الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢
الْجِنَايَةِ عَلَى الأُْذُنِ الْوَاحِدَةِ تُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي الْعَمْدِ، وَنِصْفَ الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ حَتَّى وَلَوْ بَقِيَ السَّمْعُ سَلِيمًا. فَإِنْ ذَهَبَ السَّمْعُ أَيْضًا مَعَ الأُْذُنِ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ.
وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ، وَفِي الدِّيَاتِ (١) .
هَل الأُْذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ؟
٣ - فِي اعْتِبَارِ الأُْذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ أَوْ مِنَ الْوَجْهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الاِخْتِلاَفُ فِي حُكْمِ مَسْحِ الأُْذُنَيْنِ، هَل هُوَ وَاجِبٌ أَمْ غَيْرُ وَاجِبٍ؟ وَهَل يُجْزِئُ مَسْحُهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ أَمْ لاَ يُجْزِئُ؟ وَفَصَّل الْفُقَهَاءُ الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ (٢) فِي بَابِ الْوُضُوءِ.
دَاخِل الأُْذُنَيْنِ:
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ دَاخِل الأُْذُنِ مِنَ الْجَوْفِ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي إِفْطَارِ الصَّائِمِ بِإِدْخَال شَيْءٍ إِلَى بَاطِنِ الأُْذُنِ إِذَا لَمْ يَصِل إِلَى حَلْقِهِ (٣) . وَفَصَّلُوا الْكَلاَمَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ فِي بَابِ مَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ.
_________
(١) انظر: حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٠، والفتاوى الهندية ٦ / ١٠، ٢٥ طبع بولاق، وحاشية قليوبي ٤ / ١٣، والمغني مع الشرح الكبير ٩ / ٤٢١، طبع المنار الأولى.
(٢) نيل الأوطار ١ / ١٦١، والمغني ١ / ١٢٣، ١٠٦ طبع المنار الثالثة.
(٣) حاشية قليوبي ٢ / ٥٦، والغرر البهية شرح البهجة الوردية ٢ / ٢١٣، طبع المطبعة الميمنية، ومواهب الجيل ٢ / ٤٢٥، طبع مطبعة النجاح - ليبيا، وفتح القدير ٢ / ٧٢، ٧٣ طبع بولاق سنة / ١٣١٥
هَل يُعَبَّرُ بِالأُْذُنِ عَنِ الْجَسَدِ كُلِّهِ؟
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأُْذُنَ عُضْوٌ مِنَ الْبَدَنِ لاَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْكُل، وَفَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أَضَافَ الظِّهَارَ أَوِ الطَّلاَقَ أَوِ الْعِتْقَ وَنَحْوَهَا إِلَى الأُْذُنِ لاَ يَقَعُ مَا قَصَدَ إِلَيْهِ. كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَلاَمِهِمْ فِي الأَْبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ.
هَل الأُْذُنُ مِنَ الْعَوْرَةِ؟
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأُْذُنَ فِي الْمَرْأَةِ مِنَ الْعَوْرَةِ، وَلاَ يَجُوزُ إِظْهَارُهَا لِلأَْجْنَبِيِّ.
وَمَا اتَّصَل بِهَا مِنَ الزِّينَةِ - كَالْقُرْطِ - هُوَ مِنَ الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي لاَ يَجُوزُ إِظْهَارُهَا أَيْضًا إِلاَّ مَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَقَتَادَةَ مِنَ اعْتِبَارِ الْقُرْطِ مِنَ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَجُوزُ إِظْهَارُهَا (١) .
وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ الأُْذُنَ مَوْضِعٌ لِلزِّينَةِ فِي الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُل، وَلِذَلِكَ أَبَاحُوا ثَقْبَ أُذُنِ الْجَارِيَةِ لإِلْبَاسِهَا الْقُرْطَ (٢) . وَلَيْسَ لِذَلِكَ مَكَانٌ مُحَدَّدٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي كِتَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ، وَذَكَرَهُ الْقَلْيُوبِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَال، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ
_________
(١) تفسير القرطبي ١٢ / ٢٢٨، طبع دار الكتب، وتفسير الطبري ١٨ / ١١٨، طبع مصطفى البابي الحلبي، وأحكام القرآن للجصاص ٣ / ٣٨٨، طبع المطبعة البهية المصرية سنة ١٣٧٤ وأحكام القرآن لابن العربي ص ١٣٥٧، طبع عيسى البابي الحلبي، ونهاية المحتاج ٦ / ١٨٤، طبع مصطفى البابي الحلبي، وإعانة الطالبين ٣ / ٢٥٩، طبع مصطفى البابي الحلبي الثانية، الزيلعي على الكنز ٦ / ١٧، طبع بولاق سنة / ١٣١٣
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٤٩، ٢٧٠، وتحفة الودود في أحكام المولود ص ١٥٣، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٠٩، ٢١١
فِيمَا يَحِقُّ لِلْوَلِيِّ فِعْلُهُ فِي الصَّغِيرِ الْمُولَى عَلَيْهِ.
٧ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ إِجْزَاءِ مَقْطُوعَةِ الأُْذُنِ فِي الأُْضْحِيَةِ وَالْهَدْيِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ تَعَيَّبَتْ أُذُنُهَا عَيْبًا فَاحِشًا، فَأَجَازَهَا الْبَعْضُ وَلَمْ يُجِزْهَا الْبَعْضُ الآْخَرُ (١) . وَمَحَل تَفْصِيل ذَلِكَ فِي كِتَابِ الأَْضَاحِي مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
٨ - يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ أَثْنَاءَ الأَْذَانِ (٢) . وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الأَْذَانِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى مَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ.
٩ - وَيُسَنُّ لِلرَّجُل رَفْعُ يَدَيْهِ إِلَى حِذَاءِ أُذُنَيْهِ، عِنْدَ الْبَعْضِ، فِي تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَتَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَال فِي الصَّلاَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ.
١٠ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ وَسْمَ الْحَيَوَانَاتِ لِغَايَةٍ مَشْرُوعَةٍ - كَعَدَمِ اخْتِلاَطِهَا بِغَيْرِهَا - مُبَاحٌ، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ أَفْضَل مَكَانٍ لِوَسْمِ الْغَنَمِ هُوَ آذَانُهَا، لِقِلَّةِ الشَّعْرِ فِيهَا (٣) .
وَقَدْ ذَكَرُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ.
١١ - وَمَا يَسِيل مِنَ الأُْذُنِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ نَجِسٌ، وَفِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلاَفِهِمْ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ (٤) بِكُل خَارِجٍ نَجِسٍ مِنَ الْبَدَنِ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ.
_________
(١) بداية المجتهد ١ / ٤٤٤، طبع مكتبة الكليات الأزهرية، والمغني ٨ / ٦٢٥، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٥١، ٢٥٢
(٢) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ١٠٦، طبع المطبعة العامرة العثمانية، والمغني ١ / ٤٢٢
(٣) حاشية القليوبي ٣ / ١٩٤
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٠
إِذْنٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الإِْذْنِ فِي اللُّغَةِ: إِطْلاَقُ الْفِعْل وَالإِْبَاحَةُ (١) .
وَلَمْ يَخْرُجِ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ لِلإِْذْنِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْبَاحَةُ:
٢ - الإِْبَاحَةُ هِيَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْل وَالتَّرْكِ دُونَ تَرَتُّبِ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ. وَيَذْكُرُهَا الأُْصُولِيُّونَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى الْحُكْمِ وَأَقْسَامِهِ بِاعْتِبَارِهَا مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ (٣) . وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ حَيْثُ تَقْسِيمُ الإِْبَاحَةِ، وَتَقْسِيمُ مُتَعَلِّقِهَا وَهُوَ الْمُبَاحُ (انْظُرِ: الْمُلْحَقَ الأُْصُولِيَّ) .
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والقاموس المحيط، وكشاف اصطلاحات الفنون ١ / ٩٣، ١١٣ ط بيروت، والكليات للكفوي ١ / ٩٩ ط منشورات وزارة الثقافة - سورية.
(٢) ابن عابدين ٥ / ١٠١، ٢٢١ ط بولاق الثالثة، وتكملة فتح القدير ٨ / ٢١١ ط دار إحياء التراث العربي، والدسوقي ٣ / ٣٠٤ ط دار الفكر، ومغني المحتاج ٢ / ٩٩ ط مصطفى الحلبي.
(٣) جمع الجوامع ١ / ٨٤ ط الأولى - الأزهرية، والمستصفي ١ / ٧٥ ط بولاق.
وَالْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ يُفَسِّرُونَ الإِْبَاحَةَ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ الَّذِي ذَكَرَهُ الأُْصُولِيُّونَ (١) .
وَأَيْضًا يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الإِْذْنَ وَالإِْبَاحَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا يُفِيدُ إِطْلاَقَ التَّصَرُّفِ فَقَدْ قَال الْجُرْجَانِيُّ (٢): الإِْبَاحَةُ هِيَ الإِْذْنُ بِالإِْتْيَانِ بِالْفِعْل كَيْفَ شَاءَ الْفَاعِل. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ (٣): مَنْ نَثَرَ عَلَى النَّاسِ نِثَارًا كَانَ إِذْنًا فِي الْتِقَاطِهِ وَأُبِيحَ أَخْذُهُ، وَفَسَّرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: الْمُبَاحَ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ (٤) .
وَإِذَا كَانَ الإِْذْنُ يُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الإِْبَاحَةِ فَلأَِنَّ الإِْبَاحَةَ مَرْجِعُهَا الإِْذْنُ. فَالإِْذْنُ هُوَ أَصْل الإِْبَاحَةِ. وَلَوْلاَ صُدُورُ مَا يَدُل عَلَى الإِْذْنِ لَمَا كَانَ الْفِعْل جَائِزَ الْوُقُوعِ، فَالإِْبَاحَةُ الشَّرْعِيَّةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ، وَيَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى الشَّرْعِ (٥) .
وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِْبَاحَةَ تَكُونُ بِمُقْتَضَى الإِْذْنِ سَوَاءٌ أَكَانَ صَرِيحًا أَمْ ضِمْنًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الشَّارِعِ أَمْ مِنَ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
ب - الإِْجَازَةُ:
٣ - الإِْجَازَةُ مَعْنَاهَا الإِْمْضَاءُ يُقَال: أَجَازَ أَمْرَهُ إِذَا أَمْضَاهُ وَجَعَلَهُ جَائِزًا، وَأَجَزْتُ الْعَقْدَ جَعَلْتُهُ جَائِزًا وَنَافِذًا. وَالإِْذْنُ هُوَ إِجَازَةُ الإِْتْيَانِ بِالْفِعْل.
فَالإِْجَازَةُ وَالإِْذْنُ كِلاَهُمَا يَدُل عَلَى الْمُوَافَقَةِ عَلَى الْفِعْل
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٢١
(٢) التعريفات للجرجاني ص ٣ ط مصطفى الحلبي.
(٣) المغني ٥ / ٦٠٤ ط مكتبة الرياض.
(٤) منح الجليل ١ / ٥٩٦ ط مكتبة النجاح طرابلس - ليبيا. .
(٥) جمع الجوامع ١ / ١٧٥، والمستصفى ١ / ١٠٠، والموافقات للشاطبي ١ / ١٨٦ ط المكتبة التجارية - مصر.
إِلاَّ أَنَّ الإِْذْنَ يَكُونُ قَبْل الْفِعْل، وَالإِْجَازَةَ تَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِهِ (١) .
ج - الأَْمْرُ:
٤ - الأَْمْرُ مِنْ مَعَانِيهِ لُغَةً: الطَّلَبُ، وَاصْطِلاَحًا: طَلَبُ الْفِعْل عَلَى سَبِيل الاِسْتِعْلاَءِ. فَكُل أَمْرٍ يَتَضَمَّنُ إِذْنًا بِالأَْوْلَوِيَّةِ.
أَقْسَامُ الإِْذْنِ
الإِْذْنُ قَدْ يَكُونُ عَامًّا وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا، وَالْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ قَدْ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْذُونِ لَهُ، وَقَدْ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَوْضُوعِ أَوِ الْوَقْتِ أَوِ الزَّمَانِ.
أ - الإِْذْنُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْذُونِ لَهُ:
٥ - الإِْذْنُ قَدْ يَكُونُ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ لِلشَّخْصِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَذَلِكَ كَمَنْ أَلْقَى شَيْئًا وَقَال: مَنْ أَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ فَلِمَنْ سَمِعَهُ أَوْ بَلَغَهُ ذَلِكَ الْقَوْل أَنْ يَأْخُذَهُ، وَكَمَنْ وَضَعَ الْمَاءَ عَلَى بَابِهِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ الشُّرْبُ مِنْهُ لِمَنْ مَرَّ بِهِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، وَكَذَا مَنْ غَرَسَ شَجَرَةً فِي مَوْضِعٍ لاَ مِلْكَ فِيهِ لأَِحَدٍ، وَلَمْ يَقْصِدِ الإِْحْيَاءَ، فَقَدْ أَبَاحَ لِلنَّاسِ ثِمَارَهَا. وَكَأَنْ يَجْعَل الإِْمَامُ لِلْمُسْلِمِينَ مَوْضِعًا لِوُقُوفِ الدَّوَابِّ فِيهِ، فَلِكُل مُسْلِمٍ حَقُّ الْوُقُوفِ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ مِنَ السُّلْطَانِ (٢) . وَمِنْ ذَلِكَ الدَّعْوَةُ الْعَامَّةُ لِلْوَلِيمَةِ.
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، وابن عابدين ٢ / ٣٨٣
(٢) ابن عابدين ٣ / ٣٣٤، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٨، والمغني ٥ / ٦٠٤، والحطاب ٤ / ٦ ط النجاح - ليبيا، والاختيار ٥ / ٤٨ ط دار المعرفة بيروت، ومنتهى الإرادات ٣ / ٨٥ ط دار الفكر
وَقَدْ يَكُونُ الإِْذْنُ خَاصًّا بِشَخْصٍ، كَمَنْ يَقُول: هَذَا الشَّيْءُ صَدَقَةٌ لِفُلاَنٍ، أَوْ كَالْوَقْفِ عَلَى أَهْل مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ لِصَرْفِ غَلَّةِ الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ، أَوْ تَخْصِيصِ أَحَدِ الضِّيفَانِ بِطَعَامٍ خَاصٍّ، أَوِ اقْتِصَارِ الدَّعْوَةِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ (١) .
ب - الإِْذْنُ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصَرُّفِ وَالْوَقْتِ وَالْمَكَانِ:
٦ - قَدْ يَكُونُ الإِْذْنُ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصَرُّفِ وَالْوَقْتِ وَالْمَكَانِ، وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا، فَإِذْنُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذْنًا عَامًّا يُجِيزُ لِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ التَّصَرُّفَ فِي سَائِرِ التِّجَارَاتِ مَا عَدَا التَّبَرُّعَاتِ، حَتَّى لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ فَهُوَ مَأْذُونٌ فِي جَمِيعِهَا، خِلاَفًا لِزُفَرَ؛ لأَِنَّ الإِْذْنَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِسْقَاطُ الْحَقِّ، وَالإِْسْقَاطَاتُ لاَ تَتَوَقَّتُ بِوَقْتٍ، وَلاَ تَتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، وَلاَ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ يَوْمًا صَارَ مَأْذُونًا مُطْلَقًا حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَال لَهُ: أَذِنْتُ لَكَ فِي التِّجَارَةِ فِي الْبَرِّ دُونَ الْبَحْرِ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ خَاصٍّ كَأَنْ يَقُول لَهُ: اشْتَرِ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا لِنَفْسِكَ أَوِ اشْتَرِ كِسْوَةً فَفِي الاِسْتِحْسَانِ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ؛ لأَِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الاِسْتِخْدَامِ، يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: اعْلَمْ أَنَّ الإِْذْنَ بِالتَّصَرُّفِ إِذْنٌ بِالتِّجَارَةِ وَبِالشَّخْصِ اسْتِخْدَامٌ (٢) .
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ٤٤٣، والدسوقي ٤ / ٨٧، ٨٨ ط دار الفكر، ومنتهى الإرادات ٢ / ٥١٤ ط دار الفكر، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤٩، ٣٩٠
(٢) ابن عابدين ٥ / ١٠١، ١٠٢، والاختيار ٢ / ١٠١ط دارا لمعرفة بيروت، وبدائع الصنائع ٧ / ١٩١ ط الجالية، والدسوقي ٣ / ٣٠٤، والهداية ٤ / ٣ ط المكتبة الإسلامية.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَتَقَيَّدُ الإِْذْنُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ، فَلاَ يَصِيرُ الْعَبْدُ مَأْذُونًا إِلاَّ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ سَيِّدُهُ؛ لأَِنَّ تَصَرُّفَهُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الإِْذْنِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي نَوْعٍ، كَالثِّيَابِ، أَوْ فِي وَقْتٍ كَشَهْرِ كَذَا أَوْ فِي بَلَدٍ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ، كَالْوَكِيل وَعَامِل الْقِرَاضِ؛ لأَِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالإِْذْنِ مِنْ جِهَةِ الآْدَمِيِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ (١)، فَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى شَيْءٍ وَتَصَرَّفَ حَسَبَ الْمَصْلَحَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيَتَصَرَّفُ فِي كُل الأَْنْوَاعِ وَالأَْزْمِنَةِ وَالْبُلْدَانِ. وَأَمْثِلَةُ الإِْذْنِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ كَثِيرَةٌ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ وَالْقِرَاضِ وَالشَّرِكَةِ وَالإِْعَارَةِ وَالإِْجَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَتُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهَا.
مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْذْنِ:
إِذْنُ الشَّارِعِ:
٧ - إِذْنُ الشَّارِعِ يَكُونُ إِمَّا بِنَصٍّ، أَوْ بِاجْتِهَادٍ مِنَ الْحَاكِمِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، كَجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ.
وَوُجُوهُ الإِْذْنِ مِنَ الشَّارِعِ مُتَعَدِّدَةُ الأَْسْبَابِ لِتَفَرُّعِ مَنَاحِي الشَّرِيعَةِ فِي الْحِفَاظِ عَلَى كِيَانِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ.
٨ - فَالإِْذْنُ مِنَ الشَّارِعِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّوْسِعَةِ وَالتَّيْسِيرِ عَلَى الْعِبَادِ فِي حَيَاتِهِمْ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالإِْجَارَةِ وَالرَّهْنِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٩٩، والمغني ٥ / ٨٤، والدسوقي ٣ / ٣٠٤
وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢) . . . إِلَخْ.
وَكَذَلِكَ الإِْذْنُ بِالتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّبَاتِ، كَالْمَأْكَل وَالْمَشْرَبِ وَالْمَسْكَنِ وَالْمَلْبَسِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٣) .
وَالإِْذْنُ بِالنِّكَاحِ لِلتَّمَتُّعِ وَالتَّنَاسُل عَلَى مَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤) . وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الإِْذْنُ بِالصَّيْدِ إِلاَّ فِي حَالَةِ الإِْحْرَامِ وَالإِْذْنُ بِإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَالإِْذْنُ بِالاِنْتِفَاعِ بِالطَّرِيقِ الْعَامِّ وَالْمَسِيل الْعَامِّ وَهَكَذَا (٥) .
٩ - وَقَدْ يَكُونُ إِذْنُ الشَّارِعِ بِالاِنْتِفَاعِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ وَالْقُرْبَةِ، كَالاِنْتِفَاعِ بِالْمَسَاجِدِ وَالْمَقَابِرِ وَالرِّبَاطَاتِ (٦) . وَالإِْذْنُ فِي كُل مَا سَبَقَ يَجِبُ أَنْ يُقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى الأَْصْل الَّذِي وَرَدَ مِنَ الشَّارِعِ مُقَيَّدًا بِعَدَمِ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ، إِذْ لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ فِي الإِْسْلاَمِ.
وَقَدْ وَضَعَ الْفُقَهَاءُ لِكُل هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ قَوَاعِدَ وَشَرَائِطَ لاَ بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا، وَمُخَالَفَةُ ذَلِكَ تُبْطِل التَّصَرُّفَ.
_________
(١) سورة البقرة / ٢٧٥
(٢) سورة البقرة / ٢٨٣
(٣) سورة الأعراف / ٣٢
(٤) سورة النساء / ٣
(٥) الموافقات ١ / ١٢٦، ١٣١، ١٨٨، ١٩٥، و٢ / ١٨٠، ١٨١، ومغني المحتاج ٢ / ٣٦١، والمغني ٥ / ٥٦١، ٥٧٥، ٥٨١ و٨ / ٥٣٩، وابن عابدين ٥ / ٢٨٣، والاختيار ٣ / ٦٧ ط دار المعرفة بيروت.
(٦) ابن عابدين ١ / ٤ ٤٩ والدسوقي ٤ / ٧٠ ومنتهي الإرادات ٢ / ٤٩٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨٩
١٠ - وَقَدْ يَكُونُ الإِْذْنُ مِنَ الشَّارِعِ رَفْعًا لِلْحَرَجِ وَدَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ؛ لأَِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى التَّكْلِيفِ بِالشَّاقِّ وَالإِْعْنَاتِ فِيهِ وَالنُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١)، وَقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)، وَقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٣) .
كَذَلِكَ وَرَدَ أَنَّ الرَّسُول ﷺ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، وَكَانَ ﷺ يَنْهَى عَنِ الْوِصَال فِي الْعِبَادَةِ وَيَقُول: خُذُوا مِنَ الأَْعْمَال مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَل حَتَّى تَمَلُّوا. (٤)
وَعَلَى هَذَا الأَْسَاسِ كَانَ الإِْذْنُ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ بِالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ. وَلَقَدْ نُقِل عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مَنْعُ الصَّوْمِ إِذَا خَافَ التَّلَفَ بِهِ وَأَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ إِنْ فَعَل، وَنُقِل الْمَنْعُ فِي الطَّهَارَةِ عِنْدَ خَوْفِ التَّلَفِ وَالاِنْتِقَال إِلَى التَّيَمُّمِ. وَالدَّلِيل عَلَى الْمَنْعِ قَوْلُهُ: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥)، وَجَاءَ فِي حَدِيثِ النَّاذِرِ لِلصِّيَامِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ حَيْثُ قَال النَّبِيُّ ﷺ حِينَ عَلِمَ بِذَلِكَ: مُرُوهُ فَلْيَسْتَظِل
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٦
(٢) سورة البقرة / ١٨٥
(٣) سورة النساء / ٢٨
(٤) حديث " خذوا من. . " أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له (فتح الباري ٤ / ٢١٣ ط السلفية وصحيح مسلم ٢ / ٨١١ - الحديث رقم ١٧٧ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي) .
(٥) سورة النساء / ٢٩