الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
١٢ - وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ - وَهِيَ الْعُقُوبَةُ الْمُقَدَّرَةُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى - مَعَ الْغُرَّةِ. (وَالْكَفَّارَةُ هُنَا هِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْضِ إِلاَّ بِالْغُرَّةِ. كَمَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ؛ لأَِنَّهَا شُرِعَتْ زَاجِرَةً، وَفِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ؛ لأَِنَّهَا تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ. وَقَدْ عُرِفَ وُجُوبُهَا فِي النُّفُوسِ الْمُطْلَقَةِ فَلاَ يَتَعَدَّاهَا لأَِنَّ الْعُقُوبَةَ لاَ يَجْرِي فِيهَا الْقِيَاسُ، وَالْجَنِينُ يُعْتَبَرُ نَفْسًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لاَ مُطْلَقًا. وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ فِيهِ كُل الْبَدَل، فَكَذَا لاَ تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ لأَِنَّ الأَْعْضَاءَ لاَ كَفَّارَةَ فِيهَا. وَإِذَا تُقُرِّبَ بِهَا إِلَى اللَّهِ كَانَ أَفْضَل. وَعَلَى هَذَا فَإِنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ (١) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْغُرَّةِ. لأَِنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لاَ لِحَقِّ الآْدَمِيِّ؛ وَلأَِنَّهُ نَفْسٌ مَضْمُونَةٌ بِالدِّيَةِ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ.
وَتَرْكُ ذِكْرِ الْكَفَّارَةِ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَهَا. فَقَدْ ذَكَرَ الرَّسُول ﷺ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الدِّيَةَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَفَّارَةَ (٢) .
وَهَذَا الْخِلاَفُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْجَنِينِ الْمَحْكُومِ بِإِيمَانِهِ لإِيمَانِ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا، أَوِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِالذِّمَّةِ.
_________
(١) تبيين الحقائق وحاشية الشلبي ٦ / ١٤١، والهداية وتكملة الفتح ٨ / ٣٢٤ - ٣٢٩ ط ١٣١٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٦٨ - ٢٦٩ ط عيسى الحلبي، وشرح الخرشي ٥ / ٢٧٤، ٢٧٥ ط الأولى، والتاج والإكليل، ومواهب الجليل ٦ / ٢٥٧
(٢) المغني ٧ / ٨١٦ ط الرياض.
كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَكَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ فِي جِنَايَةِ الإِْجْهَاضِ لَزِمَ كُل شَرِيكٍ كَفَّارَةٌ، وَهَذَا لأَِنَّ الْغَايَةَ مِنَ الْكَفَّارَةِ الزَّجْرُ. أَمَّا الْغُرَّةُ فَوَاحِدَةٌ لأَِنَّهَا لِلْبَدَلِيَّةِ (١) .
الإِْجْهَاضُ الْمُعَاقَبُ عَلَيْهِ:
١٣ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُرَّةِ بِمَوْتِ الْجَنِينِ بِسَبَبِ الاِعْتِدَاءِ، كَمَا يَتَّفِقُونَ عَلَى اشْتِرَاطِ انْفِصَالِهِ مَيِّتًا، أَوِ انْفِصَال الْبَعْضِ الدَّال عَلَى مَوْتِهِ. إِذْ لاَ يَثْبُتُ حُكْمُ الْمَوْلُودِ إِلاَّ بِخُرُوجِهِ؛ وَلأَِنَّ الْحَرَكَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِرِيحٍ فِي الْبَطْنِ سَكَنَتْ، وَبِالإِْلْقَاءِ ظَهَرَ تَلَفُهُ بِسَبَبِ الضَّرْبِ أَوِ الْفَزَعِ وَنَحْوِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: لَوْ عُلِمَ مَوْتُ الْجَنِينِ وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِل مِنْهُ شَيْءٌ فَكَالْمُنْفَصِل (٢) . وَالْحَنَفِيَّةُ يَعْتَبِرُونَ انْفِصَال الأَْكْثَرِ كَانْفِصَال الْكُل، فَإِنْ نَزَل مِنْ قِبَل الرَّأْسِ فَالأَْكْثَرُ خُرُوجُ صَدْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَل الرِّجْلَيْنِ فَالأَْكْثَرُ انْفِصَال سُرَّتِهِ (٣) . وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْل مَوْتِ أُمِّهِ يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: وَإِنْ خَرَجَ جَنِينٌ مَيِّتٌ بَعْدَ مَوْتِ الأُْمِّ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ؛ لأَِنَّ مَوْتَ الأُْمِّ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ ظَاهِرًا، إِذْ حَيَاتُهُ بِحَيَاتِهَا،
_________
(١) أسنى المطالب وحاشية الرملي ٤ / ٩٥، والمغني ٧ / ٨١٦
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٧، وتبيين الحقائق ٦ / ١٣٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٦٨ وشرح الخرشي ٥ / ٢٧٤، والتاج والإكليل ٦ / ٢٥٧، والإقناع وحاشية البجيرمي ٤ / ١٢٩ فما بعدها وأسنى المطالب، وحاشية الرملي ٤ / ٨٩ ط الميمنية، والمغني ٧ / ٨٠١ ط الرياض.
(٣) ابن عابدين ١ / ٥٩٥، والبحر ٣ / ٢٠٢
فَيَتَحَقَّقُ مَوْتُهُ بِمَوْتِهَا، فَلاَ يَكُونُ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، إِذِ الاِحْتِمَال فِيهِ أَقَل، فَلاَ يُضْمَنُ بِالشَّكِّ؛ وَلأَِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى أَعْضَائِهَا، وَبِمَوْتِهَا سَقَطَ حُكْمُ أَعْضَائِهَا (١) .
وَقَال الْحَطَّابُ وَالْمَوَّاقُ: الْغُرَّةُ وَاجِبَةٌ فِي الْجَنِينِ بِمَوْتِهِ قَبْل مَوْتِ أُمِّهِ (٢) . وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَخْرُجَ الْجَنِينُ مَيِّتًا وَلاَ تَمُوتُ أُمُّهُ مِنَ الضَّرْبِ (٣) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَيُوجِبُونَ الْغُرَّةَ سَوَاءٌ أَكَانَ انْفِصَال الْجَنِينِ مَيِّتًا حَدَثَ فِي حَيَاةِ الأُْمِّ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا لأَِنَّهُ كَمَا يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: جَنِينٌ تَلِفَ بِجِنَايَةٍ، وَعُلِمَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ سَقَطَ فِي حَيَاتِهَا. وَلأَِنَّهُ لَوْ سَقَطَ حَيًّا ضَمِنَهُ، فَكَذَلِكَ إِذَا سَقَطَ مَيِّتًا كَمَا لَوْ أَسْقَطَتْهُ فِي حَيَاتِهَا (٤) . وَيَقُول الْقَاضِي زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: ضَرَبَ الأُْمَّ، فَمَاتَتْ، ثُمَّ أَلْقَتْ مَيِّتًا، وَجَبَتِ الْغُرَّةُ، كَمَا لَوِ انْفَصَل فِي حَيَاتِهَا (٥) . يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ فِي أَصْل تَرَتُّبِ الْعُقُوبَةِ إِذَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِ الْجَنِينِ، كَظُفُرٍ وَشَعْرٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ تَامِّ الْخَلْقِ اتِّفَاقًا وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ كَمَا يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ إِلاَّ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَتَوَسَّعَ الْمَالِكِيَّةُ فَأَوْجَبُوا الْغُرَّةَ حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْتَبِنْ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَوْ أَلْقَتْهُ عَلَقَةً أَيْ دَمًا مُجْتَمِعًا، وَنَقَل ابْنُ رُشْدٍ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ قَوْلَهُ: كُل مَا طَرَحَتْ مِنْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٨
(٢) مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٦ / ٢٥٧
(٣) بداية المجتهد ٢ / ٤٠٧ ط المعاهد ١٣٥٤
(٤) المغني ٧ / ٨٠١، ٨٠٢ ط الرياض.
(٥) أسنى المطالب بحاشية الرملي ٤ / ٨٩ فما بعدها، والاقناع وحاشية البجيرمي ٤ / ٤٢٩ فما بعدها.
مُضْغَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ فَفِيهِ غُرَّةٌ وَالأَْجْوَدُ أَنْ يُعْتَبَرَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ.
وَالشَّافِعِيَّةُ يُوجِبُونَ الْغُرَّةَ أَيْضًا لَوْ أَلْقَتْهُ لَحْمًا فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِذَا أَلْقَتْ مُضْغَةً، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنَ الْقَوَابِل أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لاَ شَيْءَ فِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ آدَمِيٍّ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، إِذْ يَنْقُل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الشُّمُنِّيِّ: أَنَّ الْمُضْغَةَ غَيْرَ الْمُتَبَيِّنَةِ الَّتِي يَشْهَدُ الثِّقَاتُ مِنَ الْقَوَابِل أَنَّهَا بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ (١) .
تَعَدُّدُ الأَْجِنَّةِ فِي الإِْجْهَاضِ:
١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ الْمَالِيَّ مِنْ غُرَّةٍ أَوْ دِيَةٍ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الأَْجِنَّةِ. فَإِنْ أَلْقَتِ الْمَرْأَةُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ جَنِينَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ تَعَدَّدَ الْوَاجِبُ بِتَعَدُّدِهِمْ؛ لأَِنَّهُ ضَمَانُ آدَمِيٍّ، فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِهِ، كَالدِّيَاتِ (٢) . وَالْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْغُرَّةِ - وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ كَمَا تَقَدَّمَ - يَرَوْنَ أَنَّهَا
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٧٩، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٦٨، ٢٦٩، وأسنى المطالب ٤ / ٨٩، والمغني ٧ / ٨٠٢
(٢) حاشية ابن عابدين والدر ٥ / ٣٧٧، وتبيين الحقائق، وحاشية الشلبي ٦ / ١٤٠، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٦٨، ٢٦٩، ومواهب الجليل، والتاج والإكليل ٦ / ٢٥٧، ٢٥٨، وشرح الروض وحاشية الرملي ٤ / ٨٩ فما بعدها، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٥ / ١٠٠، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٦٢، وحاشية القليوبي ٤ / ١٦٢، ١٦٣، والمغني ٧ / ٨٠٦ ط الرياض.
تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْجَنِينِ أَيْضًا (١) .
مَنْ تَلْزَمُهُ الْغُرَّةُ:
١٥ - الْغُرَّةُ تَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ فِي سَنَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَنِينِ الْحُرِّ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، لِلْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْغُرَّةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَةٍ، وَلاَ يَرِثُ الْجَانِي وَهَذَا هُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا: الْغُرَّةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي وَلَوِ الْحَامِل نَفْسَهَا؛ لأَِنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْجَنِينِ لاَ عَمْدَ فِيهَا حَتَّى يُقْصَدَ بِالْجِنَايَةِ، بَل يَجْرِي فِيهَا الْخَطَأُ وَشِبْهُ الْعَمْدِ. سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى أُمِّهِ خَطَأً أَمْ عَمْدًا أَمْ شِبْهَ عَمْدٍ (٢) . وَلِلْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلٌ: فَلَوْ ضَرَبَ الرَّجُل بَطْنَ امْرَأَتِهِ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَعَلَى عَاقِلَةِ الأَْبِ الْغُرَّةُ، وَلاَ يَرِثُ فِيهَا، وَالْمَرْأَةُ إِنْ أَجْهَضَتْ نَفْسَهَا مُتَعَمِّدَةً دُونَ إِذْنِ الزَّوْجِ، فَإِنَّ عَاقِلَتَهَا تَضْمَنُ الْغُرَّةَ وَلاَ تَرِثُ فِيهَا، وَأَمَّا إِنْ أَذِنَ الزَّوْجُ، أَوْ لَمْ تَتَعَمَّدْ، فَقِيل. لاَ غُرَّةَ؛ لِعَدَمِ التَّعَدِّي، لأَِنَّهُ هُوَ الْوَارِثُ وَالْغُرَّةُ حَقُّهُ، وَقَدْ أَذِنَ بِإِتْلاَفِ حَقِّهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْغُرَّةَ وَاجِبَةٌ عَلَى عَاقِلَتِهَا أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّ الْغُرَّةَ حَقُّهُ لَمْ يَجِبْ بِضَرْبِهِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ لأَِنَّ الآْدَمِيَّ لاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ إِهْدَارَ آدَمِيَّتِهِ وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَاقِلَةٌ فَقِيل فِي مَالِهَا، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: فِي بَيْتِ الْمَال، وَقَالُوا: إِنَّ الزَّوْجَةَ لَوْ أَمَرَتْ غَيْرَهَا أَنْ تُجْهِضَهَا، فَفَعَلَتْ، لاَ
_________
(١) شرح المنهج بحاشية الجمل ٥ / ١٠٠ والمغني ٧ / ٨١٦ ط الرياض.
(٢) أسنى المطالب ٤ / ٩٤
تَضْمَنُ الْمَأْمُورَةُ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ (١) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الْغُرَّةِ فِي مَال الْجَانِي فِي الْعَمْدِ مُطْلَقًا، وَكَذَا فِي الْخَطَأِ، إِلاَّ أَنْ يَبْلُغَ ثُلُثَ دِيَتِهِ فَأَكْثَرَ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَجُوسِيٌّ حُرَّةً حُبْلَى، فَأَلْقَتْ جَنِينًا، فَإِنَّ الْغُرَّةَ الْوَاجِبَةَ هُنَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الْجَانِي (٢) . وَيُوَافِقُهُمُ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ غَيْرِ صَحِيحٍ عِنْدَهُمْ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا، إِذْ قَالُوا: وَقِيل: إِنْ تَعَمَّدَ الْجِنَايَةَ فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ لاَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، بِنَاءً عَلَى تَصَوُّرِ الْعَمْدِ فِيهِ وَالأَْصَحُّ عَدَمُ تَصَوُّرِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى عِلْمِ وُجُودِهِ وَحَيَاتِهِ (٣) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْغُرَّةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ إِذَا مَاتَ الْجَنِينُ مَعَ أُمِّهِ وَكَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْهَا خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَتْل عَمْدًا، أَوْ مَاتَ الْجَنِينُ وَحْدَهُ، فَتَكُونُ فِي مَال الْجَانِي، وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا فِي ثَلاَثِ سِنِينَ، وَقِيل: مَنْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ فَفِي مَالِهِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَقِيل مَا حَمَلَهُ بَيْتُ الْمَال مِنْ خَطَأِ الإِْمَامِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين والدر المختار ٥ / ٣٧٧ فما بعدها، وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي ٦ / ١٤٠ فما بعدها.
(٢) لأن دية الجاني المجوسي ستة وستون دينارا وثلث، ثلثها اثنان وعشرون دينارا وسدس وثلث السدس. بينما دية الأم هنا خمسمائة دينار. عشرها خمسون دينارا وهي أكثر من ثلث دية الجاني - حاشية الدسوقي ٤ / ٣٦٨
(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٦٨، ومواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه ٦ / ٢٥٧، ٢٥٨، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٦٣
وَالْحَاكِمِ فَفِي بَيْتِ الْمَال (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَاتِ (عَاقِلَةٌ. غُرَّة. جَنِينٌ. دِيَةٌ. كَفَّارَةٌ.)
الآْثَارُ التَّبَعِيَّةُ لِلإِْجْهَاضِ:
١٦ - بِالإِْجْهَاضِ يَنْفَصِل الْجَنِينُ عَنْ أُمِّهِ مَيِّتًا، وَيُسَمَّى سِقْطًا (٢) . وَالسِّقْطُ هُوَ الْوَلَدُ تَضَعُهُ الْمَرْأَةُ مَيِّتًا أَوْ لِغَيْرِ تَمَامِ أَشْهُرِهِ وَلَمْ يَسْتَهِل (٣) . وَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنْ حُكْمِ تَسْمِيَتِهِ وَتَغْسِيلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ (٤) . وَمَوْضِعُ بَيَانِ ذَلِكَ وَتَفْصِيلُهُ مُصْطَلَحُ سِقْطٍ.
أَثَرُ الإِْجْهَاضِ فِي الطَّهَارَةِ وَالْعِدَّةِ وَالطَّلاَقِ:
١٧ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الإِْجْهَاضَ بَعْدَ تَمَامِ الْخَلْقِ
_________
(١) المغني ٧ / ٨٠٦، والإنصاف ١٠ / ٦٩، ١١٩، ١٢٣، ١٢٦، ١٣٥، ١٣٨، وانظر الفروع ٣ / ٤٣١، ٤٤٩، ٤٥١
(٢) جاء في المصباح: السقط الولد ذكرا كان أم أنثى يسقط قبل تمامه وهو مستبين الخلق. يقال سقط الولد من بطن أمه سقوطا فهو سقط بالكسر والتثليث لغة. مادة (سقط) .
(٣) المغني ٢ / ٥٢٢، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٨٧
(٤) بدائع الصنائع ١ / ٣٠٧، وحاشية ابن عابدين ١ / ٥٩٤ ط ١٢٧٢، وتبيين الحقائق ١ / ٢٤٣ ط ١٣١٢ هـ، وفتح القدير ١ / ٤٦٥ ط ١٣١٨، وبداية المجتهد ١ / ٢٣٢ ط ١٣٥٤، والشرح الصغير ١ / ٢١٩، وشرح الخرشي ٢ / ٤٢ ط ١٣١٦، والإقناع ١ / ١٨٨ ط الحلبي، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٨٧، ٤٨٨ ط الحلبي، وروض الطالب ١ / ٣١٣ ط المكتبة الإسلامية، والمهذب ١ / ١٣٤ ط الحلبي، والمغني ٢ / ٥٢٣، ٥٢٤ ط الرياض، والإنصاف ٢ / ٥٠٤، ٥٠٥ ط الأولى ١٣٧٤ هـ.
تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى الْوِلاَدَةِ. مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ، وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ، وَوُقُوعُ الطَّلاَقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْوِلاَدَةِ، لِتَيَقُّنِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ بِذَلِكَ، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الإِْجْهَاضَ لاَ أَثَرَ لَهُ فِيمَا يَتَوَقَّفُ فِيهِ اسْتِحْقَاقُ الْجَنِينِ عَلَى تَحَقُّقِ الْحَيَاةِ وَانْفِصَالِهِ عَنْ أُمِّهِ حَيًّا كَالإِْرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ.
أَمَّا الإِْجْهَاضُ فِي مَرَاحِل الْحَمْل الأُْولَى قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ فَفِيهِ الاِتِّجَاهَاتُ الْفِقْهِيَّةُ الآْتِيَةُ: فَبِالنِّسْبَةِ لاِعْتِبَارِ أُمِّهِ نُفَسَاءَ، وَمَا يَتَطَلَّبُهُ ذَلِكَ مِنْ تَطَهُّرٍ، يَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ، وَالشَّافِعِيَّةُ، اعْتِبَارَهَا نُفَسَاءَ، وَلَوْ بِإِلْقَاءِ مُضْغَةٍ هِيَ أَصْل آدَمِيٍّ، أَوْ بِإِلْقَاءِ عَلَقَةٍ (١) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَصِيرُ بِهِ نُفَسَاءَ (٢) . وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ لاَ غُسْل عَلَيْهَا، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (٣) .
وَبِالنِّسْبَةِ لاِنْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَوُقُوعِ الطَّلاَقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْوِلاَدَةِ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ يَرَوْنَ أَنَّ الْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا أَيُّ صُورَةِ آدَمِيٍّ لاَ تَنْقَضِي بِهَا الْعِدَّةُ، وَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْوِلاَدَةِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ وَلَدٌ بِالْمُشَاهَدَةِ وَلاَ بِالْبَيِّنَةِ. أَمَّا الْمُضْغَةُ الْمُخَلَّقَةُ وَالَّتِي بِهَا صُورَةُ آدَمِيٍّ وَلَوْ خَفِيَّةً، وَشَهِدَتِ الثِّقَاتُ الْقَوَابِل بِأَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ لَتُصُوِّرَتْ، فَإِنَّهَا تَنْقَضِي بِهَا الْعِدَّةُ وَيَقَعُ الطَّلاَقُ؛ لأَِنَّهُ عُلِمَ بِهِ
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ١١٧ ط المكتبة التجارية.
(٢) ابن عابدين ١ / ٢٠١ منقول بتصرف.
(٣) تبيين الحقائق وحاشية الشلبي ١ / ٦٣، وكشاف القناع ١ / ١٣١
بَرَاءَةُ الرَّحِمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ لاَ يُوقِعُونَ الطَّلاَقَ الْمُعَلَّقَ عَلَى الْوِلاَدَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى وِلاَدَةً، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِانْفِصَال الْحَمْل كُلِّهِ وَلَوْ عَلَقَةً (١) .
إِجْهَاضُ جَنِينِ الْبَهِيمَةِ:
١٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي جَنِينِ الْبَهِيمَةِ إِذَا أَلْقَتْهُ بِجِنَايَةٍ مَيِّتًا مَا نَقَصَتِ الأُْمُّ، أَيْ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَهُوَ أَرْشُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا. وَإِذَا نَزَل حَيًّا ثُمَّ مَاتَ مِنْ أَثَرِ الْجِنَايَةِ فَقِيمَتُهُ مَعَ الْحُكُومَةِ، وَفِي الْمَسَائِل الْمَلْقُوطَةِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مَالِكٌ أَنَّ عَلَيْهِ عُشْرَ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَهُوَ مَا قَال بِهِ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٢) . وَلَمْ نَقِفْ لِلشَّافِعِيَّةِ عَلَى كَلاَمٍ فِي هَذَا أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ صَالَتِ الْبَهِيمَةُ وَهِيَ حَامِلٌ عَلَى إِنْسَانٍ، فَدَفَعَهَا، فَسَقَطَ جَنِينُهَا، فَلاَ ضَمَانَ. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الدَّفْعَ لَوْ كَانَ عُدْوَانًا لَزِمَهُ الضَّمَانُ (٣) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ١١٦، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٠١، ونهاية المحتاج ١ / ١٢٨، والقليوبي على المنهاج ٤ / ٤٤، والشرواني على التحفة ٨ / ٦ ط بولاق، وكشاف القناع ٥ / ٣٣٧، والشرح الصغير ٢ / ٦٧٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٤
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٩، وتبيين الحقائق ٦ / ١٣٩ - ١٤١، وتكملة الفتح ٨ / ٣٢٤ - ٣٢٩، والشرح الكبير، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٧٠، وحاشية الرهوني ٨ / ٣٩، ومواهب الجليل ٦ / ٢٥٧، ٢٥٨، التاج والإكليل ٦ / ٢٥٩، والمغني ٧ / ٨١٦ ط الرياض، والإنصاف ١٠ / ٧٤
(٣) حاشية الشرواني ٩ / ٢١٠
أَجِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْجِيرُ هُوَ الْمُسْتَأْجَرُ، وَالْجَمْعُ أُجَرَاءُ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَجِيرٌ خَاصٌّ:
وَهُوَ الَّذِي يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ يَسْتَحِقُّ الْمُسْتَأْجِرُ مَنْفَعَتَهُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَيُسَمَّى بِالأَْجِيرِ الْوَحْدِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَعْمَل لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهِ، كَمَنِ اسْتُؤْجِرَ شَهْرًا لِلْخِدْمَةِ.
وَأَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ: وَهُوَ مَنْ يَعْمَل لِعَامَّةِ النَّاسِ كَالنَّجَّارِ وَالطَّبِيبِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اسْتِئْجَارُ الآْدَمِيِّ جَائِزٌ شَرْعًا لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (٣) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ
_________
(١) تاج العروس (أجر)
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٦ / ١٠٥ ط المنار الأولى، والهداية ٣ / ٢٤٤، ٢٤٥ ط مصطفى الحلبي، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٠٧ ط مصطفى الحلبي، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٥ / ٤٢٦ نشر ليبيا، وفتح العلي المالك ٢ / ٢٢٨ ط مصطفى الحلبي.
(٣) سورة القصص / ٢٧