الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢ الصفحة 74

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٢

٤٤ - أَمَّا إِذَا تَعَدَّدَتِ الْفَوَائِتُ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الأَْوْلَى أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ لِكُل صَلاَةٍ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلأُْولَى فَقَطْ وَيُقِيمَ لِمَا بَعْدَهَا، وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا. وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي قَضَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ الصَّلَوَاتِ الَّتِي فَاتَتْهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ أَمَرَ بِلاَلًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُل صَلاَةٍ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِلأُْولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُل صَلاَةٍ بَعْدَهَا، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الإِْقَامَةِ لِكُل صَلاَةٍ (١) . وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الأَْخِيرَةِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَا جَاءَ فِي الأُْمِّ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ خِلاَفُ ذَلِكَ، وَوَرَدَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الإِْمْلاَءِ أَنَّهُ إِنْ أَمَّل اجْتِمَاعَ النَّاسِ أَذَّنَ وَأَقَامَ، وَإِنْ لَمْ يُؤَمِّل أَقَامَ؛ لأَِنَّ الأَْذَانَ يُرَادُ لِجَمْعِ النَّاسِ، فَإِذَا لَمْ يُؤَمَّل الْجَمْعُ لَمْ يَكُنْ لِلأَْذَانِ وَجْهٌ (٢) .

الأَْذَانُ لِلصَّلاَتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ:

٤٥ - إِذَا جُمِعَتْ صَلاَتَانِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا، كَجَمْعِ الْعَصْرِ مَعَ الظُّهْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَرَفَةَ، وَكَجَمْعِ الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلأُْولَى فَقَطْ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِمُزْدَلِفَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ (٣) . وَهَذَا عِنْدَ

_________

(١) انظر الروايات في قضاء رسول الله ﷺ للصلوات التي فاتته يوم الخندق.

(٢) البدائع ١ / ١٥٤، والمغني ١ / ٤١٩، ومنتهى الإرادات ١ / ١٢٩، والمهذب ١ / ٦٢، ومغني المحتاج ١ / ١٣٥

(٣) حديث: " صلى المغرب والعشاء بمزدلفة. . . " رواه مسلم من قول جابر في حديثه الطويل في صفة حج النبي ﷺ. وفي رواية البخاري عن ابن عمر ذكر الإقامتين ولم يذكر أذانا، وفي البخاري أن ابن مسعود صلاهما بأذانين وإقامتين (البخاري ١ / ٢٩٠ ط دار المعرفة بلبنان، ومسلم ٢ / ٨٩١ بتحقيق محمد عبد الباقي، وانظر تلخيص الحبير ص ١٩٢)

الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَلَكِنَّ الأَْشْهَرَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِكُل صَلاَةٍ مِنْهُمَا (١) .

الأَْذَانُ فِي مَسْجِدٍ صُلِّيَتْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ:

٤٦ - لَوْ أُقِيمَتْ جَمَاعَةٌ فِي مَسْجِدٍ فَحَضَرَ قَوْمٌ لَمْ يُصَلُّوا فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُمُ الأَْذَانُ دُونَ رَفْعِ الصَّوْتِ لِخَوْفِ اللَّبْسِ - سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا أَمْ غَيْرَ مَطْرُوقٍ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَسْتَوِي الأَْمْرُ، إِنْ أَرَادُوا أَذَّنُوا وَأَقَامُوا، وَإِلاَّ صَلَّوْا بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ دَخَل مَسْجِدًا قَدْ صَلَّوْا فِيهِ فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى بِهِمْ فِي جَمَاعَةٍ (٢) .

وَيُفَصِّل الْحَنَفِيَّةُ فَيَقُولُونَ: إِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ لَهُ أَهْلٌ مَعْلُومُونَ وَصَلَّى فِيهِ غَيْرُ أَهْلِهِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لاَ يُكْرَهُ لأَِهْلِهِ أَنْ يُعِيدُوا الأَْذَانَ وَالإِْقَامَةَ إِذَا صَلَّوْا، وَإِنْ صَلَّى فِيهِ أَهْلُهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ أَوْ بَعْضُ أَهْلِهِ يُكْرَهُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ وَلِلْبَاقِينَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يُعِيدُوا الأَْذَانَ وَالإِْقَامَةَ إِذَا صَلَّوْا، وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ لَيْسَ لَهُ أَهْلٌ مَعْلُومُونَ بِأَنْ كَانَ عَلَى الطَّرِيقِ لاَ يُكْرَهُ تَكْرَارُ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ فِيهِ.

وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ أَتَى بَعْدَ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ (٣) .

_________

(١) البدائع ١ / ١٥٢ والمجموع ٣ / ٨٣ والحطاب ١ / ٤٦٨

(٢) رواه أبو يعلي، مجمع الزوائد ٢ / ٤ ط القدس.

(٣) البدائع ١ / ١٥٣، والمجموع ٣ / ٨٥، والمغني ١ / ٤٢١، والحطاب ١ / ٤٦٨

تَعَدُّدُ الْمُؤَذِّنِينَ:

٤٧ - يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى اثْنَيْنِ؛ لأَِنَّ الَّذِي حُفِظَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ بِلاَلٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ (١)، إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إِلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا فَيَجُوزُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ (٢)، وَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مَشْرُوعًا.

وَكَيْفِيَّةُ أَذَانِهِمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَاحِدُ يُسْمِعُ النَّاسَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، لأَِنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ ﷺ كَانَ أَحَدُهُمَا يُؤَذِّنُ بَعْدَ الآْخَرِ (٣)، وَإِذَا كَانَ الإِْعْلاَمُ لاَ يَحْصُل بِوَاحِدٍ أَذَّنُوا بِحَسَبِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، إِمَّا أَنْ يُؤَذِّنَ كُل وَاحِدٍ فِي مَنَارَةٍ أَوْ نَاحِيَةٍ أَوْ أَذَّنُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ خَافُوا مِنْ تَأْذِينٍ وَاحِدٍ بَعْدَ الآْخَرِ فَوَاتَ أَوَّل الْوَقْتِ أَذَّنُوا جَمِيعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً (٤) .

مَا يُعْلَنُ بِهِ عَنِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَمْ يُشْرَعْ لَهَا الأَْذَانُ:

٤٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْذَانَ إِنَّمَا شُرِعَ لِلصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، وَلاَ يُؤَذَّنُ لِصَلاَةٍ غَيْرِهَا كَالْجِنَازَةِ

_________

(١) حديث: " كان له مؤذنان. . . "، أخرجه البخاري ومسلم من حديث القاسم عن عائشة (تلخيص الحبير ١ / ٢٠٨)

(٢) يعرف ذلك مما في الصحيحين من حديث عمر وعائشة: " أن بلالا يؤذن بليل. . . " (نصب الراية ١ / ٢٨٨)

(٣) الأثر عن عثمان ذكره جماعة من الفقهاء منهم صاحب المهذب وبيض له المنذري والنووي. ولا يعرف له أصل. واحتج به الشافعي في الإملاء في جواز أكثر من مؤذنين (تلخيص الحبير ١ / ٢١٢)

(٤) المغني ١ / ٤٢٩، والحطاب ١ / ٤٥٢ - ٤٥٣، ومغني المحتاج ١ / ١٣٩، والمهذب ١ / ٦٦، وابن عابدين ١ / ٢٦٦

وَالْوِتْرِ وَالْعِيدَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الأَْذَانَ لِلإِْعْلاَمِ بِدُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ، وَالْمَكْتُوبَاتُ هِيَ الْمُخَصَّصَةُ بِأَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَالنَّوَافِل تَابِعَةٌ لِلْفَرَائِضِ، فَجَعَل أَذَانَ الأَْصْل أَذَانًا لِلتَّبَعِ تَقْدِيرًا، أَمَّا صَلاَةُ الْجِنَازَةِ فَلَيْسَتْ بِصَلاَةٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، إِذْ لاَ قِرَاءَةَ فِيهَا وَلاَ رُكُوعَ وَلاَ سُجُودَ.

وَمِمَّا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْعِيدَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ (١) .

٤٩ - أَمَّا كَيْفِيَّةُ النِّدَاءِ لِهَذِهِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لاَ أَذَانَ لَهَا فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ وَالتَّرَاوِيحِ إِذَا صُلِّيَتْ جَمَاعَةً - وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِصَلاَةِ الْجِنَازَةِ - فَإِنَّهُ يُنَادَى لَهَا: الصَّلاَةُ جَامِعَةٌ، وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَابِلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِصَلاَةِ الْكُسُوفِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِصَلاَةِ الْعِيدَيْنِ، وَاسْتَحْسَنَ عِيَاضٌ مَا اسْتَحْسَنَهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ أَنْ يُنَادَى لِكُل صَلاَةٍ لاَ يُؤَذَّنُ لَهَا: الصَّلاَةُ جَامِعَةٌ.

وَمِمَّا اسْتَدَل بِهِ الْفُقَهَاءُ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي الصَّلاَةُ جَامِعَةٌ (٢) .

_________

(١) حديث جابر بن سمرة: " صليت. . . "، أخرجه مسلم (٢ / ٦٠٤ ط عيسى الحلبي) .

(٢) ابن عابدين ١ / ٥٦٥، وفتح القدير ١ / ٢١٠، والمجموع ٣ / ٧٧، والشرواني على التحفة ١ / ٤٦٢ ط دار صادر والحطاب ١ / ٤٣٥ و٢ / ١٩١، والمواق بهاش الحطاب ١ / ٤٢٣، وكشاف القناع ١ / ٢١١، وحديث عائشة: " خسفت الشمس. . " رواه مسلم ٢ / ٦٢٠، وانظر نصب الراية (١ / ٢٥٧)

إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ وَالدُّعَاءُ بَعْدَ الإِْجَابَةِ:

٥٠ - يُسَنُّ لِمَنْ سَمِعَ الأَْذَانَ مُتَابَعَتُهُ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُول مِثْل مَا يَقُول، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُول الْمُؤَذِّنُ (١) وَيُسَنُّ أَنْ يَقُول عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. فَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَال الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَال أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَال: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ قَال: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. ثُمَّ قَال: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ. قَال: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ. ثُمَّ قَال: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ. قَال: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ. قَال: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، مِنْ قَلْبِهِ - دَخَل الْجَنَّةَ (٢) .

وَلأَِنَّ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ خِطَابٌ فَإِعَادَتُهُ عَبَثٌ. وَفِي التَّثْوِيبِ وَهُوَ قَوْل " الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ " فِي أَذَانِ الْفَجْرِ يَقُول: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ - بِكَسْرِ الرَّاءِ الأُْولَى - ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ

_________

(١) حديث: " إذا سمعتم المؤذن. . . " أخرجه الحاكم. وقال الترمذي حديث حسن صحيح وهو في الصحيحين بلفظ: " إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن "، (تلخيص الحبير ١ / ٢١١، واللؤلؤ والمرجان ص ٧٨، وسنن الترمذي ١ / ٤٠٧ مطبعة الحلبي) .

(٢) حديث عمر بن الخطاب: " إذا قال المؤذن. . .)، أخرجه مسلم (١ / ٢٨٨ - ط عيسى الحلبي) .

وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ.

وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُول، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَل اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدَ الأَْذَانِ بِمَا شَاءَ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: الدُّعَاءُ لاَ يُرَدُّ بَيْنَ الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ (١) "، وَيَقُول عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ: اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَال لَيْلِكَ وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ فَاغْفِرْ لِي.

وَلَوْ سَمِعَ مُؤَذِّنًا ثَانِيًا أَوْ ثَالِثًا اسْتُحِبَّ لَهُ الْمُتَابَعَةُ أَيْضًا. وَمَا سَبَقَ هُوَ بِاتِّفَاقٍ إِلاَّ أَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَحْكِيَ السَّامِعُ لآِخِرِ الشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ، وَلاَ يَحْكِي التَّرْجِيعَ، وَلاَ يَحْكِي الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ وَلاَ يُبَدِّلُهَا بِصَدَقْتَ وَبَرِرْتَ، وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ أَنَّهُ يَحْكِي لآِخِرِ الأَْذَانِ (٢) .

الأَْذَانُ لِغَيْرِ الصَّلاَةِ:

٥١ - شُرِعَ الأَْذَانُ أَصْلًا لِلإِْعْلاَمِ بِالصَّلاَةِ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ يُسَنُّ الأَْذَانُ لِغَيْرِ الصَّلاَةِ تَبَرُّكًا وَاسْتِئْنَاسًا أَوْ إِزَالَةً لِهَمٍّ طَارِئٍ

_________

(١) حديث: أنس " الدعاء لا يرد. . " رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان وأخرجه أبو داود والترمذي واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح (تلخيص الحبير ١ / ٢١٣، وسنن الترمذي ١ / ٤١٦ مطبعة مصطفى الحلبي) .

(٢) منتهى الإرادات ١ / ١٣٠، والمغني ١ / ٤٢٦ - ٤٢٧، ومغني المحتاج ١ / ١٤٠، والمهذب ١ / ٦٥، ومنح الجليل ١ / ١٢١، والحطاب ١ / ٤٤٢، والبدائع ١ / ١٥٥، وابن عابدين ١ / ٢٦٥ - ٢٦٦

وَالَّذِينَ تَوَسَّعُوا فِي ذِكْرِ ذَلِكَ هُمْ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالُوا: يُسَنُّ الأَْذَانُ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ حِينَ يُولَدُ، وَفِي أُذُنِ الْمَهْمُومِ فَإِنَّهُ يُزِيل الْهَمَّ، وَخَلْفَ الْمُسَافِرِ، وَوَقْتَ الْحَرِيقِ، وَعِنْدَ مُزْدَحِمِ الْجَيْشِ، وَعِنْدَ تَغَوُّل الْغِيلاَنِ وَعِنْدَ الضَّلاَل فِي السَّفَرِ، وَلِلْمَصْرُوعِ، وَالْغَضْبَانِ، وَمَنْ سَاءَ خُلُقُهُ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ، وَعِنْدَ إِنْزَال الْمَيِّتِ الْقَبْرَ قِيَاسًا عَلَى أَوَّل خُرُوجِهِ إِلَى الدُّنْيَا.

وَقَدْ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الأَْحَادِيثِ مِنْهَا مَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ (١)، كَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ (٢) . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ (٣) . . " إِلَخْ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ مَسْأَلَةَ الأَْذَانِ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ فَقَطْ وَنَقَل الْحَنَفِيَّةُ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَلَمْ يَسْتَبْعِدُوهُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّ مَا صَحَّ فِيهِ الْخَبَرُ بِلاَ مُعَارِضٍ مَذْهَبٌ لِلْمُجْتَهِدِ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، وَكَرِهَ الإِْمَامُ

_________

(١) حديث أبو رافع: " رأيت رسول الله. . . " رواه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح والعمل عليه (تحفة الأحوذي ٥ / ١٠٧، مطبعة الفجالة) .

(٢) أم الصبيان: تابعة الجن، أي من يتبع الإنس من الجن للإيذاء، وحديث: " أذان من ولد. . . " رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، والبيهقي قال المناوي: إسناده ضعيف (تحفة الأحوذي ٥ / ١٠٧، مطبعة الفجالة، وفيض القدير ٦ / ٢٣٨)

(٣) حديث أبي هريرة: " إن الشيطان. . . " متفق عليه (اللؤلؤ والمرجان ص ١١٤)

مَالِكٌ هَذِهِ الأُْمُورَ وَاعْتَبَرَهَا بِدْعَةً، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ نَقَل مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ ثُمَّ قَالُوا: لاَ بَأْسَ بِالْعَمَل بِهِ (١) .

إِذْخِرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْذْخِرُ نَبَاتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - لاَ يَحِل قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ الَّذِي نَبَتَ دُونَ تَدَخُّل الإِْنْسَانِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الإِْذْخِرُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُهُ (٣)، لاِسْتِثْنَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِل لأَِحَدٍ قَبْلِي وَلاَ لأَِحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ، قَال الْعَبَّاسُ:

_________

(١) نهاية المحتاج ١ / ٣٨٣، وتحفة المحتاج بهامش الشرواني ١ / ٤٦١، وكشاف القناع ١ / ٢١٢، وابن عابدين ١ / ٢٥٨، والحطاب ١ / ٤٣٣ - ٤٣٤

(٢) لسان العرب، والنهاية لابن الأثير مادة: (إذخر)

(٣) مغني المحتاج ١ / ٥٢٨، طبع مصطفى البابي الحلبي، وحاشية قليوبي ٢ / ١٤٢، طبع مصطفى البابي الحلبي، والفتاوى الهندية ١ / ٢٥٣، طبع بولاق، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢١٨، طبع بولاق الأولى، وجواهر الإكليل ١ / ١٩٨، طبع مطبعة عباس، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣٤٩، طبع المنار الثالثة.

إِلاَّ الإِْذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَال: إِلاَّ الإِْذْخِرَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا (١) . وَإِذَا جَازَ قَطْعُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ فَإِنَّ هَذَا الاِسْتِعْمَال يُشْتَرَطُ أَلاَّ يَكُونَ فِي التَّطَيُّبِ (٢) .

وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَجِّ فِي بَابِ مَا يُحْظَرُ فِي الْحَرَمِ مِنَ الصَّيْدِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

إِذْكَارٌ

انْظُرْ: ذِكْرٌ

أُذُنٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الأُْذُنُ: بِضَمِّ الذَّال وَسُكُونِهَا، عُضْوُ السَّمْعِ، وَهُوَ مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْل اللُّغَةِ.

وَإِذَا كَانَتِ الأُْذُنُ عُضْوَ السَّمْعِ، فَإِنَّ السَّمْعَ هُوَ إِدْرَاكُ الأَْصْوَاتِ الْمَسْمُوعَةِ (٣) وَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا.

_________

(١) متفق عليه واللفظ للبخاري. انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ٣ / ١٦٦، طبع المطبعة البهية المصرية وشرح النووي لصحيح مسلم ٩ / ١٢٧، طبع المطبعة المصرية.

(٢) فتح الباري ٣ / ١٦٦

(٣) الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص ٨١ طبع دار الآفاق الجديدة - بيروت.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ، وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٢ - الأُْذُنُ عُضْوُ السَّمْعِ، وَفِي الْجَسَدِ مِنْهُ اثْنَتَانِ فِي الْعَادَةِ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامٌ هِيَ:

أ - يُطْلَبُ الأَْذَانُ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ الْيُمْنَى، وَالإِْقَامَةُ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى، لِيَكُونَ الأَْذَانُ بِمَا فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ أَوَّل مَا يَقْرَعُ سَمْعَهُ (١)، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ بِذَلِكَ، وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ هَذَا غَالِبًا فِي الأَْذَانِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى الْمَوَاطِنِ الَّتِي يُسَنُّ فِيهَا الأَْذَانُ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الأُْضْحِيَةِ عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى الْعَقِيقَةِ.

ب - يَرَى الْفُقَهَاءُ عَدَمَ إِبَاحَةِ سَمَاعِ الْمُنْكَرِ، وَيَرَوْنَ وُجُوبَ كَفِّ السَّمْعِ عَنْ سَمَاعِهِ، حَتَّى إِذَا مَرَّ الْمَرْءُ بِمَكَانٍ لاَ مَنَاصَ لَهُ مِنَ الْمُرُورِ فِيهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ، وَضَعَ أَصَابِعَهُ فِي آذَانِهِ لِئَلاَّ يَسْمَعَ شَيْئًا مِنْهَا. كَمَا فَعَل ابْنُ عُمَرَ ﵁، فَقَدْ رَوَى نَافِعٌ قَال: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ صَوْتَ مِزْمَارِ رَاعٍ فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَعَدَل رَاحِلَتَهُ عَنِ الطَّرِيقِ وَهُوَ يَقُول: يَا نَافِعُ أَتَسْمَعُ؟ فَأَقُول: نَعَمْ، فَيَمْضِي، حَتَّى قُلْتُ: لاَ، فَرَفَعَ يَدَهُ وَعَدَل رَاحِلَتَهُ إِلَى الطَّرِيقِ وَقَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ سَمِعَ زَمَّارَةَ رَاعٍ فَصَنَعَ مِثْل هَذَا (٢) .

ج - وَإِذَا كَانَتِ الأُْذُنُ غَيْرَ السَّمْعِ وَهِيَ آلَتُهُ، فَإِنَّ

_________

(١) تحفة المودود في أحكام المولود ص ١٧ ط مطبعة الإمام وحاشية القليوبي ٤ / ٢٥٦ ط مصطفى البابي الحلبي، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٥٨، ط بولاق الأولى، والمغني ٨ / ٦٤٩ طبع المنار الثالثة.

(٢) نيل الأوطار ٨ / ١٠٠ طبع المطبعة العثمانية المصرية وعزاه إلى الإمام أحمد وأبي داود وابن ماجه وإسناده صحيح (المسند بتحقيق شاكر ٦ / ٢٤٥)