجوري٢ / ٢٣٩ ط دار المعرفة ١٣٩٨، والمغني ٢ / ٢٨٠ و٦ / ٤٥٦ وما بعدها ط ٣ المنار، وشرح الخرشي٢ / ٢٠، وحاشية الدسوقي٢ / ١، ومغني المحتاج٣ / ١٥١

الأَْجْنَبِيِّ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الأَْجْنَبِيِّ بِرِعَايَةِ الشَّخْصِ الْمُحْتَاجِ إِلَى الرِّعَايَةِ وَالنَّظَرِ كَمَا فِي الأَْمْثِلَةِ التَّالِيَةِ:

أ - أَنَّ الْقَرِيبَ لَهُ حَقُّ الْوِلاَيَةِ عَلَى نَفْسِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ دُونَ الأَْجْنَبِيِّ.

ب - وَأَنَّ لَهُ حَقَّ الْحَضَانَةِ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ دُونَ الأَْجْنَبِيِّ، وَيُقَدَّمُ أَوْلَى الأَْقَارِبِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَضَانَةِ حَسَبَ تَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ.

وَإِذَا تَزَوَّجَتِ الْحَاضِنَةُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مِنَ الْمَحْضُونِ سَقَطَ حَقُّهَا فِي الْحَضَانَةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِلأُْمِّ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي. (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْحَضَانَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.

ج - وَأَنَّ الْقَرِيبَ أَوْلَى مِنَ الأَْجْنَبِيِّ بِتَغْسِيل الْمَيِّتِ، وَبِالإِْمَامَةِ فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُعْرَفُ فِي أَبْوَابِ الْجَنَائِزِ (٢) .

ثَانِيًا: الأَْجْنَبِيُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَالْعُقُودِ:

٧ - الْمُرَادُ بِالأَْجْنَبِيِّ هُنَا مَنْ لَيْسَتْ لَهُ صَلاَحِيَةُ التَّصَرُّفِ، وَالَّذِي لَهُ صَلاَحِيَةُ التَّصَرُّفِ هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَالْوَصِيُّ وَالْوَكِيل وَنَحْوُهُمْ، فَمَنْ سِوَاهُمْ أَجْنَبِيٌّ.

فَإِنْ تَصَرَّفَ الإِْنْسَانُ فِي حَقٍّ هُوَ فِيهِ أَجْنَبِيٌّ، عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَهُ لِنَفْسِهِ، فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ.

_________

(١) رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث عمر بن شعيب أبيه عن جده (تلخيص الحبير٤ / ١٠)

(٢) ابن عابدين١ / ٥٧٥، ٥٩١، والحطاب٢ / ٢١٢، والمجموع ٥ / ١٣٢، ١٤١، ١٤٢، والقليوبي١ / ٣٢٢، والمغني٢ / ٤٨٣ ط ٣

أَمَّا إِنْ تَصَرَّفَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلاَيَةٌ أَوْ نِيَابَةٌ فَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْفُضُولِيَّ وَاخْتَلَفُوا فِي تَصَرُّفِهِ ذَاكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى الإِْجَازَةِ (١) . (ر: إِجَازَةُ. فُضُولِيٍّ) .

ب - الأَْجْنَبِيُّ وَالْعِبَادَةُ:

٨ - لاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُ الأَْجْنَبِيِّ عَنْ حُكْمِ الْوَلِيِّ فِي شَأْنِ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ عَنِ الْغَيْرِ، فَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ عَنِ الْحَيِّ، إِذْ لاَ بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنَ النِّيَّةِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَوْ غَيْرِهِ الْقَضَاءُ عَنِ الْمَيِّتِ لِمَا فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ. إِنْ تَبَرَّعَ بِهِ الْوَلِيُّ أَوِ الأَْجْنَبِيُّ فَفِي إِجْزَائِهِ عَنِ الْمَيِّتِ خِلاَفٌ. أَمَّا الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ الْمَحْضَةُ كَالزَّكَاةِ وَبَعْضِ الْكَفَّارَاتِ وَفِدْيَةِ الصَّوْمِ، أَوِ الْمَالِيَّةِ الْبَدَنِيَّةِ كَالْحَجِّ، فَلاَ يَصِحُّ كَذَلِكَ فِعْلُهَا عَنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِنْ كَانَ حَيًّا قَادِرًا. وَأَمَّا فِعْلُهَا عَنِ الْمَيِّتِ فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَوِ الْوَصِيِّ إِذَا أَوْصَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ قَبْل وَفَاتِهِ بِذَلِكَ، فِي حُدُودِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ، عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ تَنْفُذُ مِنْ كُل الْمَال، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَمْ لَمْ يُوصِ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ لِمَعْرِفَتِهِ إِلَى أَبْوَابِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالْكَفَّارَاتِ (٢) .

_________

(١) ابن عابدين٤ / ١٣٤، وجواهر الإكليل١ / ٣٣٩ و٢ / ٥، والقليوبي٢ / ١٦٠، والمغني٤ / ٢٠٥، ٤٧٩ ط ٣، والقواعد لابن رجب ٤١٧، ٤١٨

(٢) انظر مثلا: الروح لابن القيم، المسألة ١٦، ومغني المحتاج ٢ / ٤٦٩، ٤٧٩، وابن عابدين١ / ٢٣٧، ٤٩٢، و٢ / ٢٣٩، وجواهر الإكليل٢ / ٢٥، والمغني٢ / ٦٨٣

ج - تَبَرُّعُ الأَْجْنَبِيِّ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ:

٩ - تَبَرُّعُ الأَْجْنَبِيِّ بِأَدَاءِ مَا تَرَتَّبَ عَلَى الْغَيْرِ مِنَ الْحُقُوقِ جَائِزٌ، وَذَلِكَ كَوَفَاءِ دَيْنِهِ، وَدَفْعِ مَهْرِ زَوْجَتِهِ وَنَفَقَتِهَا وَنَفَقَةِ أَوْلاَدِهِ. وَلَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ إِنْ كَانَ فَعَل ذَلِكَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ، أَوْ نَوَى الرُّجُوعَ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُرْجَعُ لِمَعْرِفَتِهِ إِلَى الأَْبْوَابِ الْخَاصَّةِ بِتِلْكَ الْحُقُوقِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (١) .

ثَالِثًا: الأَْجْنَبِيُّ بِمَعْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْوَطَنِ:

١٠ - الأَْجْنَبِيُّ عَنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ هُوَ الْحَرْبِيُّ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا وَلاَ ذِمِّيًّا، وَلاَ يَحِقُّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دُخُول دَارِ الإِْسْلاَمِ إِلاَّ بِأَمَانٍ، فَإِذَا دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ بِالأَْمَانِ سُمِّيَ مُسْتَأْمَنًا. وَلِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الأَْجْنَبِيِّ بِهَذَا الْمَعْنَى (ر: أَمَانٌ. مُسْتَأْمَنُونَ. أَهْل الْحَرْبِ) .

رَابِعًا: الأَْجْنَبِيُّ عَنِ الْمَرْأَةِ:

١١ - خَصَّصَتِ الشَّرِيعَةُ الأَْجَانِبَ بِأَحْكَامٍ خَاصَّةٍ، دُونَ الزَّوْجِ وَذَوِي الْمَحْرَمِ. وَذَلِكَ رِعَايَةً لِسَلاَمَةِ الْمَرْأَةِ، وَمُحَافَظَةً عَلَيْهَا مِنْ أَنْ يَصِل إِلَيْهَا مَا يَجْرَحُ كَرَامَتَهَا. وَقَدْ يَسَّرَتِ الشَّرِيعَةُ فِي الْعَلاَقَةِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا، إِذْ أَنَّ عَقْدَ الزَّوَاجِ يُبِيحُ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِالآْخَرِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلسَّكَنِ بَيْنَهُمَا، لِتَتِمَّ حِكْمَةُ اللَّهِ بِدَوَامِ النَّسْل وَنُشُوئِهِ فِي كَنَفِ الأَْبَوَيْنِ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ، وَلَمْ تُضَيِّقِ الشَّرِيعَةُ أَيْضًا

_________

(١) انظر مثلا: مغني المحتاج٢ / ٣٦٩، والمغني ٥ / ٦٧٠