الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 11

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

فِي الْعَلاَقَةِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَمَحْرَمِهَا لأَِنَّ مَا يَقُومُ بِأَنْفُسِهِمَا مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالاِحْتِرَامِ يَحْجُبُ نَوَازِعَ الرَّغْبَةِ، وَلِكَيْ تَتَمَكَّنَ الْمَرْأَةُ وَأَقَارِبُهَا الأَْقْرَبُونَ مِنَ الْعَيْشِ مَعًا بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ، وَالزَّوْجُ وَالْمَحْرَمُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفَانِ لِلأَْجْنَبِيِّ، فَوَضَعَتِ الشَّرِيعَةُ حُدُودًا لِلْعَلاَقَةِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَهُ، تَتَلَخَّصُ فِيمَا يَلِي:

أ - النَّظَرُ:

١٢ - فَيَحْرُمُ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ النَّظَرُ إِلَى زِينَةِ الْمَرْأَةِ وَبَدَنِهَا، كُلِّهِ عَلَى رَأْيِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ مَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ عِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ. وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتَتِرَ عَنِ الأَْجْنَبِيِّ بِتَغْطِيَةِ مَا لاَ يَحِل لَهُ رُؤْيَتُهُ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْتَنِعَ عَنِ النَّظَرِ مِنْ بَدَنِ الأَْجْنَبِيِّ - وَالْمَحْرَمُ مِثْلُهُ - إِلاَّ إِلَى مَا سِوَى الْعَوْرَةِ، أَوْ إِلَى مَا عَدَا مَا تَنْظُرُهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْمَرْأَةِ.

ب - اللَّمْسُ:

١٣ - فَلاَ يَلْمِسُ الأَْجْنَبِيُّ بَدَنَ الْمَرْأَةِ.

ج - الْخَلْوَةُ:

١٤ - فَلاَ يَحِل لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ إِذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ أَنْ يَخْلُوَ أَحَدُهُمَا بِالآْخَرِ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا إِيَّاكُمْ وَالدُّخُول عَلَى النِّسَاءِ وَحَدِيثِهِ الآْخَرِ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ (١)

_________

(١) فتح الباري ٩ / ٣٣٠ ط السلفية.

د - صَوْتُ الْمَرْأَةِ:

١٥ - فَيَحْرُمُ اسْتِمَاعُ الأَْجْنَبِيِّ لِصَوْتِ الْمَرْأَةِ عَلَى الْقَوْل الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لأَِنَّهُ عَوْرَةٌ. وَفِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَتَفْصِيلٌ وَاسْتِثْنَاءَاتٌ يُرْجَعُ لِمَعْرِفَتِهَا إِلَى بَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَى أَوَائِل أَبْوَابِ النِّكَاحِ وَبَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاَةِ فِي كُتُبِ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ (١) .

أَجْنَبِيَّةٌ

انْظُرْ: أَجْنَبِيٌّ.

إِجْهَازٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الإِْجْهَازِ فِي اللُّغَةِ: الإِْسْرَاعُ، فَالإِْجْهَازُ عَلَى الْجَرِيحِ: إِتْمَامُ قَتْلِهِ (٢) . وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ " الإِْجْهَازَ " بِهَذَا الْمَعْنَى (٣) .

_________

(١) انظر مثلا: ابن عابدين ١ / ٢٧٢ و٥ / ٢٣٣ - ٢٣٥، والمغني ٦ / ٥٥٦ - ٥٦٠ ط ٣

(٢) انظر لسان العرب، والمصباح المنير، ومعجم متن اللغة (جهز)

(٣) انظر طلبة الطلبة ص ٨٨ ط دار الطباعة العامرة ١٣١١ هـ وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١ ط ١

كَمَا يَسْتَعْمِلُونَ لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا كَلِمَةَ " تَذْفِيفٍ (١) ".

الْحُكْمُ الْعَامُّ:

٢ - الإِْجْهَازُ عَلَى الإِْنْسَانِ الْجَرِيحِ: الإِْجْهَازُ عَلَى جَرْحَى الْكُفَّارِ الْمُقَاتِلِينَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ جَرْحَى الْبُغَاةِ الْمُقَاتِلِينَ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ فَلاَ يَجُوزُ قَتْل جَرِيحِهِمْ (٢) . أَمَّا الإِْجْهَازُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ فَهُوَ وَاجِبٌ بِالاِتِّفَاقِ.

٣ - الإِْجْهَازُ عَلَى الْحَيَوَانِ: الْحَيَوَانُ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَجُوزُ ذَبْحُهُ، بِأَنْ كَانَ مَأْكُول اللَّحْمِ، أَوْ قَتْلُهُ، بِأَنْ كَانَ مُؤْذِيًا. وَهَذَا النَّوْعُ يَجُوزُ الإِْجْهَازُ عَلَيْهِ إِنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ جُرْحٌ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهُ أَوْ قَتْلُهُ ابْتِدَاءً، وَنَوْعٌ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ كَالْحِمَارِ وَنَحْوِهِ، وَفِي جَوَازِ الإِْجْهَازِ عَلَيْهِ إِنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ جُرْحٌ - إِرَاحَةً لَهُ - خِلاَفٌ، أَجَازَ ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٣) . وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ.

_________

(١) طلبة الطلبة ص ٨٨

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١١ ط الأولى، وحاشية الجمل على المنهج ٥ / ١١٧ طبع دار إحياء التراث العربي، والمغني ٨ / ١٠٩، ١١٥، ٤٧٨، ٤٧٩ ط مكتبة الجمهورية العربية بمصر، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤ / ٤٢٩ ط دار المعارف بمصر.

(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٦١ ط بولاق، وجواهر الإكليل ١ / ٢١٣ والبجيرمي على الخطيب ٤ / ٢٤٨ ط دار المعرفة، والمغني ٧ / ٦٣٥، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٨ ط بولاق، والمهذب ١ / ٢٥٤ ط مصطفى البابي الحلبي.

إِجْهَاضٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - يُطْلَقُ الإِْجْهَاضُ فِي اللُّغَةِ عَلَى صُورَتَيْنِ: إِلْقَاءِ الْحَمْل نَاقِصَ الْخَلْقِ، أَوْ نَاقِصَ الْمُدَّةِ، سَوَاءٌ مِنَ الْمَرْأَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَالإِْطْلاَقُ اللُّغَوِيُّ يَصْدُقُ سَوَاءٌ كَانَ الإِْلْقَاءُ بِفِعْل فَاعِلٍ أَمْ تِلْقَائِيًّا (١) .

٢ - وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ إِجْهَاضٍ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢) . وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُونَ عَنِ الإِْجْهَاضِ بِمُرَادِفَاتِهِ كَالإِْسْقَاطِ وَالإِْلْقَاءِ وَالطَّرْحِ وَالإِْمْلاَصِ.

صِفَةُ الإِْجْهَاضِ حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:

٣ - مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ الإِْجْهَاضِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ، وَبَيْنَ حُكْمِهِ قَبْل ذَلِكَ وَبَعْدَ التَّكَوُّنِ فِي الرَّحِمِ وَالاِسْتِقْرَارِ، وَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الإِْجْهَاضِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ مَوْضِعَ اتِّفَاقٍ كَانَ الأَْنْسَبُ الْبَدْءَ بِهِ ثُمَّ التَّعْقِيبُ بِحُكْمِهِ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ، مَعَ بَيَانِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ وَاتِّجَاهَاتِهِمْ فِيهِ

_________

(١) المصباح والقاموس واللسان (جهض) . وفي المعجم الوسيط: أن مجمع اللغة العربية أقر إطلاق كلمة إجهاض على خروج الجنين قبل الشهر الرابع، وكلمة إسقاط على إلقائه ما بين الشهر الرابع والسابع. وهذا اصطلاح متأخر بعد القرن الثالث عشر الهجري.

(٢) البحر الرائق ٨ / ٣٨٩، وحاشية البجيرمي ٢ / ٢٥٠

أ - حُكْمُ الإِْجْهَاضِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ:

٤ - نَفْخُ الرُّوحِ يَكُونُ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِل الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ (١) . وَلاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْرِيمِ الإِْجْهَاضِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ. فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا نُفِخَتْ فِي الْجَنِينِ الرُّوحُ حُرِّمَ الإِْجْهَاضُ إِجْمَاعًا. وَقَالُوا إِنَّهُ قَتْلٌ لَهُ، بِلاَ خِلاَفٍ (٢) .

وَالَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ إِطْلاَقِ الْفُقَهَاءِ تَحْرِيمَ الإِْجْهَاضِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ أَنَّهُ يَشْمَل مَا لَوْ كَانَ فِي بَقَائِهِ خَطَرٌ عَلَى حَيَاةِ الأُْمِّ وَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. وَصَرَّحَ ابْنُ

_________

(١) حديث " إن أحدكم. . "، رواه البخاري ومسلم (اللؤلؤ والمرجان ١٩٠٦) وهو الحديث الرابع في الأربعين النووية.

(٢) الشرح الكبير المطبوع مع حاشية الدسوقي ٢ / ٢٦٧ ط عيسى الحلبي، وحاشية الرهوني على شرح الزرقاني ٣ / ٢٦٤ ط سنة ١٣٠٦. وانظر البحر الرائق ٨ / ٢٣٣ ط العلمية الأولى، وحاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، ٥ / ٣٧٨ ط ١٢٧٢، وفتح القدير ٢ / ٤٩٥ ط بولاق، ونهاية المحتاج ٨ / ٤١٦ ط مصطفى الحلبي، وحاشية الجمل ٥ / ٤٩٠ ط الميمنية، وحاشية البجيرمي ٣ / ٣٠٣ ط مصطفى الحلبي، والزرقاني على التحفة ٦ / ٢٤٨، والإنصاف ١ / ١٨٦، والفروع ١ / ١٩١، والمغني ٧ / ٨١٥ ط الرياض، والمحلى ١١ / ٢٩ - ٣١ ط المنيرية سنة ١٣٥٢

عَابِدِينَ بِذَلِكَ فَقَال: لَوْ كَانَ الْجَنِينُ حَيًّا، وَيُخْشَى عَلَى حَيَاةِ الأُْمِّ مِنْ بَقَائِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَقْطِيعُهُ؛ لأَِنَّ مَوْتَ الأُْمِّ بِهِ مَوْهُومٌ، فَلاَ يَجُوزُ قَتْل آدَمِيٍّ لأَِمْرٍ مَوْهُومٍ (١) .

ب - حُكْمُ الإِْجْهَاضِ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ:

٥ - فِي حُكْمِ الإِْجْهَاضِ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ اتِّجَاهَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ وَأَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، حَتَّى فِي الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِالإِْبَاحَةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ يُبَاحُ الإِْسْقَاطُ بَعْدَ الْحَمْل، مَا لَمْ يَتَخَلَّقْ شَيْءٌ مِنْهُ. وَالْمُرَادُ بِالتَّخَلُّقِ فِي عِبَارَتِهِمْ تِلْكَ نَفْخُ الرُّوحِ (٢) . وَهُوَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اللَّخْمِيُّ فِيمَا قَبْل الأَْرْبَعِينَ يَوْمًا (٣)، وَقَال بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ قَبْل الأَْرْبَعِينَ أَيْضًا، وَقَال

_________

(١) الدر وحاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢، وانظر البحر الرائق ٨ / ٢٣٣، والمجموع ٥ / ٣٠١ ط المنيرية. واللجنة ترى أنه إذا كان الفقهاء منعوا هتك حرمة جسد الأم وهي ميتة وضحوا بالجنين الحي. فإن الحفاظ على حياة الأم إذا كان في بقاء الجنين في بطنها خطر عليها أولى بالاعتبار لأنها الأصل وحياتها ثابتة بيقين، علما بأن بقاء الجنين سيترتب عليه موت الأم وموت الجنين

(٢) فتح القدير ٢ / ٤٩٥، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٨٠

(٣) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني ٣ / ٢٦٤ ط الأولى.

الرَّمْلِيُّ: لَوْ كَانَتِ النُّطْفَةُ مِنْ زِنًا فَقَدْ يُتَخَيَّل الْجَوَازُ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ (١) . وَالإِْبَاحَةُ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي أَوَّل مَرَاحِل الْحَمْل، إِذْ أَجَازُوا لِلْمَرْأَةِ شُرْبَ الدَّوَاءِ الْمُبَاحِ لإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ لاَ عَلَقَةٍ، وَعَنِ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّ مَا لَمْ تَحِلَّهُ الرُّوحُ لاَ يُبْعَثُ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ إِسْقَاطُهُ، وَقَال صَاحِبُ الْفُرُوعِ: وَلِكَلاَمِ ابْنِ عَقِيلٍ وَجْهٌ (٢) .

٦ - وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِالإِْبَاحَةِ لِعُذْرٍ فَقَطْ، وَهُوَ حَقِيقَةُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ. فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ كَرَاهَةِ الْخَانِيَّةِ عَدَمَ الْحِل لِغَيْرِ عُذْرٍ، إِذِ الْمُحْرِمُ لَوْ كَسَرَ بَيْضَ الصَّيْدِ ضَمِنَ لأَِنَّهُ أَصْل الصَّيْدِ. فَلَمَّا كَانَ يُؤَاخَذُ بِالْجَزَاءِ فَلاَ أَقَل مِنْ أَنْ يَلْحَقَهَا - مَنْ أَجْهَضَتْ نَفْسَهَا - إِثْمٌ هُنَا إِذَا أَسْقَطَتْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَنُقِل عَنِ ابْنِ وَهْبَانَ أَنَّ مِنَ الأَْعْذَارِ أَنْ يَنْقَطِعَ لَبَنُهَا بَعْدَ ظُهُورِ الْحَمْل وَلَيْسَ لأَِبِي الصَّبِيِّ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ الظِّئْرَ (الْمُرْضِعَ) وَيَخَافُ هَلاَكَهُ، وَقَال ابْنُ وَهْبَانَ: إِنَّ إِبَاحَةَ الإِْسْقَاطِ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالَةِ الضَّرُورَةِ (٣) . وَمَنْ قَال مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِالإِْبَاحَةِ دُونَ تَقْيِيدٍ بِالْعُذْرِ فَإِنَّهُ يُبِيحُهُ هُنَا بِالأَْوْلَى، وَقَدْ نَقَل الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ عَنِ الزَّرْكَشِيِّ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ دَعَتْهَا ضَرُورَةٌ لِشُرْبِ دَوَاءٍ مُبَاحٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإِْجْهَاضُ فَيَنْبَغِي أَنَّهَا لاَ تَضْمَنُ بِسَبَبِهِ (٤) .

_________

(١) تحفة الحبيب ٣ / ٣٠٣، وحاشية الشررواني ٦ / ٢٤٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٤١٦

(٢) الفروع ٦ / ١٩١، والإنصاف ١ / ٣٨٦، وغاية المنتهى ١ / ٨١، والروض المربع ٢ / ٣١٦ ط السادسة، وكشاف القناع ٦ / ٥٤

(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٨٠ ط ١٢٧٢

(٤) الإقناع بحاشية البجيرمي ٤ / ١٢٩ فما بعدها

٧ - وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِالْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا. وَهُوَ مَا قَال بِهِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ. فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْهُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ الإِْلْقَاءُ قَبْل مُضِيِّ زَمَنٍ تُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ؛ لأَِنَّ الْمَاءَ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الرَّحِمِ مَآلُهُ الْحَيَاةُ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ، كَمَا فِي بَيْضَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ (١) . وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَا قَبْل الأَْرْبَعِينَ يَوْمًا (٢)، وَقَوْلٌ مُحْتَمَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. يَقُول الرَّمْلِيُّ: لاَ يُقَال فِي الإِْجْهَاضِ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ إِنَّهُ خِلاَفُ الأَْوْلَى، بَل مُحْتَمَلٌ لِلتَّنْزِيهِ وَالتَّحْرِيمِ، وَيَقْوَى التَّحْرِيمُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ زَمَنِ النَّفْخِ لأَِنَّهُ جَرِيمَةٌ (٣) .

٨ - وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِالتَّحْرِيمِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. يَقُول الدَّرْدِيرُ: لاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْمَنِيِّ الْمُتَكَوِّنِ فِي الرَّحِمِ وَلَوْ قَبْل الأَْرْبَعِينَ يَوْمًا، وَعَلَّقَ الدُّسُوقِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقِيل يُكْرَهُ. مِمَّا يُفِيدُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي عِبَارَةِ الدَّرْدِيرِ التَّحْرِيمُ (٤) . كَمَا نَقَل ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ مَالِكًا قَال: كُل مَا طَرَحَتْهُ الْمَرْأَةُ جِنَايَةٌ، مِنْ مُضْغَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ، مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ، فَفِيهِ الْغُرَّةُ (٥) وَقَال: وَاسْتَحْسَنَ مَالِكٌ الْكَفَّارَةَ مَعَ الْغُرَّةِ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٨٠

(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٦٦ - ٢٦٧ ط عيسى الحلبي.

(٣) نهاية المحتاج ٨ / ٤١٦

(٤) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٢ / ٢٦٦ - ٢٦٧

(٥) بداية المجتهد ٢ / ٤٥٣ ط ١٣٨٦ هـ والغرة كما في كتب اللغة عبد أو أمة. وأصل الغرة البياض في وجه الفرس واستعملت بمعنى العبد والأمة مجازا. ورجح القاضي عياض أن لفظ الغرة جاء في الحديث القائل: " غرة: عبد أو أمة ". جاء منونا فيكون ما بعده جاء على سبيل التفسير. وقال وتفصيل الكلام عن الغرة موضعه مصطلح غرة.

وَالْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ هُوَ الأَْوْجَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ النُّطْفَةَ بَعْدَ الاِسْتِقْرَارِ آيِلَةٌ إِلَى التَّخَلُّقِ مُهَيَّأَةٌ لِنَفْخِ الرُّوحِ (١) . وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلاَمُ ابْنِ قُدَامَةَ وَغَيْرِهِ بَعْدَ مَرْحَلَةِ النُّطْفَةِ، إِذْ رَتَّبُوا الْكَفَّارَةَ وَالْغُرَّةَ عَلَى مَنْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا، وَعَلَى الْحَامِل إِذَا شَرِبَتْ دَوَاءً فَأَلْقَتْ جَنِينًا (٢) .

بَوَاعِثُ الإِْجْهَاضِ وَوَسَائِلُهُ:

٩ - بَوَاعِثُ الإِْجْهَاضِ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا قَصْدُ التَّخَلُّصِ مِنَ الْحَمْل سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَمْل نَتِيجَةَ نِكَاحٍ أَمْ سِفَاحٍ، أَوْ قَصْدُ سَلاَمَةِ الأُْمِّ لِدَفْعِ خَطَرٍ عَنْهَا مِنْ بَقَاءِ الْحَمْل أَوْ خَوْفًا عَلَى رَضِيعِهَا، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.

كَمَا أَنَّ وَسَائِل الإِْجْهَاضِ كَثِيرَةٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَهِيَ إِمَّا إِيجَابِيَّةٌ وَإِمَّا سَلْبِيَّةٌ. فَمِنَ الإِْيجَابِيَّةِ: التَّخْوِيفُ أَوِ الإِْفْزَاعُ كَأَنْ يَطْلُبَ السُّلْطَانُ مَنْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ بِسُوءٍ فَتُجْهَضُ فَزَعًا، وَمِنْهَا شَمُّ رَائِحَةٍ، أَوْ تَجْوِيعٌ، أَوْ غَضَبٌ، أَوْ حُزْنٌ شَدِيدٌ، نَتِيجَةَ خَبَرٍ مُؤْلِمٍ أَوْ إِسَاءَةٍ بَالِغَةٍ، وَلاَ أَثَرَ لاِخْتِلاَفِ كُل هَذَا.

وَمِنَ السَّلْبِيَّةِ امْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ عَنِ الطَّعَامِ، أَوْ عَنْ

_________

(١) تحفة الحبيب ٣ / ٣٠٣، وحاشية الشرواني ٦ / ٢٤٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٤١٦

(٢) الإنصاف ١ / ٣٨٦، والمغني ٧ / ٨١٦ ط الرياض.

دَوَاءٍ مَوْصُوفٍ لَهَا لِبَقَاءِ الْحَمْل. وَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الدُّسُوقِيُّ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا شَمَّتْ رَائِحَةَ طَعَامٍ مِنَ الْجِيرَانِ مَثَلًا، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَأْكُل مِنْهُ أُجْهِضَتْ فَعَلَيْهَا الطَّلَبُ. فَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِحَمْلِهَا، حَتَّى أَلْقَتْهُ، فَعَلَيْهَا الْغُرَّةُ لِتَقْصِيرِهَا وَلِتَسَبُّبِهَا (١) .

عُقُوبَةُ الإِْجْهَاضِ:

١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى جَنِينِ الْحُرَّةِ هُوَ غُرَّةٌ. لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ (٢) .

١١ - وَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ مِقْدَارَ الْغُرَّةِ فِي ذَلِكَ هُوَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، وَأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُرَّةِ كُل جِنَايَةٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا انْفِصَال الْجَنِينِ عَنْ أُمِّهِ مَيِّتًا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْجِنَايَةُ نَتِيجَةَ فِعْلٍ أَمْ قَوْلٍ أَمْ تَرْكٍ، وَلَوْ مِنَ الْحَامِل نَفْسِهَا أَوْ زَوْجِهَا، عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً (٣) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٦٨، وشرح الخرشي ٥ / ٢٧٤، ومواهب الجليل ٦ / ٢٥٧، والإقناع ٤ / ١٢٩، ١٣٠

(٢) نيل الأوطار للشوكاني ٧ / ٧٠، والمراجع السابقة.

(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٧، وبداية المجتهد ٢ / ٤٠٧، وأسنى المطالب وحاشية الرملي ٤ / ٨٩ فما بعدها، والمغني، والشرح الكبير ٩ / ٥٥٧، ومنتهى الإرادات ٢ / ٤٣١، ٤٣٢ ط مكتبة دار العروبة.